عربي
Monday 21st of September 2020
  469
  0
  0

العمل والانتاج في الإسلام

نظّم الإسلام -في مجال العمل والانتاج مثلا-العلاقة النسبية بين طاقة الإنسان (أو الجهد البشري) والطبيعة باعتبارها المصدر الأولي للثروة من جهة، وبين الانتاج وحق التملك من جهة أخرى، حين جعل الناتج للمنتج الحقيقي لا للمُستغل، ثم حرّم الاستغلال بشتى صوره وأساليبه، وشجّع على توظيف القابليات والمواهب، لا بتمليك الانتاج للعامل فحسب، بل بجعل العمل شرفاً وواجباً وجهاداً، مع نماذج وتطبيقات عملية أدّاها عظماء الإسلام، رسول الله(ص) وأهل بيته (ع)، فيما مارسوه من جهد جهيد في رسم الخطوط العريضة لموارد الكسب الحلال.
ثم اهتّم بمن تعطّل عن العمل، كلّية أو بصورة جزئية، فقرّر التكافل العائلي والتضامن الاجتماعي للعاجزين.
وجعل للثروة المملوكة بطريق مشروع وظيفة اجتماعية لخدمة الإنسان والمجتمع معاً، ومن غير أن تكون لخدمة أحدهما على حساب الآخر.
ومنع من إنتاج أو تداول أو استهلاك السلع والخدمات التي تشيع (الفحشاء والمنكر) في المجتمع أو في نفس الإنسان، منعاً للأمراض الاجتماعية والصحية والنفسية، وسائر السلبيات التي تنعكس سلبياً كذلك على الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية ونحوها.
وبهذا يكون الإسلام العظيم قد حدّد "مفهوم العمل والانتاج" بمنحى شامل وتكاملي يحقق المصالح ويدرأ المفاسد في اطار الحفاظ على كرامة الإنسان.
مؤسسة البلاغ
مفهوم العمل والانتاج
العمل: هو الطاقة أو الجهد الحركي الذي يبذله الإنسان من أجل تحصيل أو إنتاج ما يؤدي الى إشباع حاجة معينة محلّلة.
الانتاج: هو السلع والخدمات التي يساهم الجهد البشري في إيجادها من أجل إشباع حاجة ما.
وهذا الانتاج قد يكون سلعة، كما قد يكون خدمة. فتكييف الطاقة يتجسّد في إنتاج السلع والخدمات، فالطبيب والنّجار والعامل والحمّال، كل منهم يكيّف طاقته الإنسانية من أجل إشباع حاجة معينة، لأن العمل هو الجهد، أو القوة البشرية التي تتفاعل مع مختلف العناصر الأولية من أجل توفير سلعة مادية، أو إشباع حاجة فكرية أو نفسية، كالكرسي والقميص والكتاب، والعلاج الطبّي، والقصيدة الشعرية.
وقد حدّد الإسلام مفهوم الحاجة والعمل والانتاج وبين عناصره في جملة من النصوص والمفاهيم، وأوضح أن الطاقة الإنسانية بالتفاعل مع عناصر الطبيعة هي التي تنتج السلع التي يشبع بها الإنسان حاجاته المادية المختلفة، ويسدّ بها نواقص حياته، كالطعام واللباس والدواء.
وقد نوّه القرآن الكريم واشار في مواضع، وصرح وأوضح في مواضع أخرى، أن الطبيعة هي مصدر الثروة، وهي مستودع الحاجات البشرية، وأن هذه الثروة الطبيعية لا يمكن استثمارها والاستفادة منها إلا بعد أن يبذل الإنسان الجهود اللازمة، فتتم عملية التفاعل بين الجهد والطاقة الإنسانية من جهة، وبين عناصر الطبيعة وخيرات الأرض من جهة أخرى لاشباع كل حاجة إنسانية تتركّز عناصرها في الطبيعة بشكلها الحر الطليق، قبل أن تمسها يد الإنسان.
قال تعالى:
{أولم يروا انا خلقنا لهم مما عملت ايدينا انعاماً فهم لها مالكون* وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون* ولهم فيها منافع ومشارب افلا يشكرون}.(يس/71ـ73)
{والأرض مددناها وألقينا فيها رواسىَ وأنبتنا فيها من كل شيء موزون وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين وان من شيء إلا عندنا خزائنه ومما ننزله إلا بقدر معلوم}(الحجر/19ـ21).
