عربي
Thursday 8th of December 2022
0
نفر 0

الفتنة الجنسية

الفتنة الجنسية

يعتبر الزنا من كبائر الذنوب، الموجبة لغضب الله تعالى وغيرته، والجالبة للهلاك والدمار الشامل، لما فيها من الاعتداء على حق الله تعالى، وانتهاك حرمة الفرج الحرام؛ إذ هو في الشريعة أعظم جُرماً من انتهاك حرمة الأموال.
ومع كون الزنا علاقة جنسية محرَّمة بين ذكر وأنثى، يستويان فيها أمام الشريعة في مبدأ المُؤاخذة والمحاسبة: فإن الفتيات المنحرفات ألصق بهذه الجريمة الخلقية من غيرها من الجرائم، وأكثر تورطاً فيها من الذكور، ولهذا يُعد وصف البغاء وصفاً في كتابه العزيز إلى هذا المعنى حين قدَّم خاصاً بالمرأة الفاجرة، وقد أشار المولى ذكر الزانية على الزاني في إقامة الحد.
وقد شهدت المجتمعات المعاصرة ولاسيما غير المسلمة -بنسب مرتفعة- انتشارفاحشة الزنا بصور لم يسبق لها مثيل في التاريخ خاصة بين الفتيات، حيث تعيش75 %- ` من الإناث يُنجبن من الشابات مع رجال دون عقود زواج، وما بين 50أطفالاً خارج نطاق الزواج، وفي تقرير للمعهد الوطني الفرنسي للأبحاث الديموغرافية أن 40 % من نسب الولادات تتم خارج نطاق الحياة الزوجية، وقد كشفت دراسة أجريت في بعض دول أوروبا عام 1992 م أن 99 % من الإناث يفقدن بكارتهن بوصولهن سن السابعة عشر، بل إن البكر دون السادسة عشرة يندر وجودها في بعض هذه البيئات الاجتماعية المنحرفة، ومن أعجب ما يُروى في هذا الشأن: أن طفلاً "ترك اسم أبيه ناقصاً في الاستمارة المدرسية، وقد أفاد الطفل بأنه غير متأكد ممن عساه أن يكون أباه … وعندما حضرت الأم إلى المدرسة، أظهرت شدَّة أسفها لأنها هي أيضاً لم تكن متأكدة من اسم والد الطفل، ولم تُظهر أي ارتباك في ذكر هذا الأمر".
وقد نتج عن هذا الوضع العالمي المنحرف: توسع الفتيات الهائل في علاقاتهن وممارساتهن الجنسية لتشمل حتى المحارم من الذكور، وتصل ببعضهن الغواية الجنسية إلى حد الاحتراف، بحيث يقعن تحت سلطان شبكات الدعارة العالمية أوالمحلية المنظمة، فتصبح إحداهن كالأمة المُسْترقة لا خلاص لها، في الوقت الذي يتَّفق فيه العالم على محاربة البغاء، وتجمع كل الدول على منع الرِّق بصوره المختلفة؛ خاصة ما يُسمى بالرقيق الأبيض، الذي تُمْتلك فيه الفتاة الحرة معنوياً للقوَّادين، يستذلُّونها جسدياً بهدف الربح المادي، كما كان الفجَّار في عصر الجاهلية يستخدمون الإماء، وهذا النوع من الرق المعنوي أقبح -في الحقيقة- من الرق الحسي، الذي يعرفه صاحبه، ويسعى فيه لخلاص نفسه.
ولئن كانت المتاجرة بأعراض النساء أو ما يسمى بالبغاء التجاري أمراً قديماً فإنه في هذا العصر أوسع من ذي قبل، وأكثر شيوعاً، فقد ارتبط بالحياة الحضارية، وأصبح ظاهرة من ظواهرها المعتادة، ولاسيما في الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي شهدت توجهاً عالمياً صريحاً، ومتزايداً نحو نشر المعرفة الجنسية، والتسامح في العلاقات المحرمة بين الجنسين، حتى إن ألمانيا اعترفت مؤخراً بالبغاء، واعتبرته مهنة رسمية كسائر المهن الأخرى.
