إقامة المأتم


معارف اسلامی - شب دوم (18-10-1395) - ربیع الثانی 1438 - مسجد حجت الاسلام - 5.63 MB -



إقامة المأتم على سيِّد الأحرار أبي عبدالله الحسين عليه السلام

المأتم : شعيرة من شعائر الإسلام تعهّد بها العرف وأضحت من قيمه الاجتماعية، والمأتم هو الاجتماع الذي يعقده أهل المصاب أو أهل الشهيد وأحبّاؤه وقد اجتمع المسلمون في مآتم شهداء بدر واُحد ، ويذكر لنا التاريخ مآتم حمزة سيِّد الشهداء وأنّ الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) كان يحثّ المسلمين على إنشاء المآتم والبكاء على حمزة (عليه السلام).

والمأتم ارتبط من الناحية العرفية بالشهيد والمتوفّى ، وبهذا يطبع المأتم بطابع الحزن والبكاء وذكر المصيبة، ولمّا كانت أعظم المصائب هي مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) فإنّ المأتم ارتبط بذكر مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) وتخليدها وإظهار حالة الحزن والأسى والبكاء والانفعال العاطفي على سيِّد الشهداء الحسين (عليه السلام).

والمآتم رافقت المسيرة الجهادية الإسلامية وخاصّة عندما كان الإسلام فتيّاً. وكان النبي(صلّى الله عليه وآله) إذا صلّى في الناس قام خطيباً وذكر الشهداء في المعارك التي خاضها المسملون وإذا جمع الناس قام مبلِّغاً يبلِّلغ عن الله تعالى موضّحاً مكانة المستشهد في سبيل الله وقربه ومقامه حاثّاً المسلمين على رعاية أهله وذويه.

إنِّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قضى كلّ حياته داعياً وموجِّهاً، وكان يُحيي هذه المجالس لكي يذكر فيها اسم الله تبارك وتعالى ويذكر فيها خطّ الشهادة وفضل الشهداء والدعوة إلى التمسّك بخطّ الشهداء، وإذا مات أو استشهد أحد المسلمين كان يعظّمه رسول الله ويقرأ الفاتحة على روح ذلك الشهيد ذاكراً صفاته الحسنة وأتعابه وجهاده وإخلاصه داعياً له بالمغفرة والرحمة.

أمّا مجالس سيِّد الشهداء أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) فقد خلّدها التاريخ بعد مضيّ عشرات القرون وهي باقية على مدى العصور تتجدّد وتحيى في كلّ عام بل أحياناً كلّ اسبوع، وعندما تمرّ علينا مصائب أهل البيت وتقام هذه المآتم لأجلهم يذكر فيها مصائب أهل البيت وتذكر في هذه المآتم أيضاً مصيبة إمامنا الحسين (عليه السلام).

وتعتبر أيّام محرّم الحرام أيّام إحياء وعزاء ، فقد أكّد على إحياء هذه المآتم الأئمة المعصومون عليهم السلام ، قال الصادق (عليه السلام) : (أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا)([1]) . وفي هذا الإحياء الذي يأمرنا الأمام المعصوم به، خصائص متعدّدة تتعلّق باجتماع مجموعة مؤمنة تجلس في مكان واحد تصغي لشخص واحد يجلس أمامهم ـ وهو معروف بالكمال والزهد والأخلاق ـ يُرشد الناس بالموعظة الحسنة والحكمة ويذكّرهم بالوعد والوعيد وما جرى على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار.

ولابدّ من وجود هذا المذكّر لأنّ الناس ليسوا كلّهم يقرؤون ويكتبون ويصعب عليهم معرفة حقائق الأنبياء (عليهم السلام) وما جرى عليهم وعلى أهل البيت (عليهم السلام) من مظلومية وخاصّة مظلومية الإمام الحسين وأهل بيته، وإظهار كلمة الحقّ والصلاح التي خرج من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام) ، وتشخيص الظالم الذي قاتله، وكيف أن حبّ الدنيا يكون سبباً لكلّ خطيئة فمنها خطيئة التخلّي عن نصرة أهل البيت عليهم السلام.

