عربي
Saturday 8th of August 2020
  159
  0
  0

والتحق بركب النهار

والتحق بركب النهار
للقاص الدكتور الشيخ عبد المجيد فرج الله


تصفّح ملامحهُ المتموّجة في طيّات الماء الأزرق ، وراحَ يمسحُ شاربيه بزهو كبير ، وهو يتذكّر رعيلاً من بطولات الأمس ، سطّرها على أحداق الأيام .
على طول قامته الممتدة بعيداً على وجه الماء ، كان يراقبُ انحناءات صورته التي سرعان ما بدت مهزوزةً مرتعشة ، وكأنّها أنفاس ضفادع آسنة في مستنقع مسموم .. وما بينَ شاربيه الطويلين ، وصدره المضطرب على صفحات المرآة الزرقاء ، كانت خيول الأمس تعبثُ بحوافرها القاسية ؛ تارةً تمرّغهما بوحل قديم ، وأُخرى تركل صدره المتكسّر ...
تنهّد بكبرياء .. ولملم رداءه بعصبيّة ..
ثمّ استدار راكباً جواده الأبيض قاصداً قلبَ الصحراء الممتدة إلى أجفان عيون الاُفق الغائم .
تلقّفتهُ الكثبانُ الرملية ، وهو غائر بفرسه بعيداً عن جنوده المبهورين بشجاعته وفروسيّته وقامته الطويلة الممتلئة وبريق عينيه السوداوين .
كانت الشمسُ الصغرى قد أشرفت على الغروب ، وفي كلّ لحظةٍ يستطيلُ ظلُّه على وجع الكثبان الرملية ...
توقّف حتى غابت ، وهو يتأمّل انكسارات ظلّه القاتمة ...
إنّه الظلام ، يتسلّلُ خلف عروق الشمس ، ليقتطع العالم عن نورها الجميل .. وغطَّ في تفكير عميق .
إنّه يواجه ظلامين ، ويفارق شمسين ، وليس إلاّ هذه الليلة .
ترى إلى أيّ مآل تصير الأُمور ؟
أحسّ بشاربيهِ يتآزران مع الظلامين القاسيين ، فيطوّقان عنقه الغليظة ، لعلَّه ينسى ضياءَ الشمس .
* * *
لم يستطع اعتقال الشمس ، فهي أسمى من أن تعتقل .. لكنّه حاصر العالم من حولها ، وهي تنطلق مشرقةً حانيةً في الأرجاء ، وبين فينةٍ وأُخرى تجودُ عليه بالتفاتةٍ نديّة ، تنبت مزيداً من العشب والعشق في روحه القائظة ..
هربت من رئتيه عشرات الزفرات ، لتأخذ لها حيّزاً بين اللُهاث المرّ ، فيما ظلّت ألسنة اللهب تستعر في ضلوعه العرجاء .
الشيء العجيبُ الذي أنهك تفكيره ، هو سرُّ خلود الشمس ..
وألفى نفسهُ منبهراً من ضحالة حلك الليل مهما ادلهمّ ، أمام الذاكرة المليئة بخيوط النهار ، مهما تثاقلت وتباطأت ساعات الظلام ..
تركّزت ألوان الصورة في روحه أكثر فأكثر ، متجسّمةً في شبح هزيل ميّت في كلّ ميلاد جديد له ، أمام نور متدفّق البهجة والحياة والعطاء على طول الزمن وعرضه .
أوجعه المشهدُ كثيراً ، وهو يرى حشرات الأرض ، تتجمّع بأعداد هائلة قبيحة ، لتحجب ضياء الشمس المنبعث من خلف نافذة الغروب ، وإلى آخر ساعة من العتمة ، ليلتحق ثانيةً بركب النهار ...
أذهلته المفاجأة وهو يرى نفسه خنفساء مقززة تدورُ حولها ألفُ ذبابةٍ ، هي مجموع فرقته البائسة .
لم تزل الشمس محتفظة بهدوئها وابتسامها الوديع ، فيما راح يتعالى لغطُ الحشرات الغبيّة في دائرة تافهة الصغر ، أمام النور العملاق .
أحسَّ باضطراب كبير يتفجّر هذه المرة من كلّ ذرة في روحه وجسمه ..
انتفض أخيراً ..
حطّم القالب الخنفسائيّ المقزز ، وانطلق إلى الخفّاش الكبير قائلاً :
ــ أمُقاتلٌ أنت هذه الشمس ؟
ــ نعم .. قتالاً أيسَـرُه أن تطيح فيه الرؤوس ، وتتقطّع فيه الأيدي .
ارتعشَ جسمه خاشعاً ، وهو يحدّق بالضوء الباسم .
اقتربت منه حشرة تافهة ، أذهلها العجب من ارتعاشه وهو البطلُ المغوار ، فسألته بتلكّؤ :
ـــ أهـو الجبن يا سيدي ؟ ..
التفت إليها باحتقار ، وقال بغضب :
ــ ويلك ، إنّي أُخيّر نفسي ما بين النور والظلمة ، ما بين الجنة النار .. ويحك كأنّني أرى الجنة ومن ينعّم بها ، وأرى النار ومن يعذّبُ بها ، والله لا أختار عن الجنة بدلاً ...
ثمّ انطلق بفرسه يريد الجانب الآخر من الحياة .
* * *
في محراب الضراعة والتوبة ، انحنى نادماً باكياً معتذراً من غفلته المهزومة ، حينما ظنّ أنّ بإمكانه أن يحاصر الشمس ...
لمسته أشعة دافئة منها .. فنهض مستأذناً ليقاتل على ضوئها هذه الحشرات الغبيّة ، التي لا تستحقُ العيش في النهار ..
استطاع أن يسحق منها أعداداً كثيرة جداً ، لكنّ أعداداً أُخرى استطاعت أن تمزّق جسده بأسنانها السّامّة .
التفت إلى نور الشمس مسلّماً .. فأرسل إليه أشعةً دافئةً حانية ومنحه جناحين ، ليطيرَ بهما في سماء الحرية ، وهو يهمسُ في قلبه :
أنتَ كما سمّتك أُمّك .. حرٌّ في الدنيا وسعيدٌ في الآخرة .

  159
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

    زيارة الإمام الحسين (علیه السلام) في الشعر العربي
    إلى أبي تراب
    شعر حول الغدیر
    حرم الحجاج
    رسـول حسين ونعم الرسول
    نور العباس تشعشع وبان(شعر)
    هوسات فی حق قائد معسکر کربلا قمرالعشیره ابو الفضل ...
    كربلا لا زلت كربا وبلا
    عمر قصير يستفيض قداسة
    الشاعر الخطيب الشيخ محمد باقر الايرواني: في مدح السيدة ...

 
user comment