فهذه النصوص القرآنية الكريمة وغيرها توفر لنا جملة من المفاهيم والافكار الاسلاسية التي تحدد لنا بصورة واضحة ودقيقة رأي الاسلام الذي يؤكد ان الارض وما فيها هي مصدر الثروة، ومنبعها الاساس، وهي مخلوقة، ومجعولة للانسان:
{والارض وضعها للانام * فيها فاكهة والنخل ذات الاكمام * والحب ذو العصف والريحان}. (الرحمن/ 10ـ12)
قال الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع):
(مَن آجر نفسه فقد حظر على نفسه الرّزق، وكيف لا يحظره وما أصاب فيه فهو لربّه الذي آجره).
عن عقبة بن خالد قال: سألت أبا عبدالله الصادق(ع) عن رجل أتى أرض رجل فزرعها بغير إذنه، حتى إذا بلغ الزّرع جاء صاحب الأرض فقال:
زرعت بغير إذني فزرعك لي، ولك عليّ ما أنفقت. أله ذلك أم لا؟
فقال (ع):
(للزّارع زرعه، ولصاحب الأرض كري أرضه)(1).
وان مفهوم الاسلام عن الطاقة البشرية هو ان الانسان وحدة حياتية قائمة بذاتها لها حاجاتها من الخدمات والسلع والمنافع تقوم هي ذاتياً بتوفيرها وصيانة نفسها باستعمال الطاقة المخزونة فيها، بالتفاعل مع العناصر الاولية والاساسية للانتاج.
والانسان الذي صرف هذه الطاقة من كيانه، هو صاحب الحق في امتلاك الفائض منها عن حاجته وليس من حق احد ان يستولي عليها.
إلا ان الانسان يملك حق التصرف وحرية التعاقد لتأجير هذه الطاقة لغيره لقاء اجر معين، وبذا يتنازل الاجير عن قدر من نتاجه وجده الذي يبذله لغيره بمقتضى هذا التعاقد والرضى.
وهذا التعاقد هو المبرر الشرعي لامتلاك المؤجر الفائض من جهد الاجير على اجرته مقابل توفير فرص العمل له.
وإذن فالاسلام يرى ان هناك عنصرين فقط يشتركان في الانتاج الذي يصنعه جهد الانسان بالتفاعل مع الطبيعة الحرة، كإحياء الارض وحفر المنجم ... الخ:
1ـ الطبيعة (المادة الاولية).
2ـ الجهد البشري.
قال المحقق الحلي:
(لو دفع إنسان دابه، وآخر راوية الى سقاء على الاشتراك في الحاصل، لم تنعقد الشركة، وكان مايحصل للسقاء، وعليه اجرة مثل الدابة والراوية)(2).
وبالتامل في هذا النص الفقهي، ندرك ان الجهد هو العنصر الذي يخلق روح الانتاج الجديدة، وبالتفاعل مع العناصر الاولية ـ مادة الانتاج ـ ، وان رأس المال وادوات الانتاج في المثال عامل مساعد على الانتاج وتستحق اجرة المثل.
ونستنتج من النص الفقهي الآنف الذكر ايضاً ان المباشر لعملية الانتاج هو الذي يملك ما ينتجه اذا كانت المادة الاساسية التي يدور الجهد حولها ثروة طبيعية لم يتدخل بتكييفها او التفاعل معها جهد بشري سابق، كالزرع في مثال الارض التي زرعها المزارع بغير اذن المالك.
وعلى اساس هذا المفهوم الاقتصادي نبني خطوات ذات اهمية بالغة الخطورة تنظم العلاقات الاقتصادية والتوزيع والتملك، وتحدد الأجور في مجالات الانتاج والحيازة، لان هذه النظرة يتوقف عليها تقويم الجهد البشري ومنحه ما يستحق من الاهمية، وربط كافة آثاره الانتاجية به، وإعادتها إليه، إلا مارضى المنتج ان يتنازل عنها بالعقد والمصالحة ... الخ.
فالانتاج * كله ملك للمنتج ـ للجهد الانساني ـ لذلك صرح النص الفقهي بعدم انعقاد الشركة، فقال: (لم تنعقد الشركة) لإيمان المذهب الاقتصادي في الإسلام بأن كل العناصر التي يستخدمها الإنسان في عملية الانتاج لا تعتبر مشاركة له، ولا مكافئة لجهده.
