عربي
Tuesday 21st of November 2017
code: 88263
موقف الصحابة

إن المنظومة الحقوقية الإلهية التي جاء بها الإسلام، ما هي في مجملها وحقيقتها، وبكل جوانبها إلا خطة إلهية متكاملة، أعدت بإحكام، ووضعت خصيصا لترشيد الجنس البشري للأقوم، ولإسعاده في الدارين، وهي بطبيعتها وبحكم تكوينها الإلهي قائمة على الجزم واليقين، بعكس المنظومات الحقوقية الوضعية المبنية أصلا على الافتراض والتخمين. ومما يؤكد الثقة المطلقة بهذه المنظومة أنها لم تبق مجرد قواعد نظرية، إنما شقت طريقها إلى عالم التطبيق، ونقلت من النظر إلى العمل، ومن الكلمة إلى الحركة، وبالتصوير الفني البطئ، عبر دعوة قادها النبي صلی الله عليه وآله وسلم بنفسه، تمخضت عن دولة ترأسها النبي صلی الله عليه وآله وسلم نفسه، ونتيجة تطبيق هذه المنظومة، تكونت خير أمة أخرجت للناس، وقامت أعظم دولة عرفتها البشرية، وهي دولة النبي صلی الله عليه وآله وسلم .
والنبي الكريم على فراش الموت، وبعيد انتقاله إلى جوار ربه بدأت سلسلة من التداعيات والإنهيارات السياسية واقعيا، وبدأت معها عمليات التعتيم والتظاهر بالسلامة، والتستر على هذه الإنهيارات، ظنا من أرباب تلك العمليات أنها قد تعطي الفرصة لإيقاف تلك الإنهيارات، فلا يسمع بها أحد، ولا يشمت بالدين وأهله شامت، ولكن الإنهيارات لم تتوقف، بل توالت عبر التاريخ، ومهد الانهيار إلى انهيار، حتى تحول النظام السياسي في الإسلام إلى هيكل عظمي لم يبق له من الإسلام إلا الاسم، حيث اختفى وانهار نهائيا بسقوط آخر سلاطين بني عثمان، واستفاق المسلمون من ذهولهم، فإذا بالأمة الواحدة أمم ممزقة، تحيا الحيرة والضياع، فلو أرادت أن تتحد لما عرفت، كيف تتحد - كما يقول العقاد في ميزانه، وإذا بدولة الإسلام الواحدة دول، وإذا بحمى الإسلام يتحول إلى مائدة تتداعى فيها الأمم، والعالم من حولنا تتحكم به شريعة الغاب، وقد أنشبت المادية أظافرها في ذاته فأدمتها، يجري وراء السراب، يتوهم أنه اكتشف العلاج الذي يوقف النزيف، ويحاول أن يجر إليه البشرية جرا، تحت شعار الرحمة وإكراه المريض على تناول العلاج. وبينما الطبول تصدر أنغام الفرح والمسرة، يكتشف العالم أن الذي تصوره علاجا كان وهما، وليس انهيار العقيدة الشيوعية ببعيد.
لماذا حدثت الإنهيارات ؟ لماذا توالت ؟ حتى حولت النظام السياسي الإسلامي إلى هيكل عظمي وأخرجته عن معناه وصورته، ثم أتت عليه ورفعته من واقع الحياة بعد أن أبطلت مفعول المنظومة الحقوقية الإلهية وحرمت الجنس البشري من التداوي بعلاج الإسلام ومن الانتفاع بمنظومته ؟ أين يكمن سبب ذلك كله ؟ من المحال عقلا أن يكون سبب كل هذه البلايا والمحن من المنظومة الحقوقية ذاتها، لأنها من صنع الله الذي أتقن كل شئ خلقه!
إذن، فمن المؤكد أن السبب في كل ذلك يكمن في الذين قادوا التاريخ السياسي الإسلامي وصنعوه، أو في الأمة التي اشتركت معهم في صناعة هذا التاريخ وإخراجه، أو بالاثنين معا!
