عربي
Friday 18th of September 2020
  301
  0
  0

الحجّ والجهاد ... المفاهيم المتكاملة

يرتبط الحج في بعض أبعاده ومفاهيمه مع الجهاد بعلاقة، قد تبدو غريبة على المفهوم السلمي، الذي استوحيناه سابقاً من الحج. وأكثر ما تتضح هذه العلاقة في الموقف الإسلامي من الشرك وأهل الكتاب. إضافةً إلى موقف الإسلام العام منهم.
  
فهذهِ العلاقة تمثل موقفاً خاصاً من مشركي الجزيرة وكتابييها. ففي مطلع سورة براءة نقرأ قوله ـ تعالى ـ : (براءةٌ من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين * فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غيرُ معجزي الله وأنّ الله مخزي الكافرين * وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحجّ الأكبر أنّ الله بريء من المشركين ورسولُهُ)( التوبة : الآيات 1-3).
  
فهذه الآيات التي نزلت في السنة التاسعة من الهجرة تنبئ عن موقف إسلامي متشدّد اتجاه مشركي الجزيرة، كما أن الأخبار التي تحدّثت عن أن النبيّ(صلى الله عليه وآله) في أواخر حياته أمر بإخراج أهل الكتاب من الجزيرة تنبئ ـ أيضاً ـ عن موقف إسلامي خاص بهم.
فكيف ينسجم المفهوم السلمي للحج في بُعده المكاني مع هذه المواقف المتشدّدة؟
هنا نحتاج إلى البحث في أصل الموقف الإسلامي من هاتين الطائفتين مرّة، وفي المتشدّد مع من كان منهما في الجزيرة العربية مرّةً أُخرى.
ففي المرّة الأولى نرى أن ذلك الموقف يرتبط بجوهر النظرة الإسلامية للحياة الإنسانية، وأُسس الموقف الإسلامي من الديانات الأخرى، فالإسلام ـ خلافاً للعلمانية الحديثة ـ يرى أن قضية الإيمان والتوحيد تمسّ جوهر الحياة الإنسانيّة. فكما لا أهميّة للبدن من غير روح، كذلك تفقد الحياة واقعها المعنوي إذا ابتعدت عن الإيمان الذي يعطي لحركة القلب والعقل الاتجاه الصحيح، ويروي ظمأ الروح، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ..) ( الأنفال : 24).
ولذلك يتّخذ الإسلام من التوحيد قاعدة لحضارته، ويرى ضرورة نشر هذه القاعدة لتستوعب الكرة الأرضية برمتها حيثما وُجد الإنسان، ويعدّ ذلك مبدأً تفوق أهميته أهميةَ مبدإ الحريّة الإنسانيّة، التي يؤمن بها الإسلام أساساً، ولكنه لا يجد مناصاً من التخلي عنها عندما تتعارض مع قضية الإيمان. فيرى ضرورة نشر التوحيد في الأرض، وإزالة الموانع السياسية والاجتماعية التي تحول دون تقدمه، أو تشكّل خطراً عليه في الأرض.
وإذا كانت الحضارة المعاصرة في مستواها النظري تبدو غير متفقة مع الإسلام في هذا الموقف، فإنها تسلك مع خصومها سلوكاً متشابهاً، بتأكيدها الحرية الإنسانيّة، وجعلها قاعدة وجودها، وعدم سماحها بظهور النظم السياسية الديكتاتورية والفاشستية في العالم إلى حدّ استخدام القوّة العسكرية ضدّها لاسقاطها، فتكون قد عملت بنفس النهج الإسلامي الذي تعدّه بائداً ينتسب إلى القرون الوسطى.
فإذا كان ما تقوله حقّاً فهي أولى به ذمّاً; لأنّ الإسلام لم يجعل الحرية قاعدة لوجوده حتى يناقض هذا السلوك مع تلك القاعدة، وإنما جعل الحرية جزءاً من حضارته، والتوحيد قاعدة لها، ومن الطبيعي أن يقدم مصلحة القاعدة على مصلحة الجزء كلما تعارضتا، فيلجأ إلى القوة كلما تطلبت مصلحة التوحيد ذلك. فإنّه لو لم يقم بذلك ينتهي الأمر إلى أن تخسر البشرية المصلحة المرجوّة من الإسلام، قد تقول: لماذا لا يترك الإسلام الشرك ليسقط وحده وبالوسائل السلمية؟
ويبتني هذا السؤال على افتراض أن تقدم الزمن وتطور المعرفة كفيلان بإزالة الشرك، ولكن الواقع ينفي هذا الافتراض. فإنّ المعرفة لا تؤثر في كثير من الأحيان بالأديان والمذاهب التي تستقر غالباً في كوامن النفس، وتتغلغل فيها عبر نقاط لا سبيل إلى المعرفة إليها فتبقى هناك يتوارثها الأجيال، فتتحوّل بعد فترة من الزمن والأحداث المؤثرة نفسياً عليها إلى عقائد قومية يشحذها التعصب القومي تجاه القوميات ذات الأديان المختلفة. ألا ترى أنّ عبادة الأوثان والحيوانات ظاهرة لا زالت قائمة في أفريقيا وشبه الجزيرة الهندية إلى الآن؟ وليس من شك أنّ بقاء هذه الظاهرة لمما يُعاب عليه الإنسان في كل زمان ومكان فضلا عن زماننا. وهي مما يزري بالإنسانيّة المعاصرة أكثر من إزراء الديكتاتورية ـ التي تعدّ في نظر الغرب فاحشة الفواحش في دنيا الإنسان ـ بها.
وانطلاقاً من قاعدته الكبرى في الحياة يقسم الإسلام المجتمع ثلاثةَ أقسام هي:
  
