عربي
Sunday 22nd of May 2022
302
0
نفر 0

الشهادة الثالثة شرع أم بدعة

البدعة في اللّغة : هو إحداث شيء لم يكن له من قَبْلُ خَلْقٌ ، ولا ذكرٌ ، ولا معرفة (1). وفي الاصطلاح : إدخال ما ليس من الدين في الدين ، قاصدا التشريع. والبدعة قد تأتي من ترك السنّة ، لقول علي بن أبي طالب : ما أُحدثت بدعة إلاّ ترك بها سنة ، فاتّقوا البدع ، والزموا المهيع ، إنّ عوازم الأُمور أفضلها ، وإنّ محدثاتها شرارها (2).
الشهادة الثالثة شرع أم بدعة

البدعة في اللّغة : هو إحداث شيء لم يكن له من قَبْلُ خَلْقٌ ، ولا ذكرٌ ، ولا معرفة (1).
وفي الاصطلاح : إدخال ما ليس من الدين في الدين ، قاصدا التشريع.
والبدعة قد تأتي من ترك السنّة ، لقول علي بن أبي طالب : ما أُحدثت بدعة إلاّ ترك بها سنة ، فاتّقوا البدع ، والزموا المهيع ، إنّ عوازم الأُمور أفضلها ، وإنّ محدثاتها شرارها (2).
ومثالها : هو ابتداع « الصلاة خير من النوم » في أذان الصبح وترك « حي على خير العمل » ، فجاء عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام قوله : « الصلاة خير من النوم بدعة بني امية » (3) ، وفي موطا مالك ان عمر هو الّذي قد شَرَّعها.
وقد سأل رجل الإمام عليّا عليه السلام عن السنة والبدعة ، والفرقة والجماعة ، فقال عليه السلام : أما السنة فسنة رسول اللّه‌ ، وأما البدعة فما خالفها ، وأمّا الفرقة : فأهل الباطل وإن كثروا ، وأما الجماعة : فأهل الحق وإن قلوا (4).
وروي عن ابن مسعود أنّه قال : خطّ رسول اللّه‌ صلی الله عليه وآله وسلم خطا بيده ثم قال : هذا سبيل اللّه‌ مستقيما ، ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال : وهذه السبل ، ليس منها سبيل إلاّ عليه شيطان يدعو إليه ، ثم قرأ ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيما فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ) (5).
وقال الإمام علي : أيّها الناس إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع ، وأحكام تبتدع ، يخالف فيها كتاب اللّه‌ ، يقلّد فيها رجال رجالاً (6).
ولاجل كثرة هذه السبل لا يدري المسلم العادي هل أنّ رسول اللّه‌ قبض يده في الصلاة أم أرسلها؟ وهل أنّه شرّع المتعة أم منعها؟ وهل التكبير على الميت هو أربع تكبيرات أم خمس؟ وهل الطلاق ثلاثا يقع في تطليقة واحدة أم لا؟ وهل يصح القول حسبنا كتاب اللّه‌ ، مع أنّه سبحانه قد جعل تبيين الأحكام لرسوله الامين بقوله : ( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ )؟
قال الشيخ المجلسي في بحار الأنوار : البدعة في الشرع ما حدث بعد الرسول صلی الله عليه وآله وسلم ولم يرد فيه نصٌّ على الخصوص ، ولا يكون داخلاً في بعض العمومات ، أو ورد نهي عنه خصوصا أو عموما ... إلى أن يقول عن صلاة التراو يح :
ولما عيّن عمر ركعات مخصوصة على وجهٍ مخصوصٍ في وقتٍ معيّنٍ صارت بدعةً.
وكما إذا عيّن أحدٌ سبعينَ تهليلةً في وقت مخصوص على أنّها مطلوبةٌ للشارع في خصوص هذا الوقت بلا نصّ ورد فيها ، كانت بدعة.
