عربي
Wednesday 26th of January 2022
625
0
نفر 0

الإساءة للرسول (ص) واستهداف الإنسان الغربي المستضعف

ضمن ما تهدف له حرية التعبير والفكر، محاولة التأثير على قناعات الآخرين.ولكن حين يكون التعبير عن الرأي بواسطة السباب والشتائم لمجرد تشويه صورة الشخصية المستهدفة، فهذا دليل على شيء واحد، وهو العجز عن مقارعة الحجة بالحجة وبالمنطق والإقناع الفكري.المتتبع لحركة النيل من شخص الرسول الكرم (ص)، منذ ما قبل عصر النهضة وحتى الآن، يجد أن الأسلوب نفسه قد مارسه الكثير من رجال الكنيسة حين كانوا مسيطرين على الحياة الغربية وممسكين بزمام الأمور والسلطات. وبعد عصر النهضة، وقيام الحضارة الغربية المادية الحديثة على أنقاض سلطة الكنيسة، فان الرجل الغربي ذات الفكر المادي البعيد عن سلطة الدين، يمارس نفس الأساليب القديمة التي مارسها رجل الكنيسة في حق الرسول الكرم (ص) واستهداف شخصيته. فبالأمس كان رجال الكنيسة واليوم دعاة حرية الرأي والتعبير.
هذا يعني وجود فزع مشترك وخشية من شخصية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بين شخصية رجل الكنيسة وشخصية رجل الحضارة الغربية المعاصرة رغم عدائهما لبعضهما البعض واختلافهما الذي دفع بهما للتصادم والتناحر.الغرب لا يحمل خوفا خارجيا في الوضع الحالي من العرب والمسلمين، ولكن الخشية – كما يبدو – تتمثل في الخوف على الداخل.هناك خوف تبلغ بسببه القلوب الحناجر على انفتاح الإنسان الغربي بعقله وقلبه على الإسلام المحمدي الأصيل.فمنذ أن دخلت روما للدين المسيحي، والتناقضات كانت تستعر في تفكير الأتباع، وكان لعقيدة الأقانيم الثلاثة (الأب وروح القدس والابن) دورا كبيرا في هذا القلق الفكري.ويعتقد بعض المفكرين، أن الملك الرومي قسطنطين مؤسس وباني مدينة القسطنيطينية (اسطنبول حاليا)، والذي اعتنق المسيحية وفرضها على روما، لم يستطع التخلص من وثنيته، ولمّا كان مقتنعا بفكرة الوثنيين في تعدد الآلهة، أدخل هذه العقيدة، ومن ذلك الحين طرأ الكثير من التبديل والتغيير على النصرانية حتى قيل أن رما لم تتنصر، ولكن النصرانية تروّمت.
الإسلام وعقيدة التوحيد الصافية، تحل أعقد الإشكالات الفكرية لدى أتباع الأديان السماوية، وكان لا بد من تحصين الداخل الغربي من تأثير الإسلام وعقائده ومفاهيمه عن الحياة والكون والرب والإنسان.ولكن ذلك يحتاج إلى قوة إقناع فكري تنافس ما جاء به الإسلام، وهذا غير متوفر في مثل عقيدة الثالوث المسيحية.لهذا لجأ أرباب الكنيسة في أوربا للأساليب الرخيصة والمبتذلة، من سب وشتم وتشويه لصورة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وذلك تعويضا عن القصور في قدرتهم الفكرية على دحض العقائد والمفاهيم والقيم التي جاء بها الإسلام. والغرب هو قلعة الفكر المادي الذي قام على هزيمة الكنيسة، وهو الفكر الذي يحفظ مصالح الماسكين الحقيقيين بزمام الأمور هناك، ولا بد من تحصين هذه القلعة بواسطة وضع مزيد من الجدر الحاجزة بين الإنسان الغربي وبين الإسلام. وطبيعي أن استهداف الرسول صلى الله عليه وآله يعني استهداف كل المبادئ السامية والقيم العالية التي تهدد مبادئ عبادة المادة ولذة الجسد، وحياة الترف والاستهلاك التي تروّج لها الجهات المستفيدة من وراءها، والتي على ضوء هذه العقلية تبرر أمام شعوب الغرب استغلال الآخرين وسلب ثرواتهم بمختلف الأشكال المعادية لكل القيم المعنوية الإنسانية.