الأحزاب الدينية العربية التي تولت قيادة موكب التقليد الأعمى، وتاجرت بالآلام، وخلطت كل الأوراق لغاية في نفس يعقوب، تحاول بكل قواها أن تلقي بروع الناس، أن فهم هذه الأحزاب للإسلام هو الإسلام بعينه، وأنه لا فرق بين فهمها للإسلام وبين الإسلام، فهما وجهان لعملة واحدة، مع أن الإسلام من صنع الله، وفهم الأحزاب للإسلام من إنتاجها، كما تحاول بكل قواها أن تثبت للناس بأن التاريخ السياسي الإسلامي الذي صنعه البشر من بعد وفاة النبي صلی الله عليه وآله وسلم وحتى سقوط آخر سلاطين بني عثمان هو عينه النظام السياسي الإسلامي الذي أنزله الله على عبده لترشيد الحركة السياسية للمجتمع البشري، وهي جادة في ما تقول وجادة فيه، مع أنها بعملها هذا قد خلطت الفهم بالمفهوم، وقدمت التابع على المتبوع، والفرع على الأصل، واستبدلت المنظومة الحقوقية الإلهية بالاجتهادات التي نشأت في ظلالها، ولم تتكلف الأحزاب الدينية العربية بذلك، إنما ضاق صدرها بالرأي الإسلامي المخالف، وحاولت بكل الوسائل أن تخنقه، وهي مع ذلك تدعي الانفتاح على الفكر العالمي، وتعد بإعطاء الحرية له ولأربابه ليعرضوا فكرهم في الوقت الذي تخنق فيه هذه الأحزاب الرأي الإسلامي المعارض لها، وتمنع أصحابه من التصريح به، فكيف يصدق بربك العالم ادعاءات هذه الأحزاب بالإنفتاح ؟
هكذا قدمت الأحزاب الدينية العربية الإسلام للعالم الحديث، فالإسلام الذي جاء لينقذ الجنس البشري كله، ويتسع به كله، ويشبع حاجاته وآماله كلها، يضيق على أبنائه ويضيق حتى بهم!! ذلك مبلغهم من العلم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
وبهذا البحث المتواضع حاولت جهدي إثبات أن ما أنزله الله شئ، وأن فهمنا له شئ آخر، وأن الإنهيارات التي بدأت بعد وفاة النبي صلی الله عليه وآله وسلم ، وتوالت حتى اقتلعت النظام السياسي الإسلامي من واقع الحياة، لم تكن بسبب علة في الدين، ولا لنقص أو خطأ في منظومته الحقوقية الخالدة، إنما بسبب المسلمين الذين بدلوا نعمة الله وأعمالهم لما تهوى الأنفس، بدلا من حكم الله، وهنا يكمن جذر البلاء، ومن هنا المنطلق نحو الله.
وتأصيلا وتجذيرا وتسهيلا لاستيعاب هذا البحث، فقد قسمته إلى أربعة أبواب، عالجت في الباب الأول مفهوم الصحبة، وفي الباب الثاني كشفت الجذور التاريخية لهذا المفهوم، أما الباب الثالث فقد وضحت فيه المرجعية في الإسلام، ونظرا لارتباط مبدأ المرجعية بالقيادة السياسية، فقد تناولت في الباب الرابع القيادة السياسية في الإسلام، وسيكتشف القارئ المتمعن أن هذه المواضيع الأربعة تتشابك مع بعضها تشابكا عضويا يتعذر فصله، وفي كل موضوع من هذه المواضيع سقت رأي أهل السنة باعتباره رأيا إسلاميا، قاد أصحابه الأمة الإسلامية طوال التاريخ، بعد أن استخرجته من مصادر أهل السنة المعتبرة، ثم سقت رأي أهل الشيعة، باعتباره رأيا إسلاميا تولى مهمة المعارضة طوال التاريخ الإسلامي، بعد أن استمزجت هذا الرأي من مصادر أهل الشيعة.
وبعد ذلك وضعت تحت تصرف عشاق الحقيقة الشرعية المجردة حكم الشرع في كل موضوع من تلك المواضيع.
