عربي
Monday 28th of September 2020
  335
  0
  0

في ذكر من شاهده من شيعته وحظي برؤيته

ولقد رآه من أوليائه عدة أقوام وفازوا برؤيته عليه السلام إذ لا شرف أعظم من رؤية الله على الأنام وخاتم أوصيائه الكرام. فمن ذلك ما جاز لي روايته عن أحمد بن محمد الأيادي رحمه الله يرفعه إلى كامل بن إبراهيم المدائني قال دخلت على أبي محمد الحسن عليه السلام أسأله عن المفوضة والمقصرة في حديث اختصرناه قال وقلت في نفسي هل يدخل الجنة إلا من عرف معرفتي وقال بمقالتي وجلست إلى باب مرخى عليه ستر فجاءت الريح فكشفت طرفه فإذا أنا بصبي كأنه فلقة قمر من أبناء الأربع سنين أو مثلها فقال لي يا كامل بن إبراهيم فاقشعررت من ذلك وألهمت أن قلت لبيك سيدي فقال جئت إلى ولي الله وحجة زمانه تسأله هل يدخل الجنة إلا من عرف معرفتك أو قال بمقالتك قلت إي والله فقال إذا والله يقل داخلوها والله إنه ليدخلها قوم يقال لهم الحقية قلت يا سيدي ومن هم الحقية قال قوم من حبهم لعلي بن أبي طالب يحلفون بحق علي وما يدرون ما حقه وفضله ثم سكت عني ساعة ثم قال وجئت تسأل عن مقالة المفوضة لعنهم الله كذبوا بل قلوبنا أوعية لمشية الله فإذا شاء الله شئنا وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه (وما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) ثم رجع الستر على حاله فلم أطق كشفه فنظر إلي أبو محمد عليه السلام وهو يقول يا كامل بن محمد ما جلوسك وقد نبأك بحاجتك حجتك من بعدي قال فقمت فخرجت ولم أعاينه بعد ذلك وبالطريق المذكور يرفعه إلى رشيق المادراي قال بعث إلينا المعتضد ونحن ثلاثة نفر وأمرنا أن يركب كل واحد منا فرسا ونجنب آخر ونخرج مخففين لا يكون معنا قليل ولا كثير إلا على السرج مصلى وقال لنا الحقوا بسر من رأى فوصف لنا محلة ودارا فإذا أتيتموها ستجدوا على الباب خادما أسود فاكبسوا الدار ومن رأيتم فيها فأتوني برأسه فوافينا سر من رأى ووجدنا الأمر كما ذكره وفي الدهليز خادم أسود وبيده تكة ينسجها فسألناه عن الدار من فيها فقال صاحبها فو الله ما التفت إلينا وقل أكتراثه بنا فكبسنا الدار كما أمرنا فوجدنا دارا سرية ومقابل باب الدار سترا ما نظرت قط إلى أنبل منه كأن الأيدي قد رفعت عنه في ذلك الوقت ولم يكن في الدار أحد فرفعنا الستر فإذا بيت كبير كان فيه بحر ماء وفي أقصى البيت حصير قد علمنا أنه على الماء فوقه رجل من أحسن الناس هيئة قائم يصلي فلم يلتفت إلينا ولا إلى شي ء من أسبابنا فسبق أحمد بن عبد الله ليتخطى البيت فغرق في الماء فما زال يضطرب حتى مددت يدي فخلصته وأخرجته مغشيا عليه ساعة ثم عاد صاحبي الثاني إلى مثل ذلك الفعل فناله مثل ذلك وبقيت مبهوتا وقلت لصاحب البيت يا سيدي المعذرة إلى الله وإليك فو الله ما علمت كيف الخبر وإلى من أجي ء وأنا تائب إلى الله فما التفت إلى شي ء مما قلناه ولا انفتل عما كان فيه فهالنا ذلك وانصرفنا عنه وقد كان المعتضد ينتظرنا وقد تقدم إلى الحجاب إذا وافيناه أن ندخل عليه في أي وقت كان فوافيناه في بعض الليل وأدخلنا إليه فسألنا عن الخبر فحكينا له ما رأينا فقال ويحكم لقيكم أحد قبلي قلنا لا قال جرى منكم ذلك إلى أحد قلنا لا قال أنا نفي من جدي أن بلغني هذا الخبر لأضربن أعناقكم فلم يجسر أحد منا أن يحدث بشي ء من ذلك إلا بعد موته.

وبالطريق المذكور يرفعه إلى الزهراني قال طلبت هذا الأمر يعني رؤية القائم عليه السلام طلبا شاقا حتى ذهب لي فيه مال صالح فوقعت إلى العمري وخدمته ولزمته وسألته بعد ذلك عن صاحب الزمان عليه السلام فقال لي ليس إلى ذلك سبيل فخضعت فقال بكر بالغداة فوافيت فاستقبلني ومعه شاب من أحسن الناس وجها وأطيبهم رائحة بهيئة التجار وفي كمه شي ء كهيئة الفجار فلما نظرت إليه دنوت من العمري فأومأ إليه فدنوت منه فسألته فأجابني عن كل ما أردت ثم مر ليدخل الدار وكانت من الدور التي لا يكترث بها فقال العمري إن أردت أن تسأل فسل فإنك لا تراه بعد هذا فذهبت لأسأل فلم يسمع ودخل الدار وما كلمني بأكثر من أن قال ملعون ملعون من أخر العشاء إلى أن تشتبك النجوم ملعون ملعون من أخر الغداة إلى أن تنقضي النجوم ودخل الدار. وبالطريق المذكور يرفعه إلى إسماعيل بن علي قال دخلت على أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام وهو في المرضة التي توفي فيها فبينا أنا عنده إذ قال لخادمه عقيد وكان الخادم أسود نوبيا قد خدم من قبله علي بن محمد وهو ربي الحسن عليه السلام فقال له يا عقيد أغل لي ماء بمصطكى فأغلى له ثم جاءت به صقيل الجارية أم الخلف عليه السلام فلما صار القدح في يديه وهم بشربه جعلت يداه ترتدع حتى ضرب القدح ثناياه فتركه من يده وقال لعقيد ادخل البيت فإنك ترى صبيا ساجدا فأتني به قال أبو سهل قال عقيد فدخلت البيت أتحرى فإذا أنا بصبي ساجد رافعا سبابته نحو السماء فسلمت عليه فأوجز في صلاته فقلت إن سيدي يأمرك بالخروج إليه فجاءت صقيل فأخذت بيده فأخرجته إلى أبيه الحسن عليه السلام قال أبو سهل فلما مثل بين يديه سلم عليه فإذا هو دري اللون في شعر رأسه قطط مفلج الأسنان فلما رآه الحسن عليه السلام بكى وقال يا سيد