عربي
Tuesday 11th of May 2021
399
0
نفر 0
0% این مطلب را پسندیده اند

واشتهرت بين المسلمين فكان لاحتمال انفساخ الصدقات والاوقاف بموت المالك ورجوعها الى الورثة متسع

 


واشتهرت بين المسلمين فكان لاحتمال انفساخ الصدقات والاوقاف بموت المالك ورجوعها الى الورثة متسع.
ولا يضعضع قيمة هذا التفسير عدم ذكر الزهراء له واعتراضها به على الخليفة.
أما أولاً : فلأن الموقف الحرج الذي وقفته الزهراء في ساعتها الشديدة لم يكن ليتسع لمثل تلك المناقشات الدقيقة حيث ان السلطة الحاكمة التي كانت تريد تنفيذ قراراتها بصورة حاسمة قد سيطرت على الموقف بصرامة وعزم لا يقبلان جدالاً ولذا نرى الخليفة لا يزيد في جواب استدلال خصمه بآيات ميراث الانبياء على الدعوى الصارمة اذ يقول هكذا هو ـ كما في طبقات ابن سعد ـ فلم يكن مصير هذه المناقشات لو قدر لها أن تساهم في الثورة بنصيب الا الرد والفشل.
وأمّا ثانياً : فلأن هذه المناقشات لم تكن تتصل بهدف الزهراء وغرضها الذي كان يتلخص في القضاء على الاساليب التي هي أقرب الى تحقيق ذلك الغرض فتراها مثلاً في خطابها الخالد خاطبت عقول الناس وقلوبهم معاً ولكنها لم تتجاوز في احتجاجها الوجوه البديهية التي كان من القريب ان يستنكر اغضاء الخليفة عنها كل احد ، ويجر ذلك الاستنكار الى معارضة حامية.
فقد نفت وجود سند لحكم الخليفة من الكتاب الكريم ثم ذكرت ما يخالفه من الآيات العامة المشرعة للتوارث بين سائر المسلمين(1) والآيات الخاصة الدالة على توريث بعض الانبياء كيحيى وداود عليهما السلام ، ثم عرضت المسألة على وجه آخر وهو : ان ما حكم به الخليفة لو كان حقاً للزم ان يكون أعلم من رسول الله (ص) ووصيه لانهما لم
____________
(1) من الواضحات العلمية اخيراً ان الخبر الواحد المعتبر يصلح لتخصيص الكتاب لانه حاكم او وارد كما هو الصحيح على أصالة العموم واصالة الاطلاق وانما احتجت الزهراء بالآيات العامة لأنها لم تكن تعترف بوثاقة الصديق وعدالته.


 


يخبراها بالخبر مع انهما لو كانا على علم به لاخبراها به ، ومن الواضح ان الصديق لا يمكن ان يكون اعلم بحكم التركة النبوية من النبي (ص) أو علي الذي ثبتت وصايته لرسول الله (ص) وذلك في قولها :
يا ابن أبي قحافة أفي كتاب الله ان ترث أباك ولا أرث أبي ؟ لقد جئت شيئاً فرياً! أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم ؟ اذ يقول : وورث سليمان داود ، وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا ( رب هب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب ) وقال ( واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) افخصكم الله بآية اخرج منها أبي ؟ ام هل تقولون : أهل ملتين لا يتوارثان ؟ ! أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة ؟ أم أنتم اعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي ؟ !(1).
وكانت أبرز الناحيتين في ثورتها الناحية العاطفية وليس من العجيب ان تصرف الزهراء أكثر جهودها في كسب معركة القلب فإنه السلطان الاول على النفس والمهد الطبيعي الذي تترعرع فيه روح الثورة.
وقد نجحت الحوراء في تلوين صورة فنية رائعة تهز المشاعر وتكهرب العواطف وتهيمن على القلوب كانت هي أفضل سلاح تتسلح به امرأة في ظروف كظروف الزهراء.
ولأجل ان نستمتع بالجمال الفني في تلك الصورة الملونة بأروع الألوان لا بأس بأن نستمع الى الصديقة حين خاطبت الانصار بقولها :
يا معشر البقية ، وأعضاد الملة ، وحضنة الاسلام ، ما هذه الفترة عن نصرتي والونية عن معونتي ، والغمزة في حقي ، والسنة عن ظلامتي أما كان رسول الله (ص) يقول : المرء يحفظ في ولده ، سرعان من احدثتم
____________
(1) نقلنا هذه القطعة على وجه الاختصار.


