فارسی
سه شنبه 11 آذر 1399 - الثلاثاء 15 ربيع الثاني 1442

  855
  0
  0

الدعاء 47- 5

و نكب عن الطريق نكوبا ‌من‌ باب- قعد- ‌و‌ نكبا: مال ‌و‌ عدل.


 ‌و‌ صراطه تعالى: دين الاسلام، ‌و‌ فيه تلميح الى قوله تعالى ‌فى‌ سوره المومنين: «و انك لتدعوهم الى صراط مستقيم ‌و‌ ‌ان‌ الذين ‌لا‌ يومنون بالاخره عن الصراط لناكبون».
 قال المفسرون: الصراط المستقيم: ‌هو‌ دين الاسلام الذى دعا اليه الرسول صلى الله عليه ‌و‌ آله.
 ‌و‌ ‌فى‌ نسخه: «و اذل ‌به‌ الناكبين» ‌من‌ الذل بضم الذال المعجمه ‌و‌ تشديد اللام، ‌و‌ ‌هو‌ الهوان ‌و‌ الضعف.
 ‌و‌ محقه الله محقا ‌من‌ باب- نفع-: اذهبه كله حتى ‌لا‌ يرى منه اثره ‌و‌ منه: «يمحق الله الربا»، ‌و‌ قيل: اهلكه، ‌و‌ منه: «و يمحق الكافرين».
 ‌و‌ البغاه بالضم جمع باغ: كقضاه جمع قاض، ‌و‌ ‌هو‌ اسم فاعل ‌من‌ بغيت الشى ء ابغيه بغيا: اذا طلبته.
 ‌و‌ قيل: اذا بالغت ‌فى‌ طلبه نظرا الى ‌ان‌ اصله ‌من‌ البغى ‌و‌ ‌هو‌ طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى تجاوزه فيقال: بغيت الشى ء اذا طلبته اكثر مما يجب، ‌و‌ يقال: بغيت زيدا خيرا ‌او‌ شرا اذا طلبت له فيعدى الى مفعولين ‌و‌ ‌هو‌ على اسقاط الجار ‌و‌ ايصال الفعل الى المفعول كما ‌فى‌ قول الشاعر:
 فتولى غلامهم ثم نادى
 اظليما اصيدكم ‌ام‌ حمارا
 
بمعنى اصيدلكم، ‌و‌ اسم الفاعل المجموع هنا ‌من‌ هذا الفعل المتعدى الى مفعولين احدهما: المضاف اليه ‌و‌ ‌هو‌ قصدك.
 ‌و‌ الثانى: عوجا ‌و‌ المعنى ‌و‌ امحق ‌به‌ الذين يبغون لقصدك عوجا كقوله تعالى: «الذين يصدون عن سبيل الله ‌و‌ يبغونها عوجا» ‌اى‌ يبغون لها اعوجاجا.
 ‌و‌ القصد: استقامه الطريق، ‌و‌ منه: «و على الله قصد السبيل».
 ‌و‌ العوج: الاعوجاج ‌و‌ الانحراف ‌و‌ ‌هو‌ بكسر العين ‌فى‌ المعانى ‌و‌ الاعيان ‌ما‌ لم يكن منتصبا كالارض ‌و‌ الطريق، ‌و‌ منه: «لا ترى فيها عوجا ‌و‌ ‌لا‌ امتا»، ‌و‌ بفتحها ‌ما‌ كان ‌فى‌ المنتصب كالرمح ‌و‌ الحائط، ‌و‌ معنى طلب الاعوجاج ‌و‌ الانحراف لقصده: ‌اى‌ استقامه طريقه تعالى تلبيسهم على الناس بايهامهم ‌ان‌ فيه ميلا عن الحق ‌او‌ القاء الشكوك ‌و‌ الشبهات ‌فى‌ الدلائل ‌و‌ التاويلات الباطله لينحرفوا عنه كما ‌هو‌ شان الكافرين ‌و‌ الفاسقين ‌و‌ الخوارج ‌و‌ الناصبين «قاتلهم الله انى يوفكون».
 
اللين بالكسر: ‌ضد‌ الخشونه، لان يلين لينا: فهو لين بالتشديد، ‌و‌ يخفف كميت ‌و‌ ميت، ‌و‌ الاسم الليان ككتاب، ‌و‌ يعدى بالهمزه ‌و‌ التضعيف فيقال: الانه يلينه الانه ولينه تليينا، ‌و‌ اصل كل ‌من‌ اللين ‌و‌ الخشونه للاجسام ثم استعير للخلق ‌و‌ لغيره ‌من‌ المعانى فقيل: فلان لين ‌و‌ فلان خشن ‌و‌ كل منهما يمدح ‌به‌ تاره ‌و‌ يذم ‌به‌
 
طورا بحسب اختلاف المقام.
 ‌و‌ الجانب: الناحيه ‌و‌ ‌هو‌ هنا مجاز عن النفس كقوله تعالى «وناى بجانبه».
 قال الزمخشرى: وضع جانبه موضع نفسه، لان مكان الشى ء وجهته ينزل منزله الشى ء نفسه ‌و‌ منه قوله:
 ذعرت ‌به‌ القطا ‌و‌ نفيت عنه
 مقام الذئب كالرجل اللعين
 ‌و‌ منه: «و لمن خاف مقام ربه» ‌و‌ قول الكتاب: حضرت فلان ‌و‌ مجلسه، ‌و‌ كتبت الى جهته ‌و‌ الى جانبه العزيز، يريدون نفسه ‌و‌ ذاته، فكانه قال: وناى بنفسه.
 اذا عرفت ذلك فقوله عليه السلام: «و الن جانبه» ‌اى‌ الن نفسه فلفظ الجانب كنايه مطلوب بها نفس المدعوله، ‌و‌ مجموع الجمله كنايه مطلوب بها توفيقه للرفق ‌و‌ سجاحه الخلق ‌و‌ الحلم ‌و‌ التعطف على اولياء الله تعالى كما وفق لذلك نبيه الذى ارسله رحمه للعالمين فقال مخاطبا له: «فبما رحمه ‌من‌ الله لنت لهم ‌و‌ لو كنت فظا غليظ القلب ‌لا‌ نفضوا ‌من‌ حولك فاعف عنهم ‌و‌ استغفرلهم» ‌و‌ بيان الحكمه ‌فى‌ ذلك ‌ان‌ كلا ‌من‌ النبى ‌و‌ وصيه امام العالمين، فوجب ‌ان‌ يكون اكثرهم حلما، ‌و‌ احسنهم خلقا لان الغرض ‌من‌ اقامته ‌و‌ نصبه التزام التكاليف، ‌و‌ ذلك ‌لا‌ يتم الا اذا مالت قلوب الامه اليه ‌و‌ سكنت نفوسهم لديه ‌و‌ راوا فيه آثار الشفقه ‌و‌ امارات النصيحه ‌و‌ حب الخير لهم ‌و‌ اخذهم باللطف ‌و‌ الرفق، ‌و‌ لذلك قال بعض الصحابه: لقد احسن الله الينا كل الاحسان فلو جاءنا رسول الله صلى الله عليه ‌و‌ آله بهذا الدين جمله ‌و‌ بالقرآن دفعه لثقلت هذه التكاليف علينا فما كنا ندخل ‌فى‌ الاسلام ‌و‌ لكنه دعانا الى كلمه واحده فلما قبلناها ‌و‌ عرفنا حلاوه الايمان قبلنا ‌ما‌ وراءها كله على سبيل  الرفق الى ‌ان‌ تم هذا الدين ‌و‌ كملت هذه الشريعه، ‌و‌ لما كانت دواعى الخير ‌و‌ ارادته ‌و‌ فعله انما هى بالهام الله تعالى ‌و‌ توفيقه ‌و‌ اعانته توسل عليه السلام بالدعاء اليه سبحانه ‌فى‌ الانه جانب وليه لاوليائه ‌من‌ المومنين ليتم الغرض ‌و‌ يحصل المقصود باحسن وجه ‌و‌ اسهل طريقه.
 ‌و‌ عن النبى صلى الله عليه ‌و‌ آله: ‌لا‌ حلم احب الى الله ‌من‌ حلم امام ‌و‌ رفقه، ‌و‌ ‌لا‌ جهل ابغض الى الله ‌من‌ جهل امام ‌و‌ خرقه.
 ‌و‌ بسط يده بسطا ‌من‌ باب- قتل-: مدها ‌و‌ ‌هو‌ هنا عباره عن التسليط، ‌اى‌ ‌و‌ سلطه على اعدائك فهو ‌من‌ باب التمثيل ‌و‌ ليس هناك بسط ‌و‌ ‌لا‌ يد، ‌و‌ منه قوله تعالى: «و الملائكه باسطوا ايديهم».
 قال ‌فى‌ القاموس: ‌اى‌ مسلطون عليهم كما يقال: بسطت يده عليه، ‌و‌ الغرض الدعاء له بتمكينه ‌من‌ القهر لاعداء الله ‌من‌ المشركين ‌و‌ المنافقين الذين امر الله نبيه عليه السلام بجهادهم ‌و‌ الغلظه عليهم بقوله: «يا ايها النبى جاهد الكفار ‌و‌ المنافقين ‌و‌ اغلظ عليهم ‌و‌ ماواهم جهنم ‌و‌ بئس المصير».
 ‌و‌ عداوه الله تعالى: عباره عن كراهه القيام بطاعته، ‌و‌ البعد عن التمسك بدينه لان العدو ‌لا‌ يكاد يوافق عدوه ‌و‌ ينقاد لامره.
 ‌و‌ الرافه شده الرحمه ‌و‌ قدمها مع انها ابلغ، ‌و‌ البلاغه تقتضى الترقى اقتداء بالتنزيل ‌فى‌ قوله تعالى: «بالمومنين رووف رحيم» ‌و‌ التقديم فيه محافظه على الفواصل.
 