إن العالم الإسلامي المعاصر لم يكن بمنأى عن هذه الانحرافات الجنسية بصورها المختلفة: فإن ظهور الزنا نبوءةٌ صادقة، وتتبُّع سَنَنِ أهل الكتاب سبيل هذه الأمة المحتوم، فما من انحراف عندهم -أيا كان نوعه- إلا كان للأمة نصيب منه حتى زنى المحارم، وقد شهد واقع المجتمعات الإسلامية المعاصر صوراً مشابهة –بنسب مختلفة- تطابق - إلى حدٍّ ما- جميع أنواع الانحرافات الجنسية في المجتمعات الكافرة، حتى إن الأمة الإسلامية اليوم لا تنتظر من أنواع الانحرافات الجنسية المتوقَّعة في ديارها إلا التسافد في الطرق، وافتراش النساء فيها، اللذين أخبربوقوعهما المعصوم عليه الصلاة والسلام.
وتتَّضح المشكلة بصورة أوضح بالنسبة للعالم الإسلامي حينما تسجل الإحصائيات الرسمية أن جريمة الاختلاء المحرّم بين رجل وامرأة تأتي ثاني الجرائم الأخلاقيةمن جهة الترتيب في المملكة العربية السعودية، التي تُعد أكثر دول العالم محافظة وأمناً، مما ينبه إلى خطر داهم، ويشير إلى نسب في دول أخرى عربية وإسلامية تفوق هذه كماً وكيفاً.
وقد لاحظ الباحثون أن العوامل التي تدفع الفتاة للوقوع في فاحشة الزنا بأنواعها وأساليبها المختلفة ترجع غالباً إلى ثلاثة أنواع من العوامل:
عوامل اجتماعية: من حيث تفريط المجتمع في المبادئ والقيم الأخلاقية، من خلال إشاعة الفواحش والتحريض عليها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وتعطيل حدود الله تعالى، مما يجرِّئ المنحرفين على الوقوع في الفواحش، إلى جانب ضعف مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يجد المنحرفون في المجتمع من يردعهم عن الوقوع في الانحرافات، أو على الأقل ينصحهم بترك الخطأ، والالتزام بالآداب والأحكام الشرعية.
عوامل أسرية: من حيث تحلُّل الروابط العائلية، وكثرة المنازعات الوالدية، وسوء التربية بضياع القيم الدينية والأخلاقية، والقسوة الأبوية المفرطة، مع فقدان الرقابة الأسرية الواعية على سلوك الفتيات ، إلى جانب ظروف الأسرة الاقتصادية المُختلَّة، التي تُلْجئ الفتاة بقسْوتها -في بعض الأحيان- إلى الاتجار بجسدها في المجتمع، وتدفعها داخل الأسرة للاحتكاك الجسدي بمحارمها، إذ لا تستطيع الأسرة الفقيرة لضيق المكان: أن تطبِّق آداب الاستئذان، ومبدأ التفريق بين البالغين في المضاجع، فضلاً عن تطبيقها هذا الأدب الإسلامي مع الأطفال المقاربين للبلوغ.
عوامل شخصية: من حيث طبيعة الفتاة العدوانية، ورغبتها في الاستقلال عن الأسرة، وبلوغ حدِّ الرشد، والاطمئنان من خلال احتكاكها بالجنس الآخر على كمال نموها الأنثوي، وقدرتها على الحمل، مع اشتداد جوعها العاطفي، وافتقارها إلى الحب، ورغبتها في الاستمتاع الشهواني، إلى جانب إخفاق الحياة الزوجية، والحقدعلى عنصر الرجال، وضعف مستوى الإدراك العقلي، وشعور بعضعهن بالاحتقار الاجتماعي، والرغبة في مزيد من الكماليات المادية، فلئن كان هناك نسبة من محترفات البغاء سلكن هذا الطريق المنحرف بسبب الفقر: فإن نسبة كبيرة منهن سلكنه لمجرد الرغبة في الرفاهية المادية، وتحسين وضع أسرهن الاقتصادي، والمنافسة مع القرينات، ولما يحملنه في نفوسهن من الفسق والفجور، حتى إن بعضهن يدخلنه تطوعاً بلا إكراه، ولا يرغبن العدول عنه، فتندفع إحداهن بطيشها، وفجورها في مهاوي الرذائل والقبائح الخلقية.