وعلى هذه النظرة يتوقف تشجيع الانتاج ودفع العامل والمباشر الفعلي للانتاج إلى توظيف كل طاقاته المادية والادبية في الانتاج وتحسينه، وبذا تتحقق العدالة الاقتصادية التجاوب مع منطق الحكمة الإلهية في العلاقة بين طاقة الانسان والطبيعة والانتاج والتملك. ففي الطبيعة طاقات وإمكانات إنتاجية هائلة، كالنبات والماء والنفط والشمس والحديد والحيوانات ... الخ.
وفي كيان الانسان قوى حركية وفنية وعقلية ضخمة بامكانها أن تتفاعل مع عناصر الطبيعة، فتوفر الحاجة للجميع، وأن تبعد الفقر والجوع والحرمان عن كل إنسان يعيش على هذه الأرض لأن الله سبحانه قد جعل في كل إنسان من القدرة والطاقة مايمكنه من توفير لوازم الحياة ومستلزمات العيش، لو فسح لها الانتاج من جهة، ورفع الظلم والسيطرة والاستغلال من جهة اخرى.
الحاجة والاشباع
تعتبر الحاجة إلى الشئ هي السبب الأعمق في إنتاجه وإيجاده، ولولا الحاجة إليه لكان وجوده عبثاً لامبرر له، والسعي من أجله تضييعاً للجهد والمال والوقت الانساني الثمين، وقد حرم الاسلام العبث.
وقد عبر القرآن الكريم عن هذا التحريم بصيغة الاستنكار الذي وجهه إلى اولئك الذين يبنون ويشيدون للعبث واللهو، والاسراف فقال:
{اتبنون بكل ريع (*) آية تعبثون}.(الشعراء/128)
وكما حرم القرآن بنقده اللاذع هذا العبث، وهو تضييع الجهد والمال والوقت من دون أن يكون هنالك مبرر معقول لهذا الاتلاف، حرّم كذلك الاسراف، وهو الاستعمال الزائد على الاشباع ـ إشباع الحاجة ـ
{وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين}.(الاعراف/31)
ولا يخفى ما لتحريم هذا التصرف الشاذ ـ العبث والاسراف ـ من اثر ايجابي على توازن الحياة الاقتصادية، وحفظ الثروة البشرية، وهذا التحريم للاسراف والعبث في المأكل والملبس والزينة والسكن والانفاق ... الخ، هو دعوة للتنظيم وضبط موازنة الحياة الاقتصادية، وتحقيق التوازن بين طرفي المعادلة، أي بين الحاجة والاشباع.
وبذا نظر الاسلام إلى الحاجة البشرية كحقيقة يجب الاستجابة لها إلى حد الاشباع دونما نقص او اسراف.قال تعالى:
{وكل شئ عنده بمقدار}. (الرعد/ 8)
{والذين اذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً}.(الفرقان/67)
{إن المبذرين كانوا اخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً}.(الاسراء/27)
وقد أقرّ الإسلام إشباع الحاجات الإنسانية بمختلف أنواعها سواء منها الخدمات أو الحاجات المادية، كالعلاج الطبي والتعليم والطعام والشراب واللباس والسكن..الخ.
أو الحاجات الفكرية والنفسية كالأدب والفن والزينة ووسائل الترويج..الخ.
الاشباع الشاذ لا يعبّر عن حاجة
عندما نظر الإسلام الى الإنسان كوحدة حياتية لها حاجاتها ونظام حياتها المناسب لتكوينها، اعترف له أيضاً بحاجاته الطبيعية المرتبطة ارتباطاً فعلياً بكيانه، واباح له طرق الاشباع اللازمة لسدّ تلك الحاجات.
وانطلاقاً من هذا المفهوم إعتبر التشريع الإسلامي كل إشباع خارج عن هذه الحاجات الطبيعية للإنسان حالة من حالات الشذوذ النفسي والغريزي التي يجنح لها المنحرفون تحت تأثير ظروف حياتية شاذة، واعتبر هذا الشذوذ تعبيراً منحرفاً وإشباعاً خارجاً على نظام الحياة، لا يعبّر عن حاجة أساسية ترتبط بتكوين الإنسان ونظام حياته، ولكنه تنفيس ملتوي يُعبّر عن عقدة الشذوذ والانحراف التي يعاني منها هذا الصنف من الناس.
