عربي
Sunday 7th of June 2020
  322
  0
  0

ملحمة الصدوق الروائية(1)

قال الصدوق: حدثنا أبي ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنهما قالا: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا من حضر موت الحسن بن علي بن محمد العسكري عليهم السلام ودفنه، ممن لا يوقف على إحصاء عددهم ولا يجوز على مثلهم التواطؤ بالكذب:(2)
وبعد فقد حضرنا في شعبان سنة ثمان وسبعين ومائتين، وذلك بعد مضيّ أبي محمد الحسن بن عليّ العسكري عليهما السلام بثماني عشرة سنة أو أكثر مجلس أحمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وهو عامل السلطان يومئذ على الخراج والضياع بكورة قم، وكان من أنصب خلق الله وأشدهم عداوة لهم، فجرى ذكر المقيمين من آل أبي طالب بسرّ من رأى ومذاهبهم وصلاحهم وأقدارهم عند السلطان، فقال أحمد بن عبيد الله: ما رأيت     ولا عرفت بسرّ من رأى رجلاً من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا عليهم السلام، ولا سمعت به في هديه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته والسلطان وجميع بني هاشم، وتقديمهم إياه على ذوي السنّ منهم والخطر، وكذلك القواد والوزراء والكتّاب وعوام الناس.
إذعان رجال الدولة لجلالة الإمام العسكري عليه السلام
..فإني كنت قائماً ذات يوم على رأس أبي وهو يوم مجلسه للناس إذ دخل عليه صحبه فقالوا له: إنّ ابن الرضا على الباب، فقال بصوت عال: ائذنوا له، فدخل رجلٌ أسمرٌ أعينٌ حسن القامة، جميل الوجه، جيد البدن حدث السنّ، له جلالة وهيبة، فلما نظر إليه أبي قام فمشى إليه خطى ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم ولا بالقواد ولا بأولياء العهد، فلما دنا منه عانقه وقبّل وجهه ومنكبيه وأخذ بيده فأجلسه على مصلاّه الذي كان عليه، وجلس إلى جنبه، مقبلاً عليه بوجهه، وجعل يكلمه ويكنيه، ويفدّيه بنفسه وبأبويه، وأنا متعجب مما أرى منه إذ دخل عليه الحجاب فقال: الموفق قد جاء، وكان الموفق إذا جاء ودخل على أبي تقدّم حجابه وخاصة قواده فقاموا بين مجلس أبي وبين باب الدار سماطين إلى أن يدخل ويخرج.
فلم يزل أبي مقبلاً عليه يحدّثه حتى نظر إلى غلمان الخاصة فقال حينئذٍ: إذا شئت فقم جعلني الله فداك يا أبا محمد، ثم قال لغلمانه: خذوا به خلف السماطين لكيلا يراه الأمير ـ يعني الموفق ـ فقام وقام أبي فعانقه وقبّل وجهه ومضى.
فقلت لحجّاب أبي وغلمانه: ويلكم من هذا الذي فعل به أبي هذا الذي فعل؟ فقالوا: هذا رجلٌ من العلوية يقال له: الحسن بن علي يعرف بابن الرضا، فازددت تعجباً.
فلم أزل يومي ذلك قلقاً متفكراً في أمره وأمر أبي ومارأيت منه حتى كان الليل، وكانت عادته أن يصلي العتمة، ثم يجلس فينظر فيما يحتاج إليه من المؤامرات وما يرفعه إلى السلطان..
ابن خاقان يصف الإمام عليه السلام وهو لسان حال الدولة والأمة جميعاً
..فلما صلى وجلس جئت فجلست بين يديه فقال: يا أحمد ألك حاجة؟ فقلت: نعم يا أبة إن أذنت سألتك عنها؟ فقال: قد أذنت لك يا بنيّ فقل ما أحببت، فقلت له: يا أبة من كان الرجل الذي أتاك بالغداة وفعلت به ما فعلت من الإجلال والإكرام والتبجيل، وفدّيته بنفسك وبأبويك؟
 فقال: يا بنيّ ذاك إمام الرافضة، ذاك ابن الرضا، فسكت ساعة فقال: يا بني لو زالت الخلافة عن خلفاء بني العباس ما استحقها أحدٌ من بني هاشم غير هذا، فإنّ هذا يستحقها في فضله وعفافه وهديه وصيانة نفسه وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه، ولو رأيت أباه لرأيت رجلاً جليلاً نبيلاً خيّراً فاضلاً..
رجال الدولة وقادتها على هذا الرأي كذلك:
.. فازددت قلقاً وتفكّراً وغيظاً على أبي مما سمعت منه فيه، ولم يكن لي همّة بعد ذلك إلاّ السؤال عن خبره، والبحث عن أمره.
فما سألت عنه أحداً من بني هاشم ومن القواد والكتاب والقضاة والفقهاء وسائر الناس إلّا وجدته عندهم في غاية الإجلال والإعظام والمحلّ الرفيع والقول الجميل والتقديم له على جميع أهل بيته ومشايخه وغيرهم، وكلٌ يقول: هو إمام الرافضة.
فعظم قدره عندي، إذ لم أر له ولياً ولا عدوّا إلاّ وهو يحسن القول فيه والثناء عليه..
جعفر في نظر السلطة ورجالاتها:
