عربي
Monday 15th of August 2022
0
نفر 0

المهدویة بین الشعوب

إن الذین کتبوا عن المهدی ربطوا مصدر هذه الفکرة بأمرین أحدهما الفکر الوضعی والآخر العقیدة الدینیة ، والذین ربطوا العقیدة بالفکر الوضعی انقسموا أیضا . وسنذکر أقوالهم حسب الشق الذی مالوا إلیه ورجحوا أنه المصدر لهذه الفکرة :
المهدویة بین الشعوب


إن الذین کتبوا عن المهدی ربطوا مصدر هذه الفکرة بأمرین أحدهما الفکر الوضعی والآخر العقیدة الدینیة ، والذین ربطوا العقیدة بالفکر الوضعی انقسموا أیضا .
وسنذکر أقوالهم حسب الشق الذی مالوا إلیه ورجحوا أنه المصدر لهذه الفکرة :
1 - القسم الأول : الذین ربطوا فکرة الإمام المهدی بالفکر الوضعی فی بعده النفسی یرون أن عقیدة المهدویة لیست وقفا على الفکر الشیعی ولا على المسلمین فقط بل ولا على الدیانات السماویة کلها إنما هی على مستوى الشعوب وذلک أن العامل المشترک بین کل هذه الفئات هو عامل نفسی موحد : وهو الشعور بوضعیة غیر عادلة من حکم قائم بالفعل وخزین متراکم من حکام سابقین عاشوا مع شعوبهم على شکل قاهر ومقهور ، ومتسلط ومسحوق ، ورزحوا تحت نیر الظلم والطغیان . ولذا کانت هذه العقیدة عند الشعوب الشرقیة ونظائرها ممن یشترک مع الشعوب الشرقیة بأنه مسحوق ، وحیث أن بعض هذه الشعوب عنده عقیدة دینیة تبشر بالمهدی أیضا : فإن هذه العقیدة مهمتها تدعیم هذا العامل النفسی وخلق لون من المشروعیة لهذه النزعة فی نفوس الناس وهذا هو المعنى الذی عبر عنه برتراند رسل بقوله : لیس السبب فی تصدیق کثیر من المعتقدات الدینیة الاستناد إلى دلیل قائم على صحة واقع کما هو الحال فی العلم ، ولکنه الشعور بالراحة المستمد من التصدیق فإذا کان الإیمان بقضیة معینة یحقق رغباتی فأنا أتمنى أن تکون هذه القضیة صحیحة وبالتالی فأعتقد بصحتها.
إذا فالقدر الجامع بناء على هذا هو الأمل بظهور مخلص من واقع سیئ تعیشه الجماعة ، وفی ذلک یقول الدکتور أحمد محمود : إن الاعتقاد بظهور مسیح أو انتظار رجعة مخلص ولید العقل الجمعی فی مجتمعات تفکر تفکیرا ثیوقراطیا فی شؤونها السیاسیة ، وبین شعوب قاست الظلم ورزحت تحت نیر الطغیان ، سواء من حکامهم أم من غزاة أجانب ، فإزاء استبداد الحاکم وفی ظل التفکیر الدینی تتعلق الآمال بقیام مخلص أو محرر یملأ الأرض قسطا وعدلا کما ملئت ظلما وجورا ( 1 ) .
فهذه العقیدة بالرغم من وجود مصادر دینیة لها عند المسلمین والیهود والمسیحیین إلا أن هذه المصادر لیست هی العامل الأساسی فی نظر هؤلاء بالاعتقاد بها ، وإنما تلعب دورا مبررا ثانویا ، ویرى الدکتور أحمد محمود أن عقیدة السنة بالصبر على الظالم وعدم الخروج علیه عمقت نزعة المهدی وترکت الوسط الدینی السنی الذی یعتقد بموضوع المهدی یعیش بین عامل الألم من الواقع الفاسد الذی عاشه أیام الأمویین وما تلاها من عصور ، وبین ضرورة الخلاص ، فمال إلى الخلاص فی المدى الأبعد الذی وجده فی عقیدة المهدی وقد حاول إشراک الشیعة فی ذلک باعتبارهم صابرین على الظلم حیث قال : إن هذه العقیدة لا یؤمن بها إلا أولئک الذین یعانون صراعا نفسیا نتیجة السخط على تصرفات الحکام وعدم استحقاقهم لقب الخلافة لفسقهم ، ونتیجة خضوعهم من ناحیة ثانیة للأمر الواقع أما خشیة الفتنة کما هو عند السنة ، الذین لا یرون الخروج على أئمة الجور استنادا إلى أدلة عندهم ، أو