عربي
Tuesday 24th of November 2020
  363
  0
  0

النجف الأشرف، مدينة السماء في الأرض

حيث تسجد الشمس على الربوات لتضمخ جدائلها بتراب الزائرين، وحيث تسكن الأرواح وتطمئن وتتحلق حول قطب السكينة، وحيث تأخذ الأريحية بزمام الأفئدة، تطل القبة الذهبية محاطة بقلادة من القباب في مدينة القباب، وكأنها عقد من الدرر على جيد أتلع يعلوه وجه من النور.

وافادت وكالة الانباء القرآنية العالمية   انه حيث تسجد الشمس على الربوات لتضمخ جدائلها بتراب الزائرين، وحيث تسكن الأرواح وتطمئن وتتحلق حول قطب السكينة، وحيث تأخذ الأريحية بزمام الأفئدة، تطل القبة الذهبية محاطة بقلادة من القباب في مدينة القباب، وكأنها عقد من الدرر على جيد أتلع يعلوه وجه من النور، إنها مدينة علي، إنها النجف الأشرف قبلة المؤمنين ومهوى أفئدة عشاق الحق والحقيقة، إنها النجف تظل شامخة كاسمها، اسمها المحمّل بمعنى الكبرياء والعظمة: المكان المرتفع شبه التل الذي لا يعلوه الماء.

البعد التأريخی والحضاری:

منذ قرون بعيدة .. تربعت هذه المدينة على هام التأريخ، منذ انبلج صبح البشرية، فكان آدم أبو بشر، والذي لا زالت تربتها العسجدية تحتضن جسده الطاهر بين ذراتها، ومرت الحقب لتضع على جبين أديمها في كل جيل قبلة، إنها محط سفينة نوح، ومقر جسده الطيب، وهي من تضم بين ذراعيها مثوى هود وصالح النبيين الكريمين، ثم تصيبها الزلازل ويذعر أهلها، ويحضر إبراهيم عليه السلام، ليكون سبب البركة وعلة سكونها، فيسر بذلك أهلها، ويتمسكون بهذا الضيف المبارك، ولا يتركها إلا وقد اشترى منها بقعة لتكون مثوى جسد وصي آخر الأنبياء، بمائة نعجة، ببانقيا كما كانت تدعى، ليضاف إلى أسمائها اسم جديد، يؤطر الذكريات بحضارة عامرة على مدى الأحقاب، ولا تندثر آثار بختنصر والإسكندر والساسانيين بين طيات أديمها، لتظل شاهداً على إرث تأريخي طويل، وتأمّها مريم بوليدها المسيح المبارك، إلى ربوة ذات قرار ومعين، لتأكل من تمرها وتشرب من معينها وتقر عينها وتسكن نفسها على ربوتها، وليجر تأريخ من المسيحية ذيله على رملها ويخلف في نواحيها أديرته.

ان لهذه المدينة المباركة إرثها العلمی الكبير الذی خلفه تعاقب التنوع الحضاری الناتج عن اختلاف الأجناس والأعراق، منذ ما قبل الإسلام وما بعده، وقد اختارها الطوسی الكبير بعد حادثة فتنة بغداد وحرق كرسيه، ليكون قدومه إليها واختيارها من قبله محلاً لإلقاء علوم أهل البيت وتدريسها، منعطفاً كبيراً، ونقلة نوعية واضحة

وبالإضافة لشموخها تتألق بجمالها وروعتها وهي متنزة المناذرة وساحل ملكهم الكبير، لشقائقها التي تحمر لأجلها خدّ الحيرة خجلاً، فتسمى بخد العذراء، ويفتح بحرها أبوابه لسفن الهند والصين، لتغدو مصدر أرزاقهم وقناة اتصالهم بالعالم، وليبنوا على ضفافها قصري السدير والخورنق، ويدور الزمان دورته، وينبجس فجر الإسلام، وحيث يصاب الناس بالطاعون وتهدد أرواحهم قبضة الموت، يفرّون إليها لصفاء هوائها وطيب مناخها فيسلمون، ويختارها علي إمام الموحدين عاصمة لخلافته ويُنشئ جيلاً يستوعب معطيات مدرسته، ويدعو بارئه أن تكون مثوى لجسده الطاهر، فيستجيب مولاه لدعائه، ليكتب التأريخ صفحته الأهم في تأريخها، ويغيّب ضريحه عن الأنظار حتى عام 170 للهجرة المباركة، فيُكشف عنه بحادثة عجيبة، لتلتف على مثواه أفئدة أحبائه مساكن، وتبدأ كمدينة عوداً على بدء.

البعد العلمی:

ان لهذه المدينة المباركة إرثها العلمي الكبير الذي خلفه تعاقب التنوع الحضاري الناتج عن اختلاف الأجناس والأعراق، منذ ما قبل الإسلام وما بعده، وقد اختارها الطوسي الكبير بعد حادثة فتنة بغداد وحرق كرسيه، ليكون قدومه إليها واختيارها من قبله محلاً لإلقاء علوم أهل البيت وتدريسها، منعطفاً كبيراً، ونقلة نوعية واضحة، ولتهفو طلبة العلوم إليها من كل حدب وصوب، ولتغدو منذ ذلك الحين مركزاً علمياً عظيماً، وصرحاً إسلامياً عملاقاً، فخرّجت أجيالاً من العلماء الذين انتشروا في كل أنحاء العالم، لينشروا العقيدة الحقة وأحكام الشريعة السمحاء وفق المذهب الحق على أرجاء المعمورة، ولم تزل حتى الآن قطب رحى العلم في العالم الإسلامي.