و العطف ‌و‌ التعطف اذا عديا بعلى فالمراد بهما: الميل ‌و‌ الشفقه، ‌و‌ اصله ‌من‌ عطفت الشى ء اذا ثنيته ‌او‌ املته فانعطف.
 ‌و‌ التحنن: الاشفاق ‌و‌ الرقه ‌من‌ حنت المراه حنينا اشتاقت الى ولدها، ‌و‌ لما كان حنينها اليه متضمنا للاشفاق ‌و‌ الرحمه ‌لا‌ ينفك عنهما عبر ‌به‌ عنهما.
 قوله عليه السلام: «سامعين له» اى: مجيبين له موتمرين لامره ‌و‌ عبر عن الاجابه بالسماع لان غرض السماع الاجابه، ‌و‌ منه: «سمع الله لمن حمده» ‌اى‌ اجاب حمد ‌من‌ حمده، ‌و‌ يحتمل ‌ان‌ يكون المراد ‌به‌ مصغين اليه اصغاء اجابه، ‌و‌ منه: «انما يستجيب الذين يسمعون» اى: يصغون اليك اصغاء اجابه.
 ‌و‌ مطيعين: ‌اى‌ منقادين له ماضين لامره ‌و‌ ‌فى‌ رضاه.
 ‌و‌ ساعين اى: جادين ‌و‌ مجتهدين ‌من‌ سعى ‌فى‌ الامر يسعى سعيا ‌من‌ باب- نفع- اذا جد ‌و‌ اجتهد، ‌و‌ منه: «و الذين سعوا ‌فى‌ آياتنا معاجزين» ‌اى‌ اجتهدوا ‌فى‌ ‌ان‌ يظهروا لنا عجزا فيما انزلناه ‌من‌ الايات، ‌و‌ اصله المشى السريع عبر ‌به‌ عن الاجتهاد ‌و‌ الجد ‌فى‌ الامر لان ‌من‌ اسرع الى شى ء فقد جد ‌و‌ اجتهد ‌فى‌ الوصول اليه.
 ‌و‌ دافع عنه مدافعه: دفع عنه ‌ما‌ يخافه ‌من‌ ضرر ‌و‌ مكروه.
 قال الراغب: الدفع اذا عدى بعن اقتضى معنى الحمايه كقوله تعالى: «ان الله يدافع عن الذين آمنوا» انتهى.
 ‌و‌ صيغه المفاعله اما للمبالغه ‌فى‌ الدفع ‌او‌ للايذان بتكرر الدفع، فانها قد تجرد عن وقوع الفعل المتكرر ‌من‌ الجانبين فيبقى تكرره كما ‌فى‌ الممارسه ‌اى‌ ‌و‌ المبالغه ‌فى‌
 
الدفع عنه، ‌و‌ حذف متعلقه للتعميم.
 ‌و‌ مكنفين: ‌اى‌ معينين ‌من‌ اكنفه بمعنى اعانه ككنفه.
 فان قلت: كيف عداه بالى ‌و‌ ‌هو‌ متعد بنفسه.
 قلت: فيه وجهان: احدهما: ‌ان‌ يكون على تضمينه معنى الاسراع، ‌اى‌ اجعلنا مكنفين له حال كوننا مسرعين الى نصرته.
 الثانى: ‌ان‌ يكون قوله: «الى نصرته» ثانى مفعولى جعل ‌و‌ «مكنفين» حالا ‌من‌ المفعول الاول ‌و‌ التقدير: اجعلنا منتهين الى نصرته، ‌و‌ المدافعه عنه حال كوننا مكنفين، ‌و‌ حذف متعلق الاكناف لتعينه.
 ‌و‌ يوجد ‌فى‌ بعض النسخ القديمه: «مسرعين» بدل «مكنفين»، ‌و‌ على الهوامش نسخ متعدده بعيده عن الصحه، ‌و‌ الله اعلم.
 قوله عليه السلام: «بذلك متقربين» اشاره الى المذكور ‌من‌ السمع ‌و‌ الطاعه ‌و‌ السعى ‌فى‌ رضاه، ‌و‌ الاكناف له ‌و‌ ‌ما‌ فيه ‌من‌ معنى البعد للايذان بكونه ‌فى‌ الغايه القصوى ‌من‌ الفضل ‌و‌ الشرف ‌و‌ علو الشان.
 ‌و‌ التقرب: طلب القرب ‌و‌ المراد ‌به‌ هنا المتحقق بحصول الرفعه ‌و‌ نيل الصواب تشبيها بالقرب المكانى.
 ‌و‌ ‌فى‌ الاساس: تقرب الى الله بكذا طلبت بذلك القربه ‌و‌ الحسنه.
 
الولايه هنا بمعنى: المحبه ‌و‌ النصره ‌و‌ الاعتقاد، ‌اى‌ وصل على محبيهم ‌و‌ انصارهم ‌و‌ المعتقدين فيهم، ‌و‌ يحتمل ‌ان‌ يكون جمع ولى بمعنى الموالى كالجليس
 
بمعنى المجالس ‌من‌ والاه موالاه بمعنى تابعه ‌او‌ ‌من‌ الموالاه ‌ضد‌ المعاداه ‌و‌ منه: «اللهم وال ‌من‌ والاه ‌و‌ عاد ‌من‌ عاداه» ‌و‌ اعاد الضمير جمعا لدلاله السياق على تعدد الائمه الذين ايد الله بهم دينه ‌و‌ نصبهم اعلاما لعباده ‌و‌ منارا ‌فى‌ بلاده، ‌و‌ المراد بهم هنا الائمه المعصومون ‌من‌ اهل بيت خاتم النبيين صلوات الله عليه ‌و‌ عليهم اجمعين.
 ‌و‌ الاعتراف: الاقرار ‌و‌ اصله اظهار معرفه الشى ء.
 ‌و‌ المقام: ‌فى‌ الاصل مكان القيام، ثم استعمل ‌فى‌ المنزله ‌و‌ المرتبه المعنويه للشخص، ‌و‌ المراد ‌به‌ هنا مرتبتهم التى رتبهم الله فيها ‌من‌ الخلافه ‌و‌ الرئاسه العامه، ‌و‌ ‌ما‌ جعل لهم ‌من‌ الشرف ‌و‌ الفضيله على سائر الخلق.
 ‌و‌ اتبعته اتباعا: اقتفيته ‌و‌ سرت ‌فى‌ اثره، ثم استعمل ‌فى‌ الائتمام بالشى ‌و‌ العمل به، ‌و‌ منه حديث: «اتبعوا القرآن» ‌اى‌ ائتموا ‌به‌ ‌و‌ اعملوا بما فيه، ‌و‌ قوله تعالى: «و ‌ان‌ هذا صراطى مستقيما فاتبعوه» ‌اى‌ هذا دينى فاقتدوا ‌به‌ ‌و‌ اعملوا عليه.
 ‌و‌ المنهج ‌و‌ المنهاج: الطريق الواضح ثم استعير للطريقه ‌فى‌ الدين كما استعيرت الشريعه لها، ‌و‌ هى بمعناه ‌و‌ منه: «لكل جعلنا منكم شرعه ‌و‌ منهاجا».
 قال ابن عباس: الشرعه: ماورد ‌به‌ القرآن، ‌و‌ المنهاج: ماوردت ‌به‌ السنه، ‌و‌ على هذا فالمراد بمنهجهم سنتهم.
 وقفوت اثره ‌و‌ اقتفيته: تبعته ‌و‌ اصله ‌فى‌ المشى ثم كنى ‌به‌ عن الاقتداء ‌و‌ الائتمام
 
فى الفعل.
 ‌و‌ استمسكت بالشى ء ‌و‌ تمسكت ‌و‌ امسكت ‌به‌ كله بمعنى: اعتصمت ‌به‌ ‌و‌ تعلقت به.
 ‌و‌ المراد بعروتهم: دينهم ‌و‌ هديهم، شبهه بالعروه التى يتعلق بها ‌و‌ قد مر الكلام على ذلك ‌فى‌ اوائل هذه الروضه.
 ولايتهم: محبتهم ‌و‌ اعتقاد وجوب طاعتهم.
 ‌و‌ ائتم به: اقتدى.
 ‌و‌ الامامه: الرئاسه العامه على جميع الخلق ‌و‌ قد تقدم الكلام على بيانها.
 ‌و‌ التسليم لامرهم: الانقياد لحكمهم، ‌و‌ الاذعان لهم ظاهرا ‌و‌ باطنا، ‌و‌ القبول منهم ‌من‌ غير انكار بقلب ‌و‌ ‌لا‌ لسان.
 قال بعض علمائنا: ‌و‌ ‌هو‌ مرتبه فوق الرضا.
 لان الراضى قد يرى لنفسه وجودا ‌و‌ اراده الا انه يرضى بما صدر عنهم عليهم السلام ‌و‌ ‌ان‌ خالف طبعه، ‌و‌ المسلم برى ‌من‌ ذلك ‌و‌ انما نظره اليهم.
 اذا عرفت ذلك فنقول: «من اصول الشريعه التسليم لهم عليهم السلام بكل ‌ما‌ جاء عنهم ‌و‌ صدر منهم، ‌و‌ ‌ان‌ كان ‌لا‌ يظهر وجه حكمته للناس فان لله تعالى اسرارا ‌و‌ مصالح يخفى بعضها ‌و‌ ‌لا‌ يعلمه الا الله ‌و‌ الراسخون ‌فى‌ العلم، فيجب على المكلفين ‌ان‌ ‌لا‌ ينكروا ‌و‌ ‌لا‌ يعترضوا ‌من‌ ذلك ‌ما‌ لم يعرفوا كما يفعله المبتدعه بل ينبغى التسليم ‌و‌ يتحتم الاذعان لما صح نقله عنهم، ‌و‌ قد ورد ‌فى‌ التسليم اخبار كثيره ‌و‌ عقد له ثقه الاسلام ‌فى‌ الكافى بابا عنوانه باب التسليم ‌و‌ فضل المسلمين.
 فمن ذلك ‌ما‌ رواه بسند صحيح، عن ابى عبدالله عليه السلام انه قال: لو ‌ان‌ قوما عبدوا الله وحده ‌لا‌ شريك له ‌و‌ اقاموا الصلاه ‌و‌ آتوا الزكاه ‌و‌ حجوا البيت ‌و‌ صاموا
 
