عربي
Monday 17th of December 2018
  16
  0
  0

فارِسيّة التشيُّع

فارِسيّة التشيُّع

هذا موضوع من المواضيع التي كثر الحديث حولها، وهي في واقعها تكوّن جزءاً من محاصرة التشيّع كما سبق أن ألمعت لذلك . إنّ خصوم الشيعة ومن تبعهم من المستشرقين وكل يضرب على وتر يستهدفه، جعلوا هذه القضية من الاُمور المسلّمة، وضلع تلامذتهم في ركابهم، وحشّدوا كل وسائلهم لترسيخها في الأذهان، فما تركوا وسيلة لإثبات أنّ التشيّع فارسيّ شكلا ومضموناً إلاّ وأخذوا بها، مع تفاهة هذا المدّعى كما سنرى، والغريب أنّ هذه الفِرية تعيش للآن مع وضوح الرؤية، وانتشار المعارف، وانكشاف الحقائق، وسأبحث هذا الموضوع مفصّلا نظراً لأهميته .
إنّ التشيّع في معناه اللغوي: المناصرة والموالاة.
وبالمعنى الاصطلاحي: هو الاعتقاد بأفكار معينة يشكّل مجموعها مضمون التشيّع، فكيف والحالة هذه أن نتصوّر كون التشيّع فارسياً؟
وحتى نستوعب النقاط المتصورة في هذا الموضوع لابُدّ من شرح اُمور ننتهي معها إلى مقدار ما في هذا الادعاء من نسبة علمية أو تهريج، فلابدّ من ذكر اُمور:
أولا: أنّ المضمون الفكري للتشيع هو نفس المضمون الإسلامي، وأي مضمون يشذّ عن المضمون الإسلامي في العقيدة والأحكام فالشيعة منه براء، بدليل أنَّ مصادر التشريع عند الشيعة هي أربعة، أذكرها لك على التوالي:

 

أ ـ الكتاب الكريم:

وهو ما اُنزل بمضامينه وألفاظه واُسلوبه واعتبر قرآناً، وهو هذا المجموع بين الدفتين المتداول بأيدي المسلمين، المنزّه عن النقص والتحريف، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمتواتر بكلماته وحروفه بالتواتر القطعي من عهد النبوّة حتى يومنا هذا، وقد جُمع على عهد النبيّ بوضعه الحالي، وكان جبرئيل يعرضه على النبيّ(صلى الله عليه وآله)كلّ عام([1]) .

 

ب ـ السنّة الشريفة:

وهي قول المعصوم وفعله وتقريره الواصلة إلينا بالطريق الصحيح عن الثقات العدول، والتي لا يتمّ لنا الوصول إلى ملابسات الأحكام بدونها، والتي جاء دليل حجّيتها من القرآن الكريم بقوله تعالى:(وَمَا ءاتَيكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَيكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)([2]) .

 

ج ـ الإجماع:

الذي يكشف ضمناً عن قول المعصوم، سواء قلّ المجمِعون أم كثروا، وسواء كان دليلا مستقلاًّ مقابل الكتاب والسنّة والعقل، أم أنّه طريق وحاك عن رأي المعصوم، وأدلة حجّيته مفصلة في الكتاب والسنّة والعقل .

 

د ـ دليل العقل:

ويرجع إليه وإلى قواعده عند فقدان النصوص، أو تعارض الأدلة في تفصيل لا  داعي لشرحه هنا، وملخصه: هو إدراك العقل بما هو عقل للحسن والقبح في بعض الأفعال، الملازم لإدراكه تطابق العقلاء عليه، وذلك ناتج من تأدّب العقل بذلك، وبما أنّ الشارع سيدالعقلاء فقد حصل إدراك حكم الشارع قطعاً، وليس وراء القطع حجة .
ونظراً لأهمية التعرف على تفصيل هذه المصادر، فإنّي اُحيل من يريد التوسع في فهمها واستيعاب معانيها إلى مجموعة من المصادر الآتية([3]) .
إنّ هذه المصادر التشريعية هي المكونات العضوية لهيكل الشريعة الإسلامية باتفاق جمهور المسلمين على اختلاف بسيط في بعض تفاصيلها، ولمّا كانت هي مصادر التشريع عند الإمامية فما معنى وصف التشيّع بالفارسية؟
إذا كان الباحثون في التشيّع يقصدون من الفارسية مضمون التشيّع الفكري
ـ وهذا ما أستبعده ـ فإنّه لا يمكن أن يقول به قائل، إذ لا يتصور أنّ إنساناً يفترض لأحكام شرعية نوعاً من العرقية، وعليه فلا بدّ من استبعاد هذا الفرض من فارسية التشيّع والرجوع إلى فروض اُخرى في هذا الموضوع يفترضها الباحثون .
هناك فرض آخر لتصور فارسية التشيّع، هو أنّ هناك مفاهيم معينة بالحضارة الفارسية انتقلت إلى التشيّع بمعناه الاصطلاحي عن طريق مَنْ اعتنق التشيّع من الفرس، ولم يستوعب التشيّع كل أبعادهم، فجاء من تصور هذه المعتقدات جزءاً من ماهية التشيّع، وبقيت هكذا يتداولها خلف عن سلف . وهذا الفرض قد صرّح به أكثر من باحث كما سأذكره لك بعد قليل . وفيما يخص هذه الصورة وهذا الفرض لابدّ من الإشارة لاُمور .
_________________________
[1] . الفصول المهمة لشرف الدين : 163 ، والبيان للخوئي : 197 .
[2] . الحشر : 7 .
[3] . الاُصول العامة للفقه المقارن: 279 ـ 300 ، وانظر اُصول الفقه للمظفر : 3/338 فصاعداً ، والبيان للسيد الخوئي، مبحث صيانة القرآن عن التحريف .

  16
تعداد بازدید
  0
تعداد نظرات
  0
امتیاز کاربران
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

      السيد المسيح رسول الفضيلة والسلام
      السيد طاهر (ع)
      بعض مرويات السيد عبد العظيم الحسني
      مكانة السيد عبد العظيم الحسني- العلمية
      المبيت في منى
      الحجّ في موكب التأريخ
      أهمية القرائن في تحديد المقصود من صيغ العموم
      حديث ضياع أحكام الشريعة المقدسة - دلالة الحديث - لفت نظر
      ثقات الإسلام
      امیرالمؤمنين علي عليه السلام افضل من الانبياء

 
user comment