الأول: يمثل إنسانية ملتزمة.
  
الثاني: يمثل إنسانية شبه ملتزمة.
  
الثالث: يمثل إنسانية ترفض الالتزام.
وهذا التبرّج في الالتزام يمثل تدرجاً في القرب والبعد من التوحيد، وعلى ضوئه يوزع الإسلام المواقع والمسؤوليات في الحياة بين هذه الأقسام. فيعطي الموقع الأول في الحياة للقسم الأول، والموقع الثاني للقسم الثاني فيما يرفض الإيمان باستحقاق القسم الثالث لأيّ موقع. ويتضمّن موقع القسم الأول ـ الإنسانيّة الملتزمة ـ حقّ السيادة على الأرض وقيادة المجتمع الإنساني. قال تعالى: (ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلَهُم أئمة ونجعلَهُم الوارثين)( القصص : 5).
(وكذلك جعلناكم أُمّة وسطاً لتكونوا شهداءَ على الناس ...)( البقرة : 143).
والسيادة في عرف الإسلام ليست سيادة عنصرية كما هو المفهوم منها في العصر الحاضر، وإنما هي سيادة موضوعية ناشئة عن مبدإ سيادة التوحيد على ما سواه في الأرض; ليكون الدين كلّه لله، وليست سيادة الإنسان على الإنسان إلاّ ظلا لذلك المبدإ وهذا ما يفسر الكيفيّة الأيسر، والخسائر الأقل التي يتطلبها فرض هذه السيادة بالقياس إلى عمليات فرض الأنواع الأخرى التي تأخذ أشكالا عنصرية ـ قومية أو وطنية ـ فتجعل كيفيتها متعذرة، وخسائرها لا تطاق; لأنها شكلٌ من أشكال عبودية الإنسان للإنسان. والإسلام يرفض كلّ أشكال هذه العبودية، ويحصر نطاق العبودية في الخالق العظيم ـ سبحانهوتعالى ـ
ومن هنا فإنّ مفهوم السيادة في الإسلام لا يحمل أي معنى سلبي مخلّ بإنسانية الإنسان، وإحساسه بكرامته وشخصيّته. وما قد يتصوّره البعضُ من أنّ عملية بسط سيادة التوحيد على المجتمع الإنساني ككل سوف تكون عمليّة متعذّرة، وستتطلب أنهاراً من الدماء، منشؤه القياس على الحروب الإستعمارية. والفرق بين الفتح الإسلامي والحروب الإستعمارية واسعٌ جداً وهو الفرق الأساس بين مبدإ الإسلام في الدفاع عن قاعدته الكبرى ـ التوحيد ـ ومبدإ الغرب في الدفاع عن قاعدته الكبرى ـ الحريّة ـ فإنّ الإسلام يستطيع أن يفرض على أتباعه النقاء في هذه الأهداف بينما لا يستطيع الغرب أن يفرض على أتباعه ذلك. وسرعان ما تتحوّل عملية الدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان إلى نظام انتداب أو معاهدة مذلّة، أو احتلال عسكري مباشر، أو استعمار اللعبة الدولية والمخابرات السريّة الذي يسقط متى ما أراد هذا النظام الحاكم اسقاطه، وإقامة نظام آخر على انقاضه.
  