أهل زمانه اسقني الماء فإني ذاهب إلى ربي وأخذ الصبي القدح المغلي بالمصطكى بيده ثم حرك شفتيه ثم سقاه فلما شربه قال هيئوني للصلاة وكانت صلاة الغداة يوم الجمعة فطرح في حجره منديل فوضأه الصبي واحدة واحدة ومسح على رأسه وقدميه فقال له أبشر يا بني فأنت صاحب الزمان وأنت المهدي وأنت حجة الله في أرضه وأنت ولدي ووصيي ووارثي وأنت محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ولدك رسول الله وبشر بك وأنت خاتم الأئمة المعصومين وسماك وكناك بذلك عهد إلي أبي عن آبائك الطاهرين وصلى الله على أهل البيت إنه حميد مجيد ومات الحسن عليه السلام من وقته عليهم السلام أجمعين ومما صح لي روايته عن محمد الصدوق بن بابويه رحمه الله يرفعه إلى أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري فقال دخلت على أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام وأنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده فقال لي مبتدئا يا أحمد بن إسحاق إن الله تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم عليه السلام ولا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجة الله على خلقه يدفع الله به البلاء عن أهل الأرض وينزل به الغيث ويخرج به بركات الأرض قال فقلت له يا ابن رسول الله فمن الخليفة والإمام بعدك فنهض عليه السلام مسرعا فدخل البيت ثم خرج وعلى عاتقه غلام كأن وجهه القمر ليلة البدر من أبناء ثلاث سنين فقال يا أحمد بن إسحاق لو لا كرامتك على الله وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا إنه سمي رسول الله صلى الله عليه وآله وكنيه الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما يا أحمد بن إسحاق مثله في هذه الأمة كمثل ذي القرنين والخضر وإنه ليغيبن غيبة لا ينجو من الهلكة فيها إلا من ثبته الله عز وجل على القول بإمامته ووفقه للدعاء بتعجيل فرجه قال أحمد بن إسحاق فقلت له يا مولاي هل من علامة يطمئن بها قلبي فنطق الغلام بلسان عربي فصيح فقال أنا بقية الله في أرضه والمنتقم من أعدائه فلا تطلب أثرا بعد عين يا أحمد بن إسحاق فخرجت مسرورا فلما كان من الغد رجعت إليه فقلت يا ابن رسول الله قد عظم سروري بما مننت به علي فما السنة الجارية من الخضر وذي القرنين فقال طول الغيبة يا أحمد فقلت يا ابن رسول الله وإن غيبته لتطول قال إي وربي يرجع عن هذا الأمر كثير من القائلين به فلا يبقى إلا من أخذ الله عهدهم بموالاتنا وكتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه يا أحمد بن إسحاق هذا أمر من الله جلت عظمته وسر من سر الله وغيبة من غيب الله فخذ ما آتيتك فاكتمه وكن من الشاكرين تكن معنا غدا في عليين وبالطريق المذكور يرفعه إلى يعقوب بن منقوش قال دخلت على مولانا أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام وهو جالس على دكان في الدار وعن يمينه بيت عليه ستر مسبل فقلت من صاحب هذا الأمر فقال ارفع الستر فرفعته فخرج إليه غلام خماسي له عشر أو ثمان أو نحو ذلك واضح الجبين أبيض الوجه دري المقلتين شثن الكف معطوف الركبتين في خده الأيمن خال وفي رأسه ذؤابة فجلس على فخذ أبي محمد عليه السلام فقال لي هذا صاحبكم ثم وثب عليه السلام فقال له يا بني ادخل البيت إلى الوقت المعلوم فدخل البيت وأنا أنظر إليه ثم قال يا يعقوب انظر من في البيت فدخلت فما رأيت أحدا وبالطريق المذكور يرفعه إلى سعد بن عبد الله القمي قال كنت امرأ لهجا بجمع الكتب المشتملة على غوامض العلوم ودقائقها كلفا باستظهار ما يصح من حقائقها مغرما بحفظ مشتبهها ومستغلقها شحيحا على ما أظفر به من معاضلها ومشكلاتها متعصبا لمذهب الإمامية راغبا عن الأمن والسلامة في إيثار التنازع والتخاصم والتعادي والتشاتم عيابا لفرق ذي الخلاف كشافا عن مثالب أئمتهم هتاكا لحجب قادتهم إلى أن بليت بأشد النواصب منازعة وأطولهم مخاصمة وأكثرهم جدالا وأشنعهم سؤالا وأثبتهم على الباطل قدما فقال ذات يوم وأنا أناظره تبا لك يا سعد ولأصحابك إنكم معاشر الرافضة تقصدون على المهاجرين والأنصار بالطعن عليهما وتجحدون من رسول الله صلى الله عليه وآله ولايتهما هذا الصديق الذي فاق جميع الصحابة بشرف سوابقه أ ما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله ما أخرجه من نفسه إلى الغار إلا علما منه أن الخلافة له من بعده وأنه هو المقلد لأمر التأويل والملقى إليه أزمة التنزيل وعليه المعول في شعب الصدع ولم الشعث وسد الخلل وإقامة الحدود وتسريب الجيوش لبلاد الكفر فكما أشفق على نبوته أشفق على خلافته إذ ليس من حكم الاستتار والتواري أن يروم الهارب من الشر مساعدة إلى مكان يستخفي فيه ولما رأينا رسول الله صلى الله عليه وآله متوجها إلى الأحجاب ولم تكن الحال توجب استدعاء المساعدة من غيره استبان لنا أن قصد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأبي بكر إلى الغار للعلة التي شرحناها ولذا أبات عليا على فراشه لما لم يكترث له ولم يحفل به ولاستثقاله إياه وعلمه بأنه إن قتل لم يتعذر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصلح لها.