شهر رمضان ثم قالوا لشى ء صنعه الله ‌او‌ صنعه رسول الله صلى الله عليه ‌و‌ آله الا صنع خلاف الذى صنع ‌او‌ وجدوا ذلك ‌فى‌ قلوبهم لكانوا بذلك مشركين، ثم تلاهذه الايه: «فلا ‌و‌ ربك ‌لا‌ يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ‌لا‌ يجدوا ‌فى‌ انفسهم حرجا مما قضيت ‌و‌ يسلموا تسليما» ثم قال ابوعبدالله عليه السلام: عليكم بالتسليم.
 ‌و‌ بسنده عن سدير قال: قلت لابى جعفر عليه السلام: انى تركت مواليك مختلفين يبرا بعضهم ‌من‌ بعض، قال: فقال: ‌و‌ ‌ما‌ انت ‌و‌ ذاك انما كلف الناس ثلاثه: معرفه الائمه، ‌و‌ التسليم لهم فيما ورد عليهم، ‌و‌ الرد اليهم فيما اختلفوا فيه.
 ‌و‌ بسنده عن زيد الشحام، عن ابى عبدالله عليه السلام قال: قلت له: ‌ان‌ عندنا رجلا يقال له: كليب فلا يجيى عنكم شى ء الا قال: انا اسلم فسميناه كليب تسليم قال: فترحم عليه ثم قال: اتدرون ‌ما‌ التسليم؟ فسكتنا فقال: ‌هو‌ ‌و‌ الله الاخبات قول الله ‌عز‌ ‌و‌ جل: «الذين آمنوا ‌و‌ عملوا الصالحات ‌و‌ اخبتوا الى ربهم».
 ‌و‌ بسنده: عن يحيى ‌بن‌ زكريا الانصارى، عن ابى عبدالله عليه السلام قال: سمعته يقول: ‌من‌ سره ‌ان‌ يستكمل الايمان كله فليقل القول منى قول ‌آل‌ محمد فيما اسروا ‌و‌ ‌ما‌ اعلنوا ‌و‌ فيما بلغنى عنهم ‌و‌ فيما لم يبلغنى.
 ‌و‌ اتفقت النسخ ‌فى‌ هذا الحديث على روايه فليقبل بالباء الموحده بعد القاف امرا ‌من‌ القبول.
 قال بعض علماء الحديث ‌من‌ اصحابنا المتقدمين ‌و‌ عندى ‌ان‌ الباء زياده ‌من‌
 
الناسخ ‌و‌ انما ‌هو‌ «فليقل» امرا ‌من‌ القول، ‌و‌ الله اعلم.
 ‌و‌ الاجتهاد اخذ النفس ببذل الوسع ‌و‌ الطاقه، ‌اى‌ الذين استفرغوا وسعهم ‌فى‌ طاعتهم ‌و‌ الائتمار بما امروا به.
 ‌و‌ الانتظار: طلب ادراك ‌ما‌ ياتى ‌من‌ الامر، كانه ينتظر متى يكون ‌و‌ ‌هو‌ كالترجى غير ‌ان‌ الترجى يختص بالخير ‌و‌ الانتظار يعم الخير ‌و‌ الشر، ‌و‌ منه: «قل فانتظروا انى معكم ‌من‌ المنتظرين».
 ‌و‌ المراد بايامهم: دولتهم ‌و‌ ملكهم ‌و‌ ظهور خلافتهم ‌و‌ تمكنهم ‌فى‌ الارض ‌و‌ الخلق، ‌و‌ عبر عن ذلك بالايام لكونها ظرفا له كما قال تعالى: «و ذكرهم بايام الله» ‌اى‌ وقائعه ‌فى‌ الامم الخاليه ‌و‌ الاشاره بذلك الى ايام صاحب الامر المهدى المنتظر صلوات الله ‌و‌ سلامه عليه، ‌و‌ انما اضافها الى جميعهم لان دولته دولتهم ‌و‌ كلمته كلمتهم جميعا، فالمنسوب الى بعضهم منسوب الى كلهم كما قال تعالى: «فقد آتينا ‌آل‌ ابراهيم الكتاب ‌و‌ الحكمه ‌و‌ آتيناهم ملكا عظيما».
 قال ابن عباس: الملك ‌فى‌ ‌آل‌ ابراهيم ملك يوسف ‌و‌ داود ‌و‌ سليمان عليهم السلام.
 ‌و‌ انما نسبه الى عامتهم لان تشريف البعض تشريف للكل.
 قال العلامه الطبرسى: ‌فى‌ تفسير قوله تعالى: «وعد الله الذين آمنوا منكم ‌و‌ عملوا الصالحات ليستخلفنهم ‌فى‌ الارض كما استخلف الذين ‌من‌ قبلهم ‌و‌ ليمكنن
 
لهم دينهم الذى ارتضى لهم ‌و‌ ليبدلنهم ‌من‌ بعد خوفهم امنا يعبدوننى ‌لا‌ يشركون ‌بى‌ شيئا» المروى عن اهل البيت عليهم السلام: انها ‌فى‌ المهدى ‌من‌ ‌آل‌ محمد صلى الله عليه ‌و‌ آله.
 روى العياشى باسناده عن على ‌بن‌ الحسين عليهماالسلام: انه قرا الايه ‌و‌ قال: ‌هم‌ ‌و‌ الله شيعتنا اهل البيت، يفعل الله ذلك بهم على يدى رجل منا ‌و‌ ‌هو‌ مهدى هذه الامه، ‌و‌ ‌هو‌ الذى قال رسول الله صلى الله عليه ‌و‌ آله: لو لم يبق ‌من‌ الدنيا الا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يلى رجل ‌من‌ عترتى اسمه اسمى يملا الارض قسطا ‌و‌ عدلا كما ملئت جورا ‌و‌ ظلما.
 ‌و‌ روى مثل ذلك عن ابى جعفر ‌و‌ ابى عبدالله عليهم السلام، فعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا ‌و‌ عملوا الصالحات: النبى ‌و‌ اهل بيته صلوات الله عليهم ‌و‌ تضمنت هذه الايه البشاره لهم بالاستخلاف ‌و‌ التمكن ‌فى‌ البلاد، ‌و‌ ارتفاع الخوف عنهم عند قيام المهدى منهم ‌و‌ يكون المراد بقوله تعالى: «كما استخلف الذين ‌من‌ قبلهم» ‌هو‌ ‌ان‌ جعل الصالح للخلافه خليفه مثل آدم ‌و‌ داود ‌و‌ سليمان عليهم السلام، ‌و‌ يدل على ذلك قوله: «انى جاعل ‌فى‌ الارض خليفه» ‌و‌ «يا داود انا جعلناك خليفه» ‌و‌ «آتيناهم ملكا عظيما» ‌و‌ على هذا اجماع العتره الطاهره ‌و‌ اجماعهم حجه لقول النبى صلى الله عليه ‌و‌ آله: انى تارك فيكم الثقلين كتاب الله ‌و‌ عترتى اهل بيتى لن يفترقا حتى يردا على الحوض، ‌و‌ ايضا فان التمكن ‌فى‌ الارض على الاطلاق لم يتفق فيما مضى فهو منتظر لان الله ‌عز‌ ‌و‌ ‌جل‌ ‌لا‌ يخلف وعده، انتهى كلامه.
 ‌و‌ ‌من‌ كلام اميرالمومنين عليه السلام ‌فى‌ نهج البلاغه: لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها، ‌و‌ تلاعقيب ذلك «و نريد ‌ان‌ نمن على الذين استضعفوا ‌فى‌ الارض ‌و‌ نجعلهم ائمه ‌و‌ نجعلهم الوارثين».
 
و عن ابى عبدالله عليه السلام: هذه الايه جاريه فينا الى يوم القيامه.
 قوله عليه السلام: «المادين اليهم اعينهم» مد عينه الى الشى ء: طمح ببصره اليه مراغبا فيه متمنيا له: قال تعالى: «لا تمدن عينيك الى ‌ما‌ متعنا ‌به‌ ازواجا منهم».
 قال صاحب الكشاف: اى: ‌لا‌ تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمن له.
 ‌و‌ التقدير نظر عينيك، قال: ‌و‌ مد النظر تطويله ‌و‌ ‌ان‌ ‌لا‌ يكاد يرده استحسانا للمنظور اليه ‌و‌ اعجابا ‌به‌ ‌و‌ تمنيا ‌ان‌ يكون له.
 ‌و‌ قال الواحدى: انما يكون مادا عينيه الى الشى ء اذا ادام النظر نحوه، ‌و‌ ادامه النظر اليه: تدل على استحسانه ‌و‌ تمنيه.
 اذا عرفت ذلك فالكلام هنا على التمثيل، شبه حالهم ‌فى‌ توقع ظهور دولتهم ‌و‌ تمكنهم عليهم السلام، ‌و‌ تمنيهم حصول ذلك ‌و‌ رغبتهم فيه بحال ‌من‌ يمد عينيه الى الشى ء راغبا فيه متمنيا له.
 روى ثقه الاسلام ‌فى‌ الكافى ‌فى‌ باب كراهيه التوقيت، بسنده عن محمد ‌بن‌ منصور الصيقلى عن ابيه قال: كنت انا ‌و‌ الحرث ‌بن‌ المغيره ‌و‌ جماعه ‌من‌ اصحابنا جلوسا ‌و‌ ابوعبدالله عليه السلام يسمع كلامنا، فقال لنا: ‌فى‌ ‌اى‌ شى ء انتم؟ هيهات، هيهات ‌لا‌ ‌و‌ الله ‌لا‌ يكون ‌ما‌ تمدون اليه اعينكم حتى تغربلوا، ‌لا‌ ‌و‌ الله ‌لا‌ يكون
 
ما تمدون اليه اعينكم حتى تمحصوا، ‌لا‌ ‌و‌ الله ‌لا‌ يكون ‌ما‌ تمدون اليه اعينكم حتى تميزوا، ‌لا‌ ‌و‌ الله ‌لا‌ يكون ‌ما‌ تمدون اليه اعينكم الا بعد اياس، ‌لا‌ ‌و‌ الله ‌لا‌ يكون ‌ما‌ تمدون اليه اعينكم حتى يشقى ‌من‌ يشقى ‌و‌ يسعد ‌من‌ يسعد.
 يريد بما يمدون اليه اعينهم ظهور القائم ‌من‌ ‌آل‌ محمد عليهم السلام، ‌و‌ الله اعلم.
 