نتیجة للتخاذل بسبب فشل کثیر من الحرکات الثوریة کما هو عند الشیعة الذین یرون الصبر على الخلفاء تقیة فعقیدة المهدی مخرج لهذا الصراع ، أما الفرق التی تجعل من أصول مبادئها الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر بالسیف کالخوارج والزیدیة : فإن هذه العقیدة عندهم غیر ذات موضوع ، إلى أن قال : ولذا لا تبلغ أهمیة المهدی عند فرقة من الفرق کما تبلغ عند الشیعة الاثنی عشریة الذی یتطرف حکمهم على الخلفاء من ناحیة کما یتطرف تحریمهم الخروج على الخلفاء من ناحیة أخرى ( 2) .
هذا ملخص ما قاله الدکتور أحمد محمود ولنا على مضامین هذا الفصل الملاحظات التالیة :
1 - الملاحظة الأولى : أن هذا خلط بین السبب وبعض نتائجه ذلک لأن الشعوب المرتبطة بدین معین تربط مظاهرها العقائدیة بدینها فی الجملة ، فإذا لم یوجد مصدر دینی لذلک المظهر یبحث عندئذ عن سببه الآخر ، ولا شک أن الأدیان الثلاثة بشرت بفکرة المخلص وهو إما واحد للجمیع یوحد به الله تعالى الأدیان فی الخلاص من الظلم ، أو متعدد لکل أمة من الأمم مهدیها ، والهدف منه ومن التبشیر به أن یوضع أمام کل أمة مثل أعلى یجسد فکرة العدل ولتکون الشعوب على تماس مباشر مع الفکرة الخیرة والمثل الأعلى کما هو متصور فالأصل فی فکرة المهدی النصوص الدینیة ، وساعد على ترسیخها فی النفوس ارتیاح النفوس إلیها ، خصوصا إذا لم تقو على تجسید العدل لسبب ما . ولکنها إذ تتخذ من فکرة المهدی وسیلة تعویضیة تمسخ الغرض الأصلی من فکرة المهدی وهو أن تکون حافزا یدفع الناس إلى السعی إلى دفع الظلم وفکرة قیام الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر خصوصا إذا کانت النصوص الدینیة قائمة فی تحمیل الإنسان مسؤولیة الدفاع عن نفسه وعن مقدساته بغض النظر عن قیام المهدی وعدمه کما هو واقع التعالیم الدینیة ، فلا ینبغی أن تتحول فکرة الإمام المهدی من نصب مثل أعلى لاستشعار سبل ومناهج الحیاة الکریمة إلى مخدر یمیت فی النفوس نزعات التطلع ووثبات الرجولة ، أو من محفز إلى منوم .
2 - الملاحظة الثانیة : إن إشراک الشیعة مع السنة بأنهم لا ینهضون ضد الظالم تقیة مغالطة صریحة ، وذلک لأن عامل صبر السنة على الظلم عامل اختیاری نتیجة تمسک بأحادیث یرون صحتها فی حین أن صبر الشیعة على الظلم نتیجة عامل قهری لعدم وجود قدرة ووسیلة للنهضة ، وهذا عامل عام عند کل الناس ، أما لو وجدت عوامل النهضة فلا ینتظر الشیعة خروج المهدی لیصلح لهم الأمر بدلیل أن حکم الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر بشروطهما قائم عندهم فعلا ، وکذلک الجهاد بکل أقسامه بوجود نائب الإمام الخاص أو العام فی رأی بعضهم قائم بالفعل ، أما دفاع الظالم عن النفس والمقدسات فلا یشترط فیه وجود إمام أو نائبه على رأی جمهور فقهاء الشیعة لأنه دفاع عن النفس ویتعین القیام به فی کل وقت من الأوقات ( 3 ) .
إن الرجوع إلى تاریخ الشیعة یشکل أدلة قائمة على ما ذکرناه لکثرة ثوراتهم على الباطل فی مختلف العصور والجهاد مع باقی فرق المسلمین فی ساحات الجهاد ضد الکفر والظلم ولست بحاجة للإطالة بذلک لوضوحه .
3 - الملاحظة الثالثة : لا ینهض اشتراک الشعوب فی عقیدة المهدی دلیلا على وحدة العامل ، لأننا نرى کثیرا من المظاهر السلوکیة سواء کانت مظاهر دینیة أم لا تشترک بها شعوب دون أن تصدر عن علة واحدة .