قال سعد فأوردت عليه أجوبة شتى فما زال يقصد كل واحد منها بالنقض والرد علي ثم قال يا سعد دونكها أخرى بمثلها يحطم آناف الروافض ألستم تزعمون أن الصديق المبرأ من دنس الشكوك والفاروق المحامي عن بيضة الإسلام كانا يسران النفاق واستدللتم بليلة العقبة أخبرني عن الصديق والفاروق أسلما طوعا أو كرها قال سعد فاحتلت لدفع هذه المسألة عني خوفا عن الإلزام وحذرا من أني إن أقررت لهما بطوعهما احتج بأن بدء النفاق ونشأه في القلب لا يكون إلا عند هبوب روائح القهر والغلبة وإظهار البأس الشديد في حمل المرء على ما ليس ينقاد إليه قلبه وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا) وإن قلت وأسلما كرها كان يقصدني بالطعن إذ لم تكن سيوف منتضاة كانت تريهما البأس. قال سعد فصدرت عنه مزورا وقد انتفخت أحشائي من الغضب وتقطع كبدي من الكرب وكنت قد اتخذت طومارا وأثبت فيه نيفا وأربعين مسألة من صعاب المسائل لم أجد لها مجيبا على أن أسأل عنها خبير أهل بلدي أحمد بن إسحاق صاحب مولانا أبي محمد عليه السلام فارتحلت خلفه وقد كان خرج قاصدا نحو مولانا بسر من رأى فلحقته في بعض المناهل فلما تصافحنا قال للخير لحاقك بي قلت الشوق ثم العادة في الأسئلة قال تكافينا على هذه الخطة الواحدة فقد برز القوم إلى لقاء مولانا أبي محمد عليه السلام وأنا أريد أن أسأله عن معاضل في التأويل ومشاكل في التنزيل فدونكها الصحبة المباركة فإنها تقف بك على ضفة بحر لا تنقضي عجائبه ولا تفنى غرائبه وهو إمامنا. فوردنا سر من رأى فانتهينا منها إلى باب سيدنا فاستأذنا فخرج علينا الإذن بالدخول عليه وكان على عاتق أحمد بن إسحاق جراب قد غطاه بكساء طبري فيه ستون ومائة صرة من الدنانير والدراهم على كل صرة ختم صاحبها. قال سعد فشبهت مولانا حين غشينا نور وجهه ببدر قد استوفى من لياليه أربعا بعد عشر وعلى فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة والمنظر على رأسه فرق بين وفرتين كأنه ألف بين واوين وبين يدي مولانا عليه السلام دواة وبيده بياض يكتب فيه فلما فرغ من الكتاب بعد أن سلمنا عليه وألطف في الجواب وأومأ إلينا بالجلوس فأخرج أحمد بن إسحاق جرابه من طي كسائه فوضعه بين يديه فنظر عليه السلام إلى الغلام وقال يا بني فض الخاتم عن هدايا شيعتك ومواليك قال يا مولاي أ يجوز أن أمد يدا طاهرة إلى هدايا نجسة وأموال رجسة قد شيب أحلها بأحرمها فقال مولانا يا ابن إسحاق استخرج ما في الجراب ليميز ما بين الأحل والأحرم فأول صرة وقعت عليها يدا أحمد بن إسحاق فأخرجها قال الغلام هذه لفلان ابن فلان من محلة كذا بقم يشتمل على اثنين وستين دينارا فيها من ثمن حجيرة باعها وكانت إرثا عن أبيه خمسة وأربعون دينارا ومن أثمان تسعة أثواب أربعة عشر دينارا وفيها من أجرة الحوانيت ثلاثة دنانير فقال مولانا عليه السلام صدقت يا بني دل الرجل على الحرام منها فقال عليه السلام فتش عن دينار رازي السكة تاريخه سنة كذا قد انطمس من نصف إحدى صفحتيه نقشه وقراضته آملية وزنها ربع دينار والعلة في تحريمها أن صاحب هذه الجملة وزن في شهر كذا من سنة كذا على حائك من جيرانه من الغزل منا وربعا فأتت على ذلك مدة فتهيأ لذلك الغزل سارقا فأخبر الحائك صاحبه فكذبه واسترد منه منا ونصفا غزلا أدق مما كان دفعه إليه واتخذ من ذلك ثوبا كان هذا الدينار مع القراضة ثمنه فلما فتح رأس الصرة وجد رقعة في وسط الدينار باسم من أخبر عنه وبمقدارها على حسب ما قال واستخرج الدينار والقراضة بتلك العلامة ثم أخرج صرة أخرى فقال الغلام وهذه لفلان ابن فلان من محلة كذا بقم تشتمل على خمسين دينارا لا يحل لنا مسها قال وكيف ذلك قال لأنها من ثمن حنطة حاف صاحبه على أكاره في المقاسمة وذلك لأنه قبض حصته منها بكيل واف وكان ما حص الأكار منها بكيل بخس فقال صدقت يا بني ثم قال يا ابن إسحاق احملها بأجمعها لتردها أو توصي بردها على أربابها فلا حاجة لنا في شي ء منها وائتنا بثوب العجوز قال أحمد وكان ذلك الثوب في حقيبة لي فنسيتها فلما انصرف أحمد بن إسحاق ليأتيه بالثوب نظر إلى مولانا أبو محمد عليه السلام فقال ما جاء بك يا سعد فقلت شوقني أحمد بن إسحاق لقاء مولانا قال فالمسائل التي أردت أن تسأله عنها قلت على حالها يا مولاي قال فسل قرة عيني عنها وأومأ إلى الغلام فقال سل عما بدا لك فقلت يا مولاي وابن مولانا إنا روينا عنكم أن رسول الله صلى الله عليه وآله جعل طلاق نسائه بيد أمير المؤمنين عليه السلام حتى أرسل إلى عائشة يوم الجمل أنك قد أرهجت على الإسلام وأهله بفتنتك وأوردت بنيك حياض الهلكة بجهلك فإن كففت عني غربك وإلا طلقتك ونساء رسول الله صلى الله عليه وآله قد طلقهن وفاته قال ما الطلاق قلت تخلية السبيل قال فإذا كان وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله قد خلى سبيلهن فلم لا يحل لهن الأزواج قلت لأن الله تعالى حرم الأزواج عليهن قال كيف وقد خلى سبيلهن الموت قلت فأخبرني يا ابن مولاي عن معنى الطلاق الذي فوض رسول الله صلى الله عليه وآله حكمه إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال إن الله عز وجل عظم شأن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخصصن بشرف الأمهات فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا أبا الحسن إن هذا الشرف باق على نسائي ما دمن لله على الطاعة فأيتهن عصت الله عز وجل بعدي بالخروج عليك فأطلق لها في الأزواج وأسقطها من شرف أمومة المؤمنين قلت فأخبرني عن الفاحشة المبينة التي إذا أتت المرأة بها في أيام عدتها يحل للزوج أن يخرجها من بيته