عربي
Wednesday 25th of November 2020
  596
  0
  0

الجاهلية فى القرآن الكريم و نهج البلاغة

الجاهلية فى القرآن الكريم:
إنّ القرآن يسمّي عهد العرب المتّصل بظهور الإسلام بالجاهليّة ، وليس إلا إشارة منه إلى أنّ الحاكم فـيـهم يومئذ الجهل دون العلم ، وأنّ المسيطر عليهم في كلّ شيء الباطل دون الحق ، وكذلك كانوا ، على ما يقصّ القرآن من شؤونهم:

قال تعالى : (يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ) { آل عمران:154 } .

وقال (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ)  {المائدة:50} .

وقال : (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ){الفتح:26}.

وقال : (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى)  {الاحزاب:33} .

كانت العرب يومئذٍ تجاور في جنوبها الحبشة وهي نصرانيّة ، وفي مغربها إمبراطوريّة الروم وهي نـصرانيّة أيضاً ، وفي شمالها الفرس وهم مجوس ، وفي غير ذلك مصر والهند وهما وثنيّتان ، وفي أرضهم طوائف من اليهود. وهم وثنيّون يعيش أكثرهم عيشـة القبائل ، وهذا كلّه هو الذي أوجد لهم اجـتـمـاعاً همجيّاً بدويّاً فيه أخلاط من رسوم اليهوديّة والنصرانيّة والمجوسيّة ، وهم سكارى في جهالتهم .
وكـانـت الـعـشـائر الـبدو على ما لهم من خسـاسة العيش ودناءته يعيشون بالغزوات وشنّ الغارات واختطاف ما في أيدي الآخرين من متاعٍ أو عرض ،فلا أمن بينهم ولا أمانة ، ولا سلم ولا سلامة ، والأمر ِلمَن غلب ، والملك ِلمَن وضع يده عليه ((ومن عزّ بزّ)).

أمـّا الـرجـال فالفضيلة بينهم سفك الدماء والحميّة الجاهليّة والكبر والغرور وإتّباع الظالمين وهضم حقوق المظلومين ، والتعادي والتنافس ،والقمار وشرب الخمر والزنا ، وأكل الميتة و حشف التمر.

وأمّا النساء فقد كنّ محرومات من مزايا المجتمع الإنساني لا يملكن من أنفسـهنّ إرادة ولا من أعمالهنّ عـمـلاً ، ولا يـمـلـكن ميراثاً ، ويتزوّج بهنَّ الرجال من غير تحديد بحدّ ، كما عند اليهود وبعض الوثنيّين ، ومع ذلك فقد كنّ يتبرّجن بالزينة ويدعن من أحببن إلى أنفسهنّ ، وفشا فيهنّ الزنا والسفاح حتّى المحصنات المزوّجات منهنّ ، ومن عجيب بروزهن انّهنّ ربَّما كنّ يطفن بالبيت ليلاً عاريات من ثيابهنّ (لأنّهنّ لا يجدن إحراماً طاهرا).

وأمّـا الأولاد فـكانوا يُنسَبون إلى الآباء لكنّهم لا يُورَّثون صِغاراً و يذهب الكبار بالإرث ، ومن الإرث زوجة المتوفّى ، ويُحرَم الصغار ـ ذكوراً أو إناثاً ـ والنساء نعم لو ترك المتوفّى صغيراً ورثه ولكنّ الأقوياء يتولّون أمر اليتيم ويأكلون ماله ، ولو كان اليتيم بنتاً تزوّجوها وأكلوا مالها ثمّ طلّقوها وخلّوا سـبيلها ، فلا مال تقتات به ولا راغب في نكاحها ينفق عليها. والإبتلاء بأمر الأيتام من أكثر الحوادث المبتلى بها بينهم لدوام الحروب والغارات والغزوات فطبعاً كان القتل شائعاً بينهم .
وكان من شقاء أولادهم أنّ بلادهم الخربة وأراضيهم القفرة البائرة كان يسرع إليها الجدب والقحط ، فـكـان الرجل يقتل أولاده خشية الإملاق : (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ){الإسراء:31} ، وكانوا يـئدون الـبـنات : ( وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ) {التكوير:8 و9} ، و كان من أبغض الأشياء أن يبشَّر الرجل بالانثى : (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ  يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ) {النحل:58و59} .
وأمّـا وضـع الـحـكومة بينهم : فأطراف الجزيرة وإن كانت ربَّما ملك فيها ملوك تحت رعاية أقوى الـجيران وأقربها كإيران لنواحي الشمال ، والروم لنواحي الغرب ، والحبشة لنواحي الجنوب ، إلا أنّ قرى الأوساط كمكّة ويثرب والطائف وغيرها كانت تعيش في وضع أشبه بالجمهوريّة وليس بها ، والـعشائر في البدو بل حتّى في داخل القرى كانت تدار بحكومة رؤسائها و شيوخها ، وربَّما تبدّل الوضع بالسلطنة .
وهـذا هو الهرج (الفُوضى ) العجيب الذي كان يبرز في كلّ عدّة معدودة منهم بلون ، ويظهر في كلّ نـاحية من أرض شبه الجزيرة بشكل مع الرسوم العجيبة والاعتقادات الخرافيّة الدائرة بينهم أضف إلى ذلك بلاء الاميّة وفقدان التعليم والتعلُّم في بلادهم فضلاً عن العشائر والقبائل .