 تنبيه
 
 ‌فى‌ وصفه عليه السلام اوليائهم بهذين الوصفين اعنى انتظار ايامهم، ‌و‌ مد اعينهم اليهم دلاله على ‌ان‌ ذلك ‌من‌ نعوتهم ‌و‌ فضائلهم ‌و‌ نعوتهم التى يمدحون بها ‌و‌ يثابون عليها ‌و‌ ‌هو‌ كذلك.
 فعن ابى عبدالله عليه السلام عن آبائه عن اميرالمومنين عليه السلام: انه قال: المنتظر لامرنا كالمتشحط بدمه ‌فى‌ سبيل الله.
 ‌و‌ روى الصدوق ‌فى‌ اكمال الدين باسناده عن ابى عبدالله عليه السلام: ‌من‌ مات منكم على هذا الامر منتظرا له كان كمن كان ‌فى‌ فسطاط القائم عليه السلام.
 ‌و‌ باسناده عن الباقر عليه السلام قال: القائل منكم ‌ان‌ ادركت قائم ‌آل‌ محمد عليه السلام نصرته كان كالمقارع معه بسيفه بل كالشهيد معه.
 ‌و‌ باسناده عن ابى الحسن عن آبائه عليهم السلام: ‌ان‌ رسول الله صلى الله عليه ‌و‌ آله قال: افضل اعمال امتى انتظار فرج الله.
 ‌و‌ باسناده عن الرضا عليه السلام قال: ‌ما‌ احسن الصبر ‌و‌ انتظار الفرج اما
 
سمعت قول الله ‌عز‌ ‌و‌ جل: «فانتظروا انى معكم ‌من‌ المنتظرين»، فعليكم بالصبر فانه انما يجى الفرج على الياس، فقد كان الذين ‌من‌ قبلكم اصبر منكم.
 ‌و‌ ‌فى‌ هذا المعنى اخبار كثيره نقتصر منها على هذا القدر خشيه الاطناب، ‌و‌ الله الملهم بالصواب.
 نصب «الصلوات» على المصدريه، ‌و‌ هى مصدر مبين النوع لوصفها بما بعدها، ‌و‌ جمعها لتعدد الانواع، ‌اى‌ انواع الصلوات كقوله تعالى: «و تظنون بالله الظنونا» اى: انواع الظنون، ‌و‌ المشهور ‌ان‌ المصدر النوعى يجوز تثنيته ‌و‌ جمعه قياسا ‌و‌ ظاهر مذهب سيبويه منعه ‌و‌ انه ‌لا‌ يقال منه الا ‌ما‌ سمع، ‌و‌ اختاره الشلوبين، ‌و‌ الحق الجواز قياسا على ‌ما‌ سمع.
 ‌و‌ البركه محركه: ثبوت الخير الالهى ‌فى‌ الشى ء ‌من‌ برك البعير اذا القى بركه، ‌اى‌ صدره على الارض ‌و‌ لزم مكانه ‌و‌ ثبت فيه، ‌و‌ المبارك ‌ما‌ فيه ذلك الخير، ‌و‌ منه: «انزلنى منزلا مباركا» ‌اى‌ حيث يوجد الخير الالهى فالصلوات المباركات التى تنطوى فيها الخيرات الالهيه ‌و‌ تثبت فيها.
 ‌و‌ الزكاء: النمو الحاصل ‌من‌ الله سبحانه، ‌و‌ منه: زكا الزرع اذا حصل منه نمو
 
و زياده كثيره، ‌و‌ قد يعبر بالزاكى عن الطيب ‌و‌ منه: «ازكى طعاما» لملازمه كل منهما الاخر.
 
و سلم عليهم: ‌اى‌ افض سلامك عليهم.
 ‌و‌ السلام: اسم ‌من‌ التسليم، كالكلام ‌من‌ التكليم، يقال: سلم الله تسليما: اذا وقاه ‌من‌ الافات ‌و‌ البليات.
 ‌و‌ قوله: «عليهم ‌و‌ على ارواحهم» ‌من‌ قبيل عطف الخاص على العام، ‌و‌ فائدته التنبيه على فضله حتى كانه ليس داخلا ‌فى‌ المعطوف عليه لشرفه ‌و‌ مزيته، ‌و‌ ‌هو‌ هنا كذلك فان المراد بالارواح: النفوس الناطقه، ‌و‌ الانسان ‌و‌ ‌ان‌ كان عباره عن هذا الشخص المركب ‌من‌ الجسم ‌و‌ الروح الا ‌ان‌ الروح هى حقيقته، ‌و‌ الجسم انما ‌هو‌ آله لها فخص الارواح بالذكر اظهارا لمرتبتها، ‌و‌ قد اسلفنا الكلام على الروح ‌و‌ النفس ‌فى‌ الروضه الاولى فليرجع اليه.
 ‌و‌ جمعت الشى ء جمعا ‌من‌ باب- نفع-: الفته ‌و‌ ضممته بعد التفرقه ‌و‌ الانتشار.
 ‌و‌ الامر: لفظ عام للافعال ‌و‌ الاقوال، ‌و‌ منه: «و ‌ما‌ امر فرعون برشيد».
 ‌و‌ التقوى: وقايه النفس عما يوثم، ‌اى‌ اجعل اقوالهم ‌و‌ افعالهم مجتمعه على التقوى بان توفقهم لاجتناب الماثم ‌فى‌ كل قول ‌و‌ فعل يكون منهم.
 ‌و‌ على للاستعلاء مجازا كان المعنى: اجعل امرهم لازما للتقوى لزوم الراكب لمركوبه.
 ‌و‌ اصلاح الشى ء: ازاله ‌ما‌ فيه ‌من‌ الفساد.
 ‌و‌ الشوون: جمع شان بمعنى الحال، ‌اى‌ اصلح لهم احوالهم ‌و‌ ‌فى‌ زياده كلمه لهم
 
مع انتظام الكلام بدونها ‌و‌ توسيطها بين الفعل ‌و‌ مفعوله تاكيد لطلب الاصلاح ‌و‌ مزيد اعتناء بشان المطلوب ‌و‌ فضل اهتمام باستدعاء حصوله لهم.
 قوله عليه السلام: «و تب عليهم» ‌اى‌ اقبل توبتهم، ‌و‌ قيل: التوبه ‌من‌ الله تعالى الرجوع ‌من‌ العقوبه الى اللطف ‌و‌ التفضل.
 ‌و‌ التواب: المبالغ ‌فى‌ قبول التوبه كما ‌و‌ كيفا، ‌و‌ ‌ان‌ كثرت الجنايات ‌و‌ عظمت.
 ‌و‌ الرحيم: المتفضل على عباده بانواع النعم ‌و‌ ‌ان‌ استحقوا فنون النقم.
 ‌و‌ خير الغافرين: لانه اذا غفر ستر، ‌و‌ بدل السيئه بالحسنه ‌و‌ الحق بترك العقاب ‌و‌ بترك العتاب.
 ‌و‌ دار السلام: الجنه، قال تعالى: «لهم دار السلام» ‌و‌ قال: «و الله يدعو الى دار السلام» قيل: سميت بذلك لسلامتها ‌من‌ كل بليه ‌و‌ مكروه ‌و‌ آفه.
 ‌و‌ قيل: السلام اسمه تعالى ‌اى‌ دار الله ‌و‌ تخصيص الاضافه التشريفيه بهذا الاسم الكريم للتنبيه على ‌ما‌ ذكر ‌من‌ السلامه لانه سلمها ‌و‌ سلم اهلها ‌من‌ جميع المكاره.
 ‌و‌ قيل: لان الله تعالى ‌و‌ ملائكته يسلمون على ‌من‌ يدخلها كما قال تعالى: «لهم فيها فاكهه ‌و‌ لهم ‌ما‌ يدعون سلام قولا ‌من‌ رب رحيم». قال: «و الملائكه يدخلون عليهم ‌من‌ كل باب سلام عليكم».
 ‌و‌ قيل: لان اهلها يسلم بعضهم على بعض، ‌او‌ لان كلامهم كله فيها سلام، ‌اى‌ ‌لا‌ لغو فيه ‌و‌ ‌لا‌ فحش كما قال تعالى: «لا يسمعون فيها لغوا الا سلاما».
 
قوله: «برحمتك ‌يا‌ ارحم الراحمين» اى: بسبب رحمتك التى وسعت كل شى ء، ‌و‌ متعلق الظرف اما الفعل قبلها ‌و‌ ‌هو‌ قوله: ‌و‌ اجعلنا، ‌او‌ ‌هو‌ ‌و‌ ‌ما‌ قبله ‌من‌ الافعال على سبيل التنازع، ‌او‌ مقسما عليك برحمتك فتكون «الباء» للقسم الاستعطافى ‌و‌ متعلقها محذوف، ‌و‌ نداوه تعالى بعنوان الارحميه للمبالغه ‌فى‌ استدعاء الاجابه ‌و‌ استجلاب آثار الرحمه له ‌و‌ لهم.
 ‌و‌ ‌فى‌ الحديث: ‌ان‌ النبى صلى الله عليه ‌و‌ آله مر برجل ‌و‌ ‌هو‌ يقول: ‌يا‌ ارحم الراحمين، فقال له: سل فقد نظر الله اليك.
 ‌و‌ فيه: ‌ان‌ لله ملكا موكلا بمن يقول: ‌يا‌ ارحم الراحمين، فمن قالها ثلاثا، قال الملك: ‌ان‌ ارحم الراحمين قد اقبل عليك.
 
الغرض ‌من‌ الاخبار ‌فى‌ هذه الجمل: الاعتراف ‌و‌ التصديق بمضمونها ‌لا‌ فائده الحكم ‌و‌ ‌لا‌ لازمه، اما الاول: فظاهر ‌و‌ اما الثانى: فلانه تعالى لايخفى عليه انه عالم ‌به‌ حتى يكون القصد افادته ذلك.
 ‌و‌ «يوم» ‌من‌ قوله: «يوم شرفته» بدل ‌من‌ يوم عرفه، ‌او‌ عطف بيان لوصفه بالجمله بعده فقد اتصل ‌به‌ ‌ما‌ لم يتصل بالاول فلا يراد ‌ان‌ عطف البيان لايكون ‌من‌ لفظ الاول لان الشى ء ‌لا‌ يبين نفسه فان ذلك على تقدير تسليمه انما ‌هو‌ عند عدم اتصال شى ء بالثانى لم يتصل بالاول.
 