 


وعجلان ما أتيتم ، الآن مات رسول الله (ص) أمتم دينه ها ان موته لعمري خطب جليل ، استوسع وهنه ، واستبهم فتقه ، وفقد راتقه واظلمت الارض له ، وخشعت الجبال واكدت الآمال ، اضيع بعده الحريم وهتكت الحرمة واذيلت المصونة ، وتلك نازلة اعلن بها كتاب الله قبل موته وانبأكم بها قبل وفاته فقال : ( وما محمّد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على اعقابكم ومن ينقلب على عقيبه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين ) ايهاً بني قيلة أهتضم تراث أبي بمرأى ومسمع تبلغكم الدعوة ، ويشملكم الصوت وفيكم العدة والعدد ولكم الدار والجنن ، وأنتم نخبة الله التي انتخب وخيرته التي اختار الخ . .
واذن فلم تكن المناقشات في تفسير الحديث وتأويله مما تهضمها السلطات الحاكمة ولا هي على علاقة بالغرض الرئيسي للثائرة من ثورتها.
وهذا يفسر لنا عدم تعرضها للنحلة في خطابها أيضاً.

* * *


1 ـ يجب الآن توضيح موقف الخليفة تجاه الزهراء في مسألة الميراث وتحديد رأيه فيها ـ بعد أن أوضحنا حظ الصيغ السابقة من وضوح المعنى وخفائه ـ وهو موقف لا يخلو من تعقيد اذا تعمقنا شيئاً ما في درس المستندات التاريخية للقضية ومع ان المستندات كثيرة فانها مسألة محيرة ان نعرف ماذا عسى ان تكون النقطة التي اختلف فيها المتنازعان ، ومن الصعوبة توحيد هذه النقطة.
والناس يرون أن مثار الخلاف بين أبي بكر والزهراء هو مسألة توريث الانبياء فكانت الصديقة تدعي توريثهم والخليفة ينكر ذلك. وتقدير الموقف على هذا الشكل لا يحل المسألة حلاً نهائياً ولا يفسر عدة أمور ـ :


 
( الأول ) : قول الخليفة لفاطمة في محاورة له معها ـ وقد طالبته بفدك ـ : ان هذا المال لم يكن للنبي (ص) وانما كان مالاً من أموال المسلمين يحمل النبي به الرجال وينفقه في سبيل الله فلما توفي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وليته كما كان يليه. فان هذا الكلام يدل بوضوح على أنه كان يناقش في أمر آخر غير توريث الانبياء.
( الثاني ) : قوله لفاطمة في محاورة اخرى : أبوك والله خير مني وأنت والله خير من بناتي وقد قال رسول الله (ص) : لا نورث ما تركناه صدقة يعني هذه الاموال القائمة وهذه الجملة التفسيرية التي الحقها الخليفة بالحديث تحتاج الى عناية فانها تفيدنا ان الخليفة كان يرى ان الحكم الذي تدل عليه عابرة الحديث مختص بالنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وليس ثابتاً لتركة سائر الانبياء ولا لتركة سائر المسلمين جميعاً فحدد التركة التي لا تورث بالاموال القائمة وذكر ان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يعنيها هي بالحديث. وعلى هذا التحديد نفهم ان المفهوم للخليفة من الحديث ليس هو عدم توريث الصدقات لأن هذا الحكم عام ولا اختصاص له بالنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فلا يجوز ان يحدد موضوعه بالاموال القائمة بل كان اللازم حينئذ ان يأتي الخليفة بجملة تطبيقية بأن يقال : ان الاموال القائمة مما ينطبق عليه الحديث.
كما يتضح لدينا ان الخليفة لم يكن يفسر الحديث بأن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا تورث تركته وأملاكه التي يخلفها بل تصبح صدقة بعد موته لانه لو كان يذهب هذا المذهب في فهم الحديث لجاء التفسير في كلامه على اسلوب آخر لأن المقصود من موضوع الحديث حينئذ تركة النبي (ص) على الاطلاق ولا يعني الاموال القائمة التي كانت تطالب بها الزهراء خاصة واعني بذلك ان هذه الاموال الخاصة لو كانت تطالب بها الزهراء خاصة واعني بذلك ان هذه الاموال الخاصة لو كانت قد خرجت عن ملك النبي (ص) قبل وفاته لم يكن الحكم بعدم التوريث ثابتاً لها كما ان غيرها من