وكـلُّ هـذا الذي ذكرناه من أحوالهم وأعمالهم والعادات والمراسيم الدائرة بينهم هو مِمّا يُستفاد من سـياق الآيات القرآنيّة والخطابات التي تخاطبهم بها ، أوضح إفادة ، فتدبّر في المقاصد التي ترومها الآيـات والـبـيـانـات الـتـي تـلقيها إليهم بمكة أوّلاً ، ثمّ بعد ظهور الإسلام وقوّته بالمدينة ثانياً ، وفي الأوصاف التي تصفهم بها ، والامور التي تذمّها منهم وتلومهم عليها ،والنواهي المتوجّهة إليهم في شـدّتـهـا وضعفها.. إذا تأمّلت كلّ ذلك تجد صحّة ما ذكرناه. والتأريخ كذلك يذكر كلّ ذلك ويعرض من تـفـاصـيـلـه مـا لـم نـذكـره ،لإجمال الآيات الكريمة وإيجازها القول فيه. وأوجز كلمة وأوفاها لإفـادة مجمل هـذه المعاني ما سمّى القرآن به هذا العهد ((الجاهليّة)) فقد أجمل في معناها كلّ هذه التفاصيل. هذا حال عالم العرب ذلك اليوم .
وأمّا العالم المحيط بهم ذلك اليوم من الفرس والروم والحبشة و الهند وغيرهم ، فالقرآن يُجمل القول فيه أيضاً.

أمّـا أهـل الـكـتـاب منهم أعني اليهود والنصارى ومن يلحق بهم (من المجوس والصابئة ) فقد كانت مـجـتـمعاتهم تدار بالأهواء الاستبداديّة والتحكّمات الفرديّة من الملوك والرؤساء والحكّام والعمّال ، فـكـانـت مـقـتـسمة طبعاً إلى طبقتين : طبقـة حاكمة فعّالة لِما تشاء ، تعبث بالنفس والعرض والمال وطـبـقة محكومة مستعبدة مستذلّة لا أمن لها في مالٍ ولا عرض ولا نفس ولا حرّيّة ولا إرادة إلا ما وافـق مـن يـفـوقـهـا. وقد كانت الطبقة الحاكمة استمالت علماء الدين وحملة الشـرع وائتلفت بهم ، وأخذت مجامع قلوب العامّة وأفكارهم بأيديهم ، فكانت بالحقيقة هي الحاكمة في دين الناس ودنياهم ، تحكم في دين الناس كيفما أرادت بلسان العلماء وأقلامهم ، وفي دنياهم بالسوط  والسيف .

هـذا وقـد انقسمت الطبقة المحكومة أيضاً حسب قوتها في السطوة والثروة فيما بينهم ، إلى طبقتي الأغـنياء المترفين والضعفاء و العجزة والعبيد ، والى رب البيت و مربوبية من النساء و الأولاد ، وكذا إلـى الـرجـال الـمـالكين لحرّيّة الإرادة والعمل في جميع شؤون الحياة وإلى النساء المحرومات من جميع ذلك والتابعات للرجال محضاً والخادمات لهم فيما أرادوه منهنّ من غير استقلال ولو يسيراً.
ومجمل هذه الحقيقة يظهر من قوله سبحانه : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) {آل عمران:64} ، وكذا قوله سبحانه : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) {الحجرات:13}، وقوله في النساء : (أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ){آل عمران:195} .
الجاهلية في نهج البلاغة :
وبـعـد استعراض هذه الآيات من القرآن الكريم بشأن الجاهليّة يكفينا أن نتذكّر بعض ما جاء عن الامام علي عليه السلام في ((نهج البلاغة)) في ذلك :

((وأنـتـم مـعـشـر الـعرب على شرّ دين وفي شرّ دار ، مُنيخون بين حجارة خُشن وحيّات صُمّ ، تـشـربـون الـكَدِر وتأكلون الجَشِب ، وتسفكون دماءكم وتقطعون أرحامكم ، الأصنام فيكم منصوبة والآثام فيكم معصوبة)) {الخطبة:91} .

(( و النّاس ضُلاّل في حيرة ، و خابطون في فتنة . قد استهوتهم الأهواء ، و استزلّتهم الكبرياء ، و استخفّتهم الجاهليّة الجهلاء . حيارى في زلزالٍ من الأمر و بلاءٍ من الجهل)) {الخطبة : 95}  .

((فالأحوال مضطربة و الأيدي مختلفة و الكَثرة متفرّقة. في بلاء أزل و إطباق جهل: من بنات موؤودة و أصنام معبودة، و أرحام مقطوعة، و غارات مشنونة )) {الخطبة : 190}  .


source : اهل بیت
  596
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

هل کان العلامة المجلسي من المروجين للدولة الصفوية و ...
الدليل على إمامة الحسن (عليه السلام)
التشيع لاهل البيت ـ عليهم السلام ـ و مودتهم
التشيع العقيدي .
النجف الاشرف
في تقدم الشيعة في علم المعاني والبيان والفصاحة ...
في رحاب نهج البلاغة (إحتجاج الإمام عليه السلام على من ...
الحجة عند الزهراء (عليها السلام) في قضية فدك
خطبتها في المسجد و الشهادة والألم
حقيقة معنى الانتقال من الأمويين الى العباسيين

 
user comment