عربي
Thursday 6th of August 2020
  12
  0
  0

الإمام الحسين.. الشاهد والشهيد

إذا كان الإمام الحسين عليه السلام يمثل الإسلام، و إمام الأمة، وحجة الله، فإنّ الجدير بنا أن نتخذه إماماً في كل مناهجه و شرائعه، و بالأخص في الآفاق التالية: عرفان الرب
الإمام الحسين.. الشاهد والشهيد

إذا كان الإمام الحسين عليه السلام يمثل الإسلام، و إمام الأمة، وحجة الله، فإنّ الجدير بنا أن نتخذه إماماً في كل مناهجه و شرائعه، و بالأخص في الآفاق التالية:


عرفان الرب
أولاً: يوم انصهر في بوتقة التوحيد، و عرفان الرب، و زكاة القلب، والتبتل في الليل، وكان حاله تأويلاً صادقاً لقوله سبحانه: (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) (الذاريات: 17).
و ما دعاؤه في يوم عرفة إلا قبساً من نور توحيده، ووهجاً من شوقه إلى رضوان ربه، وفيضاً من حكمته الإلهية.
 ألا تراه واقفاً في صحراء عرفات تحت شمس الظهيرة اللاهبة، وقد رفع كفيه الضارعتين إلى ربه، و جرت دموعه الدافئة على خده، و هو يخاطب ربه بكل عفوية وانسياب ويقول:
"أنت كهفي حين تعييني المذاهب في سعتها، و تضيق بي الأرض برحبها، و لولا رحمتك لكنتُ من الهالكين. و أنت مقيل عثرتي، و لولا سترك إياي لكنتُ من المقبوحين. و أنت مؤيدي بالنصر على أعدائي، و لولا نصرك إياي لكنتُ من المغلوبين. يا من خص نفسه بالسمو والرفعة، فأولياؤه بعزه يعتزّون. يا من جعلت له الملوك نير المذلة على أعناقهم فهم من سطواته خائفون، يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور، و غيب ما تأتي به الأزمنة والدهور. يا من لا يعلم كيف هو إلا هو. يا من لا يعلم ما هو إلا هو"[1].
هذا القلب الكبير الذي استقبل نفحات الرب في عرفات الحجاز.. هو القلب الذي استقبل تحديات الموت في يوم عاشوراء بتلك النفحات عندما إزدلف عليه أكثر من ثلاثين ألفاً من أعدائه يريدون قتله، فتوجه إلى ربه ضارعاً وقال:
 "اللهم أنت متعالي المكان، عظيم الجبروت، شديد المحال، غني عن الخلائق، عريض الكبرياء، قادر على ما تشاء، قريب الرحمة، صادق الوعد، سابغ النعمة، حسن البلاء، قريب إذا دعيت، محيط بما خلقت، قابل التوبة لمن تاب إليك، قادر على ما أردت، و مدرك ما طلبت، و شكور إذا شكرت، و ذكور إذا ذكرت، أدعوك محتاجاً، و أرغب إليك فقيراً، و أفزع إليك خائفاً، و أبكي مكروباً، واستعين بك ضعيفاً، و أتوكل عليك كافياً، أحكم بيننا وبين قومنا"[2].
 هذا هو الإمام الحسين عليه السلام، فعلينا أن نسمو إلى درجة إتّباعه في زهده و تقواه، في تبتّله و عبادته، في سلوكه و خُلُقِه.


السبيل الحب
ثانياً: و يوم نشأ بسلسبيل حب الله والرسول و عترته، فكانت نفسه طاهرة من أدران الشرك ووساوس الشك، و حوافز الشر، وغل الحسد، والحقد، والعصبيات المادية، وحين نقف على ضريحه المبارك نترنم:
 "أشهد أنك طُهر طاهر، من طُهر طاهر، طَهُرْتَ و طَهُرَت بك البلاد، و طَهُرَت أرض أنت بها، و طَهُر حرمك"[3].


الطاعة سبيل اليقين
ثالثاً: و يوم وقف بعزم صادق ونية خالصة إلى جانب أمه الصديقة الزهراء في معركة فدك، و إلى جانب والده الإمام علي عليه السلام في يوم الجمل وفي صفين والنهروان، و إلى جانب أخيه الإمام الحسن عليه السلام في حربه وسلمه.
 و هكذا كانت طاعته لقيادته الإلهية خالصة من أية شائبة، ذاب فيها كما تذوب قطرة ماء زلال في بحر فرات.
و نحن - إذ نتبعه - نروّض هوى النفس في ذواتنا لنصبح جزءًا من تيار التحرك الرسالي في الأمة، لا نريد لأنفسنا جزاءً ولا شكوراً.
وهكذا نقرأ في زيارته: "وأطعتَ الله و رسوله حتى أتاك اليقين"[4].
و هكذا الطاعة سبيل اليقين، و من يرفض الطاعة بمعاذير يلقيها إليه الشيطان يصبح ضحية الوساوس طوال حياته.