 


الاموال لو حصل ( للنبي ) لما ورثها آله أيضاً ، فعدم توريث التركة النبوية ان ثبت فهو امتياز لكل ما يخلفه النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من املاك سواء أكانت هذه التي خلفها أو غيرها. ولا يصح ان يقال : انه عنى بالتركة الاموال القائمة التي كانت تطالب بها الزهراء.
ونظير ذلك قولك لصاحبك : أكرم كل من يزورك الليلة ثم يزوره شخصان فانك لم تعن بكلامك هذين الشخصين خاصة وانما انطبق عليهما الامر دون غيرهما على سبيل الصدقة. وعلى اسلوب اوضح ان تفسير التركة التي لا تورث بأموال معينة ـ وهي الاموال القائمة ـ يقضي بأن الحكم المدلول عليه بالحديث مختص ـ عند المفسر ـ بهذه الاموال المحدودة.
ولا ريب ان تركة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لو كانت لا تورث لما اختص الحكم بالاموال المعينة المتروكة بالفعل بل لثبت لكل ملك يتركه النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وان لم يكن من تلك الاموال وأيضاً فمن حق البحث ان أتساءل عن فائدة الجملة التفسيرية والغرض المقصود من ورائها فيما اذا كان الحكم المفهوم للخليفة من الحديث أن أملاك النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا تورث فهل كان صدق التركة على الاموال القائمة مشكوكاً ؟ فأراد ان يرفع الشك لينطبق عليها الحديث ويثبت لها الحكم بعدم التوريث ، واذا صح هذا التقدير فالشك المذكور في صالح الخليفة لأن المال اذا لم يتضح انه من تركة الميت لا ينتقل الى الورثة فلا يجوز أن يكون الخليفة قد حاول رفع هذا الشك ولا يمكن أن يكون قد قصد بهذا التطبيق منع الزهراء من المناقشة في انطباق الحديث على ما تطالب به من اموال لأنها ما دامت قد طالبت بالاموال القائمة على وجه الارث فهي تعترف بانها من تركة رسول الله (ص) ولنفترض ان الاموال القائمة قسم من التركة النبوية

وليس المقصود منها مخلفات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جميعاً ـ ولعلها عبارة عن الاموال والعقارات الثابتة نحو فدك ـ فهل يجوز لنا تقدير أن غرض الخليفة من الجملة تخصيص الاموال التي لا تورث بها ؟ لا أظن ذلك ، لان أملاك النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا تختلف في التوريث وعدمه. ونخرج من هذه التأملات بنتيجة وهي أن المفهوم من الحديث للخليفة ان رسول الله (ص) أخبر عن عدم تملكه للاموال القائمة وأشار اليها بوصف التركة فقال ما تركناه صدقة فشأنه شأن من يجمع ورثته ثم يقول لهم ان كل تركتي صدقة يحاول بذلك أن يخبرهم بأنها ليست ملكاً له ليرثوها بعده لأن ذلك هو المعنى الذي يمكن أن يختص بالاموال القائمة ويحدد موضوعه بها : ( الثالث ) : جواب الخليفة لرسول ارسلته فاطمة ليطالب بما كان لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في المدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر اذ قال له : ان رسول الله (ص) قال : لا نورث ما تركناه صدقة انما يأكل آل محمّد من هذا المال ، واني والله لا أغير شيئاً من صدقات رسول الله (ص) عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله (ص). فاننا اذا افترضنا أن معنى الحديث في رأي الخليفة عدم توريث النبي (ص) لاملاكه كان كلامه متناقضاً لان استدلاله بالحديث في صدر كلامه يدل حينئذ على أنه يعترف بأن ما تطالب به الزهراء هو من تركة النبي «ص» وأملاكه التي مات عنها ـ ليصح انطباق الحديث عليه ـ والجملة الاخيرة من كلامه وهي قوله : وأني والله لا أغير شيئاً من صدقات رسول الله (ص) عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله (ص) تعاكس هذا المعنى لأن ما طلبت الزهراء تغييره عن أيام النبي (ص) ـ بزعم الخليفة ـ هو فدك وعقاراته في المدينة وما بقي من خمس خيبر فأبو بكر حين يقول : اني والله لا أغير شيئاً من صدقات رسول الله (ص) يعني بها تلك الأموال التي طالبت بها الزهراء ورأى معنى


