عربي
Tuesday 24th of November 2020
  41
  0
  0

الخمس في عصر الحضور والغيبة

إنّ وجوب الخمس في الغنائم من الأحكام الضرورية في الإسلام، كما أنّ وجوبه في غيرها أيضاً من ضروريات مذهب الشيعة وفقههم. فلا يمكن نفيه في برهة من الزمان في خصوص الغنائم أو غيرها إلاّ بدليل قاطع يصلح للتحليل والترخيص من دون أن يتطرّق النسخ إلى الحكم القطعي.
الخمس في عصر الحضور والغيبة

إنّ وجوب الخمس في الغنائم من الأحكام الضرورية في الإسلام، كما أنّ وجوبه في غيرها أيضاً من ضروريات مذهب الشيعة وفقههم. فلا يمكن نفيه في برهة من الزمان في خصوص الغنائم أو غيرها إلاّ بدليل قاطع يصلح للتحليل والترخيص من دون أن يتطرّق النسخ إلى الحكم القطعي.
ويدلّ على ثبوت الخمس في عصر الحضور والغيبة ما يلي:
قوله سبحانه:(وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَانَّ للّهِ خُمُسهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُربى...) فالآية ناطقة بوجوبه في الغنيمة، بل في كل ما يغنمه الإنسان ويفوز به وليست الآية خاصة بالمشافهين، بل الكتاب حجّة اللّه الكبرى على المسلمين عبر القرون إلى يوم القيامة.
1. ما رواه أبو بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ في حديث: «لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتّى يصل إلينا حقّنا».
2. ما رواه هو أيضاً عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: سمعته يقول: «من اشترى شيئاً من الخمس لم يعذره اللّه، اشترى ما لا يحلّ له».
3. ما رواه عبد اللّه بن بكير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ انّه قال: «إنّي لآخذ من أحدكم الدرهم وإنّي لمن أكثر أهل المدينة مالاً ما أُريد لذلك إلاّأن تطهروا».
4. ما رواه هو أيضاً، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «كلّ شيء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلاّاللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه فإنّ لنا خمسه، ولا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتى يصل إلينا حقّنا».
5. ما رواه حفص بن البختري، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع إلينا الخمس».
6. ما رواه الحلبي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم ويكون معهم فيصيب غنيمة قال: «يؤدّي خمساً ويطيب له».
7. ما رواه سماعة قال: سألت أبا الحسن عن الخمس فقال: «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».
8. ما رواه علي بن مهزيار في حديث: «فقد علمت أنّ أموالاً عظاماً صارت إلى قوم من موالي، فمن كان عنده شيء من ذلك فليُوصل إلى وكيلي، ومن كان نائياً بعيد الشقة فليتعمد لإيصاله ولو بعد حين».(1)
9. ما رواه أبو بصير قال قلت: ما أيسر ما يدخل به العبد النار؟ قال: «من أكل من مال اليتيم درهماً، ونحن اليتيم».
10. ما رواه محمّد بن زيد قال: قدم قوم من خراسان على أبي الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ فسألوه أن يجعلهم في حلّ من الخمس، فقال: «ما أمحل هذا؟ تمحضونا المودّة بألسنتكم وتزوون عنّا حقاً جعله اللّه لنا وجعلنا له وهو الخمس، لا نجعل لا نجعل لا نجعل لأحد منكم في حلّ».(2)
ولنقتصر بهذه العشرة الكاملة، وإلاّ ممّا دلّ على وجوب الخمس وعدم سقوطه في العصرين أكثر ممّا ذكرنا.

استثناء الأُمور الثلاثة
قد اشتهر في ألسن الفقهاء إباحة المناكح والمساكن والمتاجر في حال الغيبة، وقد حكي أنّ المفيد خصّ الإباحة بالمناكح، ولكن الظاهر منه هوالتعميم. وعمّمها بعضهم إلى المساكن والمتاجر; كالشيخ في النهاية، والمحقّق في الشرائع، والعلاّمة في التذكرة، والمنتهى. ومنهم من أنكر التحليل رأساً; كابن الجنيد،وأبي الصلاح،(3)
ولا حاجة لنقل كلماتهم. والعجب أنّه ليس في النصوص المتوفرة عندنا ما يدل على استثناء هذه الثلاثة سوى ما رواه ابن أبي جمهور الأحسائي في الغوالي مرسلاً عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ فقيل له: يابن رسول اللّه ما حال شيعتكم فيما خصّكم اللّه به إذا غاب غائبكم؟ واستتر قائمكم فقالعليه السَّلام : «ما أنصفناهم إن أخذناهم، ولا أحببناهم إن عاقبناهم، بل نبيح لهم المساكن لتصح عبادتهم، ونبيح لهم المناكح لتطيب ولادتهم، ونبيح لهم المتاجر ليزكّوا أموالهم».