وبالجملة : إحداث أمر في الشريعة لم يرد فيها نصٌّ بدعة ، سواء كانت أصلها مبتدعا أو خصوصيّتها مبتدعة (7). كأن يقول بأن الشارع أمرنا ان نقول كذا.
وقال الشيخ يوسف البحراني في الحدائق الناضرة ـ عن صلاة التراويح ـ لا والمتن منه.
ريب في أنَّ الصلاةَ خيرُ موضوعٍ ، إلاّ أنّه متى اعتقد المكلّف في ذلك أمرا زائدا على ما دلَّت عليه هذه الدلالة من عددٍ مخصوص ، وزمانٍ مخصوص ، أو كيفيّة خاصة ؛ ونحو ذلك ، ممّا لم يقم عليه دليل في الشريعة ، فإنَّه يكون محرَّما ، وتكون عبادته بدعة ، والبدعيّة ليست من حيث الصلاة ، وإنَّما هي من حيث هذا التوظيف الذي اعتقده في هذا الوقت ، والعدد ، والكيفية ، من غير أن يَرِدَ عليه دليل (8).
وهذان النصّان صـريحان في بدعية أي عمل يُؤتى به بقصد التشريع ولم يكن موظَّفا قبل ذلك في الشرع ، لأن الأُمور العبادية هي أُمور توقيفية لا يصحّ الأخذ بها إلاّ بنص من الشارع ، ولا يصحّ الزيادة والنقصان فيها بأيّ حال من الأحوال ، أمّا لو أتى بعملٍ طبق رواية غير معمول بها أو قل ضعيفة ، أو أتى بها بقصد القربة المطلقة ، أو للعمومات الواردة من قبل الشارع ، أو اتى بها على أنّها عمل مستحب ـ له دليله ـ ضمن عمل مستحب اخر لا على نحو الجزئية فلا يسمى هذا بابتداع ، لأنّ المكلّف كان في عمله هذا قد اتبّع دليلاً عامّا أو كنائيا (9) أو مستحبا له دليله الخاص ضمن المستحب أي انه اتبع نصا ودليلاً أو اعتمد واجتهد طبق مبنى ، خصوصا لو صَرَّح الإنسان بأ نّه لا يأتي بالشهادة الثالثة مثلاً على أنّها من أصل الأذان ، بل للعمومات الواردة في الولاية ، لاقتران الشهادات الثلاث معا في جميع المشاهد وعلى لسان الرسول والأئمة ، ولوحدة الملاك بين النداء باسم علي في السماء مع النداء باسمه في الأرض ، ولرجاء المطلوبية ، ولكون ذكر علي عبادة وما يشابهها. إذ لكل هذه الامور ادلة من الشرع ، فالمؤمن لو اتى بالشهادة الثالثة طبقا لهذه الاخبار لم يكن مأثوما لان عمله جاء عن دليل لا راي ، فيجب ان يبحث عن دليلته هذا الدليل لا ان يرمي بالبدعة وادخاله في الدين ما ليس من الدين ولنقرب المسألة بشكل آخر ، فنقول :
روى الكليني والصدوق والبرقي (10) عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبداللّه‌ ، عن آبائه : ، قال : قال أمير المؤمنين : السنّة سنّتان : سنّة في فريضة ، الأخذ بها هدى وتركها ضلالة ، وسنّة في غير فريضة ، الأخذ بها فضيلة ، وتركها إلى غير خطيئة.
وفي رواية المحاسن : وتركها إلى غيرها غير خطيئة.
وروت العامة هذا الخبر عن أبي هريرة ـ بتغيير في العبارة ـ قال : قال رسول اللّه‌ : السنة سنتان : سنة في فريضة ، وسنّة في غير فريضة ، السنة التي في الفر يضة أصلها في كتاب اللّه‌ ، أخذها هدى وتركها ضلالة ، والسنة التي ليس اصلها في كتاب اللّه‌ ، الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة (11).
وحكى السرخسي عن مكحول أنّه قال : السنة سنتان سنة أخذها هدى وتركها ضلالة ، وسنة أخذها حسن وتركها لا بأس به.