 


مطالبتها بها تغييرها عن حالها السابقة ومعنى تسميته لها بصدقات رسول الله (ص) ان من رأيه أنها ليست ملكاً للنبي (ص) بل من صدقاته التي كان يتولاها في حياته ويوضح لنا هذا ان استدلاله بالحديث في صدر كلامه لم يكن لاثبات ان املاك النبي (ص) لا تورث وانما أراد بذلك توضيح ان الأموال القائمة ليست من أملاك النبي لأنه (ص) ذكر أنها صدقة.
2 ـ ونستطيع أن نتبين من بعض روايات الموضوع ان الخليفة ناقش في توريث الانبياء لأملاكهم ولم يقصر النزاع على الناحية السابقة فان الرواية التي تحدثنا بخطبة الزهراء واستدلال أبي بكر بما رواه عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من حديث : أنا معاشر الانبياء لا نورث الخ .. واعتراض الزهراء عليه بالآيات العامة المشرعة للميراث والآيات الخاصة الدالة على توريث بعض الانبياء تكشف عن جانب جديد من المنازعة اذ ينكر أبو بكر توريث النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لأمواله ويستند الى الحديث في ذلك ويلح في الانكار كما تلح فاطمة في مناقشته والتشبت بوجهة نظرها في المسألة.
3 ـ واذن فللخليفة حديثان : ـ
( الاول ) لا نورث ما تركناه صدقة.
( والثاني ) أنا معاشر الانبياء لا تورث ذهباً ولا فضة. وقد ادعى أمرين : ـ
« أحدهما » ان فدكاً صدقة فلا نورث.
« والآخر » ان النبي (ص) لا تورث املاكه واستدل بالحديث الاول على أن فدكاً صدقة وبالحديث الثاني على أن النبي (ص) لا يورث.

* * *


1 ـ قد لا يكون من العسير تصفية الحساب مع الخليفة بعد أن


 


اتضح موقفه وتقررت الملاحظات التي لا حظناها في الحديثين الذين رواهما عن النبي (ص) وتتلخص المؤاخذة التي آخذناه بها حتى الآن في عدة أمور نشير اليها لنجمع نتائج ما سبق :
( الاول ) ان الخليفة لم يصدق روايته في بعض الاحاديين كما المعنا في مستهل هذا الفصل . .
( الثاني ) ان من الاسراف في الاحتمال ان نجوز اسرار رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الى الخليفة بحكم تركته واخفاءه عن بضعته وسائر ورثته وكيف اختص الخليفة دون غيره بمعرفة الحكم المذكور(1) مع أن النبي (ص) لم يكن من عادته الاجتماع بأبي بكر وحده الا بأن يكون رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أخبره بالخبر في خلوة متعمدة ليبقى الامر مجهولاً لدى ورثته وبضعته ويضيف بذلك الى آلامها من ورائه محنة جديدة.
( الثالث ) ان علياً هو وصي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بلا ريب للحديث الدال على ذلك الذي ارتفع به رواته الى درجة التواتر واليقين حتى شاع في شعر أكابر الصحابة فضلا عن رواياتهم كعبد الله ابن عباس وخزيمة بن ثابت الانصاري وحجر بن عدي وأبي الهيثم بن التيهان وعبدالله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبدالمطلب وحسان بن ثابت وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(2) واذن فالوصاية من الاوسمة الاسلامية الرفيعة التي اختص بها الامام بلا ريب(3).
____________
(1) حتى قالت عائشة في كلام لها. واختلفوا في ميراثه فما وجدنا عند أحاد في ذلك علماً فقال أبو بكر : سمعت رسول الله (ص) يقول : انا معاشر الانبياء لا نورث الخ ، راجع صواعق ابن حجر.
(2) راجع شرح النهج ج1 ص47 ـ 49 وج3 ص15.
(3) قال ابن أبي الحديد ج1 ص46 : فلا ريب عندنا ان علياً (ع) كان وصي رسول الله (ص) وان خالف في ذلك من هو منسوب عندنا الى العناد.