مکه المکرمة
إنّ تبني الإسلام لمبدإ حاكمية الإنسانية الملتزمة على الأرض ناشئٌ من هدفية الإسلام، وسعيه للاتساق مع النظام الكوني بفرض النظام على الحياة الإنسانية، ومنعها من الانحدار إلى العبثية والفوضوية. ولكي تكون السيادة في نهاية المطاف للقانون الإلهي الذي يعطي كلّ ذي حقّ حقّه، ويمنع كلّ غير ذي حقّ من الاعتداء على حقوق غيره، وبما يخدم قضية السلم الإنساني بنطاقها الواسف ولا يصعب على الإنسان المؤمن بالهدفية في الحياةِ الإيمانُ بمبدإ حاكمية الإنسانية الملتزمة، بل يجد الغضاضة بغيره.
من هنا فإنّ التناقض الإسلامي ـ الغربي حول هذه النقطة ناشئ من عبثية الفكر الغربي، الذي لم يعطِ لمسألتي الكون والحياة حقّهما من البحث، وفصل الثانية عن الأولى انطلاقاً من فكرة العلمانية القائلة بفصل الدين عن السياسة.
فأهمل البحث في المسألة الأولى (المسألة الكونية) وانكب على دراسة المسألة الثانية (المسألة الاجتماعية) فجاءت فكرته عن الحرية الإنسانية نتيجة طبيعية لعبثيته ولا أباليّته في المسألة الكونية، التي حكم عليها بأنها نظرية لا علاقة لها بالحياة، وهو حكم متسرّع لم ينشأ من دراسة موضوعية، وإنما من رغبة في إقصاء الدين عن الحياة، بعدما أشبعت الكنيسةُ أوروبا بالمظالم والمفاسد والانحرافات. ولو أنّ الغرب بحث هذه المسألة بعيداً عن تلك الروح السلبية تجاه الدين، وانتهى بحكم البحث الموضوعي إلى الايمان بالله، وكان منطقياً هادفاً ومنسجماً مع نفسه وعقله، لوجد أنّ الواقع يفرض عليه أن يبحث في المسألة الاجتماعية في ضوء نتائج بحثه في المسألة الكونية، وأن يحدّ من نطاق إيمانه بالحرية الإنسانية كما آمن الإسلام بذلك. ومن هنا فإنّ الإسلام عندما أعطى السيادة للمجتمع الإسلامي دون سواه كان ينطلق من ذلك من مبدإ هدفيته في الحياة، ومطالبته المجتمع الإنساني أن يكون منسجماً مع عقله، وهادفاً في وجوده، ورافضاً انحدار ذلك المجتمع إلى حضيض العبثية.
أمّا الإنسانيّة شبه الملتزمة المتمثّلة بأهل الكتاب، الذين يحملون نوعاً من التشبث بالتوحيد، فقد منحها الإسلام الموقع الثاني في الحياة، وهو موقع يتضمّن حقّ الحياة والوجود بلا سيادة. والذي منحها هذا الحقّ هو تشبثها بالتوحيد، كما أنّ الذي حرمها من السيادة هو نقصان ما تدّعيه من التوحيد; ولذلك أمر الإسلام بمعاملتهم بالحسنى، والوفاء معهم بالعهود والمواثيق التي تعطى لهم، ولم يمنعهم من ممارسة شعائرهم الدينية إذا لم يخلّوا بشرائط الذمة. وآمنوا بالسيادة الإسلاميّة عليهم حتى قال النبي (صلى الله عليه وآله): «مَن آذى ذميّاً فقد آذانيآ».
فما عندهم من التوحيد يبتعد بهم عن الاتصاف بالخطر على قاعدة الإسلام فلا يبقى إلاّ خطرهم السياسي، فإذا ما التزموا بشروط الذمة زال ذلك الخطر، وأصبح وجودهم في ظلّ الدولة الإسلامية طبيعياً.
وتمشياً مع نزعته الإنسانيّة سعى الإسلام إلى توسيع دائرة أهل الكتاب لتشتمل على من لهم شبهة كتاب كالمجوس، ولا تقتصر على من يُقطع بانتسابهم إلى كتاب سماوي كاليهود والنصارى، فلم يشترط أن يكون الانتساب للسماء قطعياً.
أمّا القسم الثالث فقد رفض الإسلام الاعتراف به، وجعل التعامل معه قائماً على أساس القتال، ما لم يترك الشرك الذي يمثل أعلى درجات الفوضوية والعبثيّة في الحياة، ويشكّل خطراً على قاعدة الإسلام الحضارية المتمثلة بالتوحيد، وسيادته السياسية على الأرض المتمثلة بحاكمية القانون الإلهي.
ولما كان التوحيد قاعدة السلم في الحياة الإنسانية، فإنّ الشرك بما يمثله من اتجاه فوضوي عابث يرفض الاتساق مع الفطرة والطبف ويصرّ على الانحراف، ويشكل خطراً جدّياً على قضية السلم والأمن; لذا فإنّ محاربته ضرورة من ضرورات الأمن، كما كانت سيادة التوحيد في الأرض تعني سيادة قوى السلم فيها(1).
هذا فيما يخصّ موقف الإسلام من المشركين وأهل الكتاب عامة. أمّا ما يخصّ نصارى العرب وكتابيي الجزيرة، فإنّ الإسلام وقف منهم موقفاً خاصاً، فلم يقبل من نصارى العرب الجزية، وعاملهم معاملة المشركين بالتخيير بين الإسلام والقتال، وأمر بترحيل الكتابيين غير العرب عن الجزيرة; لأنه يعدّ الجزيرةَ مهد الإسلام وعاصمة التوحيد، فلابد من تنقيتها من شوائب الشرك، وإخلائها لأهل التوحيد الخالص.
فإذا كان الإسلام قد أقرّ بحقّ الكتابيين بالوجود المجرّد عن السيادة، فإنّه لم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لمزيد من التفصيل راجع كراس الجهاد وحالاته المشروعة في القرآن، للشهيد مطهري; وتفسير الميزان للعلاّمة الطباطبائي 2 : 65; وكتاب الإسلام ومنطق القوّة للعلاّمة فضل الله : 205-210.
يقرّ أن يكون ذلك الوجود في مهبط الوحي ومركز التوحيد.
عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) أنه قال: آ«لا يقبل من عربي جزية. وإن لم يسلموا قوتلواآ»(1) وعن الصادق (عليه السلام)أنه قال: آ«لا يدخل أهل الذمة الحرم ولا دار الهجرة ويخرجون منهاآ»(2) وعنه (عليه السلام): آ«إنّما حرّم الله الجزية من مشركي العربآ»(3).

الهوامش :
(1) مستدرك الوسائل، المحدّث النوري 11 : 101.
(2) المصدر نفسه : 102.
(3) جامع أحاديث الشيعة، السيد حسين البروجردي 13 : 215.


source : اهل بیت
  301
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

حد الفقر الذی یجوز معه اخذ الزکاة
خدمة الناس واحترام كرامتهم الانسانية
بيعة الغدير / القسم الأول
القيم الأخلاقية في النهضة الحسينية
الخطاب الديني عبر الأثيـــر
سطور حول الرسول الاعظم (ص)
وصول الامام الحسین(ع) الى کربلاء
حقوق الانسان فی نظر اهل البیت ( علیهم السلام )
أدلة وجود الإمام المهدي عليه السلام
من علي إلى معاوية بن صخر

 
user comment