عربي
Tuesday 18th of January 2022
360
0
نفر 0

بيعة العقبة

قال القمي في تفسيره : لما قدمت الأوس والخزرج مكة، وكان أكثرهم مشركين على دينهم ، وفيهم عبد الله بن أُبي بن سلول، وفيهم ممن أسلم بشر كثير. وكان رسول الله نازلاً في دار عبد المطلب (في منى في أيام موسم الحج) ومعه علي (عليه السلام) وحمزة والعباس. فجاءهم رسول الله وقال لهم: تمنعون جانبي حتى أتلو عليكم كتاب ربكم، وثوابكم على الله الجنة؟ قالوا: نعم يا رسول الله فخذ لنفسك وربك ما شئت. فقال: موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريق فاحضروا دار عبد المطلب على العقبة، ولا تنبهوا نائما. فلما حجوا رجعوا إلى منى، وجاءه منهم سبعون رجلاً من الأوس والخزرج فدخلوا الدار. فلما اجتمعوا قال لهم رسول الله: تمنعون جانبي حتى أتلو عليكم كتاب ربكم وثوابكم على الله الجنة؟ فقال أسعد بن زرارة والبراء بن معرور وعبد الله بن حرام: نعم يا رسول الله ، فاشترط لنفسك ولربك. فقال رسول الله: تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم، وتمنعون أهلي مما تمنعون منه أهليكم؟ قالوا: فما لنا على ذلك؟ قال: تملكون بها العرب في الدنيا، وتدين لكم العجم وتكونوا ملوكاً في الجنة. فقالوا: قد رضينا. فقام العباس بن نضلة الأوسي فقال: يا معشر الأوس والخزرج، تعلمون على ما تقدمون عليه؟ إنما تقدمون على حرب الأحمر والأبيض وعلى حرب ملوك الدنيا، فان علمتم أنه إذا أصابتكم المصيبة في أنفسكم خذلتموه وتركتموه فلا تغروه، فان رسول الله - وان كان قومه خالفوه - فهو في عز ومنعة. فقال له عبد الله بن حرام وأسعد بن زرارة وأبو الهيثم ابن التيهان: مالك وللكلام؟ ! ثم قالوا: يا رسول الله، بل دمنا بدمك وأنفسنا بنفسك، فاشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال رسول الله: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيباً يكفلون عليكم بذلك، كما أخذ موسى من بني إسرائيل اثني عشر نقيباً. فقالوا: اختر من شئت. فأشار جبرئيل ( عليه السلام ) إليهم، فقال: هذا نقيب، وهذا نقيب حتى اختار تسعة من الخزرج وهم: أسعد بن زرارة ، والبراء بن معرور ، وعبد الله بن حرام - وهو أبو جابر بن عبد الله الأنصاري - ورافع بن مالك، وسعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، وعبادة ابن الصامت. وثلاثة من الأوس وهم: أبو الهيثم بن التيهان اليمني حليف بني عمرو بن عوف، وأسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة. فلما اجتمعوا وبايعوا رسول الله صاح بهم إبليس: يا معشر قريش والعرب، هذا محمد والصباة من الأوس والخزرج على هذه العقبة يبايعونه على حربكم فأسمع أهل منى، فهاجت قريش وأقبلوا بالسلاح. وسمع رسول الله النداء فقال للأنصار: تفرقوا. فقالوا: يا رسول الله ان أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا. فقال رسول الله: لم أؤمر بذلك، ولم يأذن الله في محاربتهم. فقالوا: يا رسول الله فتخرج معنا. قال: انتظر أمر الله (بالهجرة) فتفرقوا. وخرج حمزة وعلي بن أبي طالب فوقف حمزة على العقبة ومعه السيف. فجاءت قريش عن بكرة أبيها قد أخذوا السلاح، فلما نظروا إلى حمزة قالوا له: ما هذا الذي اجتمعتم عليه؟ قال: ما اجتمعنا، وما ها هنا أحد، ووالله لا يجوز أحد هذه العقبة الا ضربته بسيفي! فرجعوا. ورجع رسول الله إلى مكة. (ولم يطلع المسلمون من الأوس والخزرج المشركين منهم، وفيهم عبد الله بن أبي بن سلول، فغدت قريش إليه) وقالوا له: قد بلغنا أن قومك بايعوا محمداً على حربنا ؟ فحلف لهم عبد الله: أنهم لم يفعلوا ولا علم له بذلك، فصدقوه. ذكر ذلك القمي في تفسيره، ونقله عنه الطبرسي في " إعلام الورى " والقطب الراوندي في " قصص الأنبياء " ولم يتبعه تلميذه ابن شهرآشوب في " مناقب آل أبي طالب " بل قال: كان النبي يعرض نفسه على قبائل العرب في الموسم، فلقي رهطاً من الخزرج ستة نفر، فقال: أفلا تجلسون أحدثكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا إليه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، فقال بعضهم لبعض: والله إنه للنبي الذي كان يوعدكم به اليهود، فلا تسبقنكم إليه (فصدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الاسلام) وقالوا له: إنا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر مثل ما بينهم، فعسى أن يجمع الله بينهم بك، فسنقدم عليهم وندعوهم إلى أمرك (ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فان يجمعهم الله بك فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا عن رسول الله راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا ). فلما كان العام المقبل أتى من الأنصار إلى الموسم اثنا عشر رجلاً فلقوا النبي (صلى الله عليه وآله) فبايعوه على " بيعة النساء "  وبعث معهم مصعب بن عمير ابن هاشم يصلي بهم (فكان يصلي بهم ويقرئهم القرآن حتى سمي) بينهم بالمقرئ، وحتى لم تبق دار في المدينة إلا وفيها رجال ونساء مسلمون. (وفي الموسم القادم) خرج جمع من الأنصار مع حجاج قومهم، فاجتمعوا في ليلة من ليالي التشريق في الشعب عند العقبة، ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان. (فقام فيهم رسول الله) فقال: أبايعكم على الإسلام ؟ فقال له بعضهم: نريد أن تعرفنا - يا رسول الله - ما لله علينا وما لك علينا وما لنا على الله ؟ فقال: أما ما لله عليكم: فأن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأما ما لي عليكم: فتنصروني مثل نسائكم وأبنائكم، وأن تصبروا على عض السيف وأن يقتل خياركم. قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا على الله؟ قال: أما في الدنيا فالظهور على من عاداكم، وفي الآخرة الرضوان والجنة. فقال أبو الهيثم ابن التيهان: إن بيننا وبين الرجال حبالاً، فهل عسيت إن نحن قطعناها أو قطعوها ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله ثم قال: بل الدم الدم والهدم الهدم أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم. فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: والذي بعثك بالحق لنمنعنك بما نمنع به أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة، ورثناها كباراً عن كبار. فقال رسول الله: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيباً. فاختاروا. فقال لهم: أبايعكم كبيعة عيسى بن مريم للحواريين، كفلاء على قومكم، على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم . فبايعوه على ذلك . فصرخ الشيطان في العقبة: يا أهل الجباجب هل لكم في محمد والصباة معه؟! فإنهم قد اجتمعوا على حربكم. ففشا الخبر ونفر الناس وخرجوا في الطلب، فلم يدركوا منهم الا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، فأما المنذر فأعجز القوم هرباً، وأما سعد فأدركوه فأخذوه وربطوه بحبل رحله وأدخلوه مكة