 


وقد اختلف شيعة علي وشيعة أبي بكر في معنى هذه الوصاية فذهب السابقون الاولون الى أنها بمعنى النص عليه بالخلافة وتأولها الآخرون فقالوا : ان علياً وصي رسول الله (ص) على علمه أو شريعته أو مختصاته ولا نريد الآن الاعتراض على هؤلاء أو تأييد اولئك وانما نتكلم على الحديث بمقدار ما يتطلبه اتصاله بموضوع هذا البحث ونقرر النتيجة التي يقضي بها على كل من تلك التفاسير.
فنفترض اولاً : ان الوصاية بمعنى الخلافة ثم نتبين الصديق على هدى الحديث فاننا سوف نراه شخصاً سارقاً لأنفس المعنويات الاسلامية ومتصرفاً في مقدرات الامة بلا سلطان شرعي. ولا مجال لهذا الشخص حينئذ ان يحكم بين الناس. ولا يسعنا ان نؤمن له بحديث . ولنترك هذا التفسير ما دام شديد القسوة على صاحبنا ونقول : ان علياً وصي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على علمه وشريعته فهل يسعنا مع الاعتراف بهذه الوصاية المقدسة ان نؤمن بحديث ينكره الوصي . وما دام هو العين الساهرة على شريعة السماء فلابد ان يؤخذ رأيه في كل مسألة نصاً لا مناقشة فيه لأنه ادرى بما اوصاه به رسول الله (ص) وأئتمنه عليه وخذ اليك بعد ذلك الاسلوب الثالث فانه ينتهي الى النتيجة السابقة عينها لأن علياً اذا كان وصياً لرسول الله (ص) على تركته ومختصاته فلا معنى لسطو الخليفة على التركة النبوية ووصي النبي (ص) عليها موجود وهو اعرف بحكمها ومصيرها الشرعي.
( الرابع ) ان تأميم التركة النبوية من اوليات الخليفة في التاريخ ولم يؤثر في تواريخ الامم السابقة ذلك ولو كان قاعدة متبعة قد جرى عليها الخلفاء بالنسبة الى تركة سائر الانبياء لاشتهر الامر وعرفته أمم الانبياء جميعاً.
كما ان انكار الخليفة لملكية رسول الله (ص) لفدك ـ كما تدل


  
عليه بعض المحاورات السابقة ـ كان فيه من التسرع شيء كثير لأن فدكاً مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب بل استسلم أهلها خوفاً ورعباً باتفاق أعلام المؤرخين من السنة والشيعة. وكل ارض يستسلم أهلها على هذا الاسلوب فهي للنبي (ص) خالصة. وقد أشار الله تعالى في الكتاب الكريم الى ان فدكاً للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بقوله : وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه بخيل ولا ركاب(1) ولم يثبت تصدق النبي بها ووقفه لها.
(الخامس) ان الحديثين الذين استدل بهما في الموضوع لا يقوم منهما دليل على ما أراد ، وقد خرجنا من دراستهما قريباً بمعنى لكل منهما لا يتصل بمذهب الخليفة عن قرب أو بعد ، وان أبيت فلتكن المعاني الآنفة الذكر متكافئة ولتكن العبارة ذات تقادير متساوية. ولا يجوز حينئذ ترجيح معنى لها والاستدلال بها عليه.
2 ـ هذه هي الاعتراضات التي انتهينا اليها آنفاً. ونضيف اليها الآن اعتراضاً سادساً بعد ان نفترض ان جملة انا معاشر الانبياء لا نورث أقرب الى نفي الحكم بالميراث منها الى نفي التركة الموروثة ونقدر لجملة : لا نورث ما تركناه صدقة. من المعنى ما ينفع الخليفة ونلغي تفسيرها بأن الصدقة المتروكة لا تورث ثم ندرس المسألة على ضوء هذه التقادير. وهذا الاعتراض الجديد هو ان اللازم ـ في العرف العلمي ـ متى صحت هذه الفروض تأويل الخبر ولم يجز الركون الى أوضح معانيه لأنه يقرر حينئذ عدم توريث سائر الانبياء لتركاتهم لما جاء في بعضها من التصريح بالتعميم نحو انا معاشر الانبياء لا نورث ولما دل عليه بالنون في قوله لا نورث ما تركناه صدقة ، من تعليق الحكم على جماعة وحيث
____________
(1) راجع سيرة ابن هشام ج2 ص239 وتاريخ الكامل ج2 ص85 وشرح النهج ج4 ص78.