فالأول : نحو صلاة العيد ، والأذان والإقامة ، والصلاة بالجماعة ، ولهذا لو تركها قوم استوجبوا اللوم والعتاب ، ولو تركها أهل بلدة وأصروا على ذلك قوتلوا عليها ليأتوا بها.
والثاني : نحو ما نقل من طريقة رسول اللّه‌ صلی الله عليه وآله وسلم في قيامه وقعوده ولباسه وركوبه.
وسننه في العبادات متبوعة أيضا ، فمنها ما يكره تركها ، ومنها ما يكون التارك مسيئا ، ومنها ما يكون المتّبع لها محسنا ولا يكون التارك لها مسيئا إلى اخر كلام السرخسي (12).
والآن لنقف هنيئة عند رواية مدرسة آل البيت : الآنفة عن علي ، لنرى مدى دلالتها ، وهل تحتاج إلى تعليق أم لا؟ إذ المعلوم بأنّ السنّة التي جاءت عن النبي هي على شاكلتين :
إحداهما : سنة في فريضة ، وهي واجبةُ الإتيانِ بها ، مثل السبع ركعات التي أضافها النبي إلى العشر المأمور بها سابقا في صلاة الفريضة من قبل ربّ العالمين والمصرّح بكون هذه الزيادة سنة ، كما في رواية زرارة.
والثانية : سنّة مستحبّة ، تركها إلى غيرها غير خطيئة ـ كما جاء في رواية المحاسن ـ وهي مثل اختلاف صيغ أذكار النبيّ في الصلوات وما شابهها ، فإنّ تركَ إحداها إلى الأُخرى ليس فيه خطيئة.
ومن هذا الباب لا يجوز إبدال « اللّه‌ أكبر » بـ « سبحان اللّه‌ » أو « اللّه‌ أعظم » لانها بدعة لا خلاف فيه ، لأنّ « اللّه‌ اكبر » هو ممّا اتّفق الجميع على جزئيته وكونه من الأذان ، فهو فصل لا يمكن تبديله والتغيير فيه ، فهو كالواجب فيه وإن كان الأمر تعلّق بما هو مستحبّ كالأذان ، لأنّ الذي يريد أن يقولها فهو قد اتّبع إجماع الأ مّة على جزئيّتها ، وبذلك يكون الأخذ بها هدى وتركها ضلالة.
أمّا اعتبار تربيع التكبير في الإقامة أو تثنيته كما ورد في روايات الصدوق والشيخ الطوسي رحمهما اللّه‌ وغيرهما ، ومثله في غيرها من الأحكام التخييرية ، فإنّ الإتيان بكلّ واحدة منها جائز ، لورود النصوص في كل واحدة منهما ، وإنّ العمل باحدى أقسامها لا يخدش في ترك الأُخرى منها ، لقوله عليه السلام : « وتركها غير خطيئة » وخصوصا إذا كانت الرواية المعمول بها صحيحة ، وبذلك يكون الاختلاف بين الأصحاب في سنيّة هذه السنة ، لا الاختلاف في الفريضة حتى يقال أنّه مذموم.
وبمعنى آخر : إنّ الذي جاء عن رسول اللّه‌ صلی الله عليه وآله وسلم هو على نحو ين: إما هو في سنة ثابتة لا خلاف فيها ، فيكون بمنزلة الفريضة وتركها إلى غيرها خطيئة كما في ابدال كلمة « اللّه‌ أكبر ».
وإمّا أن لا تكون السنة محددة في فرد معيّن ، وذلك لتعدد النصوص عنه صلی الله عليه وآله وسلم فيها ، فيكون الأخذ بإحداها جائزا وترك الآخر منها ليس فيه خطيئة ، ومن هذا القبيل يكون الحديث الشاذ عند علماء الدراية ، فهو خبر يشبه الروايات التخييرية بفارق ان الثاني له الحجية الفعلية اما الأخبار الشاذة فحجيتها اقتضائية وذلك لعدم عمل الاصحاب بها.