فجاء البحث وحيد زمانه شكلا وموضوعا ومنهجية، وحسب علمي القاصر، فإنه لأول مرة في العصر الحديث يتم تناول هذا الموضوع من قبل عربي من أهل السنة بهذا الشمول والتكامل والموضوعية، وبهذا الحجم من المعلومات والمراجع.
ولم أخف ولائي لآل محمد خاصة، ولبني هاشم عامة، ومن يلمني بولائي لهم وهم الثقل الأصغر والقرآن هو الثقل الأكبر، والهداية لا تدرك إلا بهما معا، والضلالة لا يمكن تجنبها إلا بهما معا كما هو ثابت في النصوص الشرعية القاطعة، وكيف يلمني لائم وهم سفن النجا، ونجوم الأمان والهدي في كل ليل كما هو ثابت في النص، وهم الحل، فالنبي هو القاسم المشترك بين المسلمين، وحصر القيادة والولاية في أولاده تطييب لنفوس الجميع، وانتزاع لجذور الطمع بها من نفوس الجميع، ونبذ التنافس عليها مما يؤدي إلى الاستقرار، ناهيك عن فضل القرابة الطاهرة على الإسلام، فهم الذي حموا النبي ومنعوه، وهم الذين حاصرتهم كل قبائل العرب مجتمعة وبلا استثناء ثلاث سنين في شعاب أبي طالب، وللعرب مطلب واحد وهو أن يسلم الهاشميون محمدا، أو أن يخلوا بينه وبين العرب ليقتلوه، ولو استجاب الهاشميون لأحد هذين المطلبين لما قامت للإسلام قائمة، ولقتل النبي صلی الله عليه وآله وسلم كما قتل غيره من الأنبياء، فضلا عن جهاد الهاشميين الذي لا ينكره أحد، وتضحياتهم التي لا تخفى على أحد. هذا غيض من فيض من مبررات ولائي وشغفي، فمن يلمني بعد ذلك ؟

مفهوم الصحبة والصحابة
أ - في قواميس اللغة
الأصحاب، الصحابة، صحب، يصحب صحبة " بالضم " وصحابة " بالفتح "، صاحب أي عاشر، رافق، جالس، انقاد، شايع. والصاحب هو المعاشر أو المنقاد، أو المجالس أو المشايع، أو المرافق، أو القائم على الشئ، أو الحافظ له. ويطلق أيضا على كل من تقلد مذهبا، فيقال: أصحاب الإمام جعفر (عليه السلام)، وأصحاب أبي حنيفة. وأصحاب الشافعي.... الخ. يقال:
اصطحب القوم أي صحب بعضهم بعضا، واصطحب البعير أي انقاد له (1).
ب - في القرآن الكريم
الله تبارك وتعالى أنزل الكتاب قرآنا عربيا، وهو بوجه من وجوهه المرجع اليقيني الأوحد للغة العربية، لأنه كلام الله العالم علما يقينا بأدق خفايا هذه اللغة وأعمق أسرارها.
وبتلاوتنا للقرآن الكريم، نجد أنه قد اشتمل على كلمات: " تصاحبني، وصاحبهما وصاحبه، وصاحبته، وأصحاب، وأصحابهم ". وأن هذه الكلمات تكررت بمجموعها في القرآن الكريم (97) مرة.
ومن المثير للانتباه، أننا لم نعثر في القرآن الكريم كله على لفظ لكلمتي (صحابة / بالفتح / أو صحبة / بالضم).
ج - استقراء الآيات لصالح المعنى اللغوي
وباستقرائنا لتلك الكلمات نجد أنها تشكل تغطية كاملة للمعاني اللغوية التي أشرت إليها في الفقرة السابقة (أ).
فالصحبة يمكن أن تأخذ وجها أو صورة واحدة ويمكن أن تأخذ وجوها أو صورا متعددة، ويمكن أن يكون لها وجه أمثل يشمل كل نواحي الخير، وقد يكون لها وجه أبشع يشمل كل نواحي الشر.