ولم يكن الإسلام ليسمح للشاذين والمنحرفين ان يعملوا على تنمية هذه الاتجاهات الشاذة، لتنمو وتعيش في المجتمع الإنساني، كظاهرة قانونية مشروعة، فهو إن فعل ذلك عمل على هدم نظام الحياة، وانتقل من القانون الطبيعي والقاعدة الإساسية الى قبول الشذوذ والانحراف كبديل للوضع الطبيعي، فيحل الشذوذ عندئذ محل القاعدة والفوضى محل النظام.
ولم يكن الإسلام إلا رسالة الضبط والتنظيم والقانون، لذلك عمد الى تحريم الانتاج والتداول والاستهلاك والانتفاع بكل سلعة تشيع شذوذاً أو تستجيب لحالات الانحراف المرضي، كالخمر والزنا واللواط والقمار والرقص والاحتكار والربا..الخ، فمنع إنتاج الآلات والأدوات والخدمات أو بذل الجهود وإنشاء المؤسسات التي توفر الظروف المشجعة على إيجاد وبقاء هذه الظواهر الشاذة، لأن الإنسان بتكوينه الطبيعي السليم لا يحتاج الى الخمر ولا الى الرقص، ولا يصح له أن يتحول من العلاقة الزوجية المشروعة الى الزنا واللواط.
والإنسان في حالته الطبيعية يجب أن يعمل ويكسب لا أن يتّخذ القمار والاحتكار وسيلة لاقتناص جهود الآخرين، ليعيش في خمول وترهّل على الكسب الشاذ المدمّر لنظام الحياة المعاشي..الخ.
وبهذا التقويم الموضوعي للحاجة والانتاج والإشباع الطبيعي للحاجات، عمل الإسلام على تنظيم الحياة الاقتصادية وصيانتها من العبث والاسراف والتبذير، فحفظ الجهد البشري والثروة البشرية ليوظفهما في دائرة نشاطهما المقرّر لهما حسب منطق النظام الوجودي العام.
الحثّ على العمل والانتاج
لقد قدّس الإسلام العمل وكرّم العاملين والمنتجين واعتبره شرفاً وجهاداً وصورة معبّرة عن ذات الإنسان واستعداداته، فبالعمل يؤدي الإنسان رسالته الاعمارية في هذه الأرض، وبالعمل يتطابق مع دعوة القرآن الى الاعمار والاصلاح في هذه الأرض. قال تعالى:
{هو أنشأكُم من الأرض واستعمركُم فيها} (هود/61).
وقيل ان رسول الله (ص) قد اجتاز على عامل من الأنصار فرأى خشونة في يده فقال (ص) له: ما هذا الذي ارى في يدك؟ قال: انه أثر المسحاة، اضرب، وانفق على عيالي!! فأخذ النبي (ص) يده، وجعل يقبّلها، ويلوح بها أمام أصحابه قائلاً: هذه يد يحبها الله.
وانطلاقاً من هذه الدعوة، راح الإسلام يحثّ على العمل ويحارب الكسل والاتكالية ويدعو الى الجد وبذل الجهد من أجل تحصيل الرزق والانتفاع بطيّبات الحياة وإعمار الأرض وإصلاحها.
وقد ضرب الرسول(ص) وخلفاؤه أروع الأمثلة في الجد وممارسة العمل والنزول الى ميدان الحياة، فلم يستخفوا بالعمل ولم يحتقروا العاملين، بل كرّموا العمل والعاملين واستنكروا الخمول والاتكالية والكسل، لأن العمل في عرف الإسلام هو بذل الجهد من أجل إشباع حاجة إنسانية محلّلة، وهو ضرب من ضروب العبادة وتحقيق لارادة الله وحكمته في الأرض والسعي لبناء الحياة وفق مشيئته تبارك وتعالى.
ولكي يحقق الإسلام فكرته هذه جعل إشباع الحاجات الشخصية واجبة من حيث الأساس على الإنسان نفسه، لكي لا يتوانى عن الكسب ومباشرة العمل بنفسه(*)، فان هو عجز عن توفير حاجاته كاملة انتقلت مسؤولية إشباع هذه الحاجات الى الداخلين معه في علاقات النفقة والتكافل، كالآباء والأبناء، فاذا تعذّر النهوض بمسؤولية الكفالة هذه وإشباع الحاجات الضرورية انتقلت المسؤولية الى المجتمع والدولة الإسلامية.