إن هذه العوامل المتعددة رغم أهمية بعضها وخطورته، وضرورة إشباعها: لا يمكن أن تكون عذراً كافياً لوقوع الفتاة في مهاوي الفاحشة والرذيلة؛ فإن الإسلام لا يُجيز للفتاة المسلمة -تحت أي ظرف- أن تُمكِّن بإرادتها رجلاً من نفسها، يستمتع بها بغيرحق وهي قادرة على دفعه، إلا أن تُغْلب على أمرها، فلا تستطيع شيئاً.
والواجب الشرعي يحتم على المجتمع والأسرة أن يقوم كلٌ بواجبه تجاه الفتاة، بما يحقق رغباتها، ويسد حاجاتها، ويحفظها من الانحراف ضمن الحدود الشرعية، وفي الجانب الآخر فإن الواجب الشرعي على الفتاة أن تلتزم بما أوجبه الله عليها من المحافظة على نفسها وعرضها، وأن تجاهد في هذا السبيل مستعينة بالله، سواء قام المجتمع والأسرة بواجباتهما تجاهها، أم لم يقوما، فإن تقصير المجتمع أو الأسرة في واجباتهما، لا يُعفي الفتاة من القيام بواجبها تجاه نفسها قدر استطاعتها.

حماية الفتاة من ورطة الشذوذ الجنسي

ترجع قضية شذوذ النساء الجنسي، أو ما يُسمى بالسحاق إلى قرون متقدمة، ابتداء حين انتشرت فيهن، حتى لحقت هذه الفعلة القبيحة غالب من نساء قوم لوط ذكورهم لأول مرة في التاريخ الإنساني، ثم تبعهم كثير من الأمم بعد ذلك، مقتدية بهم في اكتفاء الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، خاصة من الشعوب الأوروبية المتعاقبة، عبر تاريخهم الطويل، حتى تورط في هذه الجريمة كثير من كبرائهم وساداتهم، رغم ممارسة السلطات الدينية -في ذلك الوقت- أشد أنواع العقوبات بحق الشاذين والمنحرفين جنسياً، ومع هذا فقد بقي المجتمع العربي -رغم جاهليته- محفوظاً بشهامته العربية، وأخلاقه الفطرية من انتشار هذه الرذيلة الخلقية.
واستمرت المجتمعات البشرية تتوارث هذه الفاحشة جيلاً بعد جيل مستنكرة لها، ومعاقبة أصحابها، حتى بدت لهؤلاء الشاذين قوىً تنظيمية مؤثرة، وتجمعات جماهيرية تُؤيِّد مذهبهم المنحرف، ونهجهم الجنسي الضال، فأخذوا يتنادون من خلال مبدأ الحرية الشخصية بحقِّهم في ممارسة العلاقات الجنسية المثلية، فأثَّروا في الرأي العام الذي بدوره أضعف من قوة السلطة القانونية والتنفيذية في مواجهة اندفاع هذا التيار الجنسي الشاذ، فما لبثت القوانين أن تغَّيرت، والمفاهيم أن تبدَّلت، حتى غدا الشاذون من الجنسين مقبولين اجتماعياً دون نكير، وأصبحت نظرة المجتمعات المنحرفة إلى قضية العلاقات المثلية على أنها خبرة تستحق التجريب، فخاضها كثير من الناس -تحت حماية القانون- بصورة كبيرة لم يسبق لها مثيل، وقد كان لليهود -كعادتهم في نشر القبائح- الدور الكبير وراء تشجيع مسلك الشذوذ الجنسي، ليصبح معترفاً به ضمن القوانين الوضعية، على الرغم من أنه محرم في شريعتهم؛ فقد كانوافي القديم يعاقبون عليه بقسوة.
ورغم أن انتشار هذه الفاحشة بين الذكور أكبر من انتشارها بين الإناث، ولاسيما الفتيات منهن في المجتمع المسلم؛ لكون مسلك الغواية الجنسية وانحرافاتها غالباً ما تأتي من جهة الذكور، إلا أن المشكلة -مع ذلك- في ازدياد مستمر، وأعداد المنحرفين والمنحرفات في المجتمعات المسلمة في تنامٍ خطير، وحقوقهم المزعومة تتَّجه نحوالقوة والتمكين، ولاسيما بعد دعاوى تحرير المرأة، واندفاع النساء نحو المساواة،وهذا من شأنه تقارب حجم الانحرافات بين الجنسين وتشابهها، وقد لُوحظ بالفعل في بعض المجتمعات الإسلامية المحافظة وجود بعض النساء بمظاهر ذكورية، مع انطماس معالمهن الأنثوية، مما ينذر بخطر ظهور الشذوذ الجنسي بين النساء في المجتمعات المحافظة.
