عربي
Tuesday 19th of January 2021
320
0
0%

الدور المنتظر للسيدة زينب

الدور المنتظر للسيدة زينب
 

قضية كربلاء بأحداثها المروعة لم تكن مفاجئة للسيدة زينب ، ودورها في تلك الواقعة لم يكن عفوياً ولا من وحي الصدفة . فقد كانت مهيأة نفسياً وذهنياً لتلك الواقعة ، وكانت تعلم منذ طفولتها الباكرة بأن تلك الحادثة ستقع وأنها ستلعب فيها دوراً رئيسياً بارزاً .
صحيح أن أحداث كربلاء قبل وقوعها كانت في رحم الغيب ولا يعلم الغيب الا الله ، ولكن من الصحيح أيضاً أن الله ( تعالى ) قد كشف لنبيه الأعظم أستار الغيب ، وأظهره عليه ، يقول تعالى : (إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) (1) .
وثابت عند المسلمين أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد أخبر أصحابه بالعديد من المغيبات ، وأنبأهم بأنها ستقع ، وأدركوا وقوعها بالفعل ، وذلك مما لا نقاش في ثبوته بين المسلمين .
ومن المغيبات التي تحدث عنها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) واقعة كربلاء كما أشارت الى ذلك العديد من المصادر الموثوقة عند المسلمين من كتب الحديث .
وأهل البيت المعنيون بتلك الواقعة كانوا في طليعة من أحاطهم الرسول بها علماً كما تؤكد ذلك مختلف المصادر الحديثية والتاريخية .
فطبيعي إذاً أن تكون السيدة زينب في أجواء تلك النبوءة ، وعلى معرفة بالخطوط العامة للحادثة ، بل وببعض تفاصيلها وجزئياتها .
وقد صرحت العقيلة زينب بمعرفتها المسبقة بواقعة كربلاء في الحديث الذي نقله الشيخ الأقدم أبو القاسم جعفر بن محمد بن جعفر بن موسى بن قولوية القمي ( المتوفى سنة : 367 هـ أو 368 هـ ) في كتابه ( كامل الزيارة ) وهو كتاب اعتمد كبار العلماء على رواياته وأسانيده .
والحديث مروي بسند متصل الى الإمام زين العابدين علي بن الحسين ( عليهما السلام ) قال :
« إنه لما أصابنا بالطف ما أصابنا ، وقتل أبي ( عليه السلام ) ، وقتل من كان معه من ولده واخوته وساير أهله ، وحملت حرمه ونساؤه على الأقتاب يراد بنا الكوفة ، فجعلت أنظر اليهم صرعى ، ولم يواروا ، فيعظم ذلك في صدري ، ويشتد لما ارى منهم قلقي ، فكادت نفسي تخرج ، وتبينت ذلك مني عمتي زينب بنت علي الكبرى ، فقالت : ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي واخوتي ؟ .
فقلت : وكيف لا أجزع ولا أهلع ، وقد ارى سيدي وأخوتي وعمومتي ، وولد عمي وأهلي مضرجين بدمائهم مرملين بالعراء ، مسلبين لا يكفنون ولا يوارون ، ولا يعرج عليهم أحد ، ولا يقربهم بشر ، وكأنهم أهل بيت من الديلم والخزر ؟ .
فقالت : لا يجزعنك ما ترى : فوالله ان ذلك لعهد من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الى جدك وابيك وعمك . . ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض ، وهم معرفون في أهل السماوات ، إنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها ، وهذه الجسوم المضرجة ، وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء ، لا يدرس أثره ، ولا يصفو رسمه ، على كرور الليالي والأيام ، وليجتهدن أئمة الكفر ، أشياع الضلالة ، في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره الا ظهوراً ، وأمره الا علواً .
فقلت : وما هذا العهد وما هذا الخبر ؟ .
فقالت : حدثتني أم أيمن ـ مولاة رسول الله ـ أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) زار منزل فاطمة في يوم من الأيام . وتستمر السيدة زينب في حديثها الطويل لابن أخيها زين العابدين نقلاً عن أم أيمن وهي تعدد ما يجري على أهل البيت من حوادث بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) حسب ما أخبر به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومن بين تلك الحوادث واقعة كربلاء .
ثم تعقب السيدة زينب على ما نقلته عن أم أيمن بقولها :
« فلما ضرب ابن ملجم ( لعنه الله ) أبي ( عليه السلام ) ورأيت أثر الموت منه .
قلت : يا أبة حدثتني أم أيمن بكذا وكذا ، وقد أحببت أن أسمعه منك .
فقال : يا بنية الحديث كما حدثتك أم أيمن وكأني بك وببنات أهلك سبايا بهذا البلد ـ أي الكوفة ـ اذلاء خاشعين » (2) .