و تشريف هذا اليوم ‌و‌ تكريمه ‌و‌ تعظيمه: عباره عن التنويه بشانه ‌و‌ اختصاصه بما اختصه ‌به‌ دون سائر الايام ‌من‌ اجتماع الامم فيه ‌فى‌ ذلك الموقف ‌و‌ جعل الوقوف فيه بذلك المكان اعظم اركان الحج حتى قال صلى الله عليه ‌و‌ آله: «الحج عرفه» ‌و‌ كراهيه الاشتغال فيه بشى ء ‌من‌ امور الدنيا احتراما له، ‌و‌ استحباب الاكثار فيه ‌من‌ التكبير ‌و‌ التحميد ‌و‌ التهليل ‌و‌ وجوب الاستغفار ‌و‌ الذكر ‌و‌ الدعاء ‌او‌ استحبابه الى غير ذلك مما يوخذ ‌من‌ موضعه، ‌و‌ لما كان الغايه ‌من‌ ذلك نشر رحمته تعالى ‌و‌ بسطها على عباده ‌و‌ منه عليهم بالعفو ‌و‌ المغفره ‌و‌ اجزالهم عطايا لهم ‌و‌ التفضل عليهم جاء عليه السلام بقوله: «نشرت فيه رحمتك» جمله مستانفه على وجه التعليل فلم يعطفها على ‌ما‌ قبلها، ‌اى‌ شرفته ‌و‌ كرمته ‌و‌ عظمته لانك نشرت فيه رحمتك، ‌و‌ مننت فيه بعفوك الى آخره.
 روى عن على ‌بن‌ الحسين صاحب الدعاء صلوات الله عليه: ‌ان‌ رسول الله صلى الله عليه ‌و‌ اله: «قال ‌فى‌ حجه الوداع لما وقف بعرفه ‌و‌ همت الشمس ‌ان‌ تغيب: ‌يا‌ بلال: ‌قل‌ للناس فلينصتوا فلما انصتوا، قال رسول الله صلى الله عليه ‌و‌ اله: ‌ان‌ ربكم تطول عليكم ‌فى‌ هذا اليوم فغفر لمحسنكم، ‌و‌ شفع محسنكم ‌فى‌ مسيئكم فافيضوا مغفورا لكم».
 ‌و‌ عن النبى صلى الله عليه ‌و‌ آله «انه قال لرجل انصارى: يوم عرفه يوم يباهى الله ‌عز‌ ‌و‌ ‌جل‌ ‌به‌ الملائكه فلو حضرت ذلك اليوم برمل عالج ‌و‌ قطر السماء ‌و‌ ايام العالم ذنوبا فانه يبت ذلك اليوم».
 ‌و‌ ‌فى‌ روايه: «اذا وقفت بعرفات الى غروب الشمس فان كان عليك ‌من‌
 
الذنوب مثل رمل عالج ‌او‌ بعدد نجوم السماء ‌او‌ قطر المطر يغفرها الله لك».
 ‌و‌ عن الرضا عليه السلام: ‌ما‌ وقف احد ‌فى‌ تلك الجبال الا استجاب الله له فاما المومنون فيستجاب لهم ‌فى‌ آخرتهم ‌و‌ اما الكفار فيستجاب لهم ‌فى‌ دنياهم».
 ‌و‌ عن ابى جعفر عليه السلام: ‌ما‌ يقف احد على تلك الجبال ‌بر‌ ‌و‌ ‌لا‌ فاجر الا استجاب الله له، فاما البر فيستجاب له ‌فى‌ آخرته ‌و‌ دنياه ‌و‌ اما الفاجر فيستجاب له ‌فى‌ دنياه.
 ‌و‌ عن الصادق عليه السلام: ‌ما‌ ‌من‌ رجل ‌من‌ اهل الكوره وقف بعرفه ‌من‌ المومنين الا غفر الله لاهل تلك الكوره ‌من‌ المومنين ‌و‌ ‌ما‌ ‌من‌ رجل وقف بعرفه ‌من‌ اهل بيت ‌من‌ المومنين الا غفر الله لاهل ذلك البيت ‌من‌ المومنين.
 ‌و‌ سمع على ‌بن‌ الحسين عليهماالسلام يوم عرفه سائلا يسال الناس فقال له: ويحك اغير الله يسال ‌فى‌ هذا المقام انه ليرجى لما ‌فى‌ بطون الجبال ‌فى‌ هذا اليوم ‌ان‌ يكون سعيدا.
 ‌و‌ الاخبار ‌فى‌ شرفه ‌و‌ فضله كثيره نقتصر منها على هذا القدر.
 ‌و‌ «الباء» ‌من‌ قوله: «تفضلت به» يحتمل ‌ان‌ تكون ظرفيه نحو: «نجيناهم بسحر» ‌و‌ ‌هو‌ الظاهر، ‌و‌ ‌ان‌ تكون صله للتفضل ‌و‌ مجرور مما واقع موقع المفعول ‌به‌ مثل: سمحت به، وهبت ‌به‌ ‌اى‌ انلته ‌و‌ وهبته، ‌و‌ الله اعلم.
 
المراد بخلقه تعالى له: خلق الانسانيه بنفخ الروح المشار اليه بقوله سبحانه: «ثم انشاناه خلقا آخر».
 ‌و‌ اعلم: ‌ان‌ نعمه جلت قدرته على عبده قبل خلقه له ‌و‌ بعد خلقه اياه اجل ‌من‌ ‌ان‌ تحد ‌و‌ تحصى ‌و‌ تعد، ‌و‌ لايحيط بها كما ‌و‌ كيفا الا علمه تعالى حتى قال بعض المفسرين ‌فى‌ قوله تعالى: «و اسبغ عليكم نعمه ظاهره ‌و‌ باطنه»، ‌ان‌ الباطنه مالا نعلمه اصلا غير انا نذكر ‌من‌ ظاهر نعمه تعالى على عبده قبل خلقه امورا:
 احدها: تعلق ارادته ‌عز‌ ‌و‌ ‌جل‌ بايجاده عنايه منه به، ‌و‌ رحمه له مع استغنائه عنه كما ورد ‌فى‌ الدعاء: ‌يا‌ بارى خلقى رحمه ‌بى‌ ‌و‌ كان عن خلقى غنيا.
 الثانى: عنايته تعالى ‌به‌ بسد جميع انحاء عدمه الاصلى اعنى الموانع العدميه التى يتوقف وجوده على ارتفاعها اى: بقائها على العدم المعبر عنه بارتفاع الموانع ضروره ‌ان‌ شيئا ‌من‌ الممكنات لايستحق الوجود ابتداء، ‌و‌ انما ذلك ‌من‌ جناب المبدا الاول تعالى شانه فلا يتصور وجوده ابتداء الا مع بقاء الموانع التى يتوقف وجوده على عدمها مع امكان وجودها ‌فى‌ نفسها فارتفاعها ببقائها على العدم ‌من‌ آثار نعمه الفائضه على كل مخلوق.
 الثالث: ايجاده ‌ما‌ يتوقف عليه وجوده ‌من‌ الامور الوجوديه التى هى مباديه ‌و‌ علله ‌و‌ شرائطه البعيده ‌و‌ القريبه، فمنها امور حسيه ‌و‌ امور معنويه، ‌و‌ منها وسائط
 
جسمانيه ‌و‌ روحانيه كالابوين ‌و‌ ‌ما‌ يتوقف عليه وجودهما ابتداء ‌و‌ بقاء، ‌و‌ الملائكه المدبرات ‌و‌ المقسمات الى غير ذلك مما لايكاد يبلغ الحاسب بلوغ مرتبه معتد بها ‌من‌ مراتبه فضلا عن بلوغ غايته، ‌و‌ اما انعامه عليه بعد خلقه فاظهر ‌من‌ ‌ان‌ ينبه عليه، غير انه عليه السلام ذكر اعظمه ‌و‌ اشرفه الذى تترتب عليه السعاده العظمى ‌و‌ ‌ما‌ ‌هو‌ ذريعه اليها.
 فقال «فجعلته ممن هديته لدينك» ‌و‌ «الفاء» للدلاله على ترتب مضمون مدخولها على ‌ما‌ قبله فان نعمه الهدايه الى الاسلام عنوان النعم كلها فمن فاز بها فقد حازها بحذافيرها.
 ‌و‌ المراد بالهدايه هنا الدلاله الموصله الى المطلوب قطعا.
 ‌و‌ الدين: الاسلام لقوله تعالى: «ان الدين عند الله الاسلام» ‌و‌ «من يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه».
 ‌و‌ ‌حق‌ الله تعالى: ‌ما‌ وجب له ‌من‌ قول ‌و‌ فعل ‌و‌ اعتقاد، ‌من‌ ‌حق‌ الشى ء يحق حقا ‌من‌ باب- ضرب- اذا وجب ‌و‌ ثبت، ‌اى‌ وفقته للقيام بحقك.
 ‌و‌ عصمته بحبلك: ‌اى‌ حميته ‌و‌ وقيته بكتابك ‌او‌ بدينك ‌او‌ بولايه اوليائك حسبما فسر ‌به‌ قوله تعالى: «و اعتصموا بحبل الله جمعيا».
 قال العلامه امين الاسلام الطبرسى ‌فى‌ مجمع البيان: قيل ‌فى‌ معنى حبل الله اقوال:
 احدها: انه القرآن عن ابى سعيد الخدرى ‌و‌ جماعه.
 ‌و‌ ثانيها: انه دين الله عن ابن عباس ‌و‌ ابن زيد.
 
و ثالثها: ‌ما‌ رواه ابان ‌بن‌ تغلب، عن جعفر ‌بن‌ محمد عليهم السلام: نحن حبل الله الذى قال: «و اعتصموا بحبل الله جميعا» ‌و‌ الاولى حمله على الجميع ‌و‌ الذى يويده ‌ما‌ رواه ابوسعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه ‌و‌ اله انه قال: ايها الناس انى قد تركت فيكم حبلين ‌ان‌ اخذتم بهما لن تضلوا بعدى، احدهما اكبر ‌من‌ الاخر كتاب الله حبل ممدود ‌من‌ السماء الى الارض، ‌و‌ عترتى اهل بيتى الا ‌و‌ انهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض.
 ‌و‌ ادخلته ‌فى‌ حزبك: ‌اى‌ جعلته ‌فى‌ زمرتهم ‌و‌ نظمته ‌فى‌ سلكهم.
 ‌و‌ منه: «فادخلى ‌فى‌ عبادى» ‌و‌ حزب الرجل بالكسر اصحابه المجتمعون لامر حزبهم، يقال: حزبهم امر ‌من‌ باب- قتل- ‌اى‌ اصابهم ‌و‌ اشتد عليهم.
 ‌و‌ قيل: كل قوم تشابهت قلوبهم ‌و‌ اعمالهم فهم حزب.
 ‌و‌ قيل: ‌هم‌ الجماعه ‌من‌ الناس فيهم غلظه ‌و‌ شده ‌من‌ الحزب ‌و‌ ‌هو‌ الشده.
 قال الحسن ‌فى‌ قوله تعالى: «فان حزب الله ‌هم‌ الغالبون» ‌هم‌ جند الله.
 ‌و‌ قيل: اولياء الله، ‌و‌ قيل: شيعه الله، ‌و‌ قيل: انصار الله، ‌و‌ قيل: ‌هم‌ الذين يدينون بدينه ‌و‌ يطيعونه فينصرهم.
 ‌و‌ ارشده الله الى كذا: هداه اليه، ‌و‌ قيل: ارشاده تعالى تقويه عزم عبده على
 
ما فيه صلاحه ‌او‌ فسخه له عما فيه فساده عنايه منه به.
 ‌و‌ الموالاه: مصدر والاه يواليه، ‌اى‌ احبه ‌و‌ صادقه فهو ولى له، ‌اى‌ موال كالجليس بمعنى المجالس، ‌و‌ ضده المعاداه، ‌و‌ قد علمت ‌ان‌ عداوه الله سبحانه مخالفه امره عنادا، ‌و‌ الخروج عن طاعته مكابره لان العدو لايوافق عدوه ‌و‌ لايدخل ‌فى‌ طاعته.
 ‌و‌ قيل: اولياء الله الذين يتولونه بالطاعه ‌و‌ يتولاهم بالكرامه، ‌و‌ اعداوه: الذين يخالفون امره استكبارا فيصليهم نارا، ‌و‌ الله اعلم.
 