وقد جسّد عظماء الإسلام هذه الأفكار حقيقة عملية في ساحة العمل، فمارسوا الأعمال والأشغال بأيديهم، فحرثوا الأرض وسقوا وزرعوا واحتطبوا ومارسوا الكثير من الأعمال، فما أنفوا من عمل حلال وما ترفّعوا عليه وإن كان متواضعاً بسيطاً في أعين الناس، لأنّ هؤلاء العظماء لم يعدوا نوع العمل أو ضعته، بل عرفوا قيمة الإنسان في ذاته، وفهموا العمل المباح وسيلة للكسب وإدامة الحياة وإنعاشها، ليكونوا قدوة للأمة المسلمة التي أراد الله لها أن تكون أُمة منتجة معطاءة لا تعرف الكسل ولا تركن الى الاتكالية والخمول لئلا يتدهور كيانها وتضعف مكانتها.
وقد جاء في الحديث الشريف: لئن يأخذ أحدكم حبله، فيذهب به الى الجبل يحتطب ثم يأتي به فيحمله على ظهره خير له من أن يسأل الناس . رواه البخاري
وبنفس الوقت الذي حثّ فيه الإسلام على العمل، تراه قد أكّد تأكيداً قاطعاً على أن يكون هذا العمل شريفاً لا وضيعاً، ومن الأعمال الوضيعة التي يرفضها الإسلام هو العمل مع الظالمين في الميادين الذي يتحقق فيه ظلمهم بشكل جلي واضح، وحول هذا الشأن يقول الغزالي: لا تكن قطباً تدور عليك رحى ظلمهم، وجسراً يعبرون بك الى بلادهم، وسلماً يصعدون منه الى ضلالاتهم.
وقد استجابت الطبقات الحيزة في العصور الإسلامية الأولى الى نداء أهل البيت (عليهم السلام) فلم تتصل بالجهاز الرسمي آنذاك ولم تتعامل معه، وكان من يتصل بهم يقابل بالاستهانة والتحقير، فهذا اسماعيل بن ابراهيم القرشي لما ولى القضاء كتب إليه ابن المبارك هذه الأبيات:
يا جاعل العلم له بازياً
يصطاد أموال المساكين
تحتال للدنيا ولذاتها
بحيلة تذهب بالدين
فصوت مجنوناً بها بعدما
كنت دواء للمجانين
أين رواياتك فيما مضى
عن ابن عون وابن سيرين
أين رواياتك في سردها
في ترك أبواب السلاطين
ان قلت أكرهت فذا باطل
زل حمار العلم في الطين
تهذيب التهذيب 1 ـ 278.
المال والثروة في خدمة الإنسان
من يتابع آيات القرآن ويحاول أن يستنتج من خلالها مفهوم الإسلام عن الثورة والمال والسلع وكل ما يمكن أن ينتفع به الإنسان، يجد أن القرآن ينظر الى كل هذه الموجودات على أنها وسائل لسد الحاجة وإشباع الرغبات الإنسانية المباحة ليس إلا.
وهو دوماً يحثّ الإنسان على الانفصال النفسي عنها، وفك رباط التعلق بها، لذا فهو دائماً يذم حب المال وجمعه وتكديسه، واكتنازه من أجل الاثراء وتنمية الملكية من غير حاجة إليها وينهى عن هذه الممارسات الاقتصادية الضارة ويقرّر: إن للمال والثورة والمنتجات دوراً اقتصادياً وخدمة اجتماعية يؤديها من أجل إدامة الحياة.
ولا يصح أن تتحول هذه الموجودات الى غاية تتجه إليها مساعي الإنسان وتتركز فيها جهوده واهتماماته، لذلك حرّم الإسلام الاكتناز وتكديس الثروة وحبسها عن الجريان في مسارب الحياة الاقتصادية.
ويؤكد الإسلام هذا المفهوم الاقتصادي الخطير ويعمل على غرسه وتنميته بطرق روحية وقانونية لكسر طغيان حبّ المال والاثراء الفاحش، ومحاربة الاستغلال والظلم الاقتصادي من أجل أن يأخذ المال والثروة دورهما الطبيعي في جسم المجتمع الإنساني، وتشبع كل الحاجات فيه من دون أن تستأثر فئة بالمنافع ووسائل الثروة، أو تثرى على حساب طبقات مستضعفة فقيرة.
{والّذين يَكنزُون الذَهبَ والفضّةَ ولا يُنفقُونها في سبيل الله فَبَشرهُم بعذاب أليم} (التوبة/34).