والرواية مرسلة وليست منجبرة، وقد عرفت الاختلاف.
ثمّ إنّ المتعرضين للمسألة، اختلفوا في تفسيرها اختلافاً عجيباً، نقلها الشهيدان في الدروس، والمسالك، والبحراني في الحدائق.(4)
ولا بأس بنقل ما في المسالك فانّه مفيد مع إيجازه، قال: المراد بالمناكح، السراري المغنومة من أهل الحرب في حالة الغيبة، فانّه يباح لنا شراؤها ووطؤها وإن كانت بأجمعها للإمامعليه السَّلام على ما مرّ، أو بعضها على القول الآخر. وربّما فُسِّرت بالزوجات والسراري التي يشتريها من كسبه الذي يجب فيه الخمس، فانّه حينئذ لا يجب إخراج خمس الثمن والمهر. وهذا التفسير راجع إلى المؤنة المستثناة وقد تقدم الكلام فيها، وأنّه مشروط بحصول الشراء والتزويج في عام الربح، وكون ذلك لائقاً بحاله.
والمراد بالمساكن ما يتّخذه منها في الأرض المختصة به ـ عليه السَّلام ـ ،كالمملوكة بغير قتال ورؤوس الجبال، وهو مبني على عدم إباحة مطلق الأنفال حالة الغيبة، وفسِّرت أيضاً بما يشتريه من المساكن بمال يجب فيه الخمس كالمكاسب، وهو راجع إلى المؤنة أيضاً .
وبالمتاجر ما يشتري من الغنائم المأخوذة من أهل الحرب حالة الغيبة، وإن كانت بأسرها أو بعضها للإمام ـ عليه السَّلام ـ ، أو ما يشترى ممّن لا يعتقد الخمس كالمخالف مع وجوب الخمس فيها. وقد علل إباحة هذه الثلاثة في الأخباربطيب الولادة وصحّة الصلاة وحلّ المال. (5)
ولا جدوى في دراسة التفاسير المختلفة المذكورة لهذه العناوين الثلاثة بعد عدم ورود دليل صحيح على استثنائها بالخصوص وإن أطلنا الكلام فيها في الدورة السابقة لدراسة كتاب الخمس، فالأولى عطف عنان الكلام إلى دراسة الروايات الواردة حول تحليل الخمس، التي تعارض ما سبق في الأدلّة القاطعة.

تقسيم الأخبار الواردة في المقام
إنّ صاحب الحدائق ـ بعد ما وصف المسألة بأنّها من أُمّهات المسائل، ومعضلات المشاكل، وقد اضطربت فيها أفهام الأعلام، وزلّت فيها أقدام الأقلام، ودحضت فيها حجج أقوام، واتسعت فيها دائرة النقض والإبرام ـ ذكر أنّه باسط فيها القول إن شاء اللّه تعالى بما لم يَسْبِق له سابق في المقام، ولا حام حوله أحد من فقهائنا الكرام، وأنّ الكلام في المسألة يقتضي بسطه في مقامات ثلاثة، وجعل محور كلامه في المقام الأوّل، تقسيم الأخبار على أربعة أقسام:
1. ما يدل على وجوب إخراج الخمس مطلقاً في غيبة الإمام أو حضوره في أيّ نوع كان من أنواع الخمس.
2. ما يدل على الوجوب والتشديد في إخراجه وعدم الإباحة.
3. ما يدل على التحليل والإباحة مطلقاً، وهي أخبار مستفيضة متكاثرة.
4. ما دلّ على أنّ الأرض وما خرج منها للإمام.(6)
يلاحظ عليه: أنّ القسم الأوّل ليس في مقام البيان بل هو بصدد بيان ما يجب فيه الخمس، وأمّا أنّه واجب في جميع الظروف أو لا، فليس ناظراً إليه، ومثله القسم الرابع فانّه خارج عن الموضوع، بقي الكلام في القسمين المتوسطين، وقد تعرّفت على مقدار كثير من الروايات الدالة على وجوب الخمس مطلقاً غير مقيّد بزمان خاص، واللازم لنا عندئذ هو التركيز على تفسير روايات القسم الثالث، فنقول: إنّه على أصناف:
الأوّل: التحليل لعسر السائل
هناك لفيف من الروايات يدلّ على أنّ ملاك التحليل هو عسر السائل، وكثرة ورود الظلم على الشيعة من جانب المخالفين، فاقتضت الرأفة ردّ الخمس إليهم أو تحليله لهم، وهذا الحكم باق إلى يومنا هذا، فلنذكر من هذا القسم ما يلي:
1. روى الصدوق في الفقيه بطريق صحيح عن يونس بن يعقوب قال: كنت عند أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ فدخل عليه رجل من القمّاطين فقال: جعلت فداك، يقع في أيدينا الأرباح والأموال وتجارات نعرف أنّ حقّك فيها ثابت وأنّا عن ذلك مقصرون فقال أبو عبداللّه: «ما أنصفناكم إن كلّفناكم ذلك اليوم».(7)
وقد حمل المحقّق الخوئي الرواية على الأموال التي تقع في الأيدي، أي تنتقل من الغير كالمخالف بشراء ونحوه وأنّه لا يجب على الآخذ ومن انتقل إليه إعطاء الخمس وأنّهم ـ عليهم السَّلام ـ حلّلوا ذلك لشيعتهم.(8)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه يصحّ في لفظة «الأموال» دون الأرباح بل «تجارات»، فإنّ الظاهر كون الرجل تاجر يربح في تجارته والسؤال ناظر إلى ربحه وليست الرواية ناظرة إلى خصوص انتقال أموال من الغير ممن لا يعتقد بالخمس.
وثانياً: لو كان وجه التحليل ما ذكره، كان التعليل بقوله:«ما أنصفناكم إن كلّفناكم» أمراً لغواً، لأنّه محلّل سواء كان من وقع في أيديه متمكّناً أم غير متمكن.
2. ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب لأبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ من رجل يسأله أن يجعله في حلّ من مأكله ومشربه، من الخمس فكتب بخطّه: «من أعوزه شيء من حقي فهو في حل».(9)
الثاني: تحليل المناكح من الغنائم
هناك روايات ترجع إلى تحليل المناكح التي ربّما تقع في أيدي الشيعة، إمّا لمشاركتهم في الحروب، أو اشترائها من المخالفين الذين لا يؤدّون أخماسهم، وما ذاك إلاّ لتطيب ولادتهم، نظير:
3. ما رواه الصدوق في كتاب العلل عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «إنّ أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ حلّلهم من الخمس ـ يعني الشيعة ـ لتطيب ولادتهم».
4. ما رواه الصدوق عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليمها السَّلام قال: «إنّ أشدّ ما فيه الناس يوم القيامة أن يقوم صاحب الخمس فيقول: يا ربّ خمسي، قد طيّبنا ذلك لشيعتنا لتطيب ولادتهم ولتزكوا أولادهم».(10)
ولعلّ الروايتين متحدتان مع ما يأتي برقم 11.
5. ما رواه الشيخ عن ضريس الكناسي قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «أتدري من أين دخل على الناس الزنى؟» فقلت: لا أدري، فقال: «من قبل خمسنا أهل البيت إلاّ لشيعتنا الأطيبين، فانّه محلّل لهم ولميلادهم».
6. ما رواه الشيخ عن الفضيل قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ :«قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ لفاطمهعليها السَّلام أحلّي نصيبك من الفيء لآباء شيعتنا ليطيبوا» ثمّ قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «إنّا أحللنا أُمّهات شيعتنا لآبائهم ليطيبوا». ويحتمل وحدته مع ما مرّ برقم 3 المروي عن علي ـ عليه السَّلام ـ .
