عربي
Sunday 26th of May 2019
  26
  0
  0

وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)

وفاة النبي ( صلَّى الله عليه وآله )

إعداد :

قسم المقالات في مؤسَّسة الإمامين الحسنين ( عليهما السلام ) *

لمَّا قَفَلَ النبي ( صلَّى الله عليه وآله ) راجعاً من مكَّة إلى المدينة المنوَّرة ، بدأت صحته تنهار يوماً بعد يوم ؛ فقد أَلَمَّ به المرض ، وأصابته حُمّىً مبرحة ، حتى كأنَّ به لَهَباً منها .

وهرع المسلمون إلى عيادته ، وقد خَيَّم عليهم الأسى والذهول ، فازدحمت حجرته بهم ، فنعى ( صلَّى الله عليه وآله ) إليهم نفسه ، وأوصاهم بما يضمن لهم السعادة والنجاة ، قائلاً : ( أيُّها الناس ، يوشك أن أُقبَضَ قَبضاً سريعاً فينطلق بي ، وقدمت إليكم القول معذرة إليكم ، أَلاَ إني مُخَلِّفٌ فيكم كتاب الله عزَّ وجلَّ وعترتي أهل بيتي ) .

ثمَّ أخذ ( صلَّى الله عليه وآله ) بيد وَصِيِّه وخليفته من بعده ، الإمام علي ( عليه السلام ) ،  قائلاً لهم : ( هَذا عَلِيٌّ مَعَ القُرآن ، والقُرآنُ مَعَ عَلِيٍ ، لا يفترقان حتى يَرِدَا عَلَيَّ الحوض ) .

رَزِية يوم الخميس :

لقد استَشفَّ الرسول ( صلَّى الله عليه وآله ) من التحرُّكات السياسية التي صدرت من أعلام صحابته ـ كما في سَريَّة أُسَامة ـ أنَّهم يبغون لأهل بيته ( عليهم السلام ) الغوائل ، ويتربّصون بهم الدوائر ، وأنَّهم مجمعون على صرف الخلافة عنهم .

فرأى ( صلَّى الله عليه وآله ) أن يصون أُمَّته من الزيغ ويحميها من الفتن ، فقال ( صلَّى الله عليه وآله ) : ( اِئتُوني بالكَتفِ والدَوَاة ؛ أكتبُ لَكُم كِتاباً لَن تَضِلُّوا بَعدَهُ أَبَداً ) ، فَرَدَّ عليه أحدهم : حسبنا كتاب الله .

ولو كان هذا القائل يحتمل أنَّ النبي ( صلَّى الله عليه وآله ) سوف يوصي بحماية الثغور أو بالمحافظة على الشؤون الدينية ، لَمَا رَدَّ عليه بهذه الجُرأة ، ولكنّه عَلم قصد النبي ( صلَّى الله عليه وآله ) من النص على خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) .

واشتدَّ الخلاف بين القوم ، فطائفة حاولت تنفيذ ما أمر به رسول الله ( صلَّى الله عليه وآله ) ، وطائفة أخرى أصرّت على معارضتها خوفاً على فوات مصالحها . وبدا صراع رهيب بين القوم ، وكادت أن تفوز الجبهة التي أرادت تنفيذ ما أمر به الرسول ( صلَّى الله عليه وآله ) ، لكن انبرى أحدهم فَسَدَّدَ سهماً لما رامه النبي ( صلَّى الله عليه وآله ) فقال : إنّ النبي لَيَهجُر !!

فقد أنسَتْهم الأطماع السياسية مقام النبي ( صلَّى الله عليه وآله ) ، الذي زَكَّاه الله وعَصَمَهُ من الهَجر وغيره ممَّا يُنقِص الناس . أَوَلم يسمعوا كلام الله تعالى يُتلَى عليهم في آناء الليل وأطراف النهار ، وهو يُعلن تكامل النبي ( صلَّى الله عليه وآله ) وتوازن شخصيته ، فقد قال تعالى : ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدَيدُ القُوَى ) ( النجم : 2 ـ 5 )  ، وقال تعالى : ( إِنَّهُ لَقَولُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ) ( التكوير : 19 ـ 22 ) .