قال الفاحشة المبينة هي السحق دون الزنى فإن المرأة إذا زنت وأقيم عليها الحد ليس لمن أرادها أن يمتنع بعد ذلك من التزويج بها لأجل الحد وإذا سحقت وجب عليها الرجم والرجم خزي ومن قد أمر الله برجمه فقد أخزاه ومن أخزاه فقد أبعده ومن أبعده فليس لأحد أن يقربه قلت فأخبرني يا ابن رسول الله عن أمر الله تبارك وتعالى لنبيه موسى عليه السلام بخلع نعليه (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً) فإن فقهاء الفريقين زعموا أنها كانت من إهاب الميتة قال عليه السلام من قال ذلك فقد افترى على موسى عليه السلام واستجهله في نبوته لأنه ما خلا الأمر فيها من خطيئتين إما كانت صلاة موسى فيها جائزة أو غير جائزة فإن كانت صلاة موسى جائزة جاز لموسى أن يكون لابسها في تلك البقعة إن لم تكن مقدسة وإن كانت مقدسة مطهرة فليست بأطهر وأقدس من الصلاة وإن كانت صلاته غير جائزة فيهما فقد أوجب أن موسى عليه السلام لم يعرف الحلال من الحرام ولا علم ما جاز فيه الصلاة وما لم يجز وهذا كفر قلت فأخبرني يا مولاي عن التأويل فيهما قال إن موسى عليه السلام نادى ربه عز وجل بالوادي المقدس فقال يا رب إني أخلصت لك المحبة مني وغسلت قلبي عمن سواك وكان شديد الحب لأهله فقال له الله عز وجل اخلع نعليك حب أهلك من قلبك إن كانت محبتك لي خالصة فليكن قلبك من الميل إلى سوائي مغسولا قلت يا ابن رسول الله أخبرني عن كهيعص الحروف في أول سورة مريم قال هذه الحروف من أنباء الغيب أطلع الله عليها عبده زكريا وذلك أن زكريا سأل ربه عز وجل أن يعلمه أسماء الخمسة فأهبط جبرئيل عليه السلام فعلمه إياها فكان زكريا إذا ذكر محمدا وعليا وفاطمة والحسن والحسين سرى عنه غمه وانجلى كربه فإذا ذكر اسم الحسين عليه السلام خنقته العبرة ووقعت عليه البهرة فقال ذات يوم إلهي ما لي إذا ذكرت أربعة منهم تسليت بأسمائهم من همومي وإذا ذكرت الحسين عليه السلام تدمع عيني وتثور زفرتي فأنبأه الله عز وجل عن قصته فالكاف اسم كربلاء والهاء هلاك العترة والياء يزيد وهو ظالم الحسين عليه السلام والعين عطشه والصاد صبره فلما سمع بذلك زكريا عليه السلام لم يفارق مسجده ثلاثة أيام ومنع فيهن الناس من الدخول عليه وأقبل على البكاء والنحيب وكانت ندبته إلهي أتفجع خير خلقك بولده إلهي أتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه إلهي أتلبس عليا وفاطمة ثياب هذه المصيبة إلهي أتحل كربة هذه الفجيعة بساحتهما ثم كان يقول إلهي ارزقني ولدا تقر به عيني على الكبر وتجعله وارثا رضيا واجعل محله مني محل الحسين فإذا رزقتنيه فأفتني بحبه ثم أفجعني به كما تفجع محمدا حبيبك بولده فرزقه الله يحيى وفجعه به وكان حمل يحيى ستة أشهر وحمل الحسين عليه السلام كذلك وله قصة طويلة قلت فأخبرني يا مولاي عن الكلمة التي يمنع القوم عن اختيار إمام لأنفسهم قال مصلح أم مفسد قلت مصلح قال فهل يجوز أن يقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد بما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد قلت بلى قال فهي العلة أزيدها لك ببرهان ينقاد لك في عقلك أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله عز وجل وأنزل الكتب عليهم وأيدهم بالوحي والعصمة إذ هم أعلام الأمم وأهدى إلى الاختيار منهم مثل موسى وعيسى عليه السلام فهل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما إذا هما بالاختيار أن يقع خيرتهما على المنافق وهما يظنان أنه مؤمن قلت لا قال فهذا موسى كليم الله مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه اختار من وجوه قومه وأعيان عسكره لميقات ربه جل وعز سبعين رجلا (واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا) ممن لم يشك في إيمانهم وإخلاصهم فوقعت خيرته على المنافقين وقد شهد بذلك القرآن المبين قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فلما وجدنا اختيار من اصطفاه الله للنبوة واقعا على الأفسد دون الأصلح وهو يظن أنه الأصلح دون الأفسد علمنا أن الاختيار لا يجوز إلا لمن يعلم ما تخفي الصدور وتكن الضمائر وتتصرف عليه السرائر وأن لا يخطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لما أرادوا أهل الصلاح ثم قال مولانا عليه السلام يا سعد وحين ادعى خصمك أن رسول الله صلى الله عليه وآله إنما أخرج مع نفسه مختار هذه الأمة إلى الغار إلا علما منه أن الخلافة له من بعده وأنه هو المقلد أمور التأويل والملقى إليه أزمة الأمة وعليه المعول في لم الشعث وسد الخلل وتسريب الجيوش لفتح بلاد الكفر فكما أشفق على نبوته أشفق على خلافته إذ لم يكن من حكم الاستتار والتواري أن يروم الهارب من الشر مساعدة من غيره إلى مكان يستخفي فيه وإنما أبات عليا عليه السلام على فراشه لما لم يكن يكترث له ولم يحفل به لاستثقاله إياه وعلما منه أنه إن قتل لم يتعذر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصلح لها فهلا نقضت عليه دعواه بقولك أليس قال رسول الله صلى الله عليه وآله الخلافة بعدي ثلاثون سنة فجعل هذه موقوفة على أعمار الأربعة الذين هم الخلفاء الراشدون في مذهبكم فكان لا يجد بدا من قوله لك بلى فكنت تقول له حينئذ أليس كما علم رسول الله صلى الله عليه وآله أن الخلافة بعده لأبي بكر علم أنها لعمر ومن بعد عمر لعثمان ومن بعد عثمان لعلي فكان لا يجد بدا من قوله لك نعم ثم تقول له فكان الواجب على رسول الله صلى الله عليه وآله أن يخرجهم جميعا على الترتيب إلى الغار ويشفق عليهم كما أشفق على أبي بكر ولا يستخف بقدر هؤلاء الثلاثة بتركه إياهم وتخصيصه