إن موقف الشريعة الإسلامية -بل جميع الشرائع السماوية- يخالف موقف القوانين الوضعية في التعامل مع هذه الفاحشة، حيث اعتبرتها الشريعة محرمة بالإجماع،وأدخلتها في باب الزنا، وجعلتها ضمن كبائر الذنوب، حتى وإن لم يكن فيها حدُّ منصوص عليه، فقد أدَّب المجتمع المسلم النساء والفتيات المتعاطيات لهذه الفاحشة بما يردعهن عن التمادي فيها، كما أن عقوبة الله الكونية للمنحرفين من هذا الضَّرْب من الناس: لم تتخلَّف عن الشاذات في هذا العصر، حتى هلَكْن كما هلك أضْرابُهنَّ من الشاذين بمرض "الإيدز" المُحيِّر.
وقد ثبت يقيناً أن الدين الحق، ومسالك التدين هي العلاج الناجح لمثل هذه الشذوذات السلوكية، إذا لم يكن هناك خلل في أصل الخلقة ؛ إذ لا يُجدي في حل هذه المعضلةالنفسية الجنسية: الحقن بالهرمونات، ولا الصعْق بالكهرباء، ولا الاختلاط بالجنس الآخر -كما يُريده البعض- فإن غالب مواقع انتشار هذه الشذوذات الجنسية في الأوساط الاجتماعية التي تحبّذ الاختلاط بين الجنسين وتقرُّه.
إن جذور معضلة الشذوذ الجنسي عند الفتيات ترجع في أصل الأمر إلى البيئة الاجتماعية أكثر من رجوعها إلى أي سبب آخر، ومبدأ ذلك حين تتوجه الفتاة في فورة نموها الجنسي بالإعجاب المفرط، الممتزج بالعاطفة الهائمة نحو شخص من نفس الجنس، تتخذه -بصورة عفوية- موضوعاً جنسياً لها، في نفس الوقت الذي تحاول فيه إخفاء ميولها الطبيعية نحو الجنس الآخر الذي حالت بينها وبين الاقتران بأحدهم بصورة مشروعة الظروف الاجتماعية والاقتصادية القاهرة: فتُظْهر النفور من جنس الذكور عامة، وكل ما يتعلق بهم بصورة خاصة، وتُقْبل بالحب الفياض -مندفعة بعواطفها ورغباتها الغريزية- نحو زميلة مُتألِّقة تُصادقها، أو معلمة بارعة تُلازمها، وتبقى العلاقة بينهما إلى هذا الحد طبيعية ، ما لم تتعمق الصلات بينهما إلى حد الالتصاق الجسدي، والتلامس البدني، وكشف العورات وتناولها، فتتلبس حينئذ إحداهن بالسَّادية العدوانية، والأخرى بالمازوشية السلبية، وعندها تكون بداية الانحراف الأكبر بفقدان الفتاة لهويتها الجنسية.
إن نظام الإسلام التربوي عند معالجته مثل هذه الانحرافات الخلقية: يتناولها من مبادئ أصولها الانحرافية، فيقطع جذورها من أساسها، ويبني مكانها ما يتلاءم مع أهداف منهجه، وطهارة مسْلكه، ومن هنا: أمر ابتداء بالتفريق المطلق بين المراهقات في المضاجع، ونهى عن المباشرة بينهن بالأجساد، وأمرهن بستر العورات، وغض البصر عما يُتلذذ به وإن لم يكن عورة، وأباح -إلى جانب هذه الضوابط- الزواج المبكر كأوسع ما يكون؛ حتى تندفع شحنتا الفتاة النفسية والجنسية الناميتان نحو الجنس الآخر بصورة مشروعة؛ فإن العلاقة قوية بين ترك الزواج وبين شذوذ الفتيات الجنسي، وإضافة إلى هذه الضوابط والتوجيهات المتعددة فقد لعن الشارع الحكيم المسترجلات من الفتيات السَّاديات، المتشبهات بالرجال في أخلاقهن وسلوكهن، وأمر الفقهاء بحبسهن ليكتفي المجتمع شرهن، كما رفضت الشريعة مبدأوجود جنس ثالث غير الذكر والأنثى، بل حتى الخنثى فإنه يُغلَّب ليُلحق بأحد الجنسين، فليس في المجتمع الإنساني إلا ذكوراً أو إناثاً؛ كل ذلك حتى يبقى السلوك الجنسي محفوظاً بكل ملابساته الاستمتاعية في مساره الطبيعي، يُؤدي المهمة التناسلية -التي من أجلها رُكِّبت الشهوة- بكفاية تضمن بقاء النوع مسْتخْلَفاً في الأرض جيلاً بعد جيل.

ضرورة تطهير المجتمع من أسباب الفتنة الجنسية

إن من المسلَّم به: أن دافع الغريزة الجنسية من أقوى دوافع الإنسان، والغريزة بطبعها الفطري عمياء خادعة، لا تعرف التمييز بين النافع والضار، أو الحلال والحرام، إلا ما يُشبع نهمتها على أي وجه كان من الوجوه، كما أن درجة عنفها، وطبيعة أدائها لا تخضع لتطور الحياة الاجتماعية وتغيراتها المادية أو المعنوية؛ فإن أفعال الغريزة ثابتة لا تتغيَّر، والإنسان في كل عصر هو الإنسان -ذكوره وإناثه- لا تقبل غرائزه الخروج عن طبيعتها في تطور أو تجديد، وما زالت القضية الجنسية -بصفة خاصة- قضية الإنسان منذ العصور المتقدمة، ومحور كثير من اهتماماته ومعاناته، حتى إنها كانت في بعض الشعوب ميدان عبادة وتقديس، وقد سبق من خبرات الناس الصحيحة: أنه ما من "سبيل إلى نزع الأخلاق من شعب من الشعوب أنجع وأجدى من ترك شبيبته نهباً للغرائز دونما ضبط أو قيد"، فالسلامة من فتنة الشهوات: سلامة من نصف الشر، كما أن السلامة من فتنة الشبهات: سلامة من نصف الشر الآخر.
ومنهج التربية الإسلامية في تعامله مع الإنسان لا يكتفي بمجرد تحريم السلوك الخلقي المنحرف؛ بل يجْتثُّ من أول الأمر الأسباب المؤدية إليه، فيُطالب المجتمع ابتداء بتطهير مؤسساته كلها من أسباب الفتنة الجنسية، ومثيراتها الشهوانية؛ حتى يتوافر للأفراد، -بصورة عامة - المناخ الصحي الملائم لنمو وازدهار سلوكهم الخلقي السوي، وهذا لا يتحقق على الوجه الصحيح -خاصة في هذا العصر- إلا منخلال ثلاث وسائل رئيسة على النحو الآتي:
الوسيلة الأولى: تطهير وسائل الإعلام من أسباب الفتنة الجنسية: بهدف تحريرعنصر الإناث من سجن البيولوجية الجسدية، إلى رحاب الإنسانية الكاملة، وذلك من خلال كفِّ وسائل الإعلام بشعبها الثلاث: المرئية، والمسموعة، والمقروءة عن استهواء الفتيات بما تعرضه عبر المَشَاهد من صور الإغراء الجنسي المثير، وما تبثه عبر الأثير من السماع الفاحش الصاخب المحرك للطباع، وما تنشره عبر المطبوعات من الأدب الإباحي المكشوف، فإذا كان المجتمع صادقاً في حرصه على العفَّة التي يدَّعيها، وملتزماً بالقوانين الأخلاقية التي يتنادى بها: فكيف يفسر تنازله الشائن عن هذه القيم الأخلاقية بإباحة عرض أجساد الفتيات عارية في الأفلام ودورالرقص، وعبر المجلات المصورة، والإعلانات التجارية؟ ثم بعد ذلك يترك الفتاة الشابة في خضم هذا الزخم الإعلامي الفاحش المثير لتحلَّ هذه المعضلة الاجتماعية بنفسها: فتشاهد وتستمع وتقرأ - ومع ذلك- تبقى ضمن حدود الآداب والأخلاق الاجتماعية المرعية، وهذا من أشد أنواع التناقض الاجتماعي، الذي ترفضه أبسط مبادئ التربية، وتمجُّه أضعف العقول.
الوسيلة الثانية: تطهير المعرفة العلمية والثقافية من أسباب الفتنة الجنسية: بحيث تنسجم المعرفة التربوية بكل فعالياتها الفكرية والسلوكية مع منهج التربية الإسلامية، فلا يجد المربون في مناهج التربية ما يخالف مبادئ الإسلام، أو يتعارض مع أسلوبه في معالجة مشكلات الشباب الأخلاقية والسلوكية. إلا أن الناظر في مجال التربية وعلم النفس يجده ميداناً رحباً عند كثير من التربويين؛ يُؤصِّلون من خلاله أخطاء الشباب الجنسية والعاطفية، تحت ستار الدراسات النفسية والتربوية، كما يجد في مجال الثقافة والفكر من يُؤيِّد هذه الاتجاهات الجنسية السقيمة، ويدعمها بالحجة العقلية والمنطقية، ثم يجد بعد هذا في مجال التشريع الإسلامي من يتبرع –باسم الدين- لأسلمة هذه الأفكار والسلوكيات الجنسية المنحرفة، ويضْفي عليها ثوب الشرعية الدينية، ويُهوِّن على نفوس الشباب وضمائرهم أمر ارتكابها، إضافة إلى وجود قوى عالمية، ذات ثقل كبير تقف وراء عولمة بعض المصطلحات الجديدة، ضمن مفاهيم تتناسب معها، مثل: العائلة، الإجهاض، الحرية، الثقافة الجنسية.
إن منهج التربية الإسلامية بطبيعته الربانية المتميزة لا يقبل الشِّرْكة، فإما أن ينفرد بتربية الأجيال وفق نهجه وطبيعته الخاصة، وإما أن تتنازع التربية أهواء الذين لا يعلمون، من روَّاد العقد النفسية، والفتنة الجنسية.
الوسيلة الثالثة: تطهير المرافق العامة من أسباب الفتنة الجنسية: بحيث لا تجد الفتاة في الحياة الاجتماعية العامة ومناشطها المختلفة، الجادة منها والترفيهية: ما يُحرِّضها- بصورة من الصور- على ارتكاب الفواحش، أو يُثير غريزتها، أو يجعل من بدنها، أو صوتها من خلال تبرجها واختلاطها: أداة للإثارة الجنسية، والاستمتاع الباطل، فإن المباعدة بين أنفاس الذكور والإناث: دينٌ يُتَّبع، وإلزام الشواب من النساء بما وقع الخلاف في جواز كشفه من أبدانهن - فضلاً عن المجمع على ستره- حقٌ يُحتذى، ومسؤولية يقوم بها السلطان؛ فقد أثبتت التجربة الواقعية والتاريخية أن المجتمعات التي تلتزم فيها النساء الحجاب الكامل، والتي يقلُّ فيها الاحتكاك بين الجنسين: أنها مجتمعات سليمة من مظاهر وانحرافات السلوك الجنسي بأنواعها المختلفة.
إن هذه الوسائل الثلاث إذا راعاها المجتمع، وألزم بها مؤسساته المختلفة فغالباً ما تُدْرأ عن مثل هذا المجتمع أسباب الفتنة الجنسية، وتبقى قضية الجنس في حدودها الزوجية، ضمن نطاق الأسرة، تؤدي دورها في التناسل والتكاثر دون انحرافات خلقية، أو معاناة اجتماعية تُخرج أفراد المجتمع عن حدودهم الطبيعية.
المصدر : تحقيق راسخون 2015

source : راسخون
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

بكاء النبي (ص) على الحسين بسند صحيح
التعامل مع القرآن بين الواقع والمفروض
أنه لا يكون إمامان في زمان واحد إلا و أحدهما صامت
مجموعة من روايات حديث الغدير
دور الإمام الحسن العسكري (ع) السياسي
اختلاف المباني المهدوية مع نظرية المهدوية
دعاء الليلة السابعة
الدين والتراث
إصبر تفز بصفاء الدّين والدُنيا
أقسام المنهج

 
user comment