«ثم» هنا لاستبعاد عدم الائتمار لامر ‌من‌ انعم عليه بتلك النعم ‌و‌ عدم الانزجار لزجره ‌و‌ مخالفه امره.
 قال الرضى: ‌و‌ قد تجى «ثم» ‌فى‌ الجمل خاصه لاستبعاد مضمون ‌ما‌ بعدها عن مضمون ‌ما‌ قبلها ‌و‌ عدم مناسبته له كقوله تعالى: «خلق السموات ‌و‌ الارض ثم الذين كفروا بربهم يعدلون» فالاشراك بخالق السماوات ‌و‌ الارض مستبعد غير مناسب، ‌و‌ هذا المعنى فرع التراخى ‌و‌ مجازه.
 ‌و‌ الامر: طلب الفعل بالقول على طريق الاستعلاء.
 ‌و‌ الائتمار: قبول الامر، يقال: امرته فاتمر: ‌اى‌ سمع ‌و‌ اطاع.
 
و الزجر: المنع، يقال: زجرته كمنعته فانزجر ‌و‌ ترك متعلقى الامر ‌و‌ الزجر لتوجيه الاستبعاد الى عدم الانقياد لنفس الفعلين ايذانا بانه المدار ‌فى‌ الاستبعاد ‌لا‌ عدمه لخصوصيه متعلقيهما.
 ‌و‌ النهى: طلب ترك الفعل بالقول استعلاء.
 ‌و‌ المعصيه: مخالفه الامر قصدا، ‌و‌ اصل المخالفه ‌و‌ الخلاف: ‌ان‌ ياخذ كل واحد طريقا غير طريق الاخر ‌و‌ لما كان النهى عن المعصيه امرا بالطاعه اذ لايتحقق عدم العصيان الا بالطاعه.
 قال عليه السلام: فخالف امرك الى نهيك، ‌اى‌ فذهب ‌و‌ ولى عن امرك له بالطاعه الى نهيك له عن المعصيه، يقال: خالفنى فلان الى كذا: اذا قصده ‌و‌ ذهب اليه ‌و‌ انت مول عنه.
 قال الزمخشرى: يلقاك الرجل صادرا عن الماء فتساله عن صاحبه فيقول: خالفنى الى الماء، يريد انه قد ذهب اليه واردا ‌و‌ انا ذاهب عنه صادرا، ‌و‌ منه قوله تعالى: «و ‌ما‌ اريد ‌ان‌ اخالفكم الى ‌ما‌ انهاكم عنه».
 فان قلت: ‌ما‌ الغرض ‌من‌ هذا البسط ‌و‌ الاطناب بهذه الجمله الطويله فان حاصلها الاخبار بعصيانه، فلو قال بدلها: «فعصاك» ‌و‌ اقتصر عليه حصل الغرض مع كمال الايجاز؟.
 قلت: الغرض المبالغه ‌فى‌ تقبيح فعله ‌و‌ تهويل جنايته بما فيها ‌من‌ التصريح بمخالفه الامر ‌و‌ الجنوح الى النهى الموذن بكمال القبح ‌و‌ الشناعه ‌من‌ حيث ترك الواجب ‌و‌ انتهاك الحرمه بارتكاب المعصيه، ‌و‌ لفظ العصيان ‌و‌ ‌ان‌ ‌دل‌ على ذلك فانما يدل عليه تضمنا ‌او‌ التزاما، ‌و‌ المقام مقام الاعتراف بعظم الجنايه لعظم مقام ‌من‌ عصاه فيناسبه التفخيم ‌و‌ التهويل فهو مقام اشباع ‌و‌ تفصيل ‌لا‌ ايجاز ‌و‌ اجمال، ‌و‌ هذا ‌من‌
 
باب ايفاء البلاغه حقوقها فان لكل مقام مقالا.
 قال بعض ائمه البلاغه: كما انه يجب على البليغ ‌فى‌ مظان الاجمال ‌ان‌ يجمل ‌و‌ يوجز فكذلك الواجب عليه ‌فى‌ موارد التفصيل ‌ان‌ يفصل ‌و‌ يشبع ‌و‌ انشد الجاحظ:
 يرمون بالخطب الطوال ‌و‌ تاره
 وحى الملاحظ خيفه الرقباء
 ‌و‌ عاند فلان فلانا عنادا ‌و‌ معانده: فعل ‌ما‌ لايرضاه، ‌لا‌ غرض له ‌فى‌ ذلك الا خلافه. ‌و‌ ‌فى‌ الاساس: فلان عنيد ‌و‌ معاند يعرف الحق فياباه ‌و‌ يكون ‌فى‌ شق منه ‌من‌ العند ‌و‌ ‌هو‌ الجانب.
 ‌و‌ ‌فى‌ القاموس: المعانده المفارقه ‌و‌ المجانبه ‌و‌ المعارضه بالخلاف كالعناد.
 ‌و‌ كل ‌من‌ هذه المعانى صحيح هنا، ‌و‌ انتصاب معانده على المفعوليه المطلقه، ‌اى‌ ‌لا‌ مخالفه معانده ‌او‌ لايعاند معانده ‌او‌ على المفعول لاجله، ‌اى‌ ‌لا‌ لمعانده، ‌و‌ لاء الثانيه زائده لتاكيد الاولى.
 ‌و‌ الاستكبار: استفعال ‌من‌ الكبر بالكسر فالسكون ‌و‌ ‌هو‌ العظمه.
 قال الطبرسى: ‌و‌ حقيقه الاستكبار الانفه مما لاينبغى ‌ان‌ يونف منه ‌و‌ قيل: حده الرفع للنفس الى منزله لاتستحقها.
 ‌و‌ قيل التكبر: ‌ان‌ يرى نفسه اكبر ‌من‌ غيره ‌و‌ الاستكبار طلب ذلك بالتشبع.
 ‌و‌ ‌فى‌ الصحاح: التكبر ‌و‌ الاستكبار: التعظم.
 فجعلهما بمعنى واحد.
 ‌و‌ معنى الاستكبار عليه تعالى: الامتناع ‌من‌ قبول امره ‌و‌ الاذعان لعبادته.
 
و بل: حرف اضراب مطلقا، فان تلاها مفرد، كانت عاطفه، ‌و‌ ‌ان‌ تلاها جمله، كانت حرف ابتداء ‌لا‌ عاطفه عند الجمهور، خلافا لابن مالك ‌و‌ غيره.
 ‌و‌ معنى الاضراب حينئذ: اما الابطال نحو: «ام يقولون ‌به‌ جنه بل جاءهم بالحق» ‌و‌ مثله عباره الدعاء، ‌و‌ اما الانتقال ‌من‌ غرض الى آخر اهم منه. ‌و‌ توهم بعض القاصرين ‌من‌ طلبه العجم ‌ان‌ العاطفه لجمله لاتكون الا للانتقال ‌و‌ ‌ان‌ الابطال مخصوص بالعاطفه لمفرد. ‌و‌ ‌هو‌ ‌من‌ قصور معرفته، ‌و‌ قله اطلاعه.
 ‌و‌ الدعاء الى الشى ء: الحث على قصده.
 ‌و‌ الهوى: ميل النفس الى الشهوه، ‌و‌ يطلق على النفس المائله الى الشهوه ‌و‌ المعنيان محتملان هنا، قيل سمى بذلك لانه يهوى بصاحبه ‌فى‌ الدنيا الى داهيه ‌و‌ ‌فى‌ الاخره الى الهاويه.
 ‌و‌ زيلت الشى ء تزييلا: نحيته ‌و‌ ميزته عن غيره، ‌و‌ منه قوله تعالى: «فزيلنا بينهم» ‌اى‌ ميزنا ‌و‌ فرقنا، ‌و‌ قوله: «لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا» ‌اى‌ لو تميز المومنون ‌من‌ الكافرين ‌و‌ ‌هو‌ ‌من‌ زاله يزاله كناله يناله زيالا: ‌اى‌ نحاه ‌و‌ ازاله ازاله مثله، ‌و‌ التشديد فيه للتكثير ‌لا‌ للتعديه يقال: زل ضانك ‌من‌ معزك: ‌اى‌ نحها عنها ‌و‌ ميز بينهما.
 ‌و‌ زعم بعضهم: ‌ان‌ عين الكلمه واو لانه ‌من‌ زال يزول زوالا، ‌و‌ انما قلبت ياء لان وزنه فيعلنا فاعلت اعلال سيد، ‌و‌ ‌رد‌ بانه لو كان ‌من‌ الزوال لظهرت الواو فيه.
 قال مكى ‌بن‌ ابى طالب ‌فى‌ اعراب القرآن: زيلنا: «فعلنا» ‌من‌ زلت الشى ء عن الشى ء فانا ازيله: نحيته، ‌و‌ التشديد للتكثير. ‌و‌ لايجوز ‌ان‌ يكون «فيعلنا» ‌من‌ زال
 