{فاتّقوا الله ما استطعتم واسمعُوا واطيعوا وانفقُوا خيراً لأنفُسكُم وَمن يُوق شُحّ نفسه فاولئك هُم المفلحُون} (التغابن/ 16).
{ما أفاء الله على رسوله من أهل القُرى فللّه وللرسول ولذي القُربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل كي لا يَكُون دُولةً بين الأغنياء منكم وما آتاكُمُ الرسولُ فَخُذُوه وما نهاكُم عنهُ فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب} (الحشر/ 7).
{قُل لعبادي الذين آمنوا يُقيموا الصّلاة ويُنفقُوا مُمّا زرقناهُم سرّاً وعلانيةً} (إبراهيم/ 31).
{والذين في أموالهم حقِ مَعلُوم * للسّائل والمحرُوم} (المعارج/ 24 ـ 25).
والى جانب هذه المقتبسات القرآنية نقرأ في نصوص السنّة ما يوضح ويشرح أهداف القرآن، ويوسع مدارات الفكر الاقتصادي، وهي جميعاً تسلك كقواعد ومنطلقات أساسية لإشادة المذهب الاقتصادي في الإسلام.
والذي نعرضه هنا من نصوص هو بعض من مئات الآيات والأحاديث والنصوص التي تحدّثت عن موضوع المال والثروة والانتاج والتوزيع، وموقف الإسلام الواضح من هذه المفردات الاقتصادية الخطيرة في حياة الإنسان الاجتماعية والمعاشية.
وكما قرأنا في القرآن الكريم طائفة من الآيات والنصوص التي تحدّثت عن المال والثروة، نقرأ في السنّة أيضاً ما يعالج نفس الموضوعات ويشرح مفاهيم القرآن، نختار منها:
(إنّما وضعت الزكاة اختباراً للأغنياء، ومعونة للفقراء، ولو أنّ الناس أدّوا زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقيراً محتاجاً، ولاستغنى بما فرض الله له، وإنّ الناس ما افتقروا ولا احتاجوا ولا جاعوا ولا عروا إلا بذنوب الأغنياء...الخ)(19).
ونقرأ في كتاب الإمام علي (ع) لمالك الأشتر الذي حدّد فيه مسؤولية الدولة الإسلامية.
(ثم الله الله في الطّبقة السُفلى من الذين لا حيلة لهُم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزّمنى، فانّ في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً، واحفظ الله ما استحفظك من حقّه فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت مالك، وقسماً من غَلات صوافي الإسلام)(23).
حقوق العامل في الإسلام
ان تشريعات الإسلام بالنسبة لخصوص العامل تنوعت حسب ما تقتضيه مصلحة العامل، فقد شرّع ملكية العامل واختصاصه وذلك في المواد الأولية والطبيعية والاستخراجية، وكذا نرى الإسلام قد حث على المضاربة لتنمية الحركة الاقتصادية، وتشغيل الايدي العاطلة. ومن الحقوق التي يتمتع بها العامل المضارب في الإسلام اقتطاع نفقات السفر للمضاربة من رأس المال المضارب به لا من نفقته الخاصة، فقد ورد عن الإمام موسى الكاظم (ع): المضارب ما أنفق في سفره فهو من جميع الملل فاذا قدم البلد فما أنفق من نصيبه. والعامل أمين غير مسؤول عن المال لو تلف كله أو بعضه لا يضمنه إلا بالخيانة كما لو اشترى لنفسه شيئاً فأدى الثمن من ذلك المال، أو سافر مع نهي رب المال عن السفر فانه يكون بذلك ضامناً.
ان صحة العامل تتأثر تبعاً لما يبذله من جهد خلال عمله، فكلما طالت ساعات العمل، كان لذلك أثره السيئ على صحة العامل بالاضافة الى أنها تؤدي الى ضعف الانتاج كماً ونوعاً. وقد حدّدت منظمة العمل الدولية ساعات العمل بثماني ساعات يومياً، أما الإسلام فقد سبقهم الى ذلك حيث يشير الخبر الشريف: اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الاخوان والثقاة الذين يعرفونكم عيوبكم، ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم.
وبذا يوافق الإسلام مع ما جاء من تخفيض ساعات العمل الذي تضمنته فقرات قانون «الاصلاح الصناعي» الأمريكي الى 40 ساعة اسبوعياً، والذي أقرته كل من ايطاليا وفرنسا ونيوزيلندا.
وأما الاضراب السياسي الذي يقصد منه اعلان السخط على الحكم القائم ومعارضة المسؤولين، فان كان باعثه اقدام الحكومة على زج البلاد في معاهدة استعمارية تضر بصالح المسلمين وتطوح باستقلال البلاد، أو أن الحكومة تشرع من القوانين ما لا يقره الإسلام، فان مقاومة ذلك الحكم ولو باضراب العمال عن العمل يكون واجباً مقدساً يجب تنفيذه وبالخصوص إذا صدر أمر من جهة شرعية معروفة.
وكذا فان للعامل حق في فسخ عقد العمل الذي أقرّه مع رب المال اذا ظهر غبن في الاجور المعطاة له أو إجبار ربّ المال العامل على القيام بأمور خارج نطاق العقد المبرم بينهما.
ان تحديد الأجور من أهم القضايا الاجتماعية، وذلك لأن مستوى الأجر يحدد فعلاً مستوى معيشة العامل، وقد حرص الإسلام على أن تكون الأجور عادلة. وعلى رب العمل أن يهيئ الوسائل الوقائية في المعمل لحماية العمال من الحوادث فان قصّر في ذلك يكون ضامناً لما أصابهم من تلف.
وكذا لا يجبر العامل على العمل الاضافي إلا لضرورة ويعطى أجر هذه المدة الاضافة. وكما ذكر الاضراب السياسي نذكر هنا الاضراب الخاص للعمال ويكون ذلك لأجل ارغام رب العمل على زيادة الأجور اذا كانت لا تتناسب والحياة المعيشية أو ما يمر به البلد من ضعف القدرة الشرائية بسبب زيادة للتضخم، وكذا إذا كان الاضراب لأجل تقليل ساعات العمل إذا كانت تسبب ضرراً فعلياً للعمّال. وقد اقرّ التشريع الإسلامي هكذا نوع من الاضراب إلا إذا كان العامل مستأجراً على العمل في وقت خاص فليس له حينذاك المشروعية في الاضراب.
ان التشريع الإسلامي لا يخالف تشكيل النقابة بشرط أن لا تتنافى مقرراتها مع التعاليم الدينية. ومن أهداف النقابة بشكل عام:
1 ـ التوسط لدى أرباب العمل لتحسين شروط العمل كادخال المكننة الحديثة التي تخفف العبء عن العامل.
2 ـ انشاء المؤسسات الاجتماعية والثقافية التي تحسن من مستوى العمال وأدائهم.
3 ـ تمثيل العمال في المنظمات التي تتناول قضايا العمل كتحديد الأجور بشكل يتناسب والقدرة المعيشية للدولة.
4 ـ توفير فرص العمل لدى الدولة والقطاعات الخاصة لتخفيف من العطالة.. وهذه الأهداف جميعها لا تتنافى مع المبادئ الإسلامية، بل ترى الإسلام يشجعها ويعمل على ازدهارها وتهيئة الأجواء لها.
ـــــــــــــــــ
1 ـ الكليني: الفروع من الكافي: ج5 ، كتاب المعيشة: ص297.
2 ـ الحلي: ابو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن/ شرائع الاسلام / ج 2/ ص 377.
* ـ الانتاج الذي يصنعه الجهد الانساني بالتفاعل مع عناصر الطبيعة الحرة.
* ـ الريع: مرتفع الارض. والخطاب القآني موجه إلى الذين كانوا يبنون أبنية للهو العبث والفساد.
* ـ لذلك منعت الشريعة الإسلامية إعطاء الزكاة للفقراء القادرين على الكسب والعمل، إلا إذا خرجوا للتكسّب ولم يحصلوا على شيء.

  469
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

أخلاق الحسين(عليه السلام)
أهمية دور المؤسّسات الحقوقية والسياسية في الحكومة ...
المهـدوية في الغـرب الإسـلامي بين الرمز الديني ...
المنهج الصوفي أو الباطني للتفسير
شرح خطبة السيدة زينب في مجلس يزيد
عداء الوهابيّة للإمام علي عليه‌السلام
من مناظرات الامام الصادق(عليه السلام)
الإمام الصادق (ع) خازن العلم وحافظ الشريعة
جابر بن عبد الله الانصاری
أدب الصلاة على النبي (ص)

 
user comment