خذ مثلا ظاهرة تقدیم القرابین فهی عند معتنقی الأدیان السماویة شعیرة أمر بها الدین بهدف التوسعة على الفقراء والمعوزین فی حین نجدها عند بعض الشعوب بهدف اتقاء سخط الآلهة ، وعند البعض الآخر لطرد الأرواح الشریرة وعند البعض الآخر تقدم الضحایا من البشر بهدف استدرار الخیر کما هو عند قدماء المصریین ، فلم تکن العلة واحدة عند الشعوب کما ترى ، إذا فمن الممکن أن تکون فکرة الإمام المهدی لیست عملیة تعویض أو تنفیس وإنما هی فکرة تستهدف وضع نصب یظل شاخصا دائما یذکر الناس بأن الظالم قد یمهل ولکنه لا یهمل لأن الناس إذا تقاعسوا عن طلب حقوقهم فإن السماء لا تسکت بل لا بد من الانتقام على ید مخلص ، مع ملاحظة أن الأصل فی مثل هذه الحالات أن یتصدى الناس لتقویم الإعوجاج ولذلک یقول الله تعالى : ( إِنَّ اللّهَ لاَ یُغَیِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى یُغَیِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ). (4) فإذا غلب علیهم التخاذل فإن الله تعالى لا یهمل أمر عباده ولذلک تشیر الآیة الکریمة وهی قوله تعالى ( حَتَّى إِذَا اسْتَیْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ کُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّیَ مَن نَّشَاء وَلاَ یُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِینَ ) (5) وقد حام المفسرون حول هذا المعنى الذی ذکرناه عند تفسیرهم للآیة المذکورة ( 6 ) وذکروا أن السماء تتدخل عندما یطول البلاء وتشتد الحالة ویهلع الناس إلى حد الیأس .
2 - القسم الثانی : الذین ربطوا فکرة الإمام المهدی ( علیه السلام ) بالأخذ التقلیدی وقالوا إنها عبارة عن اقتباس أخذه المسلمون عن بعض الشعوب من دون أن یکون هناک عامل شعوری مشترک وسواء أخذت هذه العقیدة من هذا الشعب أو ذاک فإن جولد تسهیر ، وفان فلوتن : المستشرقان قالا إنها مقتبسة من الیهود بشکل وبآخر ، ویؤکد فان فلوتن أنها جاءت من تنبؤات کعب الأحبار ووهب بن منبه فهی من الأفکار الإسرائیلیة التی نشرت بین المسلمین ( 7 ) .
فی حین یذهب أحمد الکسروی إلى أنها مقتبسة من الفرس حیث یقول : لا یخفى أن قدماء الفرس کانوا یعتقدون بإله خیر یسمى یزدن ، وإله شر یسمى أهریمن ، ویزعمون أنهما لا یزالان یحکمان الأرض حتى یقوم ساوشیانت ابن زرادشت النبی ، فیغلب أهریمن ویصیر العالم مهدا للخیر وقد تأصل عندهم هذا المعتقد فلما ظهر الإسلام وفتح المسلمون العراق وإیران واختلطوا بالإیرانیین سرى ذلک المعتقد منهم إلى المسلمین ونشأ بینهم بسرعة غریبة ولسنا على بینة من أمر کلمة المهدی من وضعها ومتى وضعت . إنتهى بتلخیص ( 8 ) .
إن هذا الرأی لا یستحق المناقشة فی الواقع لأسباب کثیرة منها : افتراضه تساهل المسلمین بحیث یعتقدون بأمور لا یعرفون مصدرها ومنها عدم وجود صلة بین فکرة إلهی خیر وشر وفکرة مخلص ، ومنها أن حجم مسألة المهدویة لیس بهذه البساطة فالفکرة من الفکر الکبیرة الحجم بالعقیدة الدینیة .