ولنوضح هذا الامر بمثال في الأذان ، إذ ورد الاجتزاء بجملة واحدة منه في موارد ، منها : أذان المسافر ، وعند العجلة ، وفي المرأة بل ورد في أذان المرأة الاكتفاء بالتكبير والشهادتين دون الحيعلات (13) ، وفي بعض الروايات الاكتفاء بالشهادتين فقط (14) ، وجاء عن ابن عباس أنّه كان يكتفي بالشهادتين عند المطر (15) ، وأجيز للمؤذن أن يقول « حي على الصلاة » أو « حي على الفلاح » أكثر من مرتين (16) إذا كان إماما يريد به جماعة القوم ليجمعهم. وهذه هي الروايات التخييرية ومنها نفهم التوسعة في أمر الأذان ، أي انّ المكلّف لو أتى بواحدة من هذه الأُمور فأذانه صحيح وقد أخذ بالسنة ، وإن كان قد ترك بفعله سنة اخرى.
وعليه فلا يمكن تصوّر البدعة في امر موسع كالأذان ـ وحسب تعبير صاحب الجواهر : « والامر فيه سهل » ـ إلاّ بعد معرفة السنّة ، لأنّ البدعة أمر مركّب مؤلّف من عقدين : عقد إيجابي وعقد سلبي ، وكما قال الإمام علي « أما السنّة فسنة رسول اللّه‌ ، وأما البدعة فما خالفها » فبعد ثبوت السنّة يأتي دور ما يخالفها وهي البدعة.
وفي ما نحن فيه ، لابدّ لمدّعي نفي الشهادة الثالثة ـ من الأذان والإقامة مطلقا حتى بعنوان الاباحة ـ أن يثبت أنّها خلاف السنة على نحو التصادم والتعارض ، وان دعواهم عدم ذكرها في روايات المعصومين لا ينقضه ، لعدة جهات :
الأولى : أنّه لا ملازمة بين عدم الذكر وبين البدعية التي تستلزم الحرمة ، فالحكم بالاباحة والحلّيّة والطهارة والجواز فيما لا نص فيه ، ليس بدعةً باجماع المسلمين ، فركوب الطائرة مثلاً مباح بالإجماع لأصالة البراءة وليس ببدعة ، وقد يكون مسـتحبّا لتسريع المقصد وحفظ الوقت.
ومن هذا القبيل مسألة الشهادة الثالثة فعدم وجود نص على تشريعها لا يعني بدعيّتها بكلّ تقدير حتى بتقدير الإباحة والمحبوبية المطلقة ، وخصوصا مع معرفتنا بالظروف السياسية التي حكمت الشيعة في العصور الاولى وسيأتي في الفصل الاول أن هناك نصوصا قد حكاها الشيخ بهذا الشان
الثانية : إنّ المطالع سيقف بعد قليل على أنّ الشهادة بالولاية في معناها العام الشامل ، وأنّها شرط الإيمان ، كانت على عهد رسول اللّه‌ ، وأن النبي صلی الله عليه وآله وسلم والأئمّة من ولده ، كالباقر ، والصادق ، والكاظم ، والرضا ، والهادي : قد أكدوا على هذه الحقيقة تصريحا وتلويحا وايماءً واشارةً ، وهذا يؤكّد على محبوبيّة الشهادة بالولاية مطلقا في كل حال. واقصى ما يمكن قوله في عدم ذكر الأئمة لها هو عدم جزئيتها لا عدم محبوبيتها.
الثالثة : صرّح الشيخ الطوسي ، والشهيد والعلاّمة ، ونقلاً عنهم المجلسي ، وصاحب الجواهر ، وغيرهم بوجود أخبار دالة على الشهادة الثالثة ، فقال المجلسي : لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبّة في الأذان ؛ لشهادة الشيخ ، والعلاّمة ، والشهيد ، وغيرهم بورود الأخبار بها (17).
وقال صاحب الجواهر : لا بأس بذكر الشهادة بالولاية ، لا على سبيل الجزئية ، عملاً بالخبر المزبور (18).