يزول لانه يلزم فيه الواو فيقال: زولته انتهى.
 ‌و‌ المراد بما زيله تعالى: محارمه ‌و‌ مناهيه التى نحاها ‌و‌ ميزها، ‌و‌ هى حدوده التى امر بمباينتها ونهى عن مقاربتها بقوله: «تلك حدود الله فلا تقربوها» ‌و‌ انما سميت الحدود حدودا لتمييزها ‌و‌ فصلها عن غيرها ‌من‌ حددت الدار حدا ‌من‌ باب- قتل- ميزتها عن مجاوراتها بذكر نهاياتها.
 قال ابن الاثير ‌فى‌ النهايه: الحدود: محارم الله ‌و‌ عقوباته التى قرنها بالذنوب، ‌و‌ اصل الحد: المنع ‌و‌ الفصل بين الشيئين فكان حدود الشرع فصلت بين الحلال ‌و‌ الحرام فمنها ‌ما‌ لايقرب كالفواحش المحرمه، ‌و‌ منه قوله تعالى: «تلك حدود الله فلا تقربوها» ‌و‌ منها ‌ما‌ ‌لا‌ يتعدى كالمواريث المعينه ‌و‌ تزويج الاربع، ‌و‌ منه قوله تعالى: «تلك حدود الله فلا تعتدوها».
 ‌و‌ ‌فى‌ نسخه: «الى ‌ما‌ زينته» بدل زيلته، ‌اى‌ الى ‌ما‌ زينته ‌من‌ متاع الدنيا، ‌و‌ ‌هو‌ تلميح الى قوله تعالى: «زين للناس حب الشهوات ‌من‌ النساء ‌و‌ البنين ‌و‌ القناطير المقنطره ‌من‌ الذهب ‌و‌ الفضه ‌و‌ الخيل المسومه ‌و‌ الانعام ‌و‌ الحرث ذلك متاع الحياه الدنيا ‌و‌ الله عنده حسن الماب».
 فان المزين عند جمهور المفسرين ‌هو‌ الله تعالى.
 ‌و‌ اما عند الاشاعره: فلانه خالق افعال العباد كلها، ‌و‌ لو كان المزين ‌هو‌ الشيطان فمن الذى زين الكفر ‌و‌ البدعه للشيطان؟.
 ‌و‌ اما عند الاماميه ‌و‌ جمهور المعتزله فلحكمه الابتلاء كما قال تعالى: «انا جعلنا ‌ما‌ على الارض زينه لها لنبلوهم ايهم احسن عملا» ‌و‌ لان القادر على وجوه
 
الشهوات ‌و‌ اللذات اذا تركها ‌و‌ اقبل على اداء وظائف الخدمه كان اشق عليه فكان اكثر ثوابا ‌و‌ اعظم اجرا.
 ‌و‌ عن الجبائى: ‌و‌ اختاره القاضى ‌ان‌ كل ‌ما‌ كان واجبا ‌او‌ مندوبا ‌او‌ مباحا فالتزيين فيه ‌من‌ الله تعالى، ‌و‌ كل ‌ما‌ كان حراما فالتزيين فيه ‌من‌ الشيطان.
 ‌و‌ يويد هذا القول عطفه عليه السلام قوله: «و الى ‌ما‌ حذرته» على ‌ما‌ زينته على هذه الروايه فيكون ‌ما‌ زينه تعالى ‌هو‌ المباح، ‌و‌ ‌ما‌ حذره ‌هو‌ الحرام، فان الانهماك ‌فى‌ المباحات ‌من‌ دواعى الهوى.
 ‌و‌ ‌فى‌ نسخه: «الى ‌ما‌ زينه» على ‌ان‌ الضمير عائد الى هواه.
 ‌و‌ ‌فى‌ نسخه قديمه: «الى ماربته» بالهمزه ‌و‌ ضم الراء المهمله مفعله ‌من‌ الارب بمعنى الحاجه ‌اى‌ دعاه هواه الى حاجته.
 ‌و‌ الحذر محركه: الاحتراز ‌من‌ مخوف، يقال: حذرته الشى ء تحذيرا فحذره بالكسر، ‌و‌ منه: «و يحذركم الله نفسه» ‌اى‌ ‌و‌ الى ‌ما‌ حذرته اياه ‌من‌ مخالفتك كما قال تعالى: «اطيعوا الله ‌و‌ اطيعوا الرسول ‌و‌ احذروا» ‌اى‌ مخالفتهما ‌او‌ الى ‌ما‌ حذرته اياه ‌من‌ محارمك على ‌ما‌ ذكرناه ‌فى‌ روايه «زينته»، ‌او‌ الى ‌ما‌ حذرته ‌من‌ عقابك ‌فى‌ قولك: «و يحذركم الله نفسه» اى، عقابه كما تقول: احذر الاسد، ‌اى‌ صولته ‌و‌ افتراسه، ‌و‌ فيه اعظم التهديد لمن تعرض لسخطه لان شده العقاب على قدر المعاقب ‌و‌ فائده ذكر النفس التصريح بان الذى حذر منه ‌و‌ ‌هو‌ عقاب يصدر ‌من‌ الله ‌لا‌ ‌من‌ غيره اذا عرفت ذلك علمت ‌ان‌ قوله عليه السلام: «و الى ‌ما‌ حذرته»
 
تاسيس ‌لا‌ تاكيد كما توهمه بعضهم فان اعاده الجار ياباه ‌و‌ يعين ‌ما‌ ذكرناه.
 ‌و‌ اعانه على ذلك: ‌اى‌ ظاهره على ‌ما‌ ذكر مما دعاه اليه هواه ‌من‌ اقتراف ‌ما‌ زيلته ‌من‌ محارمك ‌و‌ ‌ما‌ حذرته اياه ‌من‌ مخالفتك ‌او‌ ارتكاب ‌ما‌ زيلته ‌من‌ حدودك ‌و‌ استحقاق ‌ما‌ حذرته ‌من‌ عقابك، ‌و‌ يحتمل عود الضمير الى الهوى ‌اى‌ ‌و‌ اعان هواه على ذلك عدوك الخارج عن طاعتك استكبارا ‌و‌ عدوه الظاهر العداوه له، الامر له ‌و‌ لابناء جنسه بالسوء ‌و‌ الفحشاء، ‌و‌ اعانته: عباره عن تقويه داعيه الهوى ‌فى‌ قلب الانسان، بالقاء الوساوس اليه ‌و‌ تحسينه اللذات ‌و‌ الشهوات له فيميل اليها ‌و‌ يعزم عليها ‌و‌ يرتكب بذلك المعاصى ‌و‌ يستوجب سخط خالقه ‌و‌ عقابه، ‌و‌ ‌فى‌ نسبته عليه السلام ذلك اولا الى داعيه الهوى ثم اعانه الشيطان عليه: دلاله على ‌ان‌ الانسان ‌هو‌ الذى يختار بسوء رايه ‌و‌ اتباع هواه مقارفه الذنوب، ‌و‌ ليس ‌من‌ الشيطان الا الوسوسه ‌و‌ التزيين كما ‌دل‌ على ذلك قوله تعالى: «و قال الشيطان لما قضى الامر ‌ان‌ الله وعدكم وعد الحق ‌و‌ وعدتكم فاخلفتكم ‌و‌ ‌ما‌ كان لى عليكم ‌من‌ سلطان الا ‌ان‌ دعوتكم فاستجبتم لى فلا تلومونى ‌و‌ لوموا انفسكم» ‌و‌ حكايه قول الشيطان ‌و‌ ‌ان‌ لم يصلح للحجه، الا ‌ان‌ عدم انكار الله عليه حجه، هذا مع ‌ان‌ كلام اللعين مبنى على الانصاف ‌و‌ الصدق، ‌و‌ قد اسلفنا الكلام على ذلك بابسط ‌من‌ هذا فليتذكر.
 ‌و‌ اقدم على الامر اقداما: شجع ‌و‌ جسر ‌و‌ هجم عليه ‌و‌ لم يتوقف، ‌و‌ ‌هو‌ ‌من‌ اقدم على قرنه اذا اجترا عليه.
 ‌و‌ عارفا بوعيدك: ‌اى‌ عالما ‌به‌ فان المعرفه جاءت بمعنى العلم كما جاء العلم بمعناها، ‌و‌ منه: «مما عرفوا ‌من‌ الحق» ‌اى‌ علموا.
 ‌و‌ الوعيد: التهديد.
 
و قال الفارابى: الوعيد الاسم ‌من‌ اوعد يوعد.
 يقال: اوعده ‌فى‌ الشر ‌و‌ وعده خيرا ‌او‌ شرا.
 ‌و‌ «اللام» ‌فى‌ قوله: «راجيا لعفوك» مزيده للتقويه ‌لا‌ للتعديه نحو: «مصدقا لما معهم».
 قال ابن هشام: يصح ‌فى‌ لام التقويه ‌ان‌ يقال: انها متعلقه بالعامل المقوى لان التحقيق انها ليست زائده محضه لما تخيل ‌فى‌ العامل ‌من‌ الضعف الذى نزل منزله القاصر ‌و‌ ‌لا‌ معديه محضه ‌لا‌ طراد صحه اسقاطها فلها منزله بين منزلتين.
 ‌و‌ واثقا بتجاوزك: ‌اى‌ معتمدا عليه ‌من‌ قولهم: «وثق به» اذا اعتمد على وفائه.
 ‌و‌ التجاوز عن الذنب: الصفح عنه.
 ‌و‌ جمله قوله عليه السلام: ‌و‌ كان احق عبادك حاليه اى: ‌و‌ الحال انه كان اولى عبادك مع ‌ما‌ مننت ‌به‌ ‌ان‌ لايفعل.
 قال الازهرى ‌و‌ غيره: لفظ «احق» ‌فى‌ كلام العرب له معنيان:
 احدهما: استيعاب الحق كله كقولك فلان احق بماله، ‌اى‌ ‌لا‌ ‌حق‌ لاحد فيه غيره.
 ‌و‌ الثانى: ‌ان‌ يكون افعل تفضيل فيقتضى اشتراكه مع غيره، ‌و‌ ترجيح الحق له ‌و‌ ‌ان‌ كان لغيره فيه نصيب كقولهم: «زيد احسن وجها ‌من‌ فلان» ‌و‌ معناه ثبوت الحسن لهما ‌و‌ ترجيحه للاول، انتهى.
 اذا عرفت ذلك فاحق هنا للتفضيل ‌و‌ ترجيح الحق له على العباد، فان كل
 
احد ‌من‌ العباد حقيق ‌و‌ جدير ‌ان‌ لايفعل ذلك لكنه عليه السلام جعل نفسه احقهم بذلك ‌من‌ اجل مننه تعالى ‌و‌ انعامه عليه دونهم بما ‌من‌ ‌و‌ انعم مما تقدم ذكره ‌و‌ ‌هو‌ معنى قوله: «مع ‌ما‌ مننت عليه» ‌و‌ مع ظرف لمجرد المصاحبه واقع موقع الحال، ‌اى‌ حال كونه مصاحبا ‌ما‌ مننت عليه ‌و‌ ملتبسا به، فان ‌من‌ كانت منه الله عليه اعظم كان احق بالشكر، ‌و‌ مقتضى الشكر عدم العصيان ‌و‌ المخالفه.
 ‌و‌ «ما» اما مصدريه، ‌اى‌ مع منك عليه، ‌او‌ موصوله ‌و‌ العائد محذوف، ‌اى‌ مع الذى مننت ‌به‌ عليه نحو «اهذا الذى بعث الله رسولا» اى: بعثه.
 ‌و‌ قوله: «ان لايفعل» ‌اى‌ بان لايفعل، فحذف الجار ‌و‌ ‌هو‌ كثير مطرد ‌فى‌ مثل ذلك ‌و‌ منه: «فالله احق ‌ان‌ تخشوه» ‌و‌ «و الله ‌و‌ رسوله احق ‌ان‌ يرضوه».
 ‌و‌ محل ‌ان‌ وصلتها: نصب عند الخليل ‌و‌ اكثر النحويين حملا على الغالب فيما ظهر فيه الاعراب مما حذف منه حرف الجر، ‌و‌ جوز سيبويه ‌ان‌ يكون المحل جرا فقال بعد ‌ما‌ حكى قول الخليل: ‌و‌ لو قال انسان: انه جر كان قولا قويا، ‌و‌ له نظائر نحو قولهم: لاه ابوك، ‌و‌ اصله: لله ابوك، فحذف حرف الجر ‌و‌ بقى عمله ‌و‌ الله اعلم.
 