نهج الحياة
رابعاً: و أخيراً نتبعه يوم توّج تلك الحياة الربانية بشهادته لتكون نهج حياة.
و يوم شهادته كان السبط مثلاً أعلى لكل التضحيات، وحجةً بالغةً علينا فيها.
 لقد قدّم في يوم واحد كلما يمكن أن يقدّمه إنسان في سبيل ربه، كما ضرب أنصاره الكرام أروع الأمثلة في الإخلاص والإيثار. و هكذا كان الإمام حجةً بالغةً على كل متقاعس عن الجهاد، متخاذل خنوع.
 إنهم يتقاعسون عن الجهاد حفاظاً على أموالهم و دورهم وضياعهم كما خشي عمر بن سعد و خرج بذلك لقتال الإمام الحسين بكربلاء.
أو لم يكن للإمام ضياع و دور و أموال فتركها لله عندما قرر القيام ضد طاغية زمانه؟!
 ويتقاعس البعض عن الجهاد خوفاً على سمعته أن تنالها أجهزة التضليل الحكومية!!
أو لم يكن سيد الشهداء قد تعرض لذلك التشويه فقالوا عنه: إنه قُتِل بسيف جده، و نشروا في عرض البلاد و طولها بأنه خارجي، وكانت مئات الألوف من المنابر التي أقامها النبي للدعوة إلى الله، تبث الزيغ، والتبرير، والتحريض على المجاهدين الأوفياء لدين الله، و ضد أبي عبدالله الحسين عليه السلام بالذات؟
 وينكفئ البعض عن واجبه الشرعي لأنه يخشى على عائلته و أسرته أن تتضرر في زحمة الصراع السياسي.
بالله عليكم أي أسرة أشرف من أسرة النبي صلى الله عليه وآله، وأي أهل بيت أعظم من أهل بيت الوحي، وقد حملهم معه سيد الشهداء إلى كربلاء ليكونوا معه شهوداً على تلك المجزرة الرهيبة، ثم دعاة إلى القيام ضد بني أمية، وقد تعرضت لكل ألوان البلاء وأشدها إساءة حتى قُتلوا وأُسروا وطافوا بهم البلاد، يتصفح وجوههم أهل المنازل والمناهل، و هم حرم رسول الله، و مهابط وحي الله، و معادن حكمته.
و بعض الناس يزعمون أن القيادة ينبغي أن تكون محمية بعيدة عن الخطر.. وأي قائد أعظم من حجة الله وسبط الرسول وكهف المحرومين أبي عبد الله عليه السلام، و ها هو يقدم نفسه للفداء قرباناً إلى ربه و دفاعاً عن الرسالة؟.
 و هكذا كان ولا يزال السبط الشهيد شاهداً خالداً علينا - نحن المسلمين - ضد كل تبرير و عذر و تقاعس وانكفاء.
واليوم حيث يتعرض خط الرسالة للتشويه من قبل أبواق الكفر والنفاق، ما أحوجنا إلى الإمام الحسين عليه السلام و نهجه و سيرته و شهادته الدائمة على العصور.
و بصراحة؛ إن من يريد العزة والكرامة والاستقلال والرقي لابد أن يعد نفسه و مجتمعه إعداداً مناسباً، والنهج الحسيني هو الإعداد المناسب لكل تلك التطلعات.
علينا اليوم أن ننفتح على هذه النفحة السماوية التي تفيض بها ملحمة عاشوراء.
تعالوا نفكر جدياً و جذرياً كيف نبدأ الانعطافة الكبرى في حياة أمتنا؟ ألا يكفي الذل والصغار؟ ألا يكفي التشرّد والتشرذم؟ ألا تكفي الهزائم والويلات؟ ألا يكفي هتك الأعراض و قتل الأطفال و..و..؟
 تعالوا نبني ذلك التجمع الناهض الذي يحتمي بظل الإسلام الحنيف والنهج الحسيني الثائر ضد فتن الجاهلية و بغي الاستكبار وقيد الجبارين و مكر الطامعين.
أجل إن الحسين مصباح هدىً و سفينة نجاة....
فتعالوا نضيء جنبات حياتنا المظلمة بهذا المصباح الإلهي.(5)
المصادر:
[1] - مفاتيح الجنان، دعاء عرفة .
[2] - مفاتيح الجنان، أعمال اليوم الثالث من شعبان .
[3] - كامل الزيارات لابن قولويه، ص360، باب79، زيارات الحسين بن علي عليهما السلام .
[4] - مفاتيح الجنان، زيارة الإمام الحسين عليه السلام ، الزيارة السابعة .
[5] - اية الله محمد تقي المدرسي .

اعداد و تقديم : سيد مرتضى محمدي
القسم العربي - تبيان


source : sibtayn
  12
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

    من بلغه ثواب من الله على عمل فأتى به
    الإمام الجواد(عليه السلام) والمفاهيم المنحرفة عند ...
    الخروج على القانون
    الإمام الصادق (ع) خازن العلم وحافظ الشريعة
    رسالة المتعة
    آداب العبادة العامة
    من هو الحسين عليه السلام
    عاشوراء يوم الاسلام العظيم
    الامام الجواد في ظلِّ أبيه عليهما السلام
    في أعمالِ شهرِ شَوّال: اللّيلة الاولى

 
user comment