د - وجوه أو صور الصحبة
فقد تكون بين مؤمن ومؤمن ، وقد تكون بين ولد ووالدين مختلفين بالاعتقاد وقد تكون بين رفيقي سفر وقد تكون بين تابع ومتبوع وقد تكون بين مؤمن وكافر وقد تكون شمولية على الشر بين كافر وكافرين وقد تكون بين نبي وقومه الكافرين النبي يحاول أن يشدهم نحو الخير وهم يحاولون إعادته إلى حظيرة الشر وقد تكون الصحبة اضطرارية وقد تكون صحبة أثر فيقتدي فاسد بفعل فاسد وينسج على منواله وقد تكون الصحبة انقيادا لعقيدة إلهية وولاء مطلق لقيادتها السياسية كانقياد الآل الكرام للعقيدة الإلهية وولائهم المطلق لقيادة النبي السياسية وتضحياتهم الجسام، وكانقياد وولاء الصفوة الصادقة من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله). فمحور الصحبة (بالضم) محور شمولي يرتكز على عقيدة وقيادة وأهداف ومثل عليا يسعى القائد وأصحابه لتحقيقها وسيادتها على مجتمع معين.
2 - معنى الصحابة اصطلاحا
يقول ابن حجر العسقلاني الشافعي بالحرف: " الصحابي من لقي النبي (صلى الله عليه وآله) مؤمنا به ومات على الإسلام " (2).
أ - توضيح ابن حجر لهذا التعريف
1 - فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت.
2 - من روى عنه أو لم يرو.
3 - من غزا معه أو لم يغز.
4 - من رآه ولو لم يجالسه.
5 - من لم يره لعارض كالعمى.
ويخرج بقيد الإيمان " مؤمنا به "
1 - من لقيه مؤمنا بغيره كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة.
2 - وهل يدخل من لقيه منهم وآمن بأنه سيبعث، أو لا يدخل محل احتمال، ومن هؤلاء بحيرة الراهب ونظراؤه.
3 - ويدخل في قولنا مؤمنا به كل مكلف من الجن والإنس.
4 - وإنكار ابن الأثير على أبي موسى تخريجه لبعض الجن الذين عرفوا في كتاب الصحابة فليس بمنكر.
5 - وقال ابن حزم: من ادعى الإجماع فقد كذب على الأمة فإن الله تعالى قد أعلمنا أن نفرا من الجن آمنوا وسمعوا القرآن من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهم صحابة.
6 - الملائكة محل نظر، وقد نقل الإمام فخر الدين الرازي في " أسرار التنزيل " الاجماع على أنه (صلى الله عليه وآله) لم يكن مرسلا إلى الملائكة، ونوزع في هذا النقل بل رجح الشيخ تقي الدين السبكي أنه كان مرسلا إليهم واحتج بأشياء.
7 - وخرج بقولنا " ومات على الإسلام " من لقيه مؤمنا به ثم ارتد ومات على دينه والعياذ بالله من ذلك عدد يسير كعبيد الله بن جحش الذي كان زوجا لأم حبيبة، فإنه أسلم معها وهاجر إلى الحبشة فتنصر ومات على نصرانيته، وكعبد الله بن خطل الذي قتل وهو متعلق بأستار الكعبة.
8 - ويدخل فيه من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت سواء اجتمع به (صلى الله عليه وآله وسلم) مرة أخرى أم لا. وهذا هو الصحيح المعتمد والشق الأول لا خلاف في دخوله. وأبدى بعضهم في الشق الثاني احتمالا وهو مردود لإطباق أهل الحديث على أن ابن قيس من الصحابة وعلى تخريج أحاديثه في الصحاح والمسانيد وهو من ارتد ثم عاد للإسلام في خلافة أبي بكر.
ب - تقييم ابن حجر لهذا التعريف
هذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل ومن تبعهما. ووراء ذلك أقوال آخرين شاذة كقول من قال: لا يعد صحابيا إلا من وصف بأحد أوصاف أربعة:
1 - من طالت صحبته.
2 - أو حفظت روايته.
3 - أو ضبط أنه قد غزا معه.