المبادرة والاختيار

قد يجد الأنسان نفسه في معمعة معركة لم يكن مختاراً للدخول فيها ، وقد يصبح متورطاً في مشكلة فرضت عليه دون قصد منه . ويحصل هذا غالباً بالنسبة للمرأة فبحكم تبعيتها للرجل أباً كان أو زوجاً أو ولداً ، قد تجد نفسها محشورة في معركته دون سابق وعي أو اختيار من قبلها .
فهل كان حضور السيدة زينب ودورها في ثورة كربلاء شيئاً من هذا القبيل ؟ .
بقرائة واعية لدور السيدة زينب ولمواقفها وكلماتها خلال أحداث الواقعة يتجلى للباحث أن السيدة زينب قد اختارت دورها في هذه الثورة العظيمة بوعي سابق وادراك عميق ، وانها كانت المبادرة للمشاركة كما احتفظت بزمام المبادرة في مختلف المواقع والوقائع الثورية .
ويحدثنا التاريخ أن السيدة زينب هي التي قررت وأرادت الخروج مع أخيها الحسين في ثورته ، مع أنها من الناحية الدينية والاجتماعية في عهدة زوجها عبدالله بن جعفر والذي كان مكفوف البصر ، كما كانت ربة منزلها والقائمة بشؤون ابنائها ، وكل ذلك كان يمنع التحاقها بركب أخيها الحسين . . لكنها قررت تجاوز كل تلك العوائق واستأذنت زوجها في الخروج مع أخيها ، فاذن لها بذلك بل وأمر ولديه عون ومحمد بالإلتحاق بقافلة الثورة .
ولأن سفر الإمام الحسين عليه السلام كان محفوفاً بالمخاطر فقد اقترح عليه شيوخ بني هاشم أن لا يصطحب معه أحداً من النساء والعيال ، ولكن السيدة زينب كانت بالمرصاد لمثل هذه المقترحات التي تحول بينها وبين المشاركة في المسيرة المقدسة .
فهذا عبدالله بن عباس وبعد أن عجز عن اقناع الإمام الحسين عليه السلام بالعودة عن قرار الخروج الى الثورة يناقشه في حمل النساء والعيال معه قائلاً :
إن كنت سائراً فلا تسر بنسائك وصبيتك ، فإني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون اليه (3) .
ومحمد بن الحنفية اخو الإمام الحسين عليه السلام طرح على الإمام نفس التساؤل بعدما أخبره الإمام الحسين عليه السلام بعزمه على الخروج قائلاً : « أتاني رسول الله وقال لي : يا حسين أخرج فإن الله شاء أن يراك قتيلاً .
فتساءل محمد بن الحنفية : فما معنى حمل هؤلاء النسوة والأطفال وأنت خارج على مثل هذا الحال ؟ .
وكان جواب الإمام على تساؤل هؤلاء المشفقين على مستقبل نسائه وعائلته أشد اثارة وغرابة حيث قال ( عليه السلام ) : « قد شاء الله أن يراهن سبايا » (4) .
ويروي الشيخ النقدي أن السيدة زينب اعترضت على نصحية ابن عباس للإمام بأن لا يحمل معه النساء : فسمع ابن عباس بكاءاً من ورائه وقائلة تقول : يابن عباس تشير على شيخنا وسيدنا أن يخلفنا هاهنا ويمضي وحده ؟ لا والله بل نحيا معه ونموت معه ، وهل أبقى الزمان لنا غيره ؟ فالتفت ابن عباس واذا المتكلمة هي زينب (5) .