7. ما ورد في التوقيع الرفيع: «وأمّا المتلبسون بأموالنا فمن استحلّ منها شيئاً فأكله فإنّما يأكل النيران، وأمّا الخمس فقد أُبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حلّ إلى أن يظهر أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث».(11)
إنّ بيع السراري ونكاحهن واستيلادهنّ كان أمراً رائجاً بين المسلمين ولا يطيب النكاح والاستيلاد مع كون خمسهنّ لأصحابه، وكانت الشيعة يوم ذاك مبتلية بهذا الأمر الرائج بيعاً ونكاحاً واستيلاداً فأباحوا ـ عليهم السَّلام ـ حقّهم فيهنّ لتطيب ولادتهم، ولا صلة لها بتحليل سائر ما يتعلّق به الخمس، وهذه الروايات صريحة في ذلك، ويحتمل أن يكون المحلّل في كلامه ـ عجّل اللّه فرجه الشريف ـ أعمّ من المناكح، بل يعمّ كلّ الغنائم الحربية التي ربّما تقع بيد الشيعة، فتكون متّحدة مع ما يأتي من الصنف الثالث.
الثالث: الأموال المنتقلة من الغير إلى الشيعة من المتاجر و الغنائم وغيرهما
هناك لفيف من الروايات التي تدل على حلّية خمس الأموال التي تنتقل إلى الشيعة من المخالفين غير المعتقدين له من غير فرق بين المناكح والمساكن والمتاجر وغيرها، فقد أحلّوه فيها، ويدلّ عليه ما يلي:
8. ما رواه الشيخ في التهذيب عن الحسن بن علي الوشّاء، عن أحمد بن عائذ، عن سالم بن مكرم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قال رجل وأنا حاضر حلّل لي الفروج، ففزع أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، فقال له رجل: ليس يسألك أن يعترض الطريق إنّما يسألك خادماً يشتريها أو امرأة يزوّجها أو ميراثاً يصيبه أو تجارة أو شيئاً أُعطيه، فقال:« هذا لشيعتنا حلال، الشاهد منهم والغائب، والميّت منهم والحي، وما يولد منهم إلى يوم القيامة فهو لهم حلال».وظهور الرواية في المال المنتقل إليه بشراء ونحوه لا ينكر، ولو كان الراوي مقتصراً بالإماء لكان داخلاً في القسم الثاني لكن التوسع في كلام مصاحب السائل، صار سبباً لعدّه من هذا القسم.
9. ما رواه في الكافي عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ في حديث قال: «إنّ اللّه جعل لنا أهل البيت سهاماً ثلاثة في جميع الفيء...، إلى أن قال: فنحن أصحاب الخمس والفيء، وقد حرّمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا». ويصلح لصاحب الحدائق ان يجعل هذه الرواية شاهدة لمختاره من اختصاص الحلّ بسهم الإمام . ويأتي الكلام فيه.
10. ما رواه في الكافي، عن عبد العزيز بن نافع قال: سأل رجل أبا عبد اللّه و قال: إنّ أبي كان ممن سباه بنو أُميّة، وقد علمت أنّ بني أُميّة لم يكن لهم أن يحرّموا ولا يحلِّلوا ولم يكن لهم ممّا بأيديهم قليل ولا كثير وإنّما ذلك لكم ـ إلى أن قال: ـ فقال أبو عبد اللّه له: «أنت في حلّ ممّا كان من ذلك، و كل من كان في مثل حالك من ورائي فهو في حلّ من ذلك».(12)
11. ما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي بصير، وزرارة، و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : هلك الناس في بطونهم وفروجهم لأنّهم لم يؤدوا إلينا حقّنا ألا وإنّ شيعتنا من ذلك وأبناءهم في حلّ»وذكر «البطون» شاهد على أن موضوع التحليل هو الأعم.
12. ما في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عن آبائه عن أمير المؤمنينعليهم السَّلام أنّه قال لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :« قد علمت يا رسول اللّه ، أنّه سيكون بعدك ملك عضوض، وجبر فيستولى على خمسي من السبي والغنائم ويبيعونه ولا يحلّ لمشتريه لأنّ نصيبي فيه، قد وهبت نصيبي منه لكلّ من ملك شيئاً من ذلك من شيعتي لتحلّ لهم منافعهم من مأكل ومشرب ولتطيب مواليدهم ولا يكون أولادهم أولاد حرام...».
والحديث على فرض صحّته نصّ في تحليل خمس الغنائم التي تنتقل إلى الشيعة.
13. ما رواه الصدوق في الفقيه، عن داود الرقي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: سمعته يقول: «الناس كلّهم يعيشون في فضل مظلمتنا إلاّ أنّا أحللنا شيعتنا من ذلك».