4 - أو استشهد بين يديه. وكذلك من اشترط في صحة الصحبة بلوغ الحلم أو المجالسة ولو قصرت. وأطلق جماعة أن من رأى النبي (صلى الله عليه وآله) فهو صحابي، وهو محمول على من بلغ سن التمييز، إذ من لم يميز لا تصح نسبة الرؤية إليه، وعندما يراه النبي صلی الله عليه وآله وسلم فيكون صحابيا من هذه الحيثية ومن حيث الرؤية يكون تابعيا. وهل يدخل من رآه ميتا قبل أن يدفن كما وقع لأبي ذؤيب الهذلي الشاعر إن صح محل نظر والراجح عدم الدخول.
ج - وسائل معرفة الصحابة
أن يثبت بطريق التواتر أنه صحابي ثم بالإستفاضة والشهرة، ثم أن يروي عن أحد من الصحابة أن فلانا له صحبة مثلا، وكذلك عن آحاد التابعين بناء على قبول التزكية من واحد وهو الراجح، ثم بأن يقول هو إذا كان ثابت العدالة: أنا صحابي.
أما الشرط الأول وهو العدالة فجزم به الآمدي وغيره لأنه قوله قبل أن تثبت عدالته:
أنا صحابي، أو ما يقوم مقام ذلك يلزم من قبوله قوله إثبات عدالته، لأن الصحابة كلهم عدول فيكون بمنزلة القائل أنا عدل وذلك لا يقبل.
وفوق ذلك المعاصرة فيعتبر بمضي مائة سنة وعشر سنين من هجرة النبي صلی الله عليه وآله وسلم . ومن هنا لم تصدق الأئمة من ادعى الصحبة بعد الغاية المذكورة، وقد ادعاها جماعة فكذبوا لأن الظاهر كذبهم في دعواهم، ومن لا تعرف حاله إلا من نفسه فمقتضى كلام الآمدي أن لا تثبت صحبته.
د - كل الشعب صحابة
من المجمع عليه أن الدعوة المحمدية تمخضت عن الدولة المحمدية التي قادها النبي صلی الله عليه وآله وسلم بنفسه قرابة عشر سنين، أرسى خلالها قواعد النظام السياسي الإسلامي وبين عقيدة الإسلام بيانا كاملا من خلال نقل النص من النظر إلى التطبيق على كل صعيد، ومن خلال إبراز روحها العامة.
ومن المتفق عليه دستوريا أن مقومات الدولة - أية دولة - على الاطلاق تتكون من: 1 - شعب 2 - إقليم يستقر فوقه هذا الشعب 3 - سلطة تسوس هذا الشعب.
وإذا أخذنا بالتعريف الذي أورده ابن حجر العسقلاني للصحابة فإن المعول لينال شرف الصحبة ويكون صحابيا هو:
1 - الالتقاء بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله) سواء أكان هذا الالتقاء عن طريق المجالسة أو المحادثة أو المشاهدة. فمن شاهد النبي أو شاهده النبي فهو صحابي حتى ولو كان طفلا رضيعا لأن المشاهدة لا تنسب له إنما تنسب للنبي نفسه.
2 - الإيمان بالنبي أنه نبي، فلو أخذنا برأي ابن حجر العسقلاني لوجب علينا أن نتأكد من حقيقة هذا الإيمان، وهذا أمر خارج عن قدرة البشر، وكان على ابن حجر العسقلاني أن يقول: مؤمنا به أو متظاهرا بالإيمان به. فعبد الله بن أبي زعيم المنافقين قولا واحدا هو من الصحابة بالإجماع. فقد قال النبي صلی الله عليه وآله وسلم لمن أشار بقتله: " فلعمري لنحسنن صحبته ما دام بين أظهرنا " (3).
و عبد الله بن أبي سرح كان يكتب لرسول الله ثم افترى على الله الكذب، وأباح الرسول صلی الله عليه وآله وسلم دمه ولو تعلق بأستار الكعبة. وعند فتح مكة تشفع له عثمان ودخل في الإسلام لينجو بروحه.... وهو صحابي شاء الناس أم أبوا (4).