وفي مثل هذه المآتم أهداف قدسية عظيمة يجب أن نذكرها لغرض تنبيه الاُمّة وتوعيتها على جوانب مهمّة من جوانب وأبعاد الثورة الحسينية وأهدافها وغاياتها المقدّسة. فهذه الثورة درس تأريخي دائم في عطائه خالد في مساهمته التوعوية والتربوية وواضح المعالم في بيانه بلا خلاف. ففي كلّ عام تنبثق منها رياحين المحبّة والذكر لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته عليهم السلام. وتجلس في هذه المآتم لتسمع الخبر التوجيهي الثوري والداعي للإصلاح والتغيير.

فبعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) انقرضت تلك الحالة المعنوية تماماً وتنافس المتنافسون لغير الله بل للمصالح الخاصّة فكان الإمام الحسين (عليه السلام) سيِّد الثوّار الذي جدّد فينا بثورته العملاقة روح التضحية والفداء وجعل فينا روح التفاني والإيثار والشجاعة وعلّمنا بدروسه الأخلاقية الفكر الإنساني والإسلامي وحبّ الولاية والولاء للرسول ولآل الرسول (عليهم السلام) وعلّمنا كيف نحرص على ديننا لأجل الله سبحانه وتعالى ولأجل آل محمّد (صلّى الله عليه وآله).

فهذه المآتم الحسينية طرحت روح الثورة وأبعاد وحقائق وغايات الانقلاب الفكري العظيم الذي حدث في شبه الجزيرة العربية آنذاك وأخذت بصداها المشعّ تبعث فينا النصر ويكون الإمام الحسين مصداقاً للقرآن العظيم الذي قال في الحسين (عليه السلام) : ﴿ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءُ عند ربّهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألاَّ خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وانّ الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾ ([2]) .

وهو الإمام الثائر وهو القائد والإمام الذي ضحّى في سبيل الله والإسلام بحياته وكلّ أفراد عائلته وجميع ما يملك تاركاً الاعتبارات الزائلة والتي تذهب بالناس إلى الهلاك، وقدّم الإمام الثائر نفسه لأجل الحقيقة والأهداف الربّانية بثقة وإيمان وهدوء ليكمل دين جدّه المقدّس ويوضّح مناهج الإسلام الصحيح وينقذ الاُمّة من عوالق المنحرفين الذين تاجروا بالحقّ ليروُجوا به الباطل، فقد كانت رسالة النبي (صلّى الله عليه وآله) في وضع تصميم ثابت للإسلام وتنفيذ أحكامه لذا ظهرت مسؤولية الإمام الثائر (عليه السلام) وقراره الأخير هو القيام بتعديل أو إصلاح خطّ الإسلام وفضح المتآمرين عليه وإخراجهم من دائرة الإسلام وإعادة ثورة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ولهذا تتصفّح عدّة أقوال صادرة من الرسول (صلّى الله عليه وآله) في الحسين تبيّن كونه هو الإمام العظيم الذي وجبت علينا طاعته وتذكر عنه قائلاً:

1 ـ (حسين منّي وأنا من حسين).

2 ـ (الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا).

3 ـ (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة).

4 ـ (الحسن والحسين سبطا هذه الاُمّة).

5 ـ (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)([3]) .

وكان الرسول العظيم حكى لنا الكثير عن حبّ الإمام الحسين وعنه قائلاً: (من سرّه أن ينظر إلى سيِّد شباب أهل الجنّة فلينظر إلى الحسن وأمّا الحسن فإنّه منّي أمره أمري وقوله قولي فمن تبعه فإنّه منّي ومن عصاه فليس منّي والحسن والحسين ابناي من أحبّهما أحبّني ومن أحبّني أحبّه الله ومن أحبّه الله أدخله الجنّة ومن أبغضهما أبغضني ومن أبغضني أبغض الله أدخله النار).

ونرى من خلال الوقوف وراء هذه الأحاديث أنّ الله سبحانه وتعالى يحبّ الحسين والرسول يحبّ الحسين ومن الواجب إظهار هذا الحبّ من خلال تأسيس مآتم نذكر فيها ما يريده الله تعالى والرسول وأهل البيت (عليهم السلام) وفي مرّ الدهور لا توجد مصيبة أشدّ من كلّ مصيبة مرّت على الأنبياء والأولياء والأوصياء مثل مصيبة سيِّد الأحرار وأبي الثوّار الإمام الثائر هو وعائلته وأصحابه المتجبين.

ولذلك تأسّست هذه المآتم وبالتأكيد نتج من خلالها روح الثورات التي قام بها الرسول العظيم من خلال الثورة العارمة التي قام بها سيِّد الأحرار، وبواسطة هذه المآتم وديمومتها تشرق تلك الثورة بروحية جديدة تنبعث كل عام.

ومنذ استشهاده (عليه السلام) حتّى يومنا هذا استطاعت تلك الثورة أن تعبّر عن مفاهيمها وحقائقها الإلهية، وأن تفتتح أوسع المجالات لأهداف كبيرة جدّاً، علماً أنّها اجتاحت حكومة كلّ سلطان جائر آنذاك واجتاحت الحكومات التي أتت بعدها والتي هي ورثت نفس إنحرافها فلابدّ أن تكون ثورة الإمام الحسين ثورة يتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل لتجديد حركة الرسالة المحمّدية، ويكون هدفها هو الهدف والعامل الذي كانت تندمج من خلاله أحاديث وتوجيهات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) الحاثّة على إقامة المآتم.

روى الشيخ يوسف بن حاتم ـ تلميذ المحقّق الحلّي ـ عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال:

(لما أردت الخروج من المدينة إلى خراسان جمعت عيالي وأمرتهم بالندبة عليَّ، حتّى أسمع بكاءهم ثمّ قسّمت بينهم اثنى عشر ألف دينار وقلت لهم: إنّي لا أعود إلى أهل بيتي أبداً). ([4])

علماً أنّ هذا الحدث حدث في منى لإظهار مظلوميّتهم بين عموم المسلمين والواضح من هذا هو تاسيس نائحات يندبن الإمام الرضا (عليه السلام) .

وفي زيارته المأثورة : (السلام على من أمر أهله بالنياحة عليه قبل وصول المنية إليه إلى آخر الزيارة).

وفي التهذيب للطوسي، عن يونس بن يعقوب عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال لي أبوجعفر: (أوقف لي من مالي كذا وكذا لنوادب يندبنّي عشرة سنين بمنى أيّام منى).([5])

وهنا نرى رأي أحد العلماء البارزين من أهل العلم والمعرفة الذي استشهد على أقذر أيادي شرار خلق الله (الشهيد المظلوم آية الله السيّد حسن الشيرازي قدس سره):

(ومن هذا الحديث يستكشف بأنّ هدف الإمام من المأتم ـ الذي أوصى بإقامته في منى عشرة سنين ـ لم يكن مجرّد ذرف الدموع بمقدار ما كان امتداد لرسالته وإلاّ لم يكن مبرّر لتخصيصه المكان بمنى ولكان الأسهل أن يوصي بنوادب يندبنّه في مكّة أو في المدينة. وإنّما أراد امتداد رسالته فأوصى بنوادب يندبنّه في المواسم حين يجتمع الناس من كل فجٍّ عميق ليشهدوا منافع لهم وفي أيّام العيد حيث يكون الناس مبتهجين بإتمام الحجّ ليكون البكاء متنافراً مع طبيعة الموقف وطبيعة تلك الأيّام وطبيعة الناس وفي ذلك الموقف فيكون أبعث على التساؤلات سبب سماع الندب والقصّ عند رجوعهم من منى وتفرّقهم في بلادهم وبذلك يكون الإمام قد أعاد إلى الأذهان ذكرياته وظلاماته وحملا الحجاج على نشرها في مختلف البلاد عن طريق لا يمكن السلطات مكافحته وصدّه). ([6])

 

عن دعبل الخزاعي قال:

دخلت علي سيّدي ومولاي علي بن موسى الرضا في أيّام عشر المحرم فرأيته جالساً جلسة الحزين الكئيب وأصحابه من حوله فلمّا رآني مقبلاً قال لي: مرحباً بك يا دعبل مرحباً بناصرنا بيده ولسانه ، ثمّ إنّه وسَّع لي في مجلسه وأجلسني إلى جنبه.

ثمّ قال لي: يا دعبل اُحبّ أن تنشدني شعراً، فإنّ هذه الأيّام أيّام حزن كانت علينا أهل البيت ، وأيّام سرور كانت على أعدائنا خصوصاً بني اُميّة ، يا دعبل من ذرفت عيناه على مصابنا ولو واحداً كان أجره على الله ، يا دعبل من ذرفت عيناه على مصابنا وبكى على مصاب جدّي الحسين غفر الله له ذنوبه البتة.

ثمّ إنّه نهض وضرب ستراً بيننا وبين حرمه وأجلس أهل بيته من وراء الستر ليبكوا على مصاب جدّهم الحسين.

ثمّ التفت إلي وقال : (يا دعبل إرثِ الحسين فأنت ناصرنا ومادحنا ما دمت حيّاً فلا تقصّر في نصرتنا ما استطعت).

قال دعبل: فاستعبرت وسالت عبرتي وأنشأت أقول:



أفاطم لو خلت الحسين مجدّلاً

 

وقد مات عطشاناً بشطِ فرات



إذن للطمت الخدّ فاطم عنده

 

وأجريت دمع العين في الوجنات ([7])

 
و في منتخب الطريحي: (.. واقبل الناس إلى عبدالله بن جعفر الطيّار يعزّونه فأقبل جلساؤه وقال: الحمد لله لقد عزَّ علي المصاب بمصرع الحسين أن لا أكون آسيته بنفسي فلقد آساه ولداي.([8])

ولهذا أنقل إليك المآتم التي كانت قبل شهادته. روي في بحار الأنوار ([9]) والمنتخب للطريحي ([10]) والخصائص ([11])كان آدم (عليه السلام ) في كربلاء لما كان يطوف في الأرض فعند وصوله إلى مقتل الحسين (عليه السلام) عثر برجله فوقع وسال الدم من رجله فرفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي هل حدث ذنب آخر فعاقبتني؟ فأوحى إليه: لا ولكن يقتل في الأرض ولدك الحسين ظلماً فسال دمك موافقة لدمه فقال: من القاتل له؟ فأوحى إليه الله : انّه يزيد فالعنه فلعنه أربعاً ومشي خطوات إلى جبل عرفات.

وروي في بحار الأنوار ([12]) وفي الخصائص ([13]) والمنتخب للطريحي ([14]) جاء : سفينة نوح (عليه السلام) لمّا وصلت فوق أرض قتل الحسين (عليه السلام) ومحل طوفان السفينة لأهل البيت أخذتها الأرض فخاف نوح الغرق فقال: إلهي طفت الدنيا وما أصابني فزع مثل ما أصابني في هذه الأرض فنزل جبرئيل (عليه السلام) بقضية الحسين (عليه السلام) وقال : يقتل في هذا الموضع فبكى نوح وأصحاب السفينة ولعنوا قاتله ومضوا.

وروي في البحار ([15]) والخصائص جاء فيه:

حيث التقى موسى مع الخضر فحدثه عن آل محمد (صلّى الله عليه وآله) وعن بلائهم. حتّى إذا بلغ إلى حديث الحسين (عليه السلام) علت أصواتهما بالبكاء على ما جاء في الرواية.

وروي في البحار ([16]) والمنتخب الطريحي ([17]) والعوالم ([18]) جاء عن بساط سليمان وجنوده من الجنّ والإنس والطير وذلك أنّه لمّا كان عن البساط في الهواء وصار محاذياً للمقتل أدارت الريح البساط ثلاث مرّات وانحطت على الأرض فعاتب الريح فأخذت الريح ترثي وتقول: يا نبي الله إنّ في هذا المكان مقتل الحسين (عليه السلام) إلى آخر الحديث.

جاء في البحار ([19]): شاطئ حزران لإبراهيم (عليه السلام) حيث أُري ملكوت السماوات والأرض ورأى شبح الحسين (عليه السلام) فبكى عليه قال : يا إبراهيم فإنّ طائفة تزعم أنّها من اُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) ستقتل الحسين ابنه من بعده ظلماً وعدواناً كما يذبح الكبش ويستوجبون بذلك سخطي فجزع إبراهيم (عليه السلام) بذلك وتوجّع قلبه وأقبل يبكي فأوحى الله عزوجل : يا إبراهيم قد فديت جزعك على ابنك إسماعيل لو ذبحته بيدك يجزعك على الحسين (عليه السلام) وقتله وأوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب لذلك قوله سبحانه وتعالى : {وفديناه بذبحٍ عظيم}.

وروي في البحار رواه المجلسي ([20]) ، أن إسماعيل (عليه السلام) كان في شريعة الفرات وذلك أنّ أغنامه كانت ترعى بشاطئ الفرات فأخبره الراعي أنّها لا تشرب الماء منذ أيّام فسأل ربّه عن ذلك فأوحى إليه: سل غنمك فسألها: لِمَ لا تشربين من هذا الماء؟ فقالت بلسان فصيح: قد بلغنا أنّ ولدك الحسين سبط محمّد (صلّى الله عليه وآله) يقتل هنا عطشاناً فنحن لا نشرب من هذه المشرعة حزناً عليه.

وروي في بحار الأنوار ([21]) معاني الأخبار ([22]) عن الإمام الرضا (عليه السلام) كان إبراهيم (عليه السلام) بكى على الإمام الحسين (عليه السلام) حيث فدا ولده بالكبش ؛ لما أمر الله عزّوجلّ إبراهيم (عليه السلام) أن يذبح مكان ابنه إسماعيل (عليه السلام) الكبش الذي أنزله عليه تمنّى إبراهيم (عليه السلام) أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل (عليه السلام) بيده وانّه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعز ولده عليه بيده فيستحقّ بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب فأوحى الله عزّوجلّ إليه: يا إبراهيم من أحبّ خلقي إليك؟ فقال: يا ربّ ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليَّ من حبيبك محمّد (صلّى الله عليه وآله) فأوحى الله إليه: أفهو أحبّ إليك أم نفسك؟ قال: بل هو أحبّ إليَّ من نفسي ، قال: فولده أحبّ إليك أم ولدك؟

قال : بل ولده، قال: فذبح ولده ظلماً على أيدي أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي؟ قال: يا ربّ بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي.

وروي في البحار ([23]) :

عن الحجّة القائم عجّل الله فرجه قال: إنّ زكريا إذا ذكر محمّداً وعلياً وفاطمة والحسن (عليهم السلام) سُرِّي عنه همّه وانجلى كربه وإذا ذكر اسم الحسين خنقته العبرة ووقعت عليه البهرة. فقال (عليه السلام) ذات يوم: إلهي مالي إذا ذكرت أربعة منهم تسلّيت بأسمائهم من همومي وإذا ذكرت الحسين (عليه السلام) تدمع عيني وتثور زفرتي؟ فأنبأه الله تعالى عن قصّته فقال {كهيعص}: فالكاف اسم كربلاء والهاء هلاك العترة الطاهرة والياء يزيد ـ لعنه الله ـ وهو ظالم الحسين (عليه السلام) والعين عطشه والصاد صبره. فلمّا سمع ذلك زكريا لم يفارق مسجده ثلاثة أيّام ومنع فيهنّ الناس من الدخول عليه وأقبل على البكاء والنحيب وكان رثاؤه إلهي أتفجع خير جميع خلقك بولده ؟إلهي أتُنزل بلوى هذه الرزية بفنائه؟ إلهي أتلبس علياً وفاطمة ثياب هذه المصيبة؟ إلهي أتحلّ كربة هذه المصيبة بساحتها؟ ثمّ كان يقول: اللّهم ارزقني ولداً تقرّ به عيني على الكبر فإذا رزقتنيه فأفتنّي بحبّه ثمّ افجعني به كما تفجع محمّداً (صلّى الله عليه وآله) حبيبك بولده فرزقه الله يحيى (عليه السلام) وفجعه به وكان حمل يحيى ستة أشهر وحمل الحسين (عليه السلام) كذلك.

وروي في الإرشاد للشيخ المفيد ([24]) وفي البحار ([25]) جاء أنّ رسول الله محمّد (صلّى الله عليه وآله) في كربلاء قال عليه وآله السلام: أُسري بي إلى موضع يقال له كربلاء ورأيت فيه مصرح الحسين وأصحابه فعقد هناك مجلساً لعزائه.

وروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال : مرَّ علي (عليه السلام) بكربلاء في اثنين من أصحابه فلمّا مرَّ بها ترقرقت عيناه للبكاء ثمّ قال: هاهنا ـ والله ـ مناخ ركابهم . هاهنا ملقى رحالهم وهاهنا تهراق دماؤهم. طوبى لك من تربة عليك تهراق دماء الأحبة ([26]) .

 

وفي مناقب أبي مخنف:

لمّا دخلت النسوة دار يزيد لم يبق من آل معاوية و لا آل أبي سفيان أحد إلاّ استقبلهنّ بالبكاء والصراخ والنياحة على الحسين وألقيت ما عليهنّ من الثياب والحلي وأقمن المآتم عليه ثلاثة أيّام أراد الله أن تشاء مثل هذه المآتم في ديار الظلمة ويذكر فيها مظلوميّة الإمام الثائر وأهل بيته (عليهم السلام).

وفي جلاء العيون عن السيِّد ابن طاووس : ... ولمّا رجعت نساء الحسين وعياله من الشام وبلغوا إلى العراق قالوا للدليل مرّ بنا على طريق كربلاء فوصلوا إلى موضع المصرع فوجدوا جابر بن عبدالله الأنصاري وجماعة من بني هاشم ورجالاً من آل رسول الله وقد وردوا لزيارة قبر الحسين (عليه السلام) توافق لقائهم في وقت واحد وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد واجتمع إليهم النساء وأقاموا على ذلك أيّاماً.

وفي جلاء العيون أيضاً جاء إلينا عن زرارة قال: أوصى أبو جعفر بثمانمائة درهم لمأتمه وكان يرى ذلك من السنّة لأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : (اتخذوا لآل جعفر طعاماً فقد شغلوا).

وفي مثير الأحزان : (... وأقامت اُمّ البنين زوجة أميرالمؤمنين العزاء على الإمام الحسين (عليه السلام) واجتمع عندها نساء بني هاشم يندبن الإمام الحسين وأهل بيته وبكت اُمّ سلمة وقالت : فعلوها ملأ الله قبورهم ناراً) ([27]) .

 

وفي تاريخ الطبري ([28]) والبداية لابن كثير واللهوف وأمالي الصدوق:

لمّا خطبت زينب (عليها السلام) في مجلس يزيد هزّت من في المجلس حتّى راح رجل يحدّث جليسه بالضلال الذي غمرهم، فلم يرَ يزيد مناصاً من أن يخرج الحرم من المجلس إلى خربة لاتكفهم من حرّ ولا برد فأقاموا فيها ينوحون على الحسين ثلاثة أيّام.

وفي البحار عن الكافي: (... أمّا الرباب فبكت على أبي عبدالله حتّى جفّت دموعها فأعلمتها بعض جواريها بأنّ السويق يسيل الدمعة فأمرت أن يصنع لها السويق لاستدرار الدموع).

وفي محاسن البرقي ـ باب الإطعام للمأتم ـ : (... لمّا رجعت نساء الحسين (عليه السلام) إلى المدينة .. أقمن حرائر الرسالة المآتم على سيّد الشهداء ولبسن المسوح والسواد نائحات الليل والنهار والإمام السجّاد يعمل لهنّ الطعام).

وروي الكليني عن الإمام الصادق قال: (لمّا قتل الإمام الحسين عليه السلام أقامت امرأته الكليبية عليه مأتماً وبكت النساء حتّى جفّت عيونهنّ من الدموع وذهبت فبينا هي كذلك إذ رأيت جارية من جواريها تبكي ودموعها تسيل فدعتها فقالت لها: ما لك أنت من بيننا تسيل دموعك. قالت : إنّي لمّا أصابني الجهد شربت شربة سويق، قال: فأمرت بالإطعام والأسوقة فأكلت وشربت وأطعمت وسقت؛ إنّما تريد بذلك أن تتقوّى على البكاء على الإمام الحسين).

وعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال للفضيل بن يسار : (أتجلسون وتتحدّثون؟) قال: نعم، فقال (عليه السلام) : (أمّا أنّي أحبّ تلك المجالس فأحيوا أمرنا فإنّ من جلس مجلساً يُحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب).

وعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: (رحم الله عبداً اجتمع مع آخر فتذاكروا في أمرنا فإنّ ثالثهما ملك يستغفر لهما واجتمع اثنان على ذكرنا إلاّ باهى الله بهما الملائكة فإذا اجتمعتم فاشتغلتم بالذكر فإنّ في اجتماعكم ومذاكرتكم إحياءنا وخير الناس بعدنا من ذاكر بأمرنا ودعا إلى ذكرنا) ([29]) .

وكذلك زينب (عليها السلام) لم تتحاش من أن ترفع صوتها بالنياحة على أخيها الحسين الشهيد في كلّ مناسبة ـ بين الأعداء ـ وفي يوم الحادي عشر من المحرّم بصورة مشهورة كما روى المفيد وابن طاووس : ... إنّ القوم لمّا مرّوا بالنسوة على مصارع قتلاهنّ صحن وضربن وجوههنّ. وقال الراوي: فوالله لا أنسى زينب بنت علي (عليهما السلام) وهي تندب الحسين وتنادي بصوت حزين وقلب كئيب (وامحمّداه) فأبكت كلّ عدوٍّ وصديق حتّى جرت دموع الخيل على حوافرها كما في المنتخب للطبري.

وفي الروايات أنّ سكينة ابنة الإمام اعتنقت جسد الحسين وجعلت تندبه فاجتمعت عدّة من الأعراب حتّى جرّوها عنه.

ويروى أنّ الإمام الحجة بن الحسن (عج) في زيارته الناحية قال : (فلمّا نظرن النساء إلى الجواد مخزياً والسرج معلوياً خرجن من الخدور ناشرات الشعور على الخدود لاطمات وبالعويل داعيات ...) إلى آخر الزيارة.

وفي مقتل الخوارزمي : (... ونادت اُمّ كلثوم : وامحمّداه ... واأبتاه).

وكذلك في مقتل أبي مخنف ([30]) أنشأت تقول:



كم تنصبون لنا الأقتاب عارية

 

كأنّنا من بنات الروم في البلد

 
ونرى أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان يسمع النوائح من الأُسر المفجوعة ليعزّيهنّ ويترحّم على أمواتهنّ وكان (صلّى الله عليه وآله) يبكي الإمام الحسين في حياته قبل شهادته، وكان يوصي بالبكاء والنياحة عليه.

وكان يبكي عمّه حمزة سيِّد الشهداء. وكذلك ناحت عمّته صفية وابنته فاطمة (عليهما السلام) وجرت عين رسول الله بالبكاء في وسط المعركة عندما استشهد عمّه حمزة (عليه السلام) ورأوا صحابة الرسول (صلّى الله عليه وآله) الحادث. وأنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) كانت تندب أباها ليلاً ونهاراً حتّى تضايق بها أهل المدينة فبعثوا إليها علياً (عليه السلام) ليقول لها: إما أن تبكي ليلاً وتسكت نهاراً، وإمّا أن تبكي نهاراً وتسكت ليلاً ([31]) .

ونستفيد من الأحاديث والروايات هذه وورودها في النساء أنه يوجد فيها إباحة ومحبوبيّة وأنه كان عند أهل البيت محبوباً. وعن الإمام الصادق قال عليه السلام في دعائه له: (اللهمّ ارحم تلك الصرخة التي كانت لنا).

وفي قاموس اللغة أنّ الصرخة هي الصيحة الشديدة، فهي شاملة للنساء كما تشمل الرجال.

وروى الصدوق في العيون : أنّ دعبل بن علي الخزاعي لمّا أنشد الرضا (عليه السلام) تائيته المشهورة وقال:



أفاطم لو خلت الحسين مجدّلاً

 

وقد مات عطشاناً بشطِ فرات



إذن للطمت الخدّ فاطمه عنده

 

وأجريت دمع العين في الوجناتِ

 
يقول : لطمت النساء وعلا الصراخ من وراء الستر، وبكى الرضا بكاءً شديداً حتّى اُغمي عليه مرّتين.

وروي في الكامل عن أبي هارون المكفوف قال:

أمرر على جدث الحسين

وقل لأعظمه الزكيه

ثمّ قلت :



يا مريم قومي واندبي مولاك

 

وعلى الحسين فاعولي بباكِ

 
 

وفي كامل الزيارات ([32])، عن عبدالله بن غالب قال: دخلت على أبي عبدالله فأنشدته مرثية الحسين بن علي فلمّا انتهيت إلى هذا:

فيا ليليه يكسو حسينا

بمسفاه الثرى عفر التراب

صِحن باكيات من وراء الستر (يا أبتاه).

تبين من هذه الأحاديث والروايات محبوبيّة هذه المآتم عامة وأنها تستحبّ في مجالس سيِّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام).

--------------------------------------------------------------------------------

([1] )نفس المهموم للشيخ عبّاس القمّي، ص122.

([2] ) آل عمران : 169 ـ 171.

([3] ) بحارالأنوار ، أهل البيت عليهم السلام.

([4] ) الشعائر الحسينية ، آية الله السيد حسن الشيرازي ، ص53.

([5] ) التهذيب للشيخ الطوسي ، ج6 ، ص71.

([6] )الشعائر الحسينية ، مصدر سابق.

([7]) الدر النضيد، ص 246.

([8] ) منتخب الطريحي ، ص48.

([9] ) ج 44 ص 243.

([10] ) ص 48.

([11] ) ص 191.

([12] ) ج13 ص301

([13] ) 192

([14] ) 48 و 49.

([15] ) ج 13 / 301.

([16] ) ج 44 ص 244.

([17] ) ص 50.

([18] ) ص 103.

([19] ) ج36 ص151.

([20] ) ج44 ص 243 ـ 244.

([21] ) ج11 ص 77.

([22] ) ص 21.

([23] ) ج44 ص 308.

([24] ) ج2 ص 130.

([25] ) ج44 ص 239.

([26] ) الأمالي للشيخ الصدوق ص 117 ، وبحارالأنوار ج44 ص255 ـ 256، وتاريخ ابن عساكر ج13 : ص77.

([27] ) مثير الأحزان ، ص119.

([28] ) تاريخ الطبري واللهوف وأمالي الصدوق ، ج1، ص322.

([29] ) أصول الكافي ، ج2، ص87.

([30] ) مقتل أبي مخنف ، ص 184.

([31] ) كامل الزيارات ، ص276.

([32] ) كامل الزيارات ، عن عبدالله بن غالب.
 

سخنرانی های مرتبط
پربازدیدترین
سخنرانی دوم گلپایگان مسجد حجت‌الاسلام ربیع‌الثانی 1395 گلپایگان مسجد حجت‌الاسلام ربیع‌الثانی 1395 سخنرانی دوم