3 - القسم الثالث : ربط فکرة المهدی بالفکر الوضعی فی بعده السیاسی ویقول أصحاب هذه الفکرة أن فکرة المهدی اخترعها بعض الحکام الذین حکموا ولم تتوفر فیهم صفات یفترضها المسلمون فی الحاکم ، فافترضوا أن هناک إماما غائبا محررا سیظهر بعد ذلک وقد عهد إلیهم بالقیام بالحکم إلى أن یظهر وقالوا إلى المختار الثقفی ممن سلک هذا الطریق وادعى أنه منصوب من قبل المهدی من آل محمد ، وممن أکد هذا الرأی المستشرق وات ( 9 ) وهذا الرأی یضع الأثر مکان المؤثر فإن الذین اتخذوا من فکرة المهدی سنادا لهم على فرض وجودهم بهذه الکثرة : لا بد أن تکون فکرة المهدی شائعة عند الناس قبل مجیئهم فاستفادوا منها ورکبوا ظهر العقیدة ، على أن نسبة هذا الرأی للمختار باعتباره جزءا من العقیدة الکیسانیة فنده کثیر من المحققین ، وحتى مع فرض صحته یبقى متأخرا عن وجود عقیدة المهدی کما ذکرنا . ولیس للمختار تلک المکانة الکبیرة عند فرق المسلمین حتى یأخذوا عنه ویتأثروا بآرائه مع التفات المسلمین لهدفه .
عقیدة المسلمین بالمهدی إن فکرة الإمام المهدی فی نطاق العقیدة الدینیة بغض النظر عن تفاصیلها موضع اتفاق جمهور المسلمین فإن روایات المهدی وانتظار الفرج على یدیه وظهوره لیملأ الأرض عدلا وردت عند کل من الشیعة والسنة ، وممن رواها من أئمة السنة : الإمام أحمد فی مسنده ، والترمذی فی سننه ، وأبو داوود فی سننه ، وابن ماجة فی سننه ، والحاکم فی مستدرکه ، والکنجی الشافعی فی کتابه البیان فی أخبار صاحب الزمان وابن حجر العسقلانی فی القول المختصر فی علامات المهدی المنتظر ، ویوسف بن یحیى الدمشقی فی عقد الدرر فی أخبار الإمام المنتظر ، وأحمد بن عبد الله أبو نعیم صاحب الحلیة فی نعت المهدی ، ومحمد بن إبراهیم الحموی فی مشکاة المصابیح ، والسمهودی فی جواهر العقدین وعشرات من أعلام السنة وغیرهم (10) لا أرید الإطالة بذکرهم .
وقد أخرج أئمة السنة أحادیث المهدی عن طریق الإمام علی ( علیه السلام ) وابن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وطلحة ، وابن مسعود ، وأبی هریرة ، وأبی سعید الخدری ، وأم سلمة ، وغیرهم . ومن تلک الأحادیث ما رواه ابن عمر بسنده عن النبی ( ص ) : یخرج فی آخر الزمان رجل من ولدی اسمه کاسمی وکنیته کنیتی یملأ الأرض عدلا کما ملئت جورا ، ذلک هو المهدی ، وکقول النبی ( صلی الله علیه وآله وسلم ) : المهدی من عترتی من ولد فاطمة ، وقد غیر هذه الأحادیث وغیرها مما ورد فی الإمام المهدی ابن تیمیة مستند إلى مسند الإمام أحمد بن حنبل وصحیح الترمذی ، وسنن أبی داوود ( 11 ) .
المصدر : ( هویة التشیع ) الدکتور الشیخ المرحوم أحمد الوائلی .- بتصرف -
1- نظریة الإمامة /ص 420
2- نظریة الإمام /ص 127
3- شرح اللمعة للشهید الثانی ج2 ص 381 ، وکنز العرفان للمقداد ج1 ص 342
4- الرعد / 12
5- یوسف / 110
6- صفوة البیان لمخلوق ج1 ص 397 ، ومجمع البیان للطبرسی ج3 ص 271
7- نظریة الإمامة ص 399 .
8- التشیع والشیعة ص 35 .
9- تاریخ الإمامیة وأسلافهم ص 165
10- راجع أعیان الشیعة ج4 ص 348
11- نظریة الإمامة ص


source : rasekhoon
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:
لینک کوتاه

آخر المقالات

نصرة المسيح للامام المهدي عليهما السلام
فتن علامات الظهور
رسالة الإمام المهدي (عج) إلی الشیخ المفید(ره)
الامام المهدي بين الرواية والواقع
الحياة في عصرالامام المهدي عليه السلام
المهدي في المصادر السنية:
خطبة الإمام المهدي ( عليه السلام ) ، عند ظهوره بعد ...
نصرة المسيح للامام المهدي عليهما السلام
مسجد جمكران
ولادة الإمام المهديّ (عج) وشواهدها التاريخية

 
user comment