ومثله الحكم بن العاص طريد رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم إذ طرده الرسول وحرم عليه دخول المدينة، وبوفاة الرسول راجع عثمان أبا بكر ليدخله لكن أبا بكر رفض، ولما مات أبو بكر راجع عثمان عمر ليدخل ولكن عمر رفض أيضا أن يدخله المدينة في عهده، ولما تولى عثمان الخلافة أدخله معززا مكرما وأعطاه مئة ألف درهم لأنه صحابي. وباختصار فلا يشترط بالشخص حتى يكون صحابيا أن يكون مؤمنا حقيقة بالنبي بل يكفي أن يتظاهر بالإيمان وأن يموت على هذا الإيمان أو على هذا التظاهر به، لأن النبي لا يعنى بالبواطن إنما يكلها إلى الله.
ومن هنا، ومن خلال دعوة النبي ومن خلال دولته وغزواته ، ومن خلال بيعة الناس له، والحج والعمرة وفتح مكة وحجة الوداع خاصة، وسيطرة دولته الكاملة على الجزيرة العربية أتيحت الفرصة للجميع للإلتقاء به لم يبق في مكة ولا الطائف أحد في السنة العاشرة إلا أسلم وشهد مع النبي حجة الوداع، ومثل ذلك قول بعضهم في الأوس والخزرج أنه لم يبق منهم أحد في آخر عهد النبي إلا ودخل في الإسلام، وما مات النبي وواحد منهم يظهر الكفر " حتى الأطفال صاروا صحابة " على سبيل الالحاق لغلبة الظن على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) رآهم لتوفر دواعي أصحابه على إحضارهم أولادهم عنده عند ولايتهم ليحنكهم ويسميهم ويبرك عليهم. والأخبار بذلك كثيرة: " كان النبي يؤتي بالصبيان فيبرك عليهم " " ما كان يولد مولود إلا أتي به النبي ".
فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الفوارق قد أزيلت تماما بين الحاكم والمحكوم في دولة النبي، وأنه كان يمشي في الشارع وحده. ويقضي حاجته بنفسه، فكان بإمكان أي مواطن في الدولة الإسلامية أن يراه وأن يتكلم معه أو أن يحضر مجلسه مما جعل شعب دولة النبي كله صحابة بهذا المفهوم، بمعنى أن كل مواطني الدولة قد التقوا بإمامهم ورئيس دولتهم أو شاهدوه أو سمعوه فيه أو جالسوه.
الفرق الإسلامية الأخرى تتفق مع أهل السنة من حيث المعنيين اللغوي والاصطلاحي، ولكنهم يختلفون من حيث صفة العدالة، فبينما يعمم أهل السنة ويرون أن كل الصحابة بلا استثناء عدول ترى الفرق الإسلامية الأخرى أن العدالة لها مستلزمات شرعية ومواصفات موضوعية. فمن توفرت فيه تلك المستلزمات والمواصفات فهو العدل، ومن لم تتوفر فيه فليس بعدل، ولديهم أدلة من الكتاب والسنة والمنطق .
المصادر :
1- لسان العرب لجمال الدين محمد بن مكرم بن منظور ج 1 ص 915. وتاج اللغة لإسماعيل بن حماد الجوهري ص 161 - 162. وتاج العروس لمحمد مرتضى الحسيني الزبيدي ج 3 ص 186. والمعجم الوسيط لإبراهيم مصطفى ورفقاه ج 1 ص 509 - 510. والقاموس المحيط للفيروز آبادي مجدي بن محمد يعقوب. ومختارات الصحاح لأبي بكر الرازي ص 356.
2- الإصابة في تمييز الصحابة لأحمد بن علي بن محمد بن علي الكناني العسقلاني الشافعي المعروف بابن حجر ص 10.
3- الطبقات لابن سعد ج 2 ص 56 .
4- المعارف لابن قتيبة ص 131 و 141.

user comment
 

آخر المقالات

  مکاتبات علي عليه السلام ومعاوية
  سد الابواب الا باب ابو بکر
  التاريخ السياسي الاسلامي
  الدرس الحسيني ووظيفة الأجيال
  الثقافة الحسينية والشعر العاشورائي
  العمق العقائدي لعاشوراء
  نجاح الانقلاب وتقويض الشرعية
  موقع الامام علي عليه السلام وموقع معاوية
  رسالة الی ابي وامي
  أهل الذمة في عصر الأمويين