عربي
Sunday 20th of September 2020
  459
  0
  0

الصلاة على النبي

الصلاة على النبي

 (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).
قرئ برفع ((ملائكته)) فقال الكوفيون بعطفها على أصل إن واسمها وقال البصريون مرفوعة بالابتداء وخبر إن محذوف أي إن الله يصلي وملائكته يصلون فحذف للقرينة ونظائره كثيرة كقول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والأمرُ مختلف
أي نحن راضون.
والصلاة وإن كانت من الله الرحمة فالمراد بها هنا هو الاعتناء بإظهار شرفه ورفع شأنه ومن هنا قال بعضهم تشريف الله محمداً (ص) بقوله: (إن الله وملائكته يصلون على النبي) أبلغ من تشريف آدم بالسجود له.
والتسليم قيل المراد به التسليم بمعنى الانقياد له كما في قوله: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) وقيل هو قولهم السلام عليك أيها النبي (ورحمة الله وبركاته) قاله الزمخشري والقاضي في تفسيريهما وذكره الشيخ في تبيانه وهوا لحق لقضية العطف ولأنه المتبادر إلى الذهن عرفاً ولرواية كعب بن عجرة الآتية وغيرها.
إذا تقرر هذا فهنا فوائد:
1 ـ ذهب أصحابنا والشافعي وأحمد إلى وجوب الصلاة على النبي (ص) في الصلاة خلافاً لأبي حنيفة ومالك فإنهما لم يوجباها ولم يجعلاها شرطاً في الصلاة واستدل بعض الفقهاء بما تقريره: شيء من الصلاة على النبي (ص) واجب ولا شيء من ذلك في غير الصلاة بواجب ينتج أنها في الصلاة واجبة أما الصغرى فلقوله ((صلوا)) والمر حقيقة في الوجوب وأما الكبرى فظاهرة وفيه نظر لمنع الكبرى كما يجيء وحينئذ فالأولى الاستدلال على الوجوب بدليل خارج أما من طرقهم فما رووه عن عائشة قالت سمعت رسول الله (ص) يقول: ((لا تقبل صلاة إلا بطهور وبالصلاة عليّ)) وكذا عن أنس عن النبي (ص) قال: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله ثم ليصل عليّ)) ومن طرقنا ما رواه أبو بصير وغيره عن الصادق (ع) قال: ((مَن صلى ولم يصل على النبي (ص) وتركه عمداً فلا صلاة له)) حتى أن الشيخ جعلها رُكناً في الصلاة فإن عنى الوجوب والبطلان بتركها عمداً فهو صحيح وإن عنى تفسير الركن بأنه ما يبطل الصلاة بتركه عمداً وسهواً فلا.
2 ـ قال علماؤنا أجمع: إن الصلاة على النبي واجب في التشهدين معاً وبه قال أحمد وقال الشافعي مستحب في الأول وواجب في الأخير وقال مالك وأبو حنيفة هي مستحبة فيهما دليل أصحابنا روايات كثيرة عن أئمتهم (ع).
3 ـ هل يجب الصلاة على النبي في غير الصلاة أم لا؟ ذهب الكرخي إلى وجوبها في العمر مرة وقال الطحاوي كلما ذكر واختاره الزمخشري ونقل عن ابن بابويه من أصحابنا وقال بعضهم في كل مجلس مرة والمختار الوجوب كلما ذكر لدلالة ذلك على التنويه بذكر شأنه والشكر لإحسانه المأمور بهما ولأنه لولاه لكان كذكر بعضنا بعضاً وهو منهي عنه في آية النور (وهي قوله: (ولا تجعلوا دعاء الرسول) الآية) ولما روي عنه (ص): ((مَن ذكرت عنده فلم يصل عليّ فدخل النار فأبعده الله)) والوعيد إمارة الوجوب وروي أنه قيل له يا رسول الله أرأيت قول الله (إن الله وملائكته يصلون على النبي) فقال عليه الصلاة والسلام: ((هذا من العلم المكنون ولولا أنكم سألتموني عنه لما أخبرتكم به إن الله وكل بي ملكين فلا أُذكر عند مسلم فيصلي عليّ إلا قال له ذلك الملكان غفر الله لك وقال الله وملائكته آمين ولا أُذكر عند مسلم فلا يصلي عليّ إلا قال له الملكان لا غفر الله لك وقال الله تعالى وملائكته آمين)) وأما عند عدم ذكره فيستحب استحباباً مؤكداً لتظافر الروايات على أن الصلاة عليه وعلى آله تهدم الذنوب وتوجب إجابة الدعاء المقرون بها.
4 ـ روى كعب بن عجرة قال: ((لما نزلت الآية قلنا يا رسول الله هذا لسلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك فقال: قولوا أللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد)).
5 ـ دلّ حديث كعب المذكور على مشروعية الصلاة على الآل تبعاً له (ص) وعليه إجماع المسلمين وأوجبه الشافعي في أحد قوليه كما في الصواعق المحرقة ص146وينسب إليه:
يا أهل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم القدر إنكم مَن لم يصل عليكم لا صلاة له
وهل يجوز الصلاة عليكم لا تبعاً له بل إفراداً كقولنا أللهم صل على آل محمد بل الواحد منهم لا غير أم لا؟ قال أصحابنا بجواز ذلك وقال الجمهور بكراهته لأن الصلاة على النبي صارت شعاراً له فلا نطلق على غيره ولإيهامه الرفض والحق ما قاله الأصحاب لوجوه:
الأول قوله تعالى مخاطباً للمؤمنين كافة: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته) وهو نص في الباب.
الثاني قوله: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة)، ولا ريب أن أهل البيت (ع) أصيبوا بأعظم المصايب الذي من جملتها اغتصابهم مقام إمامتهم.
الثالث أنه لما أتى أبو أوفى بزكوته قال النبي (ص): ((أللهم صل على أبي أوفى وآل أبي أوفى)) فيجوز على أهل البيت (ع) بطريق أولى.
الرابع أن الصلاة من الله بمعنى الرحمة ويجوز الرحمة عليهم إجماعاً ويجوز مرادفها لما تقرر في الأصول أنه يجوز إقامة أحد المترادفين مقام الآخر.
الخامس قولهم أنه صار شعاراً للرسول (ص) قلنا مصادرة على المطلوب لأنها كما دلت على الاعتناء برفع شأنه كذلك تدل على الاعتناء برفع شأن أهله القائمين مقامه ويكون الفرق بينهم وبينه وجوبها في حقه (ص) كلما ذكر كما اخترناه إن قلت عادة السلف قصره على الأنبياء قلت العادة لا تخصص كما تقرر في الأصول هذا مع أن من أعظم السلف الباقر والصادق (ع) ولم يقولا بذلك.
السادس أن قولهم: إن ذلك يوهم الرفض تعصب محض وعناد ظاهر نظير قولهم من السنة تسطيح القبور لكن لما اتخذته الرافضة شعاراً لقبورهم عدلنا عنه إلى التسنيم فعلى هذا كان يجب عليهم أن كل مسألة قال بها الإمامية أن يفتوا بخلافها وذلك هو محض التعصب والعناد نعوذ بالله من الأهواء المضلة والآراء الفاسدة.
6 ـ مذهب علمائنا أجمع أنه يجب ا لصلاة على آل محمد في التشهدين وبه قال بعض الشافعية وفي إحدى الروايتين عن أحمد وقال الشافعي بالاستحباب لنا رواية كعب وقد تقدمت في كيفية الصلاة عليه (ص) وإذا كانت الصلاة عليه واجبة كانت كيفيتها واجبة أيضاً وروى كعب أن النبي (ص) كان يقول ذلك في صلوته وقال (ص): ((صلوا كما رأيتموني أُصلي)) وعن جابر الجعفي عن الباقر (ع) عن أبي مسعود الأنصاري قال قال رسول الله (ص): ((مَن صلى صلاة ولم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه)).
7 ـ الذين تجب الصلاة عليهم في الصلاة ويستحب في غيرها هم الأئمة المعصومون (ع) لإطباق الأصحاب على أنهم هم الآل ولأن الأمر بذلك مشعر بغاية التعظيم المطلق الذي لا يستوجبه إلا المعصومون وأما فاطمة (ع) فتدخل أيضاً لأنها بضعة منه 0ص).
8 ـ استدل بعض شيوخنا على وجوب التسليم المخرج عن الصلاة بما تقريره: شيء من التسليم واجب + ولا شيء منه في غير الصلاة بواجب = فيكون وجوبه في الصلاة وهو المطلوب أما الصغرى فلقوله ((وسلموا)) الدال على الوجوب وأما الكبرى فللإجماع وفيه نظر لجواز كونه بمعنى الانقياد كما تقدم، سلمنا لكنه سلام على النبي (ص) لسياق الكلام وقضية العطف وأنتم لا تقولون أنه المخرج من الصلاة بل المخرج غيره.
9 ـ استدل بعض شيوخنا المعاصرين على أنه يجب إضافة ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)) على التشهد الأخير بما تقريره: السلام على النبي (ص) واجب + ولا شيء منه في غير التشهد الأخير بواجب = ينتج أنه فيه واجب. وبيان المقدمتين قد تقدم.
قيل عليه إنه خرق الإجماع لنقل العلامة الإجماع على استحبابه ولأن النبي (ص) لم يعلمه الأعرابي في كيفية التشهد ولا هو في حديث حماد في صفة الصلاة عن الصادق (ع) فلو وجب لتأخر البيان عن وقت الحاجة وهو باطل اتفاقاً ولضبط الأصحاب الواجبات في الصلاة ولم يعدوه فيها ولعدم دلالة الآية عليه صريحاً ولو دلت لم تدل على الفورية ولا على التكرار ولا على كونه في الصلاة ولا على كونه آخرها ولا كونه بصيغة مخصوصة.
ويمكن الجواب عن الأول بمنع الإجماع على عدم وجوبه والإجماع المنقول على مشروعيته وراجحيته وهو أعم من الوجوب والندب وعن الثاني والثلاث بأن عدم النقل لا يدل على العدم مع أن حديث حماد ليس فيه إشعار بالعبارة المتنازع فيها بالوجوب وجوداً وعدماً مع إمكان الدخول في التشهد لأنه قال (( فلما فرغ من التشهد سلم)) وعن الرابع بأنه معارض بوجوب التسليم المخرج من الصلاة فإن كثيراً من الأصحاب لم يعده في الواجبات مع الفتوى بوجوبه وعن الخامس قد بينا فيما تقدم أن سياق الكلام وقضية العطف يدل على أن المراد السلام على النبي وعن السادس بأن الفورية والتكرار استفيدا من خارج الآية وهو أنه لما ثبت كونه جزءاً من الصلاة فكلما دلّ على فوريتها وتكرارها دلّ على فوريته وتكراره تضمناً وعن السابع والثامن والتاسع بما تقرر في بيان الكبرى إذ لا قائل بالوجوب في غير الصلاة ولا في غير التشهد الأخير ولا بغير الصيغة.
وبالجملة الذي يغلب على ظني الوجوب ويؤيده ما رواه أبو بصير عن الصادق (ع) قال: ((إذا كنت إماماً فإنما التسليم أن تسلم على النبي وتقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)) وأيضاً رواية الشيخ في التهذيب عن أبي كهمس عن الصادق (ع) قال: ((سألته إذا جلست للتشهد فقلت وأنا جالس السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته انصراف هو قال (ع): لا ولكن ذا قلت السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فهو انصراف وهي ظاهرة في أنه من التشهد والإجماع حاصل منا على وجوبه وعن الحلبي عن الصادق (ع) قال: ((كلما ذكرت الله والنبي (ص) فهو من الصلاة فإن قلت السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد انصرفت)) دلّ ظاهر هذه الروايات على كون التسليم على النبي (ص) من الصلاة ودلت الآية على الوجوب فيكون واجباً فيها وهو المطلوب.

 


source : البلاغ
  459
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

دعاء ادریس
مكة والمدينة في علوم القرآن
مسیر سبایا الشام:
فضل زيارة الحسين عليه السلام يوم العشرين من صفر و ...
أسلوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
احتجاجات رسول الله(ص )على المشركين
برکة وجود علی علیه السلام
شاعر الرسول حسان
التباكي على سيِّد الشهداء (عليه السلام)
اليوم السابع من محرم..يوم مخصص للعباس بن علي (ع)

 
user comment