فإنّ القوم قد وَعَوا آيات الكتاب في حَقِّ نَبِيِّهم ( صلَّى الله عليه وآله ) ، ولم يُخَامرهم شَكٌّ في عِصمَتِه وتكامل شخصيته ؛ لكنّ الأطماع السياسية دفعتهم إلى هذا الموقف الذي يَحِزُّ في نفس كل مسلم .

وكان ابن عباس إذا ذَكَر هذا الحادث الرهيب يبكي حتى تسيل دموعه على خدَّيه ، ويُصعِد آهاتَه ويقول : يوم الخميس وما يوم الخميس ؟!! .

حَقاً إنَّها رزية الإسلام الكبرى ، فقد حيل بين المسلمين وبين سعادتهم وتقدُّمهم في ميادين الحق والعدل .

إلى جنّة المأوى :

وقد آن الوقت لتلك الروح العظيمة ، التي لم يخلق الله نظيراً لها فيما مضى من سالف الزمن وما هو آتٍ ، أن تفارق هذه الحياة ، لِتَنعَم بِجِوار الله ولطفه .

فَهبط جبرائيل على النبي ( صلَّى الله عليه وآله ) فقال له : ( يَا أَحمَدْ ، إِنَّ اللهَ قَدِ اشتَاقَ إِلَيكَ ) ، فاختار النبي ( صلَّى الله عليه وآله ) جِوارَ رَبِّهِ ، فأذِن لملك الموت بقبض روحه العظيمة .

ولمَّا علم أهل البيت ( عليهم السلام ) أنّ النبي ( صلَّى الله عليه وآله ) سيفارقهم في هذه اللحظات ، خَفّوا إلى توديعه ، فجاء السبطان الحسن والحسين ( عليهما السلام ) وألقيا بأنفسهما عليه ( صلَّى الله عليه وآله ) وهما يذرفان الدموع ، وكان النبي ( صلَّى الله عليه وآله ) يُوسِعُهما تقبيلاً .

فعندها أراد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أن يُنَحِّيهِمَا ، أبى النبي ( صلَّى الله عليه وآله ) وقال له : ( دَعْهُمَا يَتَمَتَّعَانِ مِنِّي وأَتَمَتَّعُ مِنهُمَا ، فَسَتُصِيبهُمَا بَعدِي إِثْرَة ) .

ثمَّ التفت ( صلَّى الله عليه وآله ) إلى عُوَّادِهِ فقال لهم : ( قَدْ خَلَّفْتُ فيكم كتابَ الله وعترتي أهل بيتي ، فَالمُضَيِّع لِكِتَابِ الله كَالمُضَيِّع لِسُنَّتِي ، وَالمُضَيِّع لِسُنَّتِي كالمُضَيِّع لِعَترَتِي ، إِنَّهُمَا لَن يَفترِقَا حَتى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ ) .

وقال لِوصيِّه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( ضَعْ رأسي في حِجرِكَ ، فقد جَاءَكَ أمرُ الله ، فإِذا فاضت نَفسي فتناوَلْهَا وامسح بها وجهَك ، ثُمَّ وَجِّهْني إلى القبلة وَتَولَّ أمرِي ، وَصَلِّ عَلَيَّ أوَّل النَّاس ، وَلا تُفَارِقني حتى تُوَارينِي في رمسي ، وَاستَعِنْ بِاللهِ عَزَّ وَجلَّ ) .

فأخذ أمير المؤمنين رأس النبي ( صلَّى الله عليه وآله ) فوضعه في حجره ، وَمَدَّ يَدَه اليمنى تحت حَنَكَه ، وقد شَرعَ مَلك الموت بقبض روحه الطاهرة والرسول ( صلَّى الله عليه وآله ) يُعاني آلامَ الموتِ وشِدَّةَ الفَزَع ، حتى فاضَتْ روحُهُ الزكيَّة ، فَمَسحَ بِهَا الإِمَامُ ( عليه السلام ) وجهه .

ووجم المسلمون وطاشت أحلامهم ، وعَلاهُم الفزع والجزع والذعر ، وهَرعت نساء المسلمين وقد وَضعْنَ أزواج النبي ( صلَّى الله عليه وآله ) الجَلابِيب عن رؤوسهن يلتطمن صدورهن ، ونساء الأنصار قد ذَبُلَت نفوسُهُن من الحزن وهُنَّ يضرِبْنَ الوجوه ، حتى ذُبِحَت حُلوقَهُنَّ من الصيَاح .