ووجود هذه الاخبار تخرج موضوع الشهادة الثالثة من البدعية.
الرابعة : يمكن التوسعة في معنى السنّة ـ وحسب تعبير الإمام عليّ ـ والقول ـ فيما نحن فيه ـ : بأنّ الروايات الناصّة على أن فصول الأذان هي اثنان واربعون فصلاً ، والتي رواها الصدوق في ( الهداية ) (19) وأشار إليها الطوسي في النهاية (20) إنما هي ناظرة إلى ادخال الشهادة الثالثة في الأذان ، وإن كان الشيخ الطوسي ـ فيما رواه ـ قد صوّر ذلك بشكل يخرج الشهادة الثالثة عنها ؛ لظروف التقية التي كان يعيش فيها ، أو لأي شيء آخر ، فقال ;
ومن روى اثنين وأربعين فصلاً ، فإنه يجعلُ في آخر الأذان التكبير أربع مرات ، وفي أوّل الإقامة أربع مرّات ، وفي آخرها أيضا مثل ذلك أربع مرات ، ويقول : ( لا إله إلاّ اللّه‌ ) مرّتين في آخر الإقامة ، فإن عمل عامل على إحدى هذه الروايات لم يكن مأثوما (21).
فالشيخ ; وبقوله الآنف أراد بيان صورة الزيادة الفارقة بين الروايات المشهورة والمعمول بها عند الأذان والإقامة ، أعني 35 فصلاً مع ما روي في كونها 42 فصلاً بالتصوير التالي :
1 ـ زيادة مرتين « اللّه‌ اكبر » في آخر الأذان ، وبه يصير التكبير في آخرها أربعا.
2 ـ زيادة مرتين « اللّه‌ اكبر » في أول الإقامة ، وبه يصير التكبير في أول الإقامة أربعا.
3 ـ زيادة مرتين « اللّه‌ اكبر » في آخر الإقامة ، وبه يصير التكبير في آخر الإقامة اربعا.
4 ـ زيادة مرة اخرى « لا إله إلاّ اللّه‌ » في آخر الإقامة.
وهذه الزيادات السبعة لو اضيفت إلى الفصول المشهورة والتي هي 35 فصلاً لصارت 42 فصلاً.
لكننا نحتمل الأمر بشكل آخر مصورين في ذلك الروايات الشاذة التي حكاها الشيخ الطوسي ويحيى بن سعيد الحلي والعلاّمة الحلي على نحو ين :
الأول : ما رواه الشيخ الطوسي وصوره آنفا قبل قليل.
الثاني : ان نجمع بين الروايات التي وصفها الشيخ الصدوق بالوضع والشيخ الطوسي بالشذوذ بالشكل الاتي :
نحن لو أخذنا برواية أبي بكر الحضرمي وكليب الأسدي ، والتي أكدّ الشيخ الصدوق على صحتها ، ولم يرتضي الزيادة والنقصان فيها ، والتي كانت فصولها 36 فصلاً لقوله ; : « والإقامة كذلك » ، واضفنا إليها الشهادة بالولاية مرتين في الأذان ، ومرتين في الإقامة ، وقلنا بـ « قد قامت الصلاة » مرتين في الإقامة ؛ لان الشيخ الصدوق لم يذكرها فيما رواه عن أبي بكر الحضرمي وكليب ، وبهذا التصو ير صح إدّعاء وجود الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة في الروايات التي وصفها الشيخ الطوسي بالشاذّة ، والتي افتى بأنّ العامل بها غير مأثوم. إذ لا يمكن تصور شيء آخر في الاخبار الشاذة إلاّ كما قلناه ، لان فصول الأذان والإقامة لم تزد عند الشيخ الطوسي على 42 فصلا ، وبذلك يكون أما ما صوره ; وإما ما تصورناه واحتملناه.
