عربي
Monday 26th of September 2022
0
نفر 0

الصحابة و التشيع

الصحابة و التشيع

اتّضح بما ذكرنا أنّ التشيّع ظهر منذ عهد الرسالة ، و أنّ هناك الكثير من الصحابة الذين كانوا على وفاق مع الإمام علي (عليه السلام) في الرأي و المنهج فهم كانوا موجودين في عهد الرسالة .
و لقد جاء علماء الشيعة و منهم الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء بأسماء الشيعة من الصحابة ، و ذكر أنّه قد جمع من كتب تراجم الصحابة كالإصابة و أسد الغابة و الاستيعاب و نظائرها زهاء ثلاثمائة رجل من عظماء رجال النبي كلّهم من شيعة علي ( عليه السلام ) ، و منهم سلمان الفارسي و أبو ذر الغفاري و عمار بن ياسر و المقداد و أبو أيوب الأنصاري و الفضل بن العباس و أخيه الحبر عبد الله و خزيمة ذي الشهادتين و غيرهم كثير (1) .

 
و إليك ترجمة حياة بعض أركان الشيعة من الصحابة
سلمان الفارسي

توفّي بالمدائن سنة 35 أو 36 ، و من ألقابه سلمان الخير ، و سلمان المحمّدي ، و سلمان ابن الإسلام ، و عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) عند ما ذكر عنده سلمان الفارسي فقال ( عليه السلام ) : " مهلاً ، لا تقولوا سلمان الفارسي ، و لكن قولوا سلمان المحمّدي ذلك رجل منّا أهل البيت " .
و هو من المعمّرين ، ففي تهذيب التهذيب عن العباس بن زياد : أهل العلم يقولون عاش سلمان 350 سنة فأمّا 250 فلا يشكّون فيه ، و كان أدرك وصي عيسى بن مريم (عليه السلام) فيما قيل .
و في الاستيعاب اشتراه رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) من اليهود بكذا و كذا درهماً ، و على أن يغرس لهم كذا و كذا من النخيل يعمل فيه سلمان حتّى تدرك ، فغرس رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) النخل كله إلا نخلة واحدة غرسها عمر فأطعم النخل كلّه إلا تلك النخلة فقال رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) : من غرسها فقالوا : عمر ، فقلعها رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) و غرسها فأطعمت من عامها .
و أوّل مشاهده مع رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) الخندق ولم يتخلّف عن مشهد بعده .
و في الاستيعاب له أخبار حسان و فضائل جمّة ذكر معمر عن رجل من أصحابه : دخل قوم على سلمان و هو أمير على المدائن ، و هو يعمل الخوص فقيل له : تعمل هذا و أنت أمير يجري عليك الرزق ، فقال : إنّي أحب أن آكل من عمل يدي .
و عن عائشة قالت كان لسلمان مجلس من رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) ينفرد به الليل حتّى كاد يغلبنا على رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) .
و روي من حديث ابن بريدة عن أبيه عن النبي أنّه قال : أمرني ربي بحب أربعة ، و أخبرني أنّه سبحانه يحبّهم علي و أبو ذر و المقداد و سلمان . و غيرها كثير .
فمن هنا اتّضح أنّ تشيّع سلمان ليس قائماً على الأحداث السياسية و الثورات الاجتماعية أو الأسباب المادّية (2) .

 
أبوذر الغفاري

كان من غفار القبيلة المتحكّمة في طريق قوافل قريش إلى الشام ، و يعدّ أحد أركان الشيعة ، و يتميّز بطابع خاص .
و قد جهر بإسلامه في مكّة ، و تعرّض للضرب فيها ، ولم يشفع له إلا لكونه من قبيلة غفار . رسخت هذه الحادثة في ذهنه ، و أدرك منذ ذلك الوقت أنّ معارضة قريش لدعوة النبي ( صلى الله عليه و آله ) إنّما كانت لخوفهم من زوال المال . و كان يعلم أنّه دين الضعفاء ، و منقذ المستضعفين من سيطرة التجّار القريشيين ، و لذلك عارض سياسية عثمان ؛ لأنّه جعل يتصرّف في أموال المسلمين تصرفاً قصد به خلق طبقة من الأغنياء صارت فيما بعد السبب في الثورة على الخليفة (3) .
و كان من تشيّعه و قربه لعلي أنّه امتنع عن بيعة أبي بكر في بداية الصراع على الخلافة ، و أنّ علياً خرج لوداعه حين نفاه عثمان إلى الربذة ، و أمر أن لا يوادعه أحد ، و أن يصحبه ولداه الحسن و الحسين ، و أخوه عقيل ، و ابن أخيه عبد الله بن جعفر . و كان سبب نفيه هو اندهاشه لتفسير معاوية للآية ﴿ ... وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ (4) بأنهّا نزلت في أهل الكتاب ، فاعترض أبو ذر بأنّها نزلت فينا و فيهم ، و بذلك يرى أبو ذر أنّ معاوية قد أوّل القرآن على هواه ، فشعر كحارس للمُثُل الإسلامية أنّ واجبه يدعوه إلى إيضاح الحقيقة للناس ففعل و حقّت عليه كلمة النفي و التشريد ، و قد قبلها أبو ذر راضياً ، و صدق رسوله الكريم إذ أخبره أنّ عيشه سيكون فريداً في آخر عمره ، و أنّ موته فريداً بفلاة من الأرض ، و حضور عصابة على جنازته (5) .

 
عمّار بن ياسر

هو ركن آخر من أركان التشيّع ، و كان قمّة في الثبات على ما يراه حقاً ، و الاندفاع إلى أقصى غايات الاندفاع ، و تضحية النفس ـ إذا اقتضى الأمرـ في سبيل المبدأ . و كان ممن يعذّب في الله ، و يقال : إنّه أوّل من اتّخذ مسجداً في بيته يتعبّد فيه (6) . و عاد إليه الأذى في عهد عثمان ؛ لأنّه عارض سياسته في الإنعام على الأمويين من أعداء الإسلام الذين لقي هو و أهله منهم ما لاقوه ، و دخل الإسلام ليستظلّ به من عبوديته لهم في الجاهلية .
فقد أقرّ له النبي ( صلى الله عليه و آله ) الحق طول حياته و جعل خصومه الفئة الباغية ، ذكر ابن كثير نقلاً عن الترمذي أنّ رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) قال لعمّار : " ويحك يا عمّار تقتلك الفئة الباغية " . و روى أيضاً أنّ رسول الله قال لخالد بن الوليد : " لا تؤذّ عمّاراً فإنّه من يبغض عمّاراً يبغضه الله و من يعاد عمّاراً يعاده الله " (7) .
يستفاد من هذا الكلام أنّ رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) أراد أنّ يقرّ أنّ عمّار ابن ياسر و أشباهه لا مصلحة لهم في الإسلام إلا بقائه على ما كان يريده الله و رسوله الكريم . و قد صار عمّار و أشباهه من العبيد السابقين و المستضعفين عظماء في الإسلام . و هو مع علي أقرب الناس إلى مُثُل الإسلام الصحيحة .
قال عمّار يوم بيعة أبي بكر : " يا معشر قريش و يا معشر المسلمين إنّ أهل نبيّكم أولى به ، فقد علمتم أنّ بني هاشم أولى بهذا الأمر منكم ، و علي أقرب إلى نبيكم ، و هو من بينكم وليكم بعهد الله و رسوله " .

 
و من أقواله المشهورة أيام صفين
سيروا إلى الأحزاب أعداء النبي           سيروا فخير الناس أتبــاع علي (8)

و بدى تشيّع عمّار واضحاً على لسان قاتله معاوية الطليق ابن الطليق من بين طلقاء مكّة ، لمناسبة قتل مالك الأشتر : " لقد كان لعلي يمينان فقطعت إحداهما بصفّين يعني عمّار بن ياسر ، و قطعت الأخرى اليوم يعني الأشتر " (9) .
انتهت حياته في صفّين فتذكّر قبل وفاته قول النبي بأنّه ستقتله الفئة الباغية ، فعزم أن يضحّي بنفسه في صفّين ليدعم مركز علي بن أبي طالب قدوته و رئيسه ، على أمل أن ينتبه الناس إلى حقّ علي .
هؤلاء كلّهم يمثّلون طائفة ممن جعلت علياً هادياً لها ، و مرشداً و مرجعاً بعد النبي ، و كانت تنظر إليه أيام النبي على أنّه المرشح الوحيد لتولّي المنصب ؛ لقرابته القريبة و علومه الوافرة و ارتباطه بالمستضعفين الذين كان الإسلام درعاً و حامياً لهم من بطش قريش ، و كان مكانهم مع علي لأنّه يمثّل امتداد شخصية النبي ، ثّم إنّ علياً فقير مثلهم .
و غيرهم كثيرون ، فلا غرابة في أن يروي ابن كثير في بدايته أنّه كان في جيش عليّ ثمانون بدرياً و مائة و خمسون ممن بايع تحت الشجرة (10) .
و عليه يتّضح أنّ حركة التشيّع إنّما هي حركة المحافظة على الإسلام ، و مراقبة تطبيقه على الوجه الصحيح ، و أنّ أكثر الذين تمسّكوا بالتشيّع هم أصحاب المصلحة في بقاء الإسلام على ما أراده الله و رسوله ، و كانوا من المستضعفين و العبيد الغرباء الذين لا مصلحة لهم إلا أن يبقى الإسلام كما هو ، و يضاف إلى هؤلاء الأنصار الذين تبنّوا سياسة النبي في خلق مركز تجمّع و قوّة ينافس مركز مكّة القرشية ، و كانوا من أنصار علي إيماناً بالإسلام و إتباعاً لوصايا النبي ( صلى الله عليه و آله ) (11) .
____________________
1. محمّد الحسين آل كاشف الغطاء ، أصل الشيعة وأصولها : 143 .
2. ابن هشام ، السيرة النبوية ، في حديث إسلام سلمان 1 : 251ـ258 .
3. على سامي النشار ، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ، دار المعارف : 3 / 90 .
4. القران الكريم: سورة التوبة (9)، الآية: 34، الصفحة: 192.
5. يوسف السيد هاشم الرفاعي ، أدلة أهل السنة و الجماعة ، الكويت ، الطبعة الأولى ، 1984 : 44 . انظر أيضاً علي سامي النشار ، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام : 3 / 90 .
6. أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي ، البداية و النهاية ، دار الفكر ، بيروت : 5 / 418 .
7. ابن كثير ، البداية و النهاية : 5 / 418 . أيضاً ابن الأثير ، الكامل في التاريخ : 3 / 157 .
8. محمّد جواد مغنية ، الشيعة في الميزان : 100 .
9. ابن الأثير ، الكامل في التاريخ : 3 / 178 .
10. ابن كثير ، البداية و النهاية : 5 / 353 .

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

زياد ابن أبيه.. أحد رمـــوز الإرهاب الأموي
تأملات وعبر من حياة نبي الله لوط (ع)
وقفة مع البخاري في صحيحه
الاسرة الصفارية و التشيع .
أنَّ الذي تصدى لدفن الحسين (ع) ومن كان معه من ...
الشيخ محمد الفيض القمي
هل كان ابو علي بن سينا شيعي المذهب؟
الخطابية
زيارة الاربعين أي اليوم العشرين من صفر
دور السيدة زينب (ع) في النهضة الفكرية

 
user comment