وكان أكثرُ أهل بيته ( صلَّى الله عليه وآله ) لوعة وأشَدُّهم حزناً بضعتَهُ الطاهرة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ، فقد وقعت على جثمانه ( صلَّى الله عليه وآله ) وهي تبكي أَمَرَّ البكاء وأقْسَاه ، وهي تقول : (  وا أبتاه ، وا رسول الله ، وا نبي الرحمتاه ، الآن لا يأتي الوحي ، الآن ينقطع عنا جبرئيل ، اللّهم الحق روحي بروحه ، واشفعني بالنظر إلى وجهه ، ولا تحرمني أجره وشفاعته يوم القيامة ) .

تجهيزه ( صلَّى الله عليه وآله ) :

تَولَّى الإمام علي ( عليه السلام ) تجهيز النبي ( صلَّى الله عليه وآله ) ولم يشاركه أحد فيه ، فقام ( عليه السلام ) في تغسيله ( صلَّى الله عليه وآله ) وهو يقول : ( بِأَبي أنتَ وأُمِّي يا رسول الله ، طِبْتَ حَياً وَمَيِّتاً ) .

وبعدما فرغ ( عليه السلام ) من غُسله ( صلَّى الله عليه وآله ) أدَرجَهُ في أكفانه ووضعه على السرير .

الصلاة عليه ( صلَّى الله عليه وآله ) :

وأوَّل مَن صلَّى على الجثمان المقدّس هو الإمام علي ( عليه السلام ) ، وأقبل المسلمون للصلاة على جثمان نَبِيِّهم ، وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) واقف إلى جانب الجثمان ، وهو يقول : ( السَّلامُ عَليكَ أَيُّهَا النَّبي ورحمة الله وبركاته ، اللَّهُمَّ إنا نَشهدُ أَنَّهُ : قد بَلَّغ ما أُنزِلَ إِليه ، وَنَصحَ لأُمَّتِه ، وجاهد في سبيل الله حتى أعزَّ اللهُ دينَه وتَمَّت كلمتُه ، اللَّهُمَّ فَاجْعَلنا مِمَّن يتبع ما أُنزِل إليه ، وثَبِّتنَا بعده ، واجمَعْ بيننا وبينَه ) .

وكان الناس يقولون : ( آمين ) .

دفنه ( صلَّى الله عليه وآله ) :

وبعد أن فرغ المسلمون من الصلاة على الجثمان العظيم ، وودّعوه الوداع الأخير ، قام الإمام علي ( عليه السلام ) فوارى الجثمان المقدّس في مثواه الأخير ، ووقف على حافة القبر ، وهو يروي ترابه بماء عينيه ، وقال بصوت خافت حزين النبرات : ( إنَّ الصبر لَجَميل إلاّ عنك ، وإنَّ الجزع لَقَبيح إلاّ عليك ، وإنَّ المُصابَ بك لَجَليل ، وإِنَّه قَبلَكَ وبَعدَكَ لَجَلَل ) .

وكانت وفاته ( صلَّى الله عليه وآله ) في ( 28 ) من صفر 11 هـ ، فإنَّا لله وإنّا إليه راجعون .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* إعداد وتحرير قسم المقالات في شبكة الحسنين (عليهما السلام ) للتراث والفكر الإسلامي ، والمقال مقتبس بتصرف يسير من : كتاب "حياة الإمام الحسين بن علي ( عليهما السلام ) " ، الشيخ باقر شريف القرشي  ، ج 1 ، ط 1 ، مطبعة الآداب ـ النجف الأشرف  ، 1394 ـ 1974 م  .

  26
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      الحادي عشر من شعبان..ذكرى ميلاد شبيه رسول الله (ص) علي ...
      علي الأكبر (ع) يجسد الكرم والشجاعة
      كلمات في حق علي الأكبر (ع)
      أوصاف علي الأكبر عليه السلام وصفاته
      زيارة عاشُوراء
      في زياراتِ الحُسين (عليه السلام) المخصُوصة
      محمد (ص) المثل الاعلى
      محمد إنسان الكلمة
      وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)
      مؤشّرات نبويّة.. إلى الخلافة العَلَويّة

 
user comment