هذا وقد قال الشيخ محمد تقي المجلسي في روضة المتقين ، بأنّ الأخبار التي جاءت في عدد فصول الأذان هي أكثر مما قيلت فقال ;
... مع أنّ الأخبار التي ذكرنا في الزيادة والنقصان وما لم نذكره كثيرة ، والظاهر أنّ الأخبار بزيادة هذه الكلمات أيضا كانت في الأُصول ، وكانت صحيحة أيضا ، كما يظهر من المحقّق والعلاّمة والشهيد رضی الله عنه ، فأ نّهم نسبوها إلى الشذوذ ، والشاذُّ ما يكونُ صحيحا غيرَ مشهور ... (22).
وفي الجملة إنّ مجموع الجهات الأربع وخصوصا الأُوليين منها يوقفنا على خطأ دعوى بدعيّة الشهادة الثالثة ، بمجرّد عدم مجيئها في كلام الأئمة ، إذ قد تبيّن أنّ الأصل هو الإباحة ، والإباحة ، بضميمة عمومات كثيرة أُخرى ترتفع إلى مرتبة الاستحباب ، خاصّة مع ملاحظة الأخبار الصحيحة غير المشهورة في رجحان الإتيان بها كما جزم به المجلسيّ وغيره ، والّتي وُصِفَتْ بالشذوذ.
وقد يقال هنا بإمكان إثبات الجزئية الواجبة لها فضلاً عن الاستحبابية ، لأ نّه لو قيل بعدم تماميتها في الجزئية الواجبة ، فلا يمكن الخدش في دلالتها على الجزئية الاستحبابية ، لقاعدة التسامح في أدلة السنن أو بقصد القربة على اختلاف المبنيين ، وكذلك للعمومات الواردة في لزوم مقارنة الرسالة بالوصاية في كل شيء : « من قال محمد رسول اللّه‌ فليقل علي أمير المؤمنين » و « أينما ذُكرتُ ذُكرتَ معي » وغيرها من الأدلة العامّة التي سيأتي بحثها.
وعليه ، فإنّ التوقيفية في العبادات لا يمنع من الإتيان بالشهاة الثالثة حسب البيان الذي قلناه ، وبرجاء المطلوبية استنادا إلى الأخبار التي أشار إليها الصدوق والطوسي رحمهما اللّه‌ ومن تبعهما في ذلك كالعلاّمة ويحيى بن سعيد رحمهما اللّه‌ ، وطبقا للعمومات التي جاءت في الشريعة ، إلى غيرها من الأدلّة التي ذكرها فقهاؤنا الأقدمون.
والملاحظ أنّ غالب الشيعة الإمامية لا تأتي بالشهادة الثالثة على أنّها جزءٌ ، بل بقصد القربة المطلقة وأمثالها ، فانهم لو كانوا يقولون بالجزئية لما اختلفت الصيغ الدالّة على الشهادة الثالثة عندهم : « أشهد أن عليّا ولي اللّه‌ » ، ومنهم من روى « محمد وآله خير البريـة » ، و « محمد وعلي خير البشر ».
فإن اختلاف هذه الصيغ في الأذان ، ومجيئها تارة بعد ( حي على خير العمل ) وأُخرى قبلها ، يؤكّد عدم قولهم بالجزئيّة ، ويشير إلى أنّهم يأتون بهذه النصوص في الأذان على أنّها تفسيرية لمعنى الولاية دون اعتبارها من أصل الأذان ، وبسبب القول بعدم الجزئيّة أكّد غالب الفقهاء في رسائلهم العملية على أن الشهادة الثالثة هي ليست من أصل الأذان ، ومن أراد أن يأتي بها فله أن يأتي بها من باب الحصول على المثوبة والتبرّك بذكر عليّ عليه السلام ، الذي هو عبادة ـ طبق النصوص الشرعية ـ لأن العبادات لا تقبل إلاّ بهم كما هو مفاد كثير من العمومات.
