المرأة والعمل


طهارت باطني - شب دوم (14-11-1395) - جمادی الاول 1438 - مسجد شهید بهشتی - 5.87 MB -


يربط بعض المتحمسين بين عمل المرأة بأجر في مؤسسات المجتمع العامة وبين النهضة الاقتصادية؛ حيث يعتبرون التوسع في حجم مشاركتها في أنشطة الحياة العامة مؤشراً إيجابياً للتقدم والنهضة، وعلى الرغم من أنه لا يُوجد دليل واضح وصريح على صحة هذا الربط، إلا أن المتأمل يجد أن الواقع المعاصر يشهد بنقيض هذا؛ إذ إنه لم يسبق في التاريخ أن شاركت النساء بهذه الأعداد الكبيرة في الحياة العامة، وأسواق العمل كمشاركتهن في هذا العصر، ومع ذلك تشير الإحصاءات المتواترة بأزمات اقتصادية تطوق القارات الست - بدرجات مختلفة- إضافة إلى أن نصف سكان العالم من الفقراء، وأكثرهم من النساء والأطفال.
ومن الغريب أن الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي عاشها غالب دول شرق آسيا - ولا تزال تعاني آثارها– كانت نسبة العمالة النسائية في بعض هذه الدول زمن الأزمة 60% تقريباً، فهل هناك علاقة خفية بين كثرة العمالة النسائية وهذه الأزمة؟ مع عدم إغفال الأسباب الأخرى التي شاركت في صناعة هذه الأزمة.
يرى بعضهم ضرورة التوسع في مشاركة النساء في أسواق العمل حتى تستطيع إحداهن أن تسد حاجاتها الضرورية إن كانت عانساً، أو أرملة، أو معيلة لأولادها، أو متزوجة تعين زوجها، إلى غير ذلك من الأسباب التي تدفع المرأة مضطرة إلى العمل، إلا أن الناظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والخلافة الراشدة من بعده يجد أن القيادة السياسية لم تكن تلزم النساء بالكسب، مهما كنَّ فقيرات، وإنما يُعطين ما يسد حاجاتهن من خزينة الدولة، ولا يقال للمرأة : اذهبي فاعملي كما يقال لها اليوم، في حين يُلزم الرجل بالعمل للكسب، مادام قادراً "اذهب فاحتطب"، فمن القبيح أن لا تُعطى المرأة المحتاجة المال إلا مقابل عمل تقوم به، كما أن من القبيح أن يُعطى الرجل الخامل المال وهو قادر على العمل والكسب.
يظهر من بعض البحوث توجه واضح نحو فتح المجالات العامة لتشغيل النساء، حيث انشغلت بعضها بإيراد الأدلة على صحة هذه الوجهة، والسؤال الذي يطرح نفسه : ما هي الضمانات التي يقدمها المتحمسون للمجتمع السعودي في الحفاظ على نسائهم من الاختلاط، والخلوة، والفتنة بعد أن شاهد المجتمع بأكمله إخفاق المؤسسة الصحية بأكملها في هذا الجانب، حتى إن الشخص المسلم ليعُد نفسه شخصاً آخر حين يدخل المستشفيات والمراكز الصحية، وقد أصبح - للأسف- هذا الانفلات الخلقي في المؤسسة الصحية دليلاً يلوِّح به المتحمسون في وجه المانعين للاختلاط، وكأنه مؤشر صحي، وتجربة ناجحة، في حين لو راجع هؤلاء تاريخ الأمة المسلمة، ونظام البيمارستانات فيها، لعلموا أن المستشفيات قامت منذ أواخر القرن الهجري الأول، وتطورت بصورة مذهلة عبر سنوات طويلة حتى العهد العثماني، وكان نظامها الفصل الكامل بين الجنسين، وإنما كان الاشتراك في الطبيب فقط، لعدم وجود طبيبة في أنظمتها، وذلك ضمن ضوابط سلوكية وأخلاقية تفتقر إليها المؤسسة الصحية اليوم.
إن المناداة بفتح مجالات العمل بأنواعها المختلفة للمرأة السعودية بما لا يتعارض مع شريعتنا وعاداتنا وتقاليدنا : تكاد تكون عبارات مكرورة بلا معنى، فأين الشريعة والعادات والتقاليد في عمل النساء في المستشفيات وفي وسائل الإعلام، وفي كليات الطب ونحوها، ثم أين النموذج الحضاري في العالم من حولنا الذي نقتدي به في فتحنا باب تشغيل النساء في كافة الميادين، وهل يمكن لنا في ظل العولمة، والضغوط العالمية أن ننشئ لنا نموذجاً إسلامياً منفرداً يجاري الواقع ويحافظ على الثوابت، يكاد يكون مثل هذا الكلام خيالاً لا حقيقة له، فهذه الدول الإسلامية والعربية لم تستطع - في غالب أحوالها - أن تتجاوز النموذج الغربي في تشغيل النساء، فأنى لنا بكل ضعفنا أن نفعل ذلك ؟ ولعل ظهور جمع من النساء السعوديات حاسرات عن رؤوسهن في منتدى جدة الاقتصادي 1425ه يدل بوضوح على أن النموذج الغربي للانفتاح الاقتصادي هو الذي ينتظر المرأة السعودية، وليس هذا النموذج الإسلامي الخيالي الذي يرسمه لنا دعاة الانفتاح.
إن حصول المرأة على شهادة علمية لا يكفي ذريعة للمطالبة بالعمل فهي بكل حال مكفولة النفقة شرعاً، وإنما العمل ضرورة - مع وجود الشهادة أو بغيرها - لمن كلَّفهم الله تعالى النفقة والقيام على الأسر، من الرجال والشباب, إلا أن المرأة حين لا تجد من ينفق عليها فإن من حقها أن تدفع عن نفسها الضرر, وتتخذ الأسباب المشروعة للكسب وطلب الرزق.
ومن الغريب أن يقابل بعضهم بين ثروات الرجال وثروات النساء، ويتمنى لو تساوى النساء بالرجال في ثرواتهن، لهذا يتنادى بتمكين النساء اقتصادياً، ومن العجيب فيما تشير إليه إحدى الإحصاءات أن (85%) من الدخل القومي العالمي يُصرف عبر أيدي النساء ربات البيوت، بمعنى أن ثروات الرجال سائرة إلى النساء والذرية، فدعم الرجل اقتصادياً هو دعم للمرأة وأولادها، في حين أن دعم المرأة اقتصادياً يقتصر غالباً على نفسها لعدم تكليفها شرعاً بغيرها.
ويعتبر بعضهم أن إنجازات ماليزيا وكوريا ونحوهما من دول شرق آسيا مثالاً يُحتذى في النهضة الحديثة، ومع صحة هذا الاعتقاد في بعض جوانبه إلا أنه لم يتضمن الحقيقة كلَّها فإن جزءاً ضخماً من النهضة الاقتصادية المسجلة لهاتين الدولتين كان على حساب الأسرة والمرأة والطفل، مما انعكس سلباً على السلوك، فظهرت صور من الانحرافات والمآسي في التفكك الأسري، والتمرد العائلي، والانحطاط الأخلاقي, لذا فإن درجات النمو الاقتصادي ليست كافية وحدها للحكم بالنجاح, بل لابد معها من معايير أخرى إيمانية وأخلاقية, وهذه المعايير مفقودة في النماذج الجاهلية للنهضة الحضارية.
في حين أن نهضة الأمة الإسلامية في عصور عافيتها لم تعرف هذه السلبيات الأخلاقية والأزمات الأسرية؛ وذلك لأنها لم تعتمد في نهضتها على النساء؛ إذ كانت الأمة تحترم التخصص بين الجنسين، وتولي البيت والأطفال الأهمية الكبرى.

قضية المرأة وسعودة الوظائف
إن التوجه نحو سعودة الوظائف بمعنى أن الأقرب أولى بالمعروف، والجار أحق بالشفعة فهذا صحيح، وإلا فإن بلاد المسلمين واحدة، وتوافد العمالة على البلاد مؤشر صحي يدل على الوفرة المالية؛ ولهذا كانت دول الخليج قبل الأزمات الاقتصادية الحديثة دول جذب للعمالة، أكثر بكثير من الآن، ومع ذلك فإن حماس بعضهم في دعوى السعودة، واطلاعه على الأرقام الكبيرة للعمالة الوافدة يدفعه أحياناً للمناداة دون ضوابط بسعودة الوظائف بالمواطنين والمواطنات، متناسياً أن جلَّ هذه الوظائف والأعمال التي يشغلها الوافدون تُصنَّف ضمن الأعمال الوظيفية الوضيعة، الحرفية والخدمية المتدنية الأجر، التي يترفع عنها الشباب فضلاً عن النساء، والعجيب أن تقرير الأمم المتحدة عن المرأة في العالم لعام 1995م أشار بوضوح إلى أن الوظائف الخدمية والمتدنية الأجر تشغلها النساء بنسبة
97 - 100 %، فمن يضمن للمرأة السعودية بعد 20 عاماً أو نحوها أن لا تضطر لمثل هذه الوظائف، وقد صرَّح بعض الباحثين التربويين في إحدى المجلات العلمية المحكَّمة الصادرة عن المجلس العلمي بجامعة الكويت أنه يتمنى أن يرى المرأة الخليجية التي تصلح الضوء في عمود الكهرباء في الطريق العام، وتسوق الشاحنة والعربات المجنزرة.
ولقد ثبت أن العلاقة في غاية القوة والارتباط بين الانحرافات الخلقية المتنوعة وبين مشاركة النساء في أعمال التنمية الاقتصادية الشاملة، بحيث تزيد نسبة انحرافاتهن الخلقية بقدر زيادة نسبة مشاركتهن في الحياة العامة.
وقد أشار الكتاب الإحصائي لعام 1398ه الصادر عن مركز أبحاث مكافحة الجريمة بوزارة الداخلية بالمملكة العربية السعودية ص (60)إلى ظهور المرأة السعودية المجرمة لأول مرة في هذه السلسلة، وعلل ذلك بمشاركة المرأة السعودية في سوق العمل، الذي أتاح لها فرص الوقوع في بعض الأخطاء السلوكية والخلقية.
ولقد مرت على الأمة الإسلامية بعد عصر النبوة فترات عظيمة من الرقي الحضاري الذي شمل جميع جوانب الحياة الإنسانية فيما يُسمى بالعصور الذهبية، فأين كانت المرأة الحرة في ذلك الوقت، في بيتها أم في الحياة العامة ؟ كما مرت على الأمة أيضاً فترات أخرى شديدة، وأزمات اقتصادية خانقة، ومع كل ذلك لم تتوجه الأمة لنصف المجتمع "المعطَّل" من النساء الحرائر لإخراجهن إلى الحياة العامة للمشاركة في التنمية الاقتصادية الشاملة، وإنما كانت الدولة المسلمة، برجالها وشبابها تتحمل أعباء الإصلاح الاقتصادي وتحسين الأوضاع، ولئن تغيَّرت الظروف في هذا العصر فإن الفطرة لم تتغير، ولن تتغير.
ولقد أثبت العمل المؤسسي خارج البيت تعارضه - في غالب الأحوال - مع طبيعة المرأة وظروفها وحاجاتها، في حين أثبت العمل الاقتصادي المنزلي جدواه على مدار سنوات طويلة سابقة من الحياة الإنسانية، كما أثبت جدواه في بعض الدول المعاصرة، لاسيما في شرق آسيا، حين تعمل المرأة وتنتج في بيتها، تكسب وتُشغل فراغها دون صراعات الأدوار، ومعاناة البعد عن الأولاد، وأزمة وسائل النقل، والاختلاط، ونحوها من المشكلات.
إلا أن هذا النوع من العمل يحتاج إلى دعم وتطوير، دعم من الدول بالإعانات والقروض، ومقترحات المشروعات الصغيرة، ودعم آخر بتطوير الآلة المنزلية، بحيث تصبح سهلة الاستعمال، ويمكن للأسرة المتوسطة شراؤها, مع جودتها في الإنتاج بما ينافس مخرجات المصانع الكبيرة، فكما استطاع دهاقنة الاقتصاد زمن الثورة الصناعية جرَّ العمال إلى المصانع من خلال تطوير الآلة، يمكن أيضاً الآن من خلال تطوير الآلة الصناعية، وتصغير حجمها، وتبسيط أسلوب استعمالها من إعادة إحياء العمل المنزلي، إضافة إلى ما يمكن أن يقوم به النساء من صناعة الأطعمة المعلبة، وأعمال التغليف، وبعض أعمال الصيانة للأجهزة، وتركيب بعض الأدوات، ونحو ذلك من الأعمال البسيطة التي أثبت الواقع جدواها الاقتصادية.
ولما كانت المرأة في الريف ربما تمثل غالب المجتمع كان لابد من دعمها وتوطينها، من خلال المشروعات الصغيرة، ولاسيما الزراعية، وتربية الدواجن، وتقديم الاستشارات والإعانات للأسرة الريفية، فلا تحتاج إلى القدوم إلى المدن، والنزوح إلى الحواضر؛ لما في ذلك من الأضرار الاقتصادية والأخلاقية المعلومة.
ثم إن تأخير سن الزواج يدفع الفتيات للعمل، حين يطول عليهن انتظار الشباب الذين حبستهم أنظمة التعليم، وأساليب التدريب، وحاجات السوق, فلو تعدَّلت الأنظمة التعليمية, وتوافقت مع حاجات السوق, ابتداء من التعليم المتوسط والثانوي،ليصبح هدفهما: " الإعداد للحياة", بحيث يتأهل الشاب مبكراً للحياة العملية والزواج، وتكوين الأسرة: فإن هذا من شأنه تأهيل الفتيات مبكراً للزواج في أثناء الدراسة، فلا يطول عليهن الانتظار، فإن الشاب حين يتأهل اقتصادياً فإنه يتأهل بالتالي ليكفل فتاة.

ضوابط مشاركة المرأة في ميادين التنمية الاقتصادية العامة

أولاً: الضابط الإيماني لمشاركة المرأة في ميادين التنمية الاقتصادية العامة.
والمقصود بهذا الضابط : البعد الغيبي للتنمية الاقتصادية الذي يحكمه التشريع الإسلامي فيحدد هدفه، ويوضح معالمه، ويفرض استقلاله عن الأنظمة الاقتصادية الجاهلية، وذلك من خلال النقاط الآتية :
1- إدراك الغاية من التنمية الاقتصادية الشاملة وهي مرضاة الله تعالى بالتزام التشريعات الاقتصادية التي جاء بها الإسلام في جميع الجوانب والخطط التنموية المختلفة؛ فإن المجتمع بكل فعالياته وحركته لا يعدو أن يكون وسيلة إلى مرضاة الله تعالى.
2- تجاوز النموذج الغربي للتنمية الاقتصادية الذي ثبت إخفاقه في كثير من جوانبه، فلا يكون هو النموذج المقياس للتنمية الاقتصادية في المجتمع المسلم، لاسيما وقد ثبت في الواقع وجود نماذج اقتصادية أخرى، لا تقل تفوقاً - في بعض جوانبها - عن النموذج الغربي.
3- الانطلاقة التنموية من ذات الأمة الإسلامية من خلال الاعتماد على ثروات الأمة المدخرة في أرضها وفي أفرادها بهدف التخلص من الهيمنة الاقتصادية الغربية؛ فقد أثبتت التجارب أن التنمية لا تأتي من الخارج، وإنما هي عملية اجتماعية واعية، تنطلق من إرادة وطنية مستقلة، ومن المعلوم أن خطة التنمية كلما كانت متوافقة مع الإطار المرجعي للأمة كلما كانت أكثر فعالية، وأجدر أن تؤتي ثمارها.

 

ثانياً: الضابط الأخلاق لمشاركة المرأة في ميادين التنمية الاقتصادية العامة.
والمقصود بهذا الضابط إحكام مشاركات النساء الاقتصادية العامة ضمن الضوابط الأخلاقية والآداب المرعية التي جاء بها الإسلام، وهذا يتجلى في النقاط الآتية:
1- تجنب اختلاط المرأة بالرجال الأجانب في العمل وذلك للمفاسد الأخلاقية والاجتماعية التي ثبتت من جراء فتنة الاختلاط، لاسيما إذا وقعت المرأة العاملة المحتاجة تحت سلطة الرجل الذي لا يتورع عن استغلالها، بصورة من صور الاستغلال الأخلاقي.
2- تحريم جميع أشكال الاتجار بشخص المرأة العاملة سواء كان ذلك بصورتها أو بصوتها؛ بحيث يمنع بصورة جذرية استغلالها جسدياً لترويج المنتجات الاستهلاكية، أو إبرام العقود التجارية، أو استغلالها كواجهة لجذب الزبائن، أو خدمتهم، أو الترويح عنهم.

ثالثاً : الضابط الإنساني لمشاركة المرأة في ميادين التنمية الاقتصادية العامة.
ويُقصد بهذا الضابط المحافظة على كرامة المرأة، وحمايتها من كل ما من شأنه إذلالها أو احتقارها، أو إرهاقها وهذا يتضح من خلال النقاط الآتية:
1- الترفع بالمرأة عن الأعمال المهنية الوضيعة التي قد تستذل كرامتها، وتضعف درجة محافظتها على شرفها، والتي أصبحت في هذا العصر مهن غالب النساء، فما من مهنة ذهب بريقها، وزهد فيها الرجال إلا تكدست فيها النساء، وهي المهن التي تُرشَّح لها النساء في عمليات إحلال العمالة النسائية الوطنية مكان العمالة الوافدة الأجنبية، التي تشغل - في الغالب - المهن الوضيعة والحقيرة.
2- حماية المرأة من الأعمال الشاقة المضنية التي تتطلب جهداً جسمياً كبيراً مما قد يعيق قيامها بوظائفها الإنسانية في الإنجاب ورعاية الأطفال وخدمة الأسرة، وقد شهد الواقع اشتغال كثير من النساء بهذه المهن الشاقة في المصانع، والورش، والمناجم، وذلك بعد أن مُلئت المهن المناسبة بالنساء، فلم يعد أمام الراغبات الجدد سوى المهن الصعبة.
3- ضمان الحق المالي للفتاة العاملة بحيث تعطى على عملها أجر المثل دون إجحاف بسبب الأنوثة؛ فإن عنصر الأنوثة في المرأة حتى الآن - في كثير من الدول المتقدمة حسب تقارير الأمم المتحدة - لايزال سبباً في حيف اجتماعي، وظلم إداري، لا تتقاضى بسببه المرأة أجر المثل، رغم قيامها بنفس جهد الرجل، وقد تأهلت مثله بالشهادة العلمية والخبرة.

رابعاً: الضابط الصحي لمشاركة المرأة في ميادين التنمية الاقتصادية العامة.
والمقصود بهذا الضابط : ما يمنع المرأة من العمل بسبب الضرر الصحي المتوقع عليها وهذا يتضح من خلال النقاط الآتية:
1- تجنب تأثيرات العمل السلبية على صحة المرأة الجسمية، فلا تعيق نموها السليم، أو تعطل مهمتها الاجتماعية، ووظائفها العبادية، إلا أن الواقع يشهد بأن المرأة العاملة أقل فئات المجتمع راحة ونوماً، وأكثرهم جهداً وعملاً.
2- تجنب تأثيرات العمل السلبية على صحة المرأة النفسية؛ بحيث يعيقها العمل عن التوافق الاجتماعي، ويخرجها عن حد الاتزان، وقد لُوحظ على كثير من العاملات شيء من الإرهاق النفسي، والقلق، والاكتئاب، الذي يدفعها إلى عدم التوافق الاجتماعي، وربما دفعها إلى شيء من العنف العائلي تجاه الأبناء.
3- تجنب تأثيرات العمل السلبية على سلامة إنجاب المرأة، فلا يكون العمل سبباً في انخفاض مستوى قدرتها على الإنجاب كوظيفة إنسانية ضرورية، وقد لُوحظ إخفاق بعض النساء في إتمام حملهن بسبب الإرهاق والجهد البدني المستهلَك في العمل.

خامساً: الضابط الأسري لمشاركة المرأة في ميادين التنمية الاقتصادية العامة.
والمقصود بهذا الضابط هو : الانعكاسات السلبية التي يمكن أن يفرزها العمل خارج المنزل على أدوار المرأة الأسرية، وتوافقها مع زوجها، ومعدلات خصوبتها، ورعايتها لأطفالها، ويمكن تلخيص ذلك في هذه النقاط:
1- حماية نظام الأسرة من التصدع، فلا يكون العمل سبباً كافياً لإحجام المرأة عن الزواج بحجة اكتفائها اقتصادياً، فقد لُوحظ عزوف بعض النساء عن النكاح بسبب العمل، باعتباره مورداً اقتصادياً يستغنين به عن الزواج، وإقامة الأسرة، وهذا يتعارض مع وجهة الإسلام المرغبة في الزواج، والمنفرة من العزوبة.
2- رعاية المرأة العاملة لقوامة الزوج من الاختلال؛ بحيث لا يكون موردها المالي سبباً في إضعاف قوامة الزوج الأسرية، فإن للقوامة جانبين : فطري وكسبي، وكثيراً ما يكون مورد المرأة الاقتصادي سبباً في مصادرة قوامة الزوج الكسبية، والإخلال بها، وهذا من شأنه أن يخل بنظام الأسرة الطبيعي، ويثير صراعات تنافسية بين الزوجين.
3- الحرص على سلامة معدلات خصوبة المرأة العاملة من الانخفاض، فلا يكون العمل سبباً مباشراً في انخفاض معدلات خصوبتها، والواقع يشهد من خلال الإحصاءات انخفاض معدلات خصوبة المرأة العاملة، فإن أفضل طريقة لتحديد النسل ربط النساء بالعمل خارج المنزل.
4- تجنُّب المرأة العاملة صراع الأدوار الاجتماعية؛ بحيث تستطيع أن توِّفق بين عملها خارج المنزل وداخله دون تعرضها لأزمة تعارض الأدوار الاجتماعية، وهذا النوع من الصراع لا تكاد تنفك عنه المرأة العاملة خارج المنزل، ولكنهنَّ يختلفن في درجة معاناتهن من آثاره المزعجة، وقد لُوحظ أن محاولة التوفيق بين المهمتين المناطة بها - بصورة مُرْضية - يكاد يكون مستحيلاً؛ ولهذا كثيراً ما يفضل أرباب العمل المرأة العزباء، لخلو ذهنها ومشاعرها من هذه الصراعات، وأمثالها من المنغصات.
5- المحافظة على سلامة أولاد المرأة العاملة من الانحراف، وهو أن لا يكون عملها خارج المنزل سبباً في ضياع أولادها في المستقبل، أو إهمال تربيتهم، فإن المرأة العاملة تهمل - بالضرورة- شيئاً كثيراً من شؤون أولادها كالرضاعة الطبيعية، وتولي شؤونهم بصورة مباشرة، وتحمُّل أعباء معاناة التربية، مما قد يكون سبباً في المستقبل في انحرافات سلوكية، وقبائح اجتماعية يقع فيها الأولاد بسبب ضعف التربية، واختلال التنشئة في الصغر.

سادساً: الضابط التخصصي لمشاركة المرأة في ميادين التنمية الاقتصادية العامة.
والمقصود بهذا الضابط : إحكام مجالات عمل المرأة ضمن تخصصات محددة تتناسب مع طبيعتها من جهة، ويحتاجها المجتمع من جهة أخرى، وهذا يتضح فيما يلي :
1- رفض مبدأ تماثل الأدوار المهنية بين الجنسين، بحيث يستقر لدى المرأة والمجتمع أن التماثل في جميع الأعمال المهنية بين الجنسين أمر مرفوض، فلابد أن يبقى هناك وظائف تختص بالرجال وأخرى بالنساء، تناسب كلاً حسب طبيعته، فليس كل إنسان يصلح لكل عمل، ولكل صناعة، فإن المواهب المختلفة تفرض نفسها، ونوع الجنس يفرض نفسه أيضاً، والجنسان ما خلقا ليتسابقا في مضمار واحد.
2- مراعاة حاجات الإناث الطبية والتعليمية، بحيث يكون هذان الجانبان أهم ميادين المرأة التنموية العامة - كما هو الواقع- على أن تكون مشاركتها ضمن مفاهيم الشرع وحدوده المحترمة، التي كثيراً ما تتعارض مع واقع ممارسات الإناث في المهن التعليمية والطبية، فإن شرف هاتين المهنتين لا يلغى ثوابت الشريعة وأخلاقياتها المرعية.

سابعاً: الضابط الحاجي لمشاركة المرأة في ميادين التنمية الاقتصادية العامة.
ويُقصد بهذا الضابط: وجود حاجة قائمة بين المرأة والعمل، فلا يكون إشغالها للوظيفة لغير حاجة متبادلة بينها وبين الوظيفة، وهذا يظهر فيما يلي :
1- عدم الاعتماد على العمالة النسائية في قيام النهضة الاقتصادية، وذلك لأن النهضة الاقتصادية لا تقوم على أكتاف النساء خاصة إذا عجز عن ذلك الرجال، وقد شهد التاريخ الإنساني نهضات كبرى، ولاسيما في التاريخ الإسلامي، كانت فيها المرأة بعيدة عن الحياة المهنية العامة، قد انشغلت بوظائفها الفطرية التي دعمت النهضة من خلال تربية وإعداد الرجال، مما يدل على أن التفوق في التنمية الاقتصادية لا علاقة له بزيادة العنصر النسائي في المهن العامة.
2- تجنب تأثير عمل النساء على زيادة البطالة بين الرجال، فلا يكون عملهن سبباً في تعطيل الرجال عن الكسب؛ لكونهم مكلفين شرعاً بأُسر ينفقون عليها، والنساء مكفولات شرعاً بأوليائهن، وقد ثبت أن الدور الأكبر في أزمة البطالة المعاصرة يُعزى إلى التوسع في تشغيل النساء، مما دفع بعض الدول إلى التقليل من فرص أعمالهن حتى في بعض الميادين التي تخصُّهن رغبة في توفير مهن للرجال المكلفين فطرياً وشرعياً بالنفقة على الأسر، فالرجل بالفطرة وبإلزام الشرع يُوزِّع ثروته ويفتتها بصورة دائمة، والمرأة بحكم الشرع تجمع ولا تفتت ثروتها بالنفقة، ومن المعلوم أن توزيع الثروة مطلب اقتصادي مرغوب فيه. وللقارئ أن يتأمل ما هو موقف الشرع حين يتقدم الرجل وزوجته إلى وظيفة ما، فتقبل الزوجة للوظيفة ويُرد الرجل، فهل يكون من المنطق الشرعي إلزامها بالنفقة عليه، وإسقاط وجوب النفقة عنه، فتتغيَّر - بناء على هذا الوضع الشاذ- ثوابت الشريعة.
3- التأكيد على حاجة الفتاة الاقتصادية للعمل، بحيث يكون عملها عن حاجة مالية، أو حاجة اجتماعية دون الحاجات المتوهمة، أو غير المعتبرة شرعاً؛ فإن نسبة كبيرة من النساء العاملات ليس لهن غرض من العمل سوى التسلية، وإثبات الذات.

ثامناً: الضابط الأنثوي لمشاركة المرأة في ميادين التنمية الاقتصادية العامة.
المقصود بهذا الضابط: ما يمنع المرأة عن العمل بسبب الأنوثة، بحيث يكون الجنس سبباً كافياً لمنعها من العمل، أو إعفائها من القيام به، وهذا يظهر في النقاط الآتية:
1- تعارض الأنوثة الاجتماعي مع نمط البروز السياسي، الذي تتطلبه الممارسة السياسية في مواجهة الجماهير، ومخالطتهم، وتربيتهم، وقيادتهم، وهذا لا يتناسب مع طبيعة المرأة المأمورة بالحجاب والستر، وخروج السيدة عائشة رضي الله عنها يوم الجمل مذهب قديم لها، قد تواترت الأخبار عنها بالتوبة منه، فلا يصح أن يكون دليلاً، ثم هي لم تخرج من باب حقها في المشاركة السياسية وإنما خرجت رغبة في الإصلاح بين فئتين من المسلمين باعتبارها أماً لهم، وإلا فأين باقي النساء لم يشاركن، إضافة إلى أنها حين خرجت كانت في هودج من حديد لا يُرى من شخصها شيء.
2- تعارض الأنوثة الفطري مع طبيعة السلوك السياسي من جهة الطبيعة العقلية، والطبيعة العاطفية، والطبيعة النفسية، التي لا تتوافق في جملتها مع نوع المسؤولية السياسية، التي يتقاصر عنها غالب الرجال فضلاً عن النساء.
3- تعارض الأنوثة مع الولايات السياسية العامة من الناحية الواقعية التي تدل على ندرة وجودهن في المواقع السياسية المؤثرة، وما يُنقل تاريخياً وواقعياً عن نساء برزن في ميادين سياسية، وقتالية لا تتعدى الندرة والشذوذ، الذي لا يغير من الحقائق شيئاً، وهي حين تريد أن تصنع شيئاً في الميدان السياسي تحتاج إلى أن تتخلص مما هي به أنثى من الطبائع والأخلاق والأعمال، وتتصف بما يجعلها ذكراً، من الأفعال والممارسات المختلفة؛ ولهذا أعرضت بلقيس ملكة سبأ عن الزواج، وتناولت "تاتشر" رئيسة وزراء بريطانيا السابقة صفة من عالم الرجال - المرأة الحديدية - لتتخلص بها مما هي به أنثى.
4- تعارض الأنوثة مع عضوية أهل الحل والعقد، فلا يصح أن تكون عضواً فيهم، وإنما تستشار المرأة الخبيرة فيما يتصل بالشؤون النسائية، مما تحتاجه الأمة، ولا يطلع عليه غيرهن، هذا هو الثابت في تاريخ الأمة السياسي دون حالات الشذوذ التي مرت بها الأمة زمن ضعفها وتخلفها، فالسيدة فاطمة والسيدة عائشة رضي الله عنهما رغم فضلهما ومكانتهما لم تكونا موضع استشارة سياسية من أحد الخلفاء، ولم تبايع امرأة خليفة للمسلمين، وإنما هن وعامة الناس تبعاً لأهل الحل والعقد من أفذاذ الأمة، الذين يُعرفون بعلمهم وجهدهم وجهادهم، ممن لا يحتاج أصلاً إلى من يزكيهم ويُعرِّف بهم من العامة أو النساء، فإن الأصل أن المرأة لا تعرف شؤون الرجال الأجانب، فكيف لها أن تزكي أحداً منهم؛ ولهذا لا يوجد في كتب الرجال كلام في الجرح والتعديل للنساء، وما حصل من أم سلمة رضي الله عنها يوم الحديبية من المشورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بطريقة عفوية، ومع ذلك لم يتوقف امتثال الصحابة على مشورتها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم سوف يذبح ويحلق بكل حال، سواء أشارت أم سلمة أو لم تشر، وهذا عين ما حدث في حجة الوداع حين تباطأ الصحابة بعد طوافهم وسعيهم من التحلل بالحلق وجعلها عمرة حين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتمتع لمن لم يكن منهم قد ساق الهدي، فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم من تباطئهم، ودخل على عائشة رضي الله عنها وهو مُغضب وقد علمت الخبر، ومع ذلك فقد حلق الصحابة في نهاية الأمر وجعلوها عمرة متمتعين بها إلى الحج، رغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه لم يحلق لكونه قارناً قد ساق الهدي، فالأمر حاصل حاصل بمشورة أم سلمة وبغير مشورتها، ثم هل فهمت أم سلمة رضي الله عنها ما فهمه المحللون من حادثة الحديبية أنها دليل لمشاركة المرأة السياسية، فإن واقعها مخالف لذلك تماماً فقد كانت أشد الناس إنكاراً على عائشة رضي الله عنها حين خرجت إلى البصرة، وثبتت عنها نصوص تدل على أنها لا ترى نفسها أهلاً - بسبب الأنوثة - للمشاركة السياسية ومع ذلك فإن الموقف يوم الحديبية موقف تشريع في مسألة حكم المُحْصر، وليس موقفاً سياسياً.
5- تعارض الأنوثة مع المسؤولية العسكرية، فلا تكلف المرأة بالجهاد، ولا تقود الجيوش، ولا تكون جندية، وإنما تدافع عن نفسها عند الضرورة، وهذا من رحمة الله بالنساء، ولطبيعة أدوارهن المهمة في تكثير النوع، فإن كثرة النسل تتوقف على وفرة العنصر النسائي، إضافة إلى حاجتهن إلى السكون، فهن كالقوارير في سرعة تكسرهن كما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم، وما ثبت عن بعضهن من القتال كان ضمن الضرورة، وهذا واجب المرأة، أما في غير ضرورة فلا يصح منها القتال، ومشاركة الرجال لما فيه من الفتنة، ولاسيما من الشواب، وأما التدريب على السلاح الخفيف، فهذا يحصل إذا عاشت الأمة المسلمة حالة الجهاد، وكانت الأسلحة الخفيفة ضمن متاع البيوت، تعاينها المرأة وتتدرب عليها مع محارمها، والواقع يشهد بتخلف الرجال عن هذه المهمة وهم المكلفون بها شرعاً، فكيف يفرض ذلك على النساء، ويُطالبن بالتدريب والرجال في عزلة عن السلاح ؟.
لاشك أن هذه الضوابط كثيرة، وتحمل في طياتها التعجيز عن مشاركة المرأة في ميادين التنمية الاقتصادية العامة، وهذا حق فإن مخالفة الفطرة والشرع أمر عسير وشاق، يشبه محاولة توجيه النهر الجاري في غير اتجاهه، ومع هذا فقد يحتاج المجتمع، وقد تحتاج المرأة - في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية القائمة - إلى العمل خارج المنزل مع مخالفة شيء من هذه الضوابط ضمن حدِّ الضرورة الشرعية، والحاجة الاجتماعية الملحة، إلا أنه لابد أن يعرف أن الضرورة تُقدَّر بقدرها، وما أبيح لضرورة يزول بزوالها.

إسهامات الفتاة في التنمية الاقتصادية العائلية
الحديث هنا ينصبُّ على دور الفتاة الإيجابي في مهام التنمية الاقتصادية العائلية التي يمكن أن تَطَوَّع بها ضمن نطاق العائلة، فتسهم بصورة جادة في تنمية ثروات الأسرة، وإنعاش اقتصادياتها من خلال ميادين الإنتاج العائلي المتاحة، التي كانت إلى عهد قريب -قبل الثورات الصناعية الحديثة- ولا تزال في بعض المجتمعات البسيطة: موارد اقتصادية رائجة؛ حيث تستغل العائلة كل طاقاتها البشرية المتاحة في العمل الإنتاجي المربح، الذي يُسهم في أدائه كل مستطيع من الذكور والإناث، كلٌ حسب قدرته، ودرجة كفاءته، ووقت تفرُّغه دون حرج اقتصادي، أو حرمان أبوي، فيستمتع الكل من خلال العمل الاقتصادي الجماعي بالمردود المالي الذي يشمل جميع المساهمين حسب بلائهم وحاجاتهم، في صورة رائعة من التكافل الأسري، والتعاون الجماعي المفعم بالنشاط والحركة.
إن هذا الوضع الطبيعي للاقتصاد العائلي أخذ يتغير بصورة تدريجية تحت وطأة مبادئ الحرية المتجهة نحو الفردية الاقتصادية، كمذهب يعظم حق الفرد، ويقدمه على حق الجماعة، حيث استولت أنظمة الاقتصاد المعاصرة على أزمَّة وسائل الإنتاج، من خلال المؤسسات الاقتصادية الرسمية، والشركات الإنمائية المختلفة، فأخذت تتعامل مع المجتمع كأفراد مبتورين عن أصولهم القبلية، وانتماءاتهم الأسرية، في تجمعات بشرية مقهورة، مُنكرةً بذلك دور العائلة كوحدة اقتصادية منْتجة، واستبدلت - في الوقت نفسه- الدوائر الحكومية، وأنظمة النقابات العمَّالية لتكون بديلاً عن وشائج الروابط العائلية في حماية العامل، وبعث شعور الأمن الاقتصادي في نفسه، مما أسفر عن تمييز واضح، وفصل كامل بين نظام الأسرة ونظام العمل، حيث انقطعت العلاقة الاقتصادية بكل فعالياتها الإنتاجية بين المنزل والعمل، واندفعت الأسرة بكل أفرادها القادرين -تحت وطأة الحاجة- نحو مؤسسات العمل والإنتاج -الخاصة منها والعامة- خارج نطاق العائلة تطلب قوتها، وسداد عيشها، فضعفت بالتالي الرابطة العائلية والسلطة الأبوية، وقلَّ أو انعدم عطاء النساء التربوي، وارتفع سن الزواج، وظهر في المجتمع كثير من المضاعفات الأخلاقية، والعقلية، والنفسية التي لم تكن معروفة بهذا الاتساع في الفترات الزمنية الماضية.
إن المجتمعات المعاصرة لن تستطيع أن تتخلص من مشكلاتها التربوية، ومعاناتها الاجتماعية حتى تُعيد للعائلة الإنسانية شكلها الطبيعي، وتُلزم المرأة بدورها الأمومي؛ بحيث تبقى للأسرة وشائجها الأبوية وروابطها العائلية الممتدة، ضمن ظروف اقتصادية كريمة، تُغْني النساء عن ذلِّ الكسب خارج حدود الأسرة، وتسمح لهن -في الوقت نفسه- باستثمار طاقاتهن الفائضة في عمل اقتصادي منتج مأمون داخل نطاق العائلة في غير حرج.
وتُصنَّف أنشطة العائلة الاقتصادية -خاصة النسائية منها- ضمن ما يُسمى بالمشروعات أو المنشآت أو الصناعات الصغيرة التي تقوم عادة على جهود أفراد قلائل، وأرصدة مالية منخفضة محدودة، يُقدَّر أعلاها في الولايات المتحدة بتسعة ملايين دولار، وفي المملكة العربية السعودية بخمسة ملايين ريال، ويحتل هذا النمط من المشروعات الاقتصادية الإنمائية جلَّ مشروعات العالم الاقتصادية، حتى إنه يمثل ما بين (90-97%) من المنشآت الاقتصادية الأمريكية، ويتيح للشعوب المعاصرة الحجم الأكبر من فرص العمل القائمة، ويدخل -كعنصر أساس- في دعم المشروعات الصناعية الكبرى من الباطن، وإلى جانب هذا فقد كانت ولا تزال المشروعات الصغيرة هي النواة الأولى لكل مشروع إنمائي كبير، وهي الأقدر على مواجهة احتياجات السوق المختلفة وتقلُّباتها المالية، حتى قيل في الأوساط الاقتصادية الأمريكية: "المشروع الصغير هو الأجمل"؛ ولهذا تلقى هذه المشاريع الصغيرة من دول العالم قاطبة -حسب حجم قدرتها- اهتماماً بالغاً، ودعماً كبيراً من جهة مساعدتها مالياً وتشجيعها معنوياً، ومن جهة تزويدها بالخبرات الاقتصادية، ولفْتها لميادين الاستثمار المتاحة.
ورغم هذا الاهتمام الاقتصادي من المجتمع الدولي بهذه المشروعات الإنمائية الصغيرة: لم تحظ العائلة -كوحدة اقتصادية منتجة- بشيء من هذا الاهتمام؛ بل تعامل المجتمع الاقتصادي معها كأفراد موزعين بين هذه المنشآت الاقتصادية المتنوعة دون رابطة اجتماعية: فتفتتت جهودها، وتبعثرت طاقاتها لصالح غيرها من أرباب العمل، الذين لا تربطهم بها أية صلة معنوية يمكن أن تلطِّف أسلوب التعامل، أو تخفف من وطأة حدة العمل، ولاشك أن النساء والفتيات العاملات هن أول عناصر الإنتاج خسارة في مثل هذه الأجواء الاقتصادية القاسية، التي لا تعترف بالفوارق البيولوجية والنفسية بين الجنسين، ولا تحترم مكانة الأنثى، ولا تراعي فيها واجب الأمومة، وحق الطفولة.

کلیپ های منتخب این سخنرانی
سخنرانی های مرتبط
پربازدیدترین
تهران سخنرانی دوم مسجد شهید بهشتی دههٔ اوّل جمادی‌الاوّل 1395 تهران مسجد شهید بهشتی دههٔ اوّل جمادی‌الاوّل 1395 سخنرانی دوم