 


يتضح ان الحكم في الحديث عدم توريث التركة يتجلى ان المراد بالجماعة جماعة الانبياء اذ لا توجد جماعة اخرى نحتمل عدم انتقال تركاتها الى الورثة ، وقد دل صريح القرآن الكريم على توريث بعض الانبياء اذ قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم مخبراً عن زكريا عليه السلام : « واني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضياً » والارث في الآية بمعنى ارث المال لأنه هو الذي ينتقل حقيقة من الموروث الى الوارث وأما العلم والنبوة فلا ينتقلان انتقالاً حقيقياً ، وامتناع انتقال العلم على نظرية اتحاد العاقل والمعقول(1) واضح كل الوضوح واما اذا اعترفنا بالمغايرة الوجودية بينهما فلا ريب في تجرد الصور العلمية(2) وانها قائمة بالنفس قياماً صدورياً(3) بمعنى انها معلولة للنفس والمعلول الواحد بحسب الذات ـ
____________
(1) وتقوم الفكرة في هذه النظرية على أن الصور المعقولة ـ وهي عبارة عن وجود مجرد عن المادة ـ لاقوام لها الا بكونها معقولة فالمعقولية نفس هويتها وتجردها عن العاقل تجريد لها عن نحو وجودها الخاص. وهذا آية الوحدة الوجودية واذن فتدرج النفس في مراتب العلم هو تدرجها في أطوار الوجود وكلما صار الوجود النفسي مصداقاً فالمفهوم عقلي جديد زاد في تكامله الجوهري واصبح من طراز أرفع ، ولا مانع مطلقاً من اتحاد مفاهيم متعددة في الوجود كما يتحد الجنس والفصل وليس ذلك كالوحدة الوجودية لوجودين أو الوحدة المفهومية لمفهومين فان هاتين الوحدتين مستحيلتان في حساب العقل دون ذاك الاتحاد. والتوسع لا مجال له.
(2) فان الحق تجرد جميع مراتب العلم والصور المدركة ولكن على تفاوت في مراتب التجريد فان المدرك بالذات لا يمكن ان يكون نفس الشيء بهويته المادية فحتى المدرك بحاسة البصر له نحو من التجرد وليس في نورية خروج الشعاع أو الانطباع وما ثبت حول الرؤية في علم المرايا أو بحوث الفيزياء ما يفسر الادراك البصري تفسيراً فلسفياً فلابد من الاعتراف بتجرده فضلاً عن الخيال والعقل وقد أوضحنا هذا المذهب في كتابنا العقيدة الالهية في الاسلام.
(3) لا قياماً حلولياً بمعنى كونها اعراضاً لها وانما ذهب هذا المذهب بعض الفلاسفة لحل المشكلة التي اعترضت الباحثين عندما ارادوا ان يوفقوا بين أدلة الوجود الذهني وبين ما اشتهر من كون العلم كيفا وهي ان الصورة المعقولة اذا كانت كيفا فما نتعلقه من الانسان ليس جوهراً لأنه كيف وليس

=


 


لا بمجرد الاتصال فقط ـ متقوم بعلته ومرتبط الهوية بل فيستحيل انتقاله الى علة اخرى ولو افترضنا ان الصور المدركة اعراض وكيفيات قائمة بالمدرك قياماً حلولياً فيستحيل انتقالها لاستحالة انتقال العرض من موضوع الى موضوع كما برهن عليه في الفلسفة سواء أقلنا بتجردها أو بماديتها بان اعترافنا باشتمال الصور المدركة على الخصائص العامة للمادة من قابلية الانقسام ونحوها.
واذن فالعلم يستحيل انتقاله في حكم المذاهب الفلسفية الدائرة حول الصور العلمية جيمعاً.
واذا لاحظنا النبوة وجدنا انها هي الاخرى أيضاً مما لا يجوز في عرف العقل انتقالها سواء أذهبنا في تفسيرها مذهب بعض الفلاسفة وقلنا انها مرتبة من مراتب الكمال النفسي ودرجة من درجات الوجود الانساني الفاضل الذي ترتفع اليه المهية الانسانية في ارتقاءاتها الجوهرية وتصاعداتها نحو الكمال المطلق أو أخذنا بالمعنى المفهوم للناس من الكلمة واعتبرنا النبوة منصباً إلهياً مجعولاً لا كمنصب الملك والوزير ويكون ذلك التكامل النفسي شرطاً له فالمفهوم الاول يمتنع انتقاله بالضرورة لأنه نفس وجود النبي ( صلى الله عليه وآله ) وكمالاته الذاتية ، والنبوة بالمعنى الآخر
____________
=
انساناً اذن لان كل انسان جوهر وانما هو مثال. ولما أفلست جميع الحلول التي وضعت لحل الشبهة من انكار الوجود الذهني وتقرير مذهب المثالية. واختيار التعدد وكون العلم عرضاً والمعلوم جوهراً وتفسير الجوهر بأنه الموجود المستقل خارجاً لا ذهناً والانقلاب : اضطر الباحثون المتأخرون الى تقرير ان الصورة المعقولة من الجوهر جوهر لا كيف غير ان الفيلسوف الاسلامي الكبير صدر الدين الشيرازي اختار في الاسفار انها جوهر بحسب ماهيتها وكيف بالعرض. ويمكن الاعتراض عليه بأن كل ما بالعرض لابد ان ينتهي إلى ما بالذات واذن فلابد ان نفترض كيفاً حقيقياً متحداً مع الصورة لتكون كيفا بالعرض وتنتهي النظرية حينئذٍ بصاحبها إلى أحد أمرين أما الالتزام بتعدد ما في النفس أو الاصطدام بالمشكلة الاولى نفسها ولذا كان الافضل تقرير ان الصورة المدركة من الانسان مثلاً جوهر وليست بعرض اطلاقاً وارتباطها بالنفس ارتباط المعلول بالعلة لا العرض بموضوعه.