ولهذا فلنفس أسباب ودوافع الكنيسة، وبنفس الأساليب الوضيعة أيضا من سب وسخرية، يمارس الغرب عملية التشويه والإساءة تجاه شخصية الرسول صلى الله عليه وآله، وذلك حفاظا على الفكر المادي العاجز عن الإجابة على الكثير من التساؤلات الفكرية، فالرسالة من وراء الإساءة للرسول صلى الله عليه وآله ليست موجّهة للعالم الخارجي بقدر ما هي موّجهة للداخل. وهذه الحملات التنفيرية من النبي صلى الله عليه وآله لم تتوقف قط، فالكتب مليئة بمثل تلك الترهات والأكاذيب، مما يؤشر إلى وجود همٍ مشترك بين إنسان حقبة سيطرة الكنيسة وبين هذه الحقبة مع تنافرهما وتناقضهما، يتمثل في الخشية على الداخل الغربي من تأثير الإسلام، وتزداد الحاجة لعملية التشويه والتنفير في ظل حرية الرأي والمعتقد التي قد تقود لانفتاح الإنسان الغربي على الإسلام.
إن القطة الضعيفة هي التي يعلو صوتها، والتاريخ يعيد نفسه، فلغة السب والشتائم واللجوء لتشويه الحقائق أو التستر عليها لغة الضعفاء وأساليب الجبناء الذين يفتقدون قوة الإقناع الفكري والمنطق، والصراخ بقدر الألم، ونفس هذا النمط من تعامل العاجزين الذي يمارسه الغرب مع شخصية الرسول صلى الله عليه وآله، مارسه عبر التاريخ كل المترفين تجاه أنبيائهم، فيبدؤون بالاستهزاء والسخرية من دعوة نبيهم، وإذا لم ينفع ذلك في تنفير الناس، لجئوا لاتهام النبي بكل صفة تثير الفزع والكراهية في قلوب الناس، مثل تهمة السحر المرعبة آنذاك أو الكذب أو الكهانة، وطالما فلحوا في جر وتجنيد الكثير من عامة الناس المستضعفين في سبيل مواجهة دعوات الأنبياء، وربما هددوا نبيهم بالقتل إن لم يتوقف عن دعوته.
أخيرا أنقل هذه الحادثة التاريخية المثيرة حول الاستهداف الدائم للنبي صلى الله عليه وآله، والتي تدلل على أن ضعف العالم الإسلامي وحاجته الاقتصادية للغرب، من ضمن الأسباب التي تجريء دولة كالدنمرك للاستخفاف بأقدس إنسان لدى المسلمين. ففي عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، حدث خلاف بينه وبين ملك الروم.وكانت النقود الرومانية هي النقود المتداولة في سائر المعاملات. فما كان من ملك الروم، إلا أن حاول استغلال حاجة المسلمين، فهدد بأنه سيكتب على النقود التي تُضرب في بلاده ويتداولها المسلمون شتائم وسب في حق النبي صلى الله عليه وآله.ولمّا أحس عبد الملك بحرج الموقف وأصيب بالإرباك، أشار إليه بعضهم لدعوة الإمام محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فقدم من المدينة إلى مركز الخلافة بالشام، وحل المشكلة عن طريق استبدال النقد الرومي بنقد إسلامي..وبقية القصة معروفة.(مضمون القصة منقولة من كتاب:الملامح الأساسية لنظرية السوق التجارية في الإسلام، الصادر عن دار التوحيد في الكويت).

625
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

مجلس خبراء القيادة: الامام الخميني (رض) رفع لواء ...
الروح و العلم
أعمال ليلة القدر
الخصوصية الصوفية للنظرية المهدوية
مظاهر من شخصيّة الإمام الرضا (علیه السلام)
معرفة الله تعالى أساس إنساني
فوائد و أضرار طلع النخل
موارد التعميم‌
موقف الامام علي علیه السلام بعد السقيفة
هل يقبح الصفير؟ و ما هو الموقف منه من الناحية ...

 
user comment