وبهذا ، فقد عرفنا أنّ الشيعة وبعملهم هذا قد استندوا في إتيانهم بالشهادة الثالثة على أدلّة شرعيّة كانت موجودة عندهم ، وأنّ ظروف التقيّة الّتي كانوا يعيشونها هي التي حدّت من انتشارها ، فإنّ تصريح فقهائهم بلزوم الإتيان بها لمحبوبيتها الذاتية ، أو بقصد القربة يؤكّد على أنّهم لا يقولون بأنّها من فصول الأذان ، حتى يقال بأ نّهم أدخلوا في الدين ما ليس منه ، قاصدين بعملهم التشريع المحرم.
المصادر :
1- العين 2 : 54 في مادة : بدعَ.
2- نهج البلاغة 2 : 28 ، من كلام له عليه السلام / الرقم 145 ، والمَهْيَع ، كالمقعد : الطريق الواضح.
3- الاصول الستة عشر : 54 ، الاصل الرابع لزيد النرسي ، وعنه في مستدرك الوسائل 4 : 44 / ح 4140 ، وبحار الانوار 81 : 172 / ح 76.
4- تحف العقول : 211 ، بحار الأنوار 75 : 49 / ح 69.
5- مسند احمد 1 : 435 / ح 4437 ، سنن الدارمي 1 : 78 / ح 202 ، الدر المنثور 3 : 385 ،
6- المحاسن 1 : 208 ، 218 / ح 74 ، 114 ، بحار الأنوار 2 : 315/ح 83 ، عنه ، ونهج البلاغة 1 : 99 ، / الرقم 50.
7- بحار الانوار 71 : 202 ذيل الحديث 41 ، من باب البدعة ومعناها.
8- الحدائق الناضرة 6 : 80.
9- الدليل الكنائي : 157.
10- المحاسن 1 : 224 ، وفي تحف العقول : 57 /الخصال : 48 / ح 54 ، مستدرك سفينة البحار 5 : 182./الكافي 1 : 71 / ح 12 / باب الاخذ بالسنّة ، شرح اصول الكافي للمازندراني 2 : 354.
11- المعجم الاوسط 4 : 215 / ح 4011 ، وعنه في مجمع الزوائد 1 : 172.
12- اصول السرخسي 1 : 114 ، وانظر المبسوط له 1 : 133.
13- تهذيب الاحكام 2 : 58 / ح 202 ، وسائل الشيعة 5 : 405 / ح 6937 ، / منتهى المطلب 1 : 257. / وسائل الشيعة 5 : 406 / ح 6939 ، / التهذيب 2 : 62 / ح 216 ، الاستبصار 1 : 307 / ح 1140 / التهذيب 2 : 62 / ح 219 ، الاستبصار 1 : 308 / ح 1143 .
14- من لا يحضره الفقيه 1 : 298 / ح 909 علل الشرائع 2 : 355 / ح 1 ، من الباب 68
15- سنن ابن ماجه 1 : 302 / ح 939
16- الكافي 3 : 308 ح 34 ، وسائل الشيعة 5 : 428 / ح 6999
17- بحار الانوار 81 : 111.
18- جواهر الكلام 9 : 87 / احتجاج الطبرسي 1 : 231.
19- الهداية : 141 / الباب 42 ، الأذان والإقامة.
20- النّهاية في مجرد الفقه الفتاوي : 69.
21- النهاية : 69 ، وانظر مصباح المتهجد : 26 كذلك.
22- روضة المتقين 2 : 245


source : rasekhoon
302
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:
لینک کوتاه

آخر المقالات

حديث المنزلة الأسانيد . . والشبهات
النُبوّةُ الخاصَّة
روايات ( يقال ) تتحول الى راي يتبناه العلما
إثبات الأشاعرة لرؤيته تعالى في الآخرة
من هم آكلة لحم الخنزير وما هو مصيرهم في الكتاب ...
المناظرة الحادية عشر/سماحة الشيخ مصطفى الطائي
القدرة الإِلهية المطلقة
الجبر و التفويض و الأمر بين الأمرين.2
العصمة وعلم الإمام
علامات المؤمن

 
user comment