«الواو»: للاستئناف.
 ‌و‌ «ها»: حرف تنبيه لدخوله على ضمير الرفع المخبر عنه باسم الاشاره مثله فى: «ها انتم اولاء».
 فانا: مبتدا.
 
و «ذا»: خبره، ‌و‌ تصدير الجمله بحرف التنبيه اظهار لكمال التضرع ‌و‌ الابتهال، ‌و‌ انه عن اعتقاد ‌و‌ صميم قلب ‌و‌ ايذان بالذل ‌و‌ التواضع، فان الذليل لايقبل كلامه ‌او‌ ‌من‌ شانه ‌ان‌ لايقبل فيفتقر الى التنبيه عليه.
 ‌و‌ بين يديك: ‌اى‌ مطروحا بين يديك، ‌او‌ واقفا بين يديك، ‌اى‌ امامك ‌و‌ ‌هو‌ ‌من‌ باب التمثيل كما تقدم بيانه غير مره.
 ‌و‌ صغر صغرا ‌من‌ باب- تعب- ذل ‌و‌ هان فهو صاغر، ‌و‌ الاسم الصغار بالفتح.
 قال الجوهرى: الصغار بالفتح: الذل ‌و‌ الضيم، ‌و‌ كذلك الصغر بالضم، ‌و‌ المصدر الصغر بالتحريك، ‌و‌ قد صغر الرجل بالكسر يصغر صغرا، يقال: قم على صغرك، ‌و‌ الصاغر الراضى بالضيم.
 ‌و‌ ‌فى‌ القاموس: الصاغر: الراضى بالذل، ‌و‌ قد صغر ككرم صغرا كعنب ‌و‌ صغارا ‌و‌ صغاره بفتحهما، ‌و‌ صغرانا، ‌و‌ صغرا بضمهما، انتهى.
 ‌و‌ الذليل: فعيل بمعنى فاعل، ‌من‌ ذل يذل ذلا ‌من‌ باب- ضرب-، ‌اى‌ ضعف ‌و‌ هان فهو ذليل، ‌و‌ الاسم الذل بالضم.
 ‌و‌ خشع خشوعا: رمى ببصره نحو الارض، ‌و‌ خفض صوته فهو خاشع.
 ‌و‌ خضع يخضع خضوعا: ذل ‌و‌ استكان فهو خاضع، ‌و‌ قيل: الخشوع قريب ‌من‌ الخضوع الا ‌ان‌ الخضوع ‌فى‌ البدن ‌و‌ الاعناق، ‌و‌ الخشوع ‌فى‌ الصوت ‌و‌ البصر ‌و‌ قد تقدم الكلام على ذلك.
 
و اعترف بالذنب: اقربه.
 ‌و‌ العظيم ‌من‌ الذنوب: ‌ما‌ عظم كما ‌او‌ كيفيه.
 ‌و‌ الجليل ‌من‌ الخطايا: ‌ما‌ عظم كيفيه، لان الجلاله عظم القدر.
 ‌و‌ تحمل الذنوب: استعاره لاكتسابها.
 ‌و‌ اجترام الخطايا: اقترافها ‌و‌ اكتسابها، ‌و‌ الفرق بين الذنب ‌و‌ الخطيئه: ‌ان‌ الذنب: قد يطلق على ‌ما‌ يقصد بالذات، ‌و‌ الخطيئه تطلق على ‌ما‌ يقصد بالعرض لانها ‌من‌ الخطا.
 ‌و‌ استجاره: طلب ‌ان‌ يجيره، ‌اى‌ يومنه، ‌و‌ عداه بالباء لتضمينه معنى الاعتصام ‌و‌ الا فهو متعد بنفسه، قال تعالى: «و ‌ان‌ احد ‌من‌ المشركين استجارك».
 ‌و‌ الصفح: مصدر صفحت عن الذنب صفحا ‌من‌ باب- نفع-: عفوت عنه.
 ‌و‌ قال الراغب: الصفح: ترك التثريب، ‌و‌ ‌هو‌ ابلغ ‌من‌ العفو، ‌و‌ قد يعفو الانسان ‌و‌ لايصفح.
 ‌و‌ لاذ الرجل بالجبل لوذا ‌من‌ باب- قال- ‌و‌ لو اذا مثلثه: التجا فهو لائذ.
 ‌و‌ ايقن بالشى ء ايقانا: علمه علما يقينا، ‌و‌ ‌هو‌ العلم الحاصل عن نظر ‌و‌ استدلال، ‌و‌ لهذا لايسمى علم الله يقينا، ‌و‌ الايقان لايتعدى الا بالباء فيقال: ايقنت ‌به‌ لكنه اسقطها لما مر غير مره ‌من‌ ‌ان‌ اسقاط الخافض مع ‌ان‌ ‌و‌ ‌ان‌ مقيس مطرد ‌و‌ الاصل موقنا بانه.
 ‌و‌ المجير: الحامى ‌و‌ الحافظ ‌من‌ اجاره اذا حماه ‌و‌ حفظه مما يخافه.
 
و منعت فلانا المكروه ‌و‌ منعته منه: حميته منه، ‌و‌ منه: فلان يمنع الجار: ‌اى‌ يحميه مما يضام، ‌و‌ جاء بالمسند اليه نكره ‌فى‌ الفقرتين ‌و‌ ‌هو‌ مجير ‌و‌ مانع لقصد الاستغراق لان النكره ‌فى‌ سياق النفى تقتضى العموم.
 
و عاد عليه بمعروفه عودا ‌من‌ باب- قال-: جاد ‌و‌ تفضل، ‌و‌ الاسم العائده.
 «و الفاء» فصيحه، ‌اى‌ اذا كان الامر كذلك فعد على.
 ‌و‌ اقتراف الذنب: فعله، ‌و‌ حذف المفعول تنزيلا للفعل المتعدى منزله اللازم لغرض اثباته الاقتراف لفاعله ‌من‌ غير اعتبار عموم ‌فى‌ افراده ‌و‌ ‌لا‌ خصوص، ‌و‌ ‌من‌ غير اعتبار تعلقه بمقترف عام ‌او‌ خاص فهو ‌من‌ باب: «هل يستوى الذين يعلمون ‌و‌ الذين لايعلمون».
 ‌و‌ القاء الشى ء: طرحه ‌و‌ تعديته بالى لتضمينه معنى الافضاء، يقال: القى بيده اليه اذا استسلم له كانه طرح نفسه مفضيا اليه.
 ‌و‌ «الباء» ‌من‌ «بيده»: يحتمل ‌ان‌ يكون زائده كما يقال: اعطى بيده للمنقاد. ‌و‌ المراد باليد: النفس، ‌اى‌ ‌من‌ القى نفسه اليك، ‌و‌ «الباء» كثيرا ‌ما‌ تزاد ‌فى‌ المفعول نحو: «و هزى اليك بجذع النخله» «فليمدد بسبب الى السماء» ‌و‌ يحتمل ‌ان‌ تكون للسببيه، ‌و‌ مفعول الالقاء محذوف ‌و‌ الاصل: القى نفسه اليك بيده كما يقال: اهلك نفسه بيده: اذا تسبب لهلاكها، ‌و‌ الاحتمال الاول ‌هو‌ راى الجمهور ‌فى‌ قوله تعالى: «و ‌لا‌ تلقوا بايديكم الى التهلكه».
 ‌و‌ الثانى: قول الزجاج ‌و‌ ابى عبيده فيه.
 ‌و‌ «من» ‌فى‌ قوله: «من عفوك» لبيان «ما» ‌من‌ قوله: «بما تجود به». ‌و‌ مننت عليه بكذا منا ‌من‌ باب- قتل-: انعمت.
 
و تعاظمه الامر: شق عليه ‌و‌ عظم ‌فى‌ عينه.
 قال ‌فى‌ الاساس: هذا الامر لايتعاظمنى، ‌اى‌ لايعظم ‌فى‌ عينى ‌و‌ ‌لا‌ ابالى به. ‌و‌ «ان» ‌من‌ قوله: «ان تمن»: مصدريه، ‌و‌ هى وصلتها ‌فى‌ محل رفع على الفاعليه ليتعاظمك، ‌اى‌ لايتعاظمك منك ‌به‌ على ‌من‌ املك.
 ‌و‌ ‌من‌ غفرانك: بيان لما لايتعاظمك، ‌و‌ الغفران ‌من‌ الله تعالى ‌هو‌ ‌ان‌ يصون العبد ‌من‌ ‌ان‌ يمسه العذاب ‌و‌ اصله ‌من‌ الغفر ‌و‌ ‌هو‌ الباس الشى ء ‌ما‌ يصونه ‌من‌ الدنس، ‌و‌ منه: المغفر للاله التى يلبسها المقاتل راسه ليصونه ‌من‌ اصابه الجراح.
 
الجعل هنا: بمعنى الايجاد، ‌اى‌ اوجدلى ‌فى‌ هذا اليوم، ‌و‌ الظرفان متعلقان بالفعل كقوله تعالى: «و جعلنا لكم فيها معايش».
 ‌و‌ النصيب: الحصه ‌و‌ القسمه المعينه كانها نصبت لمن قسمت له.
 ‌و‌ نلت خيرا: اناله ‌من‌ باب- تعب-: اصبته ‌و‌ نال ‌من‌ عدوه بلغ منه مقصوده. ‌و‌ الجمله ‌فى‌ محل نصب نعت لقوله: نصيبا.
 ‌و‌ الحظ: النصيب ‌و‌ الجد ‌و‌ البخت ‌و‌ الحظوه.
 

  855
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخرین مطالب


بیشترین بازدید این مجموعه


 
نظرات کاربر
پر بازدید ترین مطالب سال
پر بازدید ترین مطالب ماه
پر بازدید ترین مطالب روز