يضربونه. فبلغ خبره إلى جبير بن مطعم والحارث بن حرب بن أمية (أخي أبي سفيان صخر بن حرب) فأتياه وخلصاه. هذا ما ذكره ابن شهرآشوب في فصل هجرته (صلى الله عليه وآله)، وقد قال في الفصل السابق في أحواله وتواريخه: كان حصار الشعب أربع سنين. وقال قبله: توفي أبو طالب بعد نبوته بتسع سنين وثمانية أشهر، وذلك بعد خروجه من الشعب بشهرين. وتوفيت خديجة بعده بستة أشهر. ولبث بعدها بمكة ثلاثة أشهر فأمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة ( ! ) فخرج جماعة من أصحابه بأهاليهم، وذلك بعد خمس من نبوته ( ! ) وقال: فلما توفي أبو طالب خرج إلى الطائف وأقام فيه شهراً، ثم انصرف إلى مكة ومكث فيها سنة وستة أشهر في جوار مطعم بن عدي. ثم ذكر مختصر خبر بيعة العقبة الأولى والعقبة الثانية، ولكنه أضاف ذكر أسماءهم فقال: كانت بيعة العقبة الأولى بمنى، بايعه خمسة نفر من الخزرج وواحد من الأوس، في خفية من قومهم " بيعة النساء " وهم : جابر بن عبد الله، وقطبة بن عامر بن حرام، وعوف بن الحارث، وحارثة بن ثعلبة، ومرثد ابن الأسد، وأبو أمامة ثعلبة بن عمرو، ويقال: هو أسعد بن زرارة. وفي السنة القابلة - وهي العقبة الثانية - أنفذوا معهم ستة أخرى بالاسلام والبيعة، وهم، أبو الهيثم بن التيهان، وعبادة بن الصامت، وذكوان ابن عبد الله، ونافع بن مالك بن العجلان، وعباس بن عبادة بن نضلة، ويزيد بن ثعلبة حليف له. ويقال: مسعود بن الحارث، وعويم بن ساعدة حليف لهم. ثم أنفذ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) معهم ابن عمه: مصعب بن (عمير) بن هاشم، فنزل دار أسعد بن زرارة، فاجتمعوا عليه وأسلم أكثرهم. وفي السنة القابلة كانت " بيعة الحرب "  كانوا سبعين رجلاً وامرأتين من الأوس والخزرج، واختار منهم اثني عشر نقيبا ليكونوا كفلاء قومهم: تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، فمن الخزرج: أسعد بن زرارة، وجابر ابن عبد الله الأنصاري، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع. ومن القواقل: عبادة بن الصامت. ومن الأوس: أبو الهيثم بن التيهان، وأسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة. وظاهره - كما ترى - أنه يعدد ثلاث بيعات في ثلاث سنوات متواليات، ولم يسند الخبر لا هنا ولا في فصل هجرته (صلى الله عليه وآله) ولم يذكر سيرة ابن هشام أو ابن إسحاق عند ذكره لطرقه إلى كتب العامة في مقدمة كتابه، نعم ذكر طريقه إلى مغازيه ومع ذلك فاني لا أراه الا أنه اختصر خبره من سيرته كما في سيرة ابن هشام، مع فارق: أن ابن إسحاق يبدأ في خبر اسلام الأنصار، فيذكر عرض الرسول نفسه على العرب ولقاءه بالستة من الخزرج عند العقبة، وأنهم: أجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الاسلام. ثم انصرفوا عن رسول الله راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا. ثم يسميهم. ولا يذكر شيئاً عن البيعة ولا يسميهما " بيعة النساء " ولا " العقبة الأولى " وابن شهرآشوب سماهما: بيعة العقبة الأولى، وبيعة النساء. والعقبة الأولى التي أضيف فيها إلى الستة الأولى ستة آخرون فكان الجميع اثني  عشر رجلاً وبعث معهم مصعب بن عمير، يسميها: العقبة الثانية. والعقبة الثانية التي كان الأنصار فيها: ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين يسميها بيعة الحرب، وهي كذلك، ولكنه يجعلها البيعة الثالثة في السنة القابلة أي الثالثة. ولعل منشأ الشبهة له هو أن ابن إسحاق أو ابن هشام لا يسمي اللقاء الأول، ويسمي اللقاء الثاني بالعقبة الأولى ويسمي اللقاء الثالث بالعقبة الثانية ثم يعود على شروط هذه البيعة بعنوان: شروط البيعة في العقبة الأخيرة: قال ابن إسحاق: وكانت بيعة الحرب فلعله وهم أن البيعة الأخيرة بيعة الحرب غير بيعة العقبة الثانية، فهي الثالثة. وابن إسحاق يروي الخبر الأول عن اللقاء الأول للنبي بالستة من الخزرج عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ قومه وخبر العقبة الأولى عن عبادة بن الصامت بثلاث وسائط، وبطريق آخر عنه بواسطتين  وخبر العقبة الثانية عن كعب بن مالك الخزرجي بواسطة ابنه معبد عن أخيه عبد الله عن أبيه كعب وخبر أسر سعد بن عبادة عن عبد الله بن أبي بكر عنه. ويوهم قوله: كانت البيعة الأولى على بيعة النساء، وذلك أن الله لم يكن قد أذن لرسوله - صلى الله عليه [ وآله ] وسلم - في الحرب، فلما أذن الله له فيها وبايعهم رسول الله وقوله: وكان رسول الله قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء. فلما عتت قريش على الله عز وجل. أذن الله عز وجل لرسوله في القتل والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم. بلغني عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء: أن أول آية أنزلت في اذنه له في الحرب وإحلاله له الدماء والقتال لمن بغى عليهم قول الله تبارك وتعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ). فلما أذن الله تعالى له في الحرب وبايعه هذا الحي من الأنصار يوهم قوله هذا: أن الاذن له بالحرب صدر بهذه الآية قبل بيعة الحرب في العقبة الثانية قبل الهجرة، ولذلك بايعهم النبي بيعة الحرب. ويرده ما رواه ابن إسحاق عن معبد بن كعب عن أخيه عبد الله بن كعب عن أبيه كعب بن مالك: أن العباس بن عبادة بن نضلة قال له: إن شئت لنميلن على أهل منى غداً بأسيافنا؟ ! فقال رسول الله: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم. والآية من سورة الحج، وهي بعد المائة في ترتيب النزول، أي النازلة بعد عشرين سورة نزلت بعد الهجرة، تقريباً، مما لا يناسب معه نزولها حتى قبل وقعة بدر في منتصف السنة الثانية للهجرة ، بل يناسب نزولها بعد ذلك تحكي علة الاذن في ذلك، فضلاً عن أن تكون قد نزلت قبل بيعة الحرب في العقبة الثانية قبل الهجرة، مما يوهمه ظاهر مقال ابن إسحاق ، ولكن الحديث اختلط بعضه ببعض في غير وضوح. نعم كان يفهم من بيعة الحرب أن ذلك سيكون، وكانت لابن إسحاق رواية عن عروة ابن الزبير وغيره عن أول آية أنزلت في الاذن في الحرب والقتال، فانتقل إلى نقل الرواية جملة معترضة، ومثله كثير في الكتب القديمة .


--------------------------------------------------------------------------------
المصدر:موسوعة التاريخ الإسلامي - محمد هادي اليوسفي - ج 1 - ص 689 - 701


source : اهل بیت
360
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

معركة النهروان سنة 38 هـ
الغناء والرقص زمن الدولة الاموية
غزوة بدر الكبرى نموذج للإمدادات الإلهية
وجه الامام ( ع ) هذه الكلمة النيرة إلى الانصار ...
اختلاف الالسن‏ ، کیف ،متی، لماذا ؟
أعمال الليلة الحادية والعشرين
بلال ، حضرت فاطمہ (س ) کي نظر ميں
مناظرة الشيخ المفيد مع أبي محمد بن المأمون في حكم ...
عاشوراء يدفع الأمة الى الولاية
حرب صافوراء مع وصي موسي (علیه السلام)

 
user comment