..فقال له بعض أهل المجلس من الأشعريين: يا أبا بكر فما خبر أخيه جعفر؟ فقال: ومن جعفر فيسأل عن خبره، أيقرن به؟ إنّ جعفراً معلن بالفسق ماجن شريب للخمور، وأقل من رأيته من الرجال وأهتكهم لستره، فدمٌ خمار قليل في نفسه خفيف، والله لقد ورد على السلطان وأصحابه في وقت وفاة الحسن بن علي عليهما السلام ما تعجبت منه وما ظننت أنه يكون..(3)
النظام إبّان شهادة الإمام العسكري عليه السلام وبحثه عن الإمام المهدي عليه السلام
.. وذلك أنه لما اعتلّ بعث إلى أبي أن ابن الرضا قد اعتل، فركب من ساعته مبادراً إلى دار الخلافة، ثم رجع مستعجلاً ومعه خمسة نفر من خدّام أمير المؤمنين كلهم من ثقاته وخاصته فمنهم نحرير.
وأمرهم بلزوم دار الحسن بن علي عليه السلام وتعرف خبره وحاله، وبعث إلى نفر من المتطببين فأمرهم بالاختلاف إليه وتعاهده صباحاً ومساءً.
فلما كان بعد ذلك بيومين جاءه من أخبره أنه قد ضعف، فركب حتى بكّر إليه، ثم أمر المتطببين بلزومه وبعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه، وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممن يوثق به في دينه وأمانته وورعه، فأحضرهم فبعث بهم إلى دار الحسن عليه السلام وأمرهم بلزوم داره ليلاً ونهاراً.
 فلم يزالوا هناك حتى توفي عليه السلام لأيام مضت من شهر ربيع الأول من سنة ستين ومائتين.
فصارت سرّ من رأى ضجة واحدة ـ مات ابن الرضا ـ وبعث السلطان إلى داره من يفتشها ويفتش حجرها، وختم على جميع ما فيها وطلبوا أثر ولده، وجاؤوا بنساء يعرفن بالحبل، فدخلن على جواريه فنظرن إليهن، فذكر بعضهنّ أن هناك جارية بها حمل فأمر بها فجعلت في حجرة ووكل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم، ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئته. وعطّلت الأسواق وركب أبي وبنو هاشم والقواد والكتاب وسائر الناس إلى جنازته عليه السلام فكانت سرّ من رأى يومئذ شبيهةً بالقيامة..
النظام يحاول دفع تهمة اغتياله للإمام عليه السلام بطرقه الرسمية الباطلة
.. فلما فرغوا من تهيئته بعث السلطان إلى أبي عيسى بن المتوكل فأمره بالصلاة عليه، فلما وضعت الجنازة للصلاة دنا أبو عيسى منها، فكشف عن وجهه، فعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية، والقواد والكتاب والقضاة والفقهاء والمعدّلين وقال: هذا الحسن بن علي بن محمد ابن الرضا مات حتف أنفه(4) على فراشه حضره من خدم أمير المؤمنين وثقاته فلان وفلان، ومن المتطببين فلان وفلان، ومن القضاة فلان وفلان، ثم غطّى وجهه وقام فصلى عليه(5) خمساً وأمر بحمله من وسط داره.
________________________
[1] تعد الرواية هذه إحدى المستفيضات التي تعارف عليها علماء الإمامية في تأريخ فترة الإمامين العسكري والمهدي عليهما السلام، فقد تكفلت كتب الغيبة وغيرها نقل الرواية والاهتمام بها كونها مصدراً مهماً في تأريخ هذه الفترة. (8) ظاهر كلامه قدس سره عدّها من المتواترات.
[2] إكمال الدين وإتمام النعمة: 42.
[3] والنظام بهذه الطريقة يؤكد تورطه في اغتيال الإمام عليه السلام، إذ محاولة تبرئته من تصفية الإمام بأنه مات حتف أنفه إشارة إلى ما اعتاده الناس ارتكازاً في أذهانهم أن أئمة أهل البيت عليه السلام يكون مصيرهم المحتوم على يد النظام كما أن مثل عمر الإمام عليه السلام غير متعارف عادةً أن يموت حتف أنفه لولا تدخّل محاولات خارجية لاغتياله، وبهذا فضح النظام نفسه في تدبيره لمحاولة الاغتيال وتصفية الإمام بطرقٍ معهودة لدى الأمة سلفاً.
[4] الصلاة على الإمام عليه السلام كانت من قبل ولده المهدي عليه السلام في روايات كثيرة، وهذه الصلاة التي أشارت إليها الرواية هي صلاة رسمية يزاولها النظام كمحاولاتٍ تشريفية رسمية وليس أكثر من ذلك ودفن في البيت الذي دفن فيه أبوه عليه السلام.

  322
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

    فصل الدين عن السياسة
    الامام الهادي عليه السلام قدوة
    سكرات الموت وشدة نزع الروح
    التحضير للثورة
    تعظيم العلماء للإمام الصادق عليه السلام
    عظمة وشموخ السيدة زينب
    الحریة والإخوة والمساواة
    تفسيره للقرآن
    تفتح القابليات‏
    دعاء ادریس

 
user comment