وكما أن أصل اشتراكها في الثورة كان بقرارها الواعي ، فإن أغلب مواقفها في ميادين الثورة كانت تنبثق من مبادراتها الوثابة الشجاعة ، فيه التي تهرع نحو أخيها الحسين حينما تدلهم المصائب والخطوب لتشاركه المواجهة .
وهي في يوم عاشوراء تتحدى الآلام والظروف العصيبة لتمارس دورها البطولي العظيم ، مع أن بعض ما أصابها يكفيها عذراً للانشغال بأحزانها والإبتعاد عن ساحة المعركة .
ثم وما الذي دفعها للخطابة أمام جمهور الكوفة ؟ .
ومن كان يتوقع من مثلها خطابها الناري في مجلس يزيد بن معاوية ؟ لقد كانت ظروف السبي والأسر ، وطبيعة الخفارة والخدر لدى السيدة زينب ، وأجواء الشماتة والعداء المحيطة بها في الكوفة والشام . . لقد كان كل ذلك أو بعض ذلك يكفي دافعاً نحو الانكفاء على الذات ومعالجة الهموم والحزن . . لكن العقيلة زينب تسامت على كل ذلك ، وامتلكت زمام المبادرة مسيطرة على كل ما حولها من ظروف وأوضاع .
ولأنها كانت مختارة ومبادرة عن سابق وعي وتصميم ، فانها كانت تنظر الى ما واجهته من آلام ومآس قاسية تتصدع لهولها الجبال الرواسي ، تنظر اليها بايجابية واطمئنان ، وتعتبرها ابتلاءاً وامتحاناً إليها لابد لها من النجاج فيه .
بل انها وفي أشد المواقف وافظعها تضرع الى الله شاكرة حامدة آلاء نعمه ، معلنة تقبلها لقضاء الله ، واستعدادها لتحمل الأكثر من ذلك في سبيله .
فحينما حدثت الفاجعة الكبرى بمقتل أخيها الحسين بعد قتل كل رجالات بيتها وأنصارهم خرجت السيدة زينب تعدو نحو ساحة المعركة تبحث عن جسد أخيها الحسين غير عابئة بصفوف الجيش الأموي المدجج بالسلاح ، فلما وقفت على جثمان أخيها العزيز الذي مزقته السيوف ، جعلت تطيل النظر اليه ثم رفعت بصرها نحو السماء وهي تدعو بحرارة ولهفة : « اللهم تقبل منا هذا القربان » (6) .
إن ذروة الماساة وقمة المصبية هو مورد للتقرب الى الله ( تعالى ) عند السيدة زينب . . وذلك هو قمة الوعي وأعلى مستويات الأرادة الأختيار .
وحينما يسألها عبدالله بن زياد أمير الكوفة وواجهة السلطة الأموية في مجلسه سؤال الشامت المغرور بالنصر الزائف قائلاً : كيف رأيت فعل الله بأخيك ؟ .
فانها تجيبه فوراً ومن أعماق قلبها بجرأة وصمود قائلة : « ما رأيت إلا جميلاً ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا ابن مرجانة » (7) .
وتختم خطابها في مجلس يزيد بن معاوية بتأكيد رؤيتها الأيجابية لما حصل لها ولأهل بيتها من مصائب وآلام حيث تقول : « والحمد لله رب العالمين ، الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ، ولآخرنا بالشهادة والرحمة ، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ، ويوجب لهم المزيد ، ويحسن علينا الخلافة إنه رحيم ودود ، وحسبنا الله ونعم الوكيل » (8) .
فزينب لم تكن مستدرجة ، ولم تجد نفسها متورطة في معركة فرضت عليها بل اقتحمت ساحة الثورة بملء ارادتها وكامل اختيارها ، وهنا تتجلى عظمة السيدة زينب .