البعد الأدبی:

وهي مع هذه العلوم وبسبب تناول علوم اللغة والنحو والأدب، فقد حافظت على لغة القرآن الكريم من الضياع، وأنجبت آلاف الشعراء الذين رفدوا الأدب العربي بما أضاف إليه الشيء الكثير، وصار للأدب النجفي علامته البارزة ومعلمه الواضح، من جزالته وسبكه ومواضيعه الرائعة المتنوعة، ولتخط بأحرف من سحر أسماء هامات شامخة في سماء الأدب والشعر منذ الفرزدق والكميت والبحتري والمتنبي الكبير حتى هذا الجيل مروراً بالجواهري وأمثاله من شعراء العرب الكبار.

البعد السياسي:

وهي وقد ضمّت مراجع الدين وفقهاء مدرسة أهل البيت، قد أضحت مركزاً للقرار السياسي، ومع تناوب الهجمات على أهلها ونهب خيراتهم وإزهاق الكثير من أرواحهم منذ مرة الخارجي وحتى هجمات الوهابيين التي دفعت بالشيخ جعفر الكبير ومن معه من العلماء بتظافر جهود أهلها إلى بناء سورها المنيع، مروراً بالمشعشعي وملك الأزبك ومحاصرة الروم وكنج عثمان وخسرو باشا، وحتى ثورة العشرين ومواجهة الانكليز، مع كل هذا غدت محط آمال الشعب في تبني القرارات السياسية التي تسكن إليها نفوسهم، أو تكون مظهراً من مظاهر شجاعتهم وعطائهم وتفانيهم في الذود عن حماها إن قرعت طبول الحرب والجهاد.

البعد الروحي:

وحيث حط جسد علي عليه السلام رحاله بين جنبات ترابها، وضمته كل ذراتها بعشق بالغ، وحث الإمام الصادق عليه السلام على السكن فيها، غدت النجف مهوى القلوب والأفئدة، وأشاع على كل أنحائها جوّاً روحياً عبقاً، فشدّت إليه الرحال وكأنه الحج الأكبر، وتزاحمت على بابه تيجان الملوك وعمائم العظماء فضلاً عن سواد الناس، يتبركون بلثم عتباته، ويطلبون الشفاعة منه، ويقوم البويهيون بتعمير المرقد المطهر.

حط جسد علی (ع)رحاله بين جنبات تراب النجف، وضمته كل ذراتها بعشق بالغ، وحث الإمام الصادق (ع) على السكن فيها، غدت النجف مهوى القلوب والأفئدة، وأشاع على كل أنحائها جوّاً روحياً عبقاً، فشدّت إليه الرحال وكأنه الحج الأكبر

ويخلع السلطان سليمان نعله ويترجل من مكان بعيد بعد أن يضرب عنق وزيره الذي أراد أن يحط من منزلة علي أمامه، وتتناوب على لثم بابه الأجيال من الملوك والعلماء والوجهاء وسائر الناس الولهين إلى زيارة محل جسد علي وشباكه الملعلع بالذهب، ليشيع جو روحي عامر بالإيمان، ثم لا تكتفي الأفئدة من الوله، حتى تختار الأرواح هذه المدينة لتغدو محلاً لرفاتها، ولتزرع الأجساد على سواحل بحر علي، وليشمخ وادي السلام كأكبر مقبرة في العالم، ولتغدو النجف من أقدس بقاع الأرض بما ضمت في ترابها بل تبرها من أجساد الأنبياء آدم ونوح وهود وصالح، والصحابة العظام كخباب بن الأرت وسهل بن حنيف وزيد بن الأرقم وعدي بن حاتم وغيرهم وآلاف المراجع والعلماء والأولياء والصالحين والسلاطين والوزراء والوجهاء والشعراء والأدباء وغيرهم من سائر الناس من مختلف بقاع الدنيا.

مدينة للثقافة:

وتظل النجف، بما تميزت به من عطاء وبما امتزج فيها من تنوع حضاري وبشري آتى ثماره عبر الزمن ولا زال، مركزاً حضارياً وعلمياً وأدبياً وسياسياً كبيراً ومهوى للأفئدة في الحياة والأرواح بعد الممات، وليس كإطار جغرافي ضيق، حتى ظهور المصلح الأكبر المهدي المنتظر لتغدو عاصمة دولته العالمية العادلة، فاستحقت أن تكون عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2012 إن لم نقل أنها عاصمة الثقافة الإسلامية لكل العصور.


source : ایکنا
  363
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

مؤتمر في لندن يدعو للتصدي لقرار نقل السفارة الأمريكية ...
إنتاج أول برنامج كومبيوتری لتحكيم المسابقات القرآنية
سماحة العلامة انصاریان:إن النبي صلى الله عليه و آله ...
القران الکریم :يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ ...
تنظيم دورة تدريبية لمعلمي القرآن في أوغندا
اعادة النظر بالعلوم الانسانية تعنی تقديم نماذج حديثة ...
المركزي الفلسطيني يقرر تعليق الاعتراف بإسرائيل
كم نسبة المسلمين في روسيا
إستشهاد المدير العام السابق لوكالة الأنباء القرآنية ...
أكثر من 300 مسلح و11 دبابة خسائر "داعش" في هجوم تدمر!

 
user comment