 


يستحيل انتقالها أيضاً لأنها حينئذ أمر اعتباري متشخص الاطراف ولا يعقل تبدل طرف من اطرافه الا بتبدل نفسه وانقلابه إلى فرد آخر فنبوة زكريا مثلاً هي هذه التي اختص بها زكريا ولن يعقل ثبوتها لشخص آخر لانها لا تكون حينئذ تلك النبوة الثابتة لزكريا بل منصباً جديداً أو مقاماً نبوياً حادثاً.
والنظر الاولي في المسألة يقضي بامتناع انتقال العلم والنبوة من دون حاجة إلى هذا التعمق والتوسع واذن فالنتيجة التي يقررها العقل في شوطه الفكري القصير الذي لا يعسر على الخليفة مسايرته فيه هي ان المال وحده الذي ينتقل دون العلم والنبوة.
3 ـ وقد يعترض على تفسير الارث في كلام زكريا بارث المال بأن يحيى عليه السلام لم يرث مال أبيه لاستشهاده في حياته فيلزم تفسير الكلمة بارث النبوة لأن يحيى قد حصل عليها ويكون دعاء النبي حينئذ قد استجيب. ولكن هذا الاعتراض لا يختص بتفسير دون تفسير لأن يحيى عليه السلام كما انه لم يرث مال أبيه كذلك لم يخلفه في نبوته. وما ثبت له من النبوة لم يكن وراثياً وليس هو مطلوب زكريا وانما سأل زكريا ربه وارثاً يرثه بعد موته ولذا قال : واني خفت الموالي من ورائي أي بعد موتي فان كلامه يدل بوضوح على أنه اراد وارثاً يخلفه ولم يرد نبياً يعاصره والا لكان خوفه من الموالي بعد وفاته باقياً ـ فلا بد ـ على كل تقدير ـ ان نوضح الآية على اسلوب يسلم عن الاعتراض وهو أن تكون جملة يرثني ويرث من آل يعقوب ، جواباً للدعاء بمعنى ان رزقتني ولداً يرث لا صفة ليكون زكريا قد سأل ربه ولياً وارثاً. فما طلبه النبي من ربه تحقق وهو الولد وتريثه وتوريثه المال أو النبوة لم يكن داخلاً في جملة ما سأل ربه وانما كان لازماً لما رجاه في معتقد زكريا (ع).
ويختلف تقدير العبارة صفة عن تقديرها جواباً من النواحي اللفظية


 

399
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

الشنتوية
الإمام [الباقر (عليه السلام )] في كلمات علماء وأعلام أهل ...
أي لو أخبر حذيفة بأسماء المنافقين الأحياء منهم ...
هل کان العلامة المجلسي من المروجين للدولة الصفوية و ...
قبيلة أشْعَر
بحث في إثبات تواتر حديث: أنا حرب لمن حاربكم سلم لمن ...
من هم قتلة عثمان
خالد بن ولید يقتل الصحابي مالك بن نويرة طمعاً في زوجته
خطبة الإمام الحسين ( عليه السلام ) الأولى يوم عاشوراء
أهل الذمة في عصر الأمويين

 
user comment