سلاح المظلومية

في المعركة بين الحق والباطل يستخدم كل من طرفي الصراع جيمع ما يتاح له من أسلحة وما بحوزته من امكانيات ليقضي على خصمه أو ليوقع به أكبر قدر ممكن من الخسائر .
واذا كانت الأسلحة المادية المستخدمة في القتال على أرض المعركة متشابهة كالسيوف والرماح ، فإن الأسلحة المعنوية ووسائل الأستقطاب للمؤيّدين وأساليب التّأثير والتّعامل مع الناس ، تكون متفاوتة مختلفة بين الطرفين ، نتيجة لاختلافهما في الأهداف الدافعة والقيم الحاكمة .
حيث تسعى كل جبهة لتعبئة أفرادها ورفع معنوياتهم ، كما تجتهد في استقطاب الجمهور والتأثير في الرأي العام لصالح موقفها .
ولتحقيق ذلك تستخدم جبهة الباطل أساليب الأغراء والمكر والخداع ، لأثارة الأهواء والرغبات في نفوس أتباعها ، فتمنيهم بالأموال والمناصب والأمتيازات ، وتغريهم بانتصاراتها الزائفة وقوتها الزائلة بينما تشهر جبهة الحق سلاح الصدق والخلاص ، وتستثير في نفوس أتباعها قيم الحق والعدل وروح التضحية والفداء .
ومن أمضى أسلحة جبهة الحق التي تجلت في ثورة الإمام الحسين ( عليه السلام ) هو سلاح المظلومية ، بإبراز عدوانية الطرف الآخر وبشاعة جرائمه ، واظهار عمق المأساة وشدة الآلام والمصائب التي تحملها معسكر الإمام الحسين .
والمظلومية تستصرخ ضمائر الناس وتوقظ وجدانهم ، وتدفعهم الى الوقوف الى جانب أهل الحق المظلومين ، كما تستثير نقمتهم وغضبهم ضد المعتدين الظالمين .
والمظلومية تعبىء الأتباع المناصرين وتدفعهم للألتفاف أكثر حول معسكرهم وقضيتهم ، كما تؤثر في نفوس الجمهور ليتعاطف ويؤيد المظلومين ضد الظالمين ، بل وتمتد آثارها حتى الى معسكر العدو لتحرك فيه ضمائر بعض جنوده المخدوعين ، فيتمردون على معسكرهم الظالم ويلتحقون بصفوف الثوار المخلصين وأكثر من ذلك فإن تأثير المظلومية يتخطى الأزمنة والأعصار ليحشد أجيال البشرية على مر التاريخ الى جانب معسكر الحق .
وقد تحقق كل ذلك وبأروع صورة في واقعة كربلاء فبينما كانت السلطة الأموية تستعرض قوتها العسكرية أمام الناس لترهبهم حتى يقفوا الى جانبها وتمارس عليهم أشد ضغوط القمع .
وبينما كان الوالي الأموي على الكوفة عبيدالله بن زياد يغدق الأموال والرشوات على الزعماء والوجهاء ، ويزيد في عطاء الجنود ، ويعد القيادات كعمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وشبث بن ربعي بالمناصب والولايات .
في مقابل كل ذلك كان الإمام الحسين وأصحابه يبشرون بالقيم السامية ويخاطبون الضمائر الحرة ، ويبصرون الناس بواقعهم ومسؤلياتهم ، ويلفتون الأنظار الى جرائم السلطة الظالمة ، وعدوانيتها وجورها الذي تجاوز كل الحدود .
وكان سلاح المظلومية مؤثراً جداً ، فكلما شاهد اصحاب الحسين ما يصيب امامهم وعيالاته من الآلام والمصائب ، استماتوا أكثر في الدفاع والتضحية والفداء ، وازدادوا قناعة ويقيناً بعدالة قضيتهم .
ويحدثنا التاريخ كيف أن أفراداً بل قيادات من الجيش الأموي قد تأثرت لمظلومية الإمام الحسين وغيرت موقفها وتحولت الى جانب المعسكر الحسيني . . كالحر بن يزيد الرياحي وكان من قادة الجيش الأموي ومن اشجع أبطالهم ، وهو الذي قاد أول فرقة عسكرية حاصرت الإمام في الطريق ـ كما سبق ـ .
هذا الرجل حركت مظلومية الإمام وجدانه ومشاعره وأيقظت ضميره ، فألوى بعنان فرسه صوب الإمام وهو مطرق برأسه الى الأرض حياءاً وندماً ، فلما دنا من الإمام رفع صوته قائلاً :
« اللهم اليك أنيب فقد ارعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك يا أبا عبدالله إني تائب فهل لي من توبة ؟ » .
ونزل عن فرسه ، فوقف قبال الإمام ودموعه تتبلور على وجهه ، وجعل يخاطب الإمام ويتوسل اليه بقوله :
« جعلني الله فداك يابن رسول الله أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع ، وجعجعت بك في هذا المكان . والله الذي لا اله الا هو ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبداً ، ولا يبلغون منك هذه المنزلة ابداً » .
لقد هزه وأثاره ما بلغه القوم من الإمام ، يعني ما أصاب الإمام منهم من المآسي والآلام .
ولم يكن الحر وحده قد تأثر بمظلومية الإمام بل ان حوالي ثلاثين فارساً آخر من الجيش الأموي قد اتخذوا ذات الموقف والتحقوا بمعسكر الإمام (9) .
أما انعكاس مظلومية الإمام الحسين وأصحابه وعيالاته على جماهير الