عربي
Saturday 5th of December 2020
  907
  0
  0

التعارف بین الشعوب

التعارف بین الشعوب

قبل الإسلام‌ کانت الشعوب‌ُ متفرّقة متناکرة ، بل‌ ومتصارعة متناحرة ،تتخاصم علی شاة وتتقاتل علی کلمة خرجت من هذا او ذاک تسود العصبیة والقومیة والطائفیة بین الشعوب والامم المختلفة فی بقاع الکون المختلفة وکان التفاخر باللغات والانساب والادیان المختلفة والمتباینة یعم المعمورة...
ولکن‌ سرعان‌َ ما حل‌ّ التعارف‌ُ محل‌ّ التناکر ، والتعاون‌ُ محل‌ّ التخاصم‌ ، والتواصل‌ محل‌ّ التدابر ، بفضل‌ بزوغ فجر الاسلام وتعالیمه السامیة التوحیدیّة ( یَا أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاکُم مِّن ذَکَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاکُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاکُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرٌ ) (1) ، فکانت‌ المحصّلة أن‌ ظَهرت‌ْ إلى الوجود تلک الأُمّة الواحدةُ العظیمة التی‌ قدّمت‌ ذلک العطاء الحضاری العظیم‌ ، کما وحَمَت‌ شعوبها من‌ کل‌ّ غاشم‌ وظالم‌ وصارت‌ تلک الأُمّة المحترَمةُ بین‌ شعوب‌ِ العالَم‌ وتلک الکتلة المُهابة فی عیون‌ الطغاة والجبّارین‌ .
ولم‌ یکن‌ لیتحقّق‌ ذلک ـ کله‌ ـ إلاّ بسبب‌ وحدتها ، وتواصُل‌ شعوبها الذی حصلت‌ْ علیه‌ تحت‌ مظلّةِ الإسلام‌ ، رغم‌ تنوع‌ِ الأجناس‌ ، واختلاف‌ِ الاجتهادات‌ ، وتعدّدِ الثقافات‌ وتباین‌ الأعراف‌ِ والتقالید ، إذ کان‌ یکفی الاتفاق‌ُ فی الأصول‌ والأسس‌ ، والفرائض‌ والواجبات‌ ، فالوحدةُ قوّة ، والفُرقة ضَعف‌ . (وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُکُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّکُمْ فَاتَّقُونِ )(2)
وجرى‌ الأمر على‌ هذا المنوال‌ حتّى‌ انقلب‌ التعارف‌ُ إلى تناکر ، والتفاهم‌ إلى تنافر ، وکفّرت‌ِ الجماعات‌ُ بعضها بعضاً ، وضربت‌ِ الفصائل‌ بعضها بعضاً فزالت‌ِ العزّةُ وتحطّمت‌ الشّوکة وسقطت‌ الهیبةُ واستخفّت‌ الطغاة بتلک الأُمّة الرائدة القائدة حتّى‌ جالت‌ فی ربوعها الثعالب‌ُ والذؤبان‌ ، وجاست‌ خلال‌ دیارها شذّاذُ الآفاق‌ وملاعین‌ الله ومغضوبو البشریّة ، فثرواتُها منهوبة ، ومقدّساتها مُهانة ، وأعراضها تحت‌ رحمة الفجّار ، وسقوطات‌ تلو سقوطات‌ ، وهزائم‌ُ اثر هزائم‌ ، وانتکاسات‌ فی الأندلس‌ وبخارى‌ وسمرقند وطاشقند وبغداد ، قدیماً وحدیثاً وفلسطین‌ وأفغانستان‌ . ( وَمَا کَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا کَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّکَ لَقُضِیَ بَیْنَهُمْ فِیمَا فِیهِ یَخْتَلِفُونَ) (3)
وإذا بهذه الامة تدعو فلا تُجاب‌ ، وتستغیث‌ُ فلا تُغاث‌ ، کیف‌َ والدّاء شی‌ء ، کما وان‌ّ الدواء شی‌ء آخر ، وقد أبى‌ الله أن‌ یجرى‌ الأُمور إلا بأسبابها ، ولا یصلُح‌ُ آخر أمرِ هذه‌ الأُمّة إلا بما صَلُح‌ به‌ أوّلها ؟
والیوم‌َ إذ تتعرّض‌ الأُمّة الإسلامیة لأبشع‌ حملة ضدّ کیانها ، وعقیدتها ولأشرس‌ هجمة ضدّ وحدتها ، من‌ خلال‌ إیجاد الخلل‌ فی تعایشها المذهبی ، والاجتهادی ، وتکاد هذه‌ الحملة تؤتی‌ ثمارَها وتُعطی نتائجها ، ألیس‌َ من‌ الحَری‌ّ بها بأن‌ تزید من‌ رص‌ّ الصفوف‌ وتمتین‌ العلاقات‌ ، وهی رغم‌ تنوّعها المذهبی تشترک فی الکتاب‌ والسنّة مصدراً ، وفی‌ التوحید والنبوّة والإیمان‌ بالآخرة عقیدةً ، وفی الصلاة والصیام‌ والحج‌ّ والزکاة والجهاد والحلال‌ والحرام‌ شریعةً ، وفی‌ مودّة النبی الأطهر وأهل‌ بیته‌ صلوات‌ الله علیهم‌ سهم‌ وِلاء ، ومن‌ أعدائهم‌ بَراء وقد تتباین‌ بعض‌ الشی‌ء فی هذا الأمر شدّةً وضعفاً ؟ فهی‌ کأصابع‌ الید الواحدة فی الانتهاء إلى مفصل‌ واحد ، وان‌ اختلفت‌ طولا وعرضاً وشَکلا بعض‌َ الشی‌ء ، أو هی‌ کالجَسَد الواحد فی تعدّد جوارحِه‌ من‌ جهة وتعاونها فی تفعیل‌ الدّورِ الجَسَدانی‌ّ فی الکیان‌ البشرى‌ّ من‌ جهة أخرى‌ مع‌ وجودِ الاختلاف‌ فی أشکالها .
ولا یبعدُ أن‌ تکون‌َ الحکمة فی تشبیه‌ الأُمّة الإسلامیة بالید الواحدة تارةً ، وبالجسد الواحد تارة أخرى‌ ، هی‌ الإشارة إلى هذه‌ الحقیقة .
لقد کان‌ العلماء من‌ مختلف‌ الفرق‌ والمذاهب‌ الإسلامیة سابقاً ، یعیشون‌ جنباً إلى جنب‌ من‌ غیر تنازع‌ أو صدام‌ ، بل‌ لطالما تعاونوا فیما بینهم‌ ، فشَرح‌ بعضهم‌ کتاب‌ الآخر کلامیّاً کان‌ أو فقهیّاً ، وتتلمّذ بعضهم‌ على‌ بعض‌ وأشاد البعض‌ُ بالآخر ، وأیّد بعضهم‌ رأى‌ الآخر ، وأعطى‌ بعضهم‌ اجازة الروایة للبعض‌ الآخر ، واستجاز بعضهم‌ البعض‌ لنقل‌ الروایة من‌ کتب‌ مذهبه‌ وطائفته‌ ، وصلّى‌ بعضهم‌ خلف‌َ الآخر ، وائتم‌َّ به‌ وزکّى‌ بعضهم‌ الآخر ، واعترف‌ بعضُهم‌ بمذهب‌ الآخر ، بل‌ وکانت‌ هذه‌ الطوائف‌ ، فی مستوى‌ جماهیرها تعیش‌ جنباً إلى جنب‌ فی وداد ووئام‌ ، حتّى‌ یبدو وکأنّهم‌ لا خلاف‌َ بینهم‌ ولا تباین‌ ، وان‌ کان‌ یَتَخلّل‌ کل‌ّ ذلک بعض‌ُ النقد والردّ ، إلاّ أنّه‌ کان‌ على‌ الأغلب‌ نقداً مؤدّباً ، ومهذّباً ، وردّاً علمیاً ، وموضوعیاً .
وثمة أدلّة حیّة وتاریخیّة عدیدة على‌ هذا التعاون‌ العمیق‌ والعریض‌ ، وقد أثرى‌ العلماء المسلمون‌ بهذا التعاون‌ التراث‌ والثقافة الإسلامیة ، کما ضربوا بذل أروع‌ الأمثلة فی الحریّة المذهبیّة ، هذا بالإضافة إلى أنّهم‌ استقطبوا من‌ خلال‌ هذا التعاون‌ اهتمام‌ العالم‌ بهم‌ وکسبوا احترامهم‌ .
انّه‌ لیس‌ من‌ الصعب‌ أن‌ یجتمع‌ علماء الأمّة ویتناقشوا بهدوء وموضوعیّة ، وبإخلاص‌ وصدق‌ نیّة ، فی ما اختلفت‌ فیه‌ الطوائف‌ُ وللتعرّف‌ على‌ أدلّة کل‌ّ طائفة وما تقیمه‌ من‌ برهان‌ . فالاسلام یدعو غیرالمسلمین الی کلمة سواء فمال المسلمون یکفر بعضهم بعضا (قُلْ یَا أَهْلَ الْکِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ کَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَیْنَنَا وَبَیْنَکُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِکَ بِهِ شَیْئًا وَلَا یَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (4)
کما أنّه‌ من‌ الجیّد والمعقول‌ أن‌ تقوم‌َ کل‌ طائفة وجماعة بعرض‌ِ عقائدها ، ومواقفها الفکریّة والفقهیّة فی جو من‌ الحریّة والصراحة ، لیتّضح‌ بطلان‌ ما یُثار ضدّها من‌ اتّهامات‌ وشبهات‌ ، کما ویعرف‌ الجمیع‌ : الجوامع‌ والفوارق‌ ، ویعرفون‌ أن‌ّ ما یجمع‌ المسلمین‌ أکثر ممّا یفرقهم‌ ، وبذلک یذوب‌ الجلید بین‌ المسلمین‌ .
المصدر :
نوری علوی
1- الحجرات/13
2- المؤمنون /52
3- یونس /19
4- آل عمران /64

  907
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

الحب الحقيقي، حقيقة علمية
التوت البري
(الأمل).. (المحرِّك) و(المحرِّض) على العمل
ترتب آثار الصحة على العمل الصادر تقية
العدالة الصغرى ، الوسطى والكبرى
هل يجب تزويد المراهقين بثقافة جنسية؟
مشكلة الأسرة المعاصرة
خلق الأرواح قبل الأجساد
انتخاب الأفضل في التزاوج العقلي بين الرجل والمرأة
محاربة الثروات الغير مشروعة

 
user comment