الظاهر أنّ المقصود خمس الغنائم، وما كانوا يأخذون من الخراج والمقاسمة، يبيعونها من الناس، فإنّهم يوم ذاك كانوا مبتلين بهذه المظالم، وأين هو من أرباح المكاسب، التي كان عامّة الناس جاهلين بحكمها حتّى الشيعة؟!
14. ما رواه الشيخ عن الحارث بن المغيرة النصري... ثمّ قال «نجيّة» : جعلت فداك ما تقول في فلان و فلان؟ قال: «يا نجية إنّ لنا الخمس في كتاب اللّه ولنا الأنفال ولنا صفو المال، وهما واللّه أوّل من ظلمنا حقّنا في كتاب اللّه، وأوّل من حمل الناس على رقابنا»(13) والمراد، هو الغنائم بقرينة أنّ الرجلين حالا بين خمس الغنائم وبين أهل البيت عند تسلّم زمام الخلافة.
15. ما رواه الشيخ في التهذيب عن أبي حمزة الثمالي، قال: سمعته يقول: «من أحللنا له شيئاً أصابه من أعمال الظالمين فهو له حلال، وما حرّمناه من ذلك فهو حرام». والحديث راجع إلى أموال الظالمين، وكانوا يوم ذاك يستمدّون في تمويل عمّالهم من جباية الزكاة، والغنائم الحربية وغلّة الأراضي المفتوحة عنوة، فيختص التحليل بهذه المواضع ولا يعمّ غيرها.
16. ما رواه الحكم بن علباء الأسدي، قال: دخلت على أبي جعفر فقلت له: إنّي ولّيت البحرين فأصبت بها مالاً كثيراً، واشتريت متاعاً، واشتريت رقيقاً واشتريت أُمّهات أولاد، وولد لي وانفقت، وهذا خمس ذلك المال وهو أُمّهات أولادي ونسائي وقد أتيتك به. فقال: «أما إنّه كلّه لنا وقد قبلت ما جئت به، وقد حللتك من أُمّهات أولادك ونسائك وما أنفقت».(14)
والحديث ظاهر في الغنائم الحربية بشهادة أنّه قال: «أما إنّه كلّه لنا» حيث إنّ الغزو بلا إذن من الإمام من الأنفال، أضف إلى ذلك أنّ الإمام قبل ما قدّم، وحلل ما لم يأت به، فهو على خلاف المقصود أدلّ.

التحليل لشخص خاص
هناك ما يدل على أنّ الإمام حلّل الخمس لشخص وهو:
17. صحيح أبي سيّار «مسمع بن عبد الملك» قال: قلت لأبي عبد اللّهعليه السَّلام: إنّي كنت ولّيت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم، وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم وكرهت أن أحبسها عنك وأعرض لها، وهي حقك الذي جعل اللّه تعالى لك في أموالنا ـ إلى أن قال: ـ «يا أبا سيّار قد طيّبناه لك وحلّلناك منه فضمّ إليك مالك وكلّ ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محلّلون». و صدر الحديث راجع إلى خمس الغوص أو الربح الحاصل من تجارته، وذيل الحديث يدلّ على تحليل غلة الأراضي المفتوحة عنوة، للشيعة لا تحليل مطلق الخمس.

كون التحليل مختصاً بعصر أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ
وهنا رواية تدل على أنّ أبا جعفر حلّل الخمس بوجه مطلق وهو:
18. ما رواه حكيم مؤذن بني عيس عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: (واعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَانّ للّهِ خُمُسهُ وَللرَّسُول)قال: «هي الإفادة يوماً بيوم، إلاّ أنّ أبي جعل شيعتنا في ذلك في حلّ ليزكوا». ولعلّ التحليل العام كان خاصّاً بأبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ،ولأجل ذلك نسبه إليه دون نفسه.
وحصيلة الكلام ، أنّ أحاديث التحليل ترجع إلى أحد الأُمور التالية:
ألف. كون المحلّل ، قليل المال أو مهضوم الحقّ.
ب. تحليل مناكح الإماء، لتطيب ولادة أولادهم.
ج. تحليل ما وقع بأيدي الشيعة من الأموال التي لم يخرج خمسها.
د. التحليل لشخص خاص.
هـ. كون التحليل مختصّاً بأبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ .
وأمّا ما رواه معاذ بن كثير بيّاع الأكيسة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «موسّع على شيعتنا أن ينفقوا ممّا في أيديهم بالمعروف، فإذا قام قائمنا حرم على كلّ ذي كنز كنزه حتى يأتوه به ويستعين به (على عدوه)».(15)
فهو على خلاف المطلوب أدلّ، لأنّ المفروض عدم إمكان إيصال الخمس أو مطلق الواجبات المالية إلى الإمام
وعندئذ يصرف في مصالح الشيعة، ولا يصحّ عند قيام الدولة الحقّة، أو وجود نائبه العام صاحب الولاية في غيبته.
إكمال
ثمّ إنّ السيد المحقّق الخوئي، حمل جميع الروايات على المال المنتقل إلى الشيعة الذي لم يخرج خمسه واستند على ذلك بحديثي يونس بن يعقوب وسالم ابن مكرم وقد عرفت الإشكال في الحديث الأوّل، وأنّ التحليل لأجل عسر حال السائل لا كون المال منتقلاً من الغير، نعم لا بأس بحمل الثاني عليه، لكنّه لا يكون دليلاً على تفسير جميع الروايات بنمط واحد، بعد كونها ظاهرة في أمر آخر.
كما أنّ صاحب الحدائق جمع بين الروايات بأنّ الساقط نصف الخمس، وأمّا النصف الآخر ، أعني: حقّ السادة، فلابدّ من دفعه إليهم مستشهداً على ذلك بما مرّ في صحيح ابن مهزيار: «من أعوزه شيء من حقي فهو في حلّ»وعلى فرض تسليم دلالة الحديث على خصوص حقّه ولم نقل أنّ المراد مجموع الخمس لكون أمره بيده فالمجموع حقّه ، إنّ التحليل خاص بالمحتاجين والمعوزين.
إنّ تحليل الخمس في الأموال المنتقلة إلى الشيعة هل يختص بأموال غير المعتقدين بالخمس، أو يعمّ الشيعة المعتقدين به، ولكن يبيعون الأموال بدون تخميس؟ والقدر المتيقن هو الأوّل، وهو مصب الروايات والمتفاهم بقرينة التركيز على لفظة الشيعة، الدال على أنّ المقابل غيرهم، وأمّا إسراء التحليل حتى بالنسبة إلى تجّار الشيعة الذين يتّجرون ولا يخرجون تساهلاً، فغير داخل تحت الروايات.
وبذلك يعلم وجوب تخميس أموالهم الموروثة، قبل التقسيم لكونه داخلاً تحت قوله: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصونَ بها أَوْ دَيْن) وبالورثة إنّما يملكون ما وراءهما، سواء كانت الأموال موجودة أو تالفة والخمس متعلّقاً بالذمّة.
المصادر :
1- الوسائل: الجزء6، الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3 الی 8
2- الوسائل: ج6، الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث 5.و3
3- المقنعة:282ـ 283، وقد نقل رواية يونس بن يعقوب; لاحظ الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 6. . النهاية: 200. . الشرائع: 1/137. لتذكرة:1/254. المنتهى:1/555. مختلف الشيعة: 3/340. الكافي: 174.
4- المستدرك: 7، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 3. الدروس: 1/263. المسالك: 1/575. الحدائق: 12/444.
5- الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال.
6- الحدائق: 12/419ـ 427.
7- الوسائل:ج6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 6.
8- مستند العروة:346، كتاب الخمس.
9- الوسائل:ج6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 2; ولاحظ أيضاً، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث8.
10- الوسائل: الجزء6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 15، 5.
11- الوسائل: الجزء6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 3، 10، 16.
12- الوسائل: الجزء 6 ، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 4و 19 و 18.
13- الوسائل: الجزء 6، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 4.
14- الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 13.
15- الوسائل: الجزء 6، الباب 4من أبواب الأنفال، الحديث 12و 8 و 11.

  41
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

لماذا الجحفة وغدير خم
تقييم الاقوال المخالفة على ضؤ الاية
موقف ابن تيمية من حديث الغدير ق (5)
المرأة في نظر بعض الفلاسفة
سياحة في الغرب أو مسير الأرواح بعد الموت 2
القائلون بالاختيار
لا سبيل للقياس بصفاته
اثبات وجود الله
الطريق إلى مجتمع الفلاح
رزية يوم الخميس ق (2)

 
user comment