أبا بكر بإخراجه مع نفسه دونهم ولما قال أخبرني عن الصديق والفاروق أسلما طوعا أو كرها لم تقل له أسلما طمعا وذلك أنهما كانا يجالسان اليهود ويستخبرانهم عما كانوا يجدونه في التوراة وفي سائر الكتب المتقدمة الناطقة بالملاحم من حال إلى حال من قصة محمد صلى الله عليه وآله ومن عواقب أمره فكانت اليهود تذكر أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم يتسلط على العرب كما كان بخت نصر مسلطا على بني إسرائيل ولا بد له من الظفر بالعرب كما ظفر بخت نصر ببني إسرائيل غير أنه كاذب في دعواه أنه نبي فأتيا رسول الله صلى الله عليه وآله فساعداه على قول لا إله إلا الله الشهادة بالوحدانية وتابعاه على أن ينال كل واحد منهما من جهته ولاية بلد إذا استقامت أموره واستتبت أحواله فلما آيسا من ذلك تلثما وصعدا العقبة مع عدة من أمثالهما على أن يقتلوه فدفع الله كيدهم وردهم بغيظهم لم ينالوا خيرا كما أتى طلحة والزبير عليا عليه السلام فبايعاه وطمع كل واحد منهما أن ينال ولاية بلد من جهته فلما آيسا نكثا بيعته وخرجا عليه فصرع الله كل واحد منهما مصرع أشباههما من الناكثين قال سعد ثم قام مولانا عليه السلام مع الغلام للصلاة فانصرفت عنهما وطلبت ابن أبي إسحاق فاستقبلني باكيا فقلت ما أبكاك وما أبطأك قال قد فقدت الثوب الذي سألني مولاي إحضاره قلت لا عليك فأخبره فدخل عليه مسرعا فانصرف من عنده متبسما وهو يصلي على محمد وأهل بيته فقلت ما الخبر قال وجدت الثوب مبسوطا تحت قدمي مولاي عليه السلام يصلي عليه قال سعد فحمدنا الله عز وجل على ذلك وجعلنا نختلف بعد ذلك اليوم إلى مجلس مولانا أبي محمد عليه السلام أياما فلا نرى الغلام بين يديه فلما كان يوم الوداع دخلت أنا وأحمد بن إسحاق وكهلان من أهل بلدنا فانتصب أحمد بن إسحاق بين يديه قائما وقال يا ابن رسول الله قد دنت الرحلة واشتدت المحنة فنحن نسأل الله أن يصلي على المصطفى جدك وعلى المرتضى أبيك وعلى سيدة النساء أمك وعلى سيدي شباب أهل الجنة عمك وأبيك وعلى الأئمة الطاهرين من بعدهما آبائك وأن يصلي عليك وعلى ولدك ونرغب إليه أن يعلي كعبك ويكبت عدوك ولا جعل الله هذا آخر العهد من لقائك قال فلما أن قال هذه الكلمة استعبر مولانا عليه السلام حتى استهلت دموعه وتقاطرت عبراته ثم قال يا ابن إسحاق لا تكلف في دعائك شططا فإنك ملاق الله في صدرك هذا فخر أحمد بن إسحاق مغشيا عليه فلما أفاق قال سألتك بالله وبحرمة جدك إلا ما شرفتني بخرقة أجعلها كفنا فأدخل مولانا عليه السلام يده تحت البساط فأخرج له ثلاثة عشر درهما فقال خذها ولا تنفق على نفسك غيرها فإنك لن تعدم ما سألت إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا قال سعد فلما صرنا بعد منصرفنا من حضرة مولانا عليه السلام من حلوان على ثلاثة فراسخ حم أحمد بن إسحاق وثارت به علة صعبة آيس من حياته فيها فلما وردنا حلوان نزلنا في بعض الخانات دعا أحمد بن إسحاق رجلا من أهل بلده كان قاطنا بها ثم قال تفرقوا عني هذه الليلة وأنزلوني وحدي فانصرفنا عنه ورجع كل واحد منا إلى مرقده قال سعد فلما حان أن ينكشف الليل عن الصبح أصابتني فكرة ففتحت عيني فإذا أنا بكافور الخادم خادم مولانا أبي محمد عليه السلام وهو يقول أحسن الله بالخير عزاكم وجبر بالمحبور رزيتكم قد فرغنا من غسل صاحبكم وتكفينه فقوموا لدفنه فإنه من أكرمكم محلا عند سيدكم ثم غاب عن أعيننا فاجتمعنا على رأسه بالبكاء والعويل حتى قضى حقه وفرغنا من أمره رحمة الله عليه.

وبالطريق المذكور يرفعه إلى أبي الأديان قال كنت أخدم الحسن بن علي عليه السلام وأحمل كتبه إلى الأمصار فدخلت إليه في علته التي توفي فيها فكتب معي كتبا وقال امض بها إلى المدائن فإنك ستغيب خمسة عشر يوما وتدخل إلى سر من رأى يوم الخامس عشر وتسمع الواعية في داري وتجدني على المغتسل قال أبو الأديان فقلت يا سيدي وإذا كان ذلك فمن قال من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم من بعدي قلت زدني قال من يصلي علي فهو القائم بعدي قلت زدني قال من أخبر بما في الهميان فهو القائم بعدي ثم منعتني هيبته أن أسأله عما في الهميان وخرجت بالكتب إلى المدائن وأخذت جوابها ودخلت سر من رأى في يوم خامس عشر كما قال عليه السلام فإذا بالواعية في داره وإذا به على المغتسل وإذا أنا بجعفر أخيه على الباب والشيعة حوله يعزونه ويهنونه فقلت في نفسي إن يك هذا الإمام فقد بطلت الإمامة لأني كنت أعرفه يشرب النبيذ ويقامر في الجوسق ويلعب بالطنبور فقدمت فعزيت وهنأت فلم يسألني عن شي ء ثم خرج عقيد فقال يا سيدي قد كفن أخوك فقم فصل عليه فدخل جعفر بن علي والشيعة من خلفه يقدمهم السمان والحسن بن علي قتيل المعتصم المعروف بسلمة فلما صرنا في الدار إذا نحن بالحسن بن علي عليه السلام على نعشه مكفنا فتقدم جعفر بن علي ليصلي فلما هم بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة بشعره قطط بأسنانه تفليج فجبذ رداء جعفر وقال تنح يا عم فأنا أحق بالصلاة على أبي منك فتأخر جعفر وقد اربد وجهه واصفر وتقدم الصبي فصلى عليه ودفن إلى جانب قبر أبيه ثم قال يا بصري هات جوابات الكتب التي معك فدفعتها إليه وقلت في نفسي بقي الهميان ثم خرجنا إلى جعفر وهو يزفر فقال له حاجز الوشاء يا سيدي من الصبي لنقيم الحجة عليه فقال والله ما رأيته قط ولا أعرفه فنحن جلوس إذ قدم نفر من قم فسألوا عن الحسن بن علي عليه السلام فعرفوا موته فقالوا فمن نعزي فأشار الناس إلى جعفر بن علي فسلموا وعزوه وهنوه وقالوا معنا كتب ومال فتقول ممن الكتب وكم المال فقام ينفض أثوابه ويقول يريدون منا أن نعلم الغيب فخرج الخادم فقال معكم كتب فلان وفلان وفلان وهميان فيه ألف دينار وعشرة دنانير منها مطلية فدفعوا إليه الكتب والمال وقالوا الذي وجه بك لأخذ ذلك هو الإمام فدخل جعفر على المعتمد وكشف له ذلك فوجه المعتمد خدمه فقبضوا على صقيل الجارية وطالبوها بالصبي فأنكرت وادعت حملا بها لتغطي حال الصبي فسلمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي وبغتهم موت عبيد الله بن يحيى بن خاقان فجأة وخروج صاحب الزنج بالبصرة فشغلوا بذلك عن الجارية فخرجت عن أيديهم بالطريق المذكور يرفعه إلى أبي الحسن بن وجينا قال حدثني أبي عن جده أنه كان في دار الحسن بن علي فكبستنا الخيل وفيهم جعفر بن علي الكذاب فاشتغلوا بالنهب والغارة وكانت همتي في مولاي القائم وإذا به عليه السلام قد أقبل خارجا عليهم من الباب وأنا أنظر إليه وهو عليه السلام ابن ست سنين فلم يره أحد منهم حتى غاب. ومما صح لي روايته عن السيد هبة الله الراوندي رحمه الله تعالى يرفعه إلى نصر الخادم قال دخلت على صاحب الزمان وهو في المهد فقال لي علي بالصندوق الأحمر فأتيت به فقال أ تعرفني فقلت نعم أنت سيدي وابن سيدي قال ليس عن هذا سألتك فقلت فسر لي فقال أنا خاتم الأوصياء وبي دفع الله البلاء عن أهل بيتي وشيعتي وبالطريق المذكور يرفعه إلى نسيم خادم أبي محمد عليه السلام قال دخلت على صاحب الزمان بعد مولده بعشر ليال فعطست عنده فقال لي يرحمك الله قال ففرحت بذلك فقال أ لا أبشرك في العطاس هو أمان من الموت إلى ثلاثة أيام وبالطريق المذكور يرفعه إلى ابن أبي سورة وكان أبوه من مشايخ الزيدية بالكوفة قال خرجت إلى قبر الحسين عليه السلام أعرف عنده فلما كان وقت العشاء الآخرة صليت وقمت فابتدأت أقرأ من الحمد فإذا شاب حسن الوجه عليه جبة سيفية ابتدأ أيضا قبلي وختم قبلي فلما كان الغداة خرجنا جميعا من باب الحائر فلما صرنا على شاطئ الفرات قال لي الشاب أنت تريد الكوفة فامض فمضيت من طريق الفرات وأخذ الشاب طريق البر. قال أبو سورة فأسفت على فراقه فاتبعته فقال لي تعال فجئنا جميعا إلى أصل حصن المسناة فنمنا جميعا ثم انتبهنا فإذا نحن على مقابر مسجد السهلة فقال هو ذا منزلي ثم قال أنت مضيق ولك عيال فامض إلى أبي طاهر الرازي فسيخرج إليك من داره وفي يده دم الأضحية فقل له شاب من صفته كذا وكذا يقول لك أعط هذا الرجل صرة الدنانير التي عند رجل السرير مدفونة قلت فمن أنت قال محمد بن الحسن وفي رواية ثم مشينا حتى انتهينا إلى النواويس في السحر وجلس وحضر بيده فإذا الماء قد خرج فتوضأ وصلى ثلاثة عشر ركعة فلما دخلت الكوفة مضيت إلى الرازي فدققت الباب فقال من أنت فقلت أبو سورة فسمعته يقول ما لي ولأبي سورة ثم خرج إلي وعلى يده دم الأضحية فقصصت عليه فصافحني وقبل وجهي ووضع بيدي ومسح بها وجهه وأدخلني الدار وأخرج الصرة من عند رجل السرير فدفعها إلي فاستبصر أبو سورة وبرأ من الزيدية. وبالطريق المذكور يرفعه إلى الحسن المسترق الضرير قال كنت يوما في مجلس الحسين بن عبد الله بن حمدان ناصر الدولة فتذاكرنا أمر الناحية قال كنت أزري عليها إلى أن حضرت مجلس عمي الحسين يوما فأخذت أتكلم في ذلك فقال يا بني قد كنت أقول بمقالتك هذه إلى أن ندبت إلى ولاية قم حين استعصت على السلطان يحاربه أهلها فسلم إلي جيش وخرجت نحوها فلما بلغنا إلى ناحية طرز خرجت إلى الصيد ففاتتني طريدة فاتبعتها وأوغلت في أثرها حتى بلغت إلى نهر فسرت فيه وكلما أسير يتسع النهر فبينا أنا كذلك إذ طلع علي فارس تحته شهباء وهو متعمم بعمامة خز خضراء لا أرى منه سوى عينيه وفي رجله خفان أحمران فقال لي يا حسين ولا هو أمرني ولا كناني فقلت ما ذا تريد قال إن لم تزر على الناحية فلم تمنع أصحابي خمس مالك وكنت الرجل الوفور الذي لا يخاف شيئا فارتعدت منه وتهيبته وقلت أفعل يا سيدي ما ذا تأمر به فقال إذا مضيت إلى الموضع الذي أنت متوجه إليه فدخلته عفوا وكسبت ما كسبت فيه تحمل خمسه إلى مستحقه فقلت السمع والطاعة فقال امض راشدا ولوى عنان دابته وانصرف فلم أدر أي طريق سلك فطلبته يمينا وشمالا فخفي علي أمره فازددت رعبا وانكفأت راجعا إلى عسكري وتناسيت الحديث فلما بلغت قم وعندي ابني أريد محاربة القوم خرج إلي أهلها وقالوا كنا نحارب من يجيئنا لخلافهم لنا فأما فقد وافيت

أنت فلا خلاف بيننا وبينك ادخل البلدة فدبرها كما ترى. فأقمت فيها زمانا وكسبت زيادة على ما كنت أقدر ثم وشى القواد بي إلى السلطان وحسدت على طول مقامي وكثرة ما اكتسبت فعزلت ورجعت إلى بغداد فابتدأت بدار السلطان فسلمت عليه وأقبلت إلى منزلي وجاءني فيمن جاءني محمد بن عثمان العمري فتخطى الناس حتى اتكأ على تكأتي فاغتضبت من ذلك ولم يزل قاعدا ما يبرح والناس داخلون وخارجون وأنا أزداد غيظا فلما تصرم المجلس دنا إلي وقال بيني وبينك سر فاسمعه فقلت قل فقال صاحب الشهباء والنهر يقول قد وفينا بما وعدنا فذكرت الحديث وارتعدت من ذلك وقلت السمع والطاعة فقمت وأخذت بيده ففتحت الخزائن فلم يزل يخمسها إلى أن خمس شيئا نسيته مما كنت قد جمعته وانصرف ولم أشك بعد ذلك وتحققت الأمر فأنا منذ أن سمعت هذا من عمي أبي عبد الله زال ما كان اعترضني من الشك. وبالطريق المذكور يرفعه إلى محمد بن مسلم بن الفضل قال أتيت أبا سعيد غانم بن سعيد الهندي بالكوفة فجلست فلما طالت مجالستي إياه سألته عن حاله وقد كان وقع إلي شي ء من خبره قال كنت ببلد الهند بمدينة يقال لها قشمير الداخلة ونحن أربعون رجلا نقعد حول كرسي الملك نقرأ التوراة والإنجيل والزبور يفزع إلينا في العلم فتذاكرنا يوما محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وقلنا نجده في كتبنا فاتفقنا على الخروج في طلبه والبحث عنه فخرجت ومعي مال فقطع علي الترك فشلحوني فوقعت إلى كابل وخرجت من كابل إلى بلخ والأمير بها ابن أبي شمون فأتيته وعرفته ما خرجت له فجمع الفقهاء والعلماء ليناظرني فسألتهم عن محمد صلى الله عليه وآله فقالوا هو نبينا محمد بن عبد الله وقد مات فقلت ومن كان خليفته فقالوا أبو بكر فقلت انسبوني فنسبوه إلى قريش فقلت ليس هذا بنبي إن النبي الذي نجده في كتبنا خليفته ابن عمه وزوج ابنته وأبو ولده فقالوا للأمير إن هذا قد خرج من الشرك إلى الكفر ومن كان كذلك تضرب عنقه فقلت إني متمسك بدين لا أدعه إلا ببيان فدعا الأمير الحسين بن إشكيب وقال يا حسين خذ هذا الرجل واخل به والطف له. فقال فخلا بي الحسين بن إشكيب فسألته عن محمد فقال كما قالوا لكنه قال خليفته ابن عمه علي بن أبي طالب بن عبد المطلب وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وهو زوج ابنته فاطمة وأبو ولده الحسن والحسين فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله وصرت إلى الأمير فأسلمت ومضى بي الحسين ففهمني فقلت له إنا نجد في كتبنا أنه لا يمضي خليفة إلا عن خليفة فمن خليفة علي فقال الحسن ثم الحسين ثم سمى الأئمة واحدا واحدا حتى بلغ الحسن العسكري ثم قال تحتاج أن تطلب خليفة الحسن وتسأل عنه فخرجت في الطلب.

قال محمد بن محمد ووافى معنى بغداد فذكر لنا أنه كان معه رفيق قد صحبه على هذا الأمر فكره بعض أخلاقه ففارقه قال أنا يوما وقد مشيت في الصراة وأنا متفكر فيما خرجت له إذ أتاني آت وقال أجب مولاك فلم يزل يخترق في المحال حتى أدخلني دارا وبستانا فإذا مولاي عليه السلام قاعد فلما نظر إلي كلمني بالهندية وسلم علي وأخبرني باسمي وسألني عن الأربعين رجلا بأسمائهم عن رجل رجل ثم قال لي تريد الحج مع أهل قم في هذه السنة فلا تحج في هذه السنة وانصرف إلى خراسان وحج من قابل ورمى إلي بصرة وقال اجعل هذه في نفقتك ولا تدخل بغداد دار أحد ولا تخبر بشي ء مما رأيت. قال محمد فانصرفنا من العقبة ولم يقض لنا الحج وخرج غانم إلى خراسان وانصرف من قابل وحج وبعث إلينا بألطاف ولم يدخل قم وانصرف إلى خراسان ومات بها رحمه الله. وقد ذكر الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه في كتابه المسمى بكمال الدين وإتمام النعمة أسماء من رآه صلى الله عليه وآله وسلم وانتهت معجزاته إليه من الوكلاء ببغداد العمري وابنه وحاجز والبلالي والعطار ومن الكوفة العاصمي ومن الأهواز محمد بن إبراهيم بن مهزيار ومن قم أحمد بن إسحاق ومن همدان محمد بن صالح ومن الري البسامي والأسدي ومن آذربيجان القاسم بن العلا ومن نيشابور محمد بن شاذان ومن غير الوكلاء من بغداد أبو القاسم بن أبي حليس وأبو عبد الله الكندي وأبو عبد الله الجنيدي وهارون القزاز والنيلي وأبو القاسم بن رميس وأبو عبد الله بن فروخ ومسرور الطباخ مولى أبي الحسن عليه السلام وأحمد ومحمد ابنا الحسن وإسحاق الكاتب من بني نوبخت وصاحب الفراء وصاحب الصرة المختومة ومن همدان محمد بن كشمرد وجعفر بن حمدان ومحمد بن هارون بن عمران ومن الدينور حسن بن هارون وأحمد وأخوه أبو الحسن ومن أصبهان ابن بادساكنة ومن الصيمرة زيدان ومن قم الحسن بن نضر ومحمد بن محمد وعلي بن محمد بن إسحاق وأبوه والحسن بن يعقوب ومن الري القاسم بن موسى وابنه وأبو محمد بن هارون وصاحب الحصاة وعلي بن محمد ومحمد بن محمد الكليني وأبو جعفر الرفاء ومن قزوين مرداس وعلي بن أحمد ومن قاقين رجلان ومن شهرزور ابن الخال ومن فارس المجروح ومن مرو صاحب الألف دينار وصاحب المال والرقعة البيضاء وأبو ثابت ومن نيشابور محمد بن شعيب بن صالح ومن اليمن الفضل بن يزيد والحسن ابنه والجعفري وابن الأعجمي والشمشاطي ومن مصر صاحب المولودين وصاحب المال بمكة وأبو رجا ومن نصيبين أبو محمد بن الوجناء ومن الأهواز الحصيني والأخبار كثيرة في هذا الباب اكتفينا بهذا القدر منها خوفا من طول الكتاب والله الموفق للصواب. لا يقال لا نسلم ما ذكرتم من مشاهدة هؤلاء الأقوام وليس سلمنا أليس هذه أخبار آحاد لا يجب المصير إليها ولا الاعتماد عليها وهل هذه إلا بمنزلة الحكايات والخرافات لا يثبت هذا الأمر بمثلها إنما يثبت بالدلائل الواضحات والبراهين القاطعات. لأنا نقول عن ذلك من وجوه الأول أن أبا محمد الحسن بن علي عليه السلام خلف جماعة من ثقاته ممن يؤخذ عنهم الأحكام ويعمل بقولهم في الحلال والحرام وإليهم ترفع كتب الشيعة وعلى أيديهم تخرج الأجوبة وكانوا بموضع من الستر والعدالة بتعديله إياهم في حال حياته وهو المعصوم الذي يجب حمل أفعاله على الصحة فلما مضى عليه السلام أجمعوا جميعا على أنه قد خلف ولدا وهو الإمام من بعده وأنهم رأوه وشاهدوه وعرفوه كما ذكرنا وأظهر لهم المعجزات كما قررنا وأمروا الناس أن لا يسألوا عن اسمه وأن يسروا عن أعدائه وطلبه السلطان أشد الطلب ووكل بالدور والحبالي من جواري الحسن عليه السلام. ثم كانت كتب الخلف تخرج إلى الشيعة بالأمر والنهي على يدي هؤلاء الرجال الثقات إلى مدة عشرين سنة إلى أن حان وقت الغيبة الثانية الطويلة التي قد سبق النص عليها من النبي والأئمة عليه السلام قبل وجود هذا الإمام. وليس ذلك أخبار آحاد بل أخبار جماعة لا يحتمل تواطيهم على الكذب بلغوا حد التواتر الثاني أنا لسنا نستنتج من إثبات رؤيته إثبات غيبته وتعميره وصحة إمامته إذ الرؤية ليست بشرط في ثبوت ذلك له إنما يستنتج ذلك من البراهين العقلية والأدلة الصحيحة النقلية.

أليس أمر الدين كله إنما يعلم بالاستدلال ألسنا عرفنا الله تعالى بالأدلة ولم نشاهده ولا أخبرنا عنه من مشاهده وعرفنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكونه موجودا في زمان حياته في العالم بالدليل ولم نشاهده وإنما عرفنا نبوته وصدقه وعصمته بالاستدلال فكذلك عرفنا أنه استخلف عليا عليه السلام بالاستدلال ولم نره وكذلك عرفنا أن الحسن السبط إمام مفروض الطاعة وعلمنا بالأخبار المتواترة عن النبي خاتم النبيين وعن الأئمة المعصومين أن الإمامة بعد الحسن في أخيه الحسين وفي ولده من بعده لا يمضي إمام حتى يستخلف إماما من بعده حتى انتهت الإمامة إلى الحسن بن علي وثبت وفاته فثبت أنه قد خلف من بعده إماما وليس ذلك متوقفا على رؤيته ومشاهدته فالإمامة والرؤية لا يتوقف أحدهما إلى الآخر بل كل واحد ثابت على حدته. الثالث أنا قد بينا أن الإمام يجب أن يكون معصوما والعصمة قد انحصرت فيهم إذ لم تدعى لغيرهم فلا معصوم سواهم فلا إمام إلا هم. وقد ثبت عندنا بالتواتر نصبهم على عددهم وإمامتهم وصفة القائم منهم على ما نقلناه فوجب الإذعان بذلك. ونحن نجد خصماءنا يبنون دينهم وشريعتهم على أخبار جماعة قد نالت منهم الألسن كأنس بن مالك وأبي هريرة ونحوهما بل من أئمتهم الذين اختاروا نصبهم لدينهم باختيار بعض وإجبار بعض على قبول ذلك ومع ذلك لا يزالون يسددون حال أئمتهم بتأويل ما وقع منهم من الخلل والزلل ولذا لم يعتبروا العصمة في إمامهم بل كان اهتداؤه واقتداؤه بباقي الصحابة أكثر من اقتداء رعاع الرعاية به (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) ومع ذلك يتعاملون عن عيبهم ويرموننا به لوما وعداوة مع أن أئمتنا الذين ندين الله بحبهم وقولهم أقطاب ألباب أنجاب قد نقل هؤلاء الخصوم مناقبهم وكراماتهم وحلهم للمعضلات التي كانت تعرض لعلمائهم وقضاتهم في أعصارهم حتى أن أكثر ما عندنا من ذلك نقلناه من كتبهم وآثارهم حجة عليهم وإلزاما لهم حتى أنه لم ينقل من مخالف في حقهم غلط في قول ولا شطط في حكم ولا زلة في عمل فأينا أبلج بالحجة وأحق بالاتباع وأولى بالعيب. وليس للخصم أن يقول إنهم لم يدعوا الإمامة ولكنكم ادعيتم فيهم ذلك كما سمعناه من بعض جهلائهم.

فإن القائل بذلك مصادم لبديهة عقله إن كان ممن يعقل إذ لا يرتاب عاقل في أن أئمتنا عليه السلام كانوا في أعصارهم ممتازين عن مخالطة علماء الخصوم وقضاتهم وملوكهم منقطعين إلى الله في أمر دينهم وعبادتهم مانعين أنفسهم عن طلب دنياهم وجوائزهم مشفقين على شيعتهم ومن يدين الله بقولهم مظهرين لخواص شيعتهم دعوى الإمامة كما نقله الفريقان عنهم ولذا كان العباسيون مع كونهم أرحاما لهم لا يزالون يتجسسون عليهم ويقابلونهم بالقطيعة وأنواع الإيذاء حتى أماتوا جماعة منهم عليه السلام بالسم والغيلة واستأصلوا شيعتهم قتلا ونهبا وتشريدا في أقطار الأرض وما ذلك إلا لما علموه من دعوى الإمامة منهم وموافقة شيعتهم وتصديقهم لهم فقابلوهم بالإيذاء والقتل لما داخلهم من وهم أخذ الملك منهم حين تحققوا ادعاءهم للإمامة ولم يجعلوا السبب في فعل ذلك بهم أنهم قوم يدعون العلم وليسوا من أهله أو يدعون الإمامة وليسوا من أهلها وما أشبه ذلك بمقابلة كفار العرب ومنافقيهم لرسول الله صلى الله عليه وآله بالقتال والطعان لما عجزوا من معارضة معاجزه باللسان. فانظر من تختار لدينك بعين الإنصاف أيها المكلف المأمور وإياك الوقوف عند شبه أهل الغرور فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. واعلم أن هذا الدليل الثالث مما أجرى الله سبحانه صدقه على لساني فأثبته وحذفت ما ذكره جامع الكتاب إذ ليس مقنعا فضلا عن كونه قاطعا فإن فيه هدما لبنيان المضلين وشفاء لصدور قوم مؤمنين وبالجملة فإنما ذكرنا أخبار شاهدته ليعلم المخالف أنه عليه السلام ظهر للمخلصين من شيعته وهو لطف من الله تعالى حق بريته في شهوده وغيبته.


source : تأليف: السيد على بن عبد الكريم نيلي النجفي
  335
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

وصية أخرى إلى أمير المؤمنين ع مختصرة
زكاة الفطرة
مما یدعی فی ربیع الاول
الزواج في القرآن
مفاتيح الجنان(1_200)
شهادة الإمام الجواد (عليه السلام)
علي الأكبر شبيه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
أهمية التربية في الإسلام
يا دعبل ارث الحسين
السرّ الرابع - خواصّ الشيعة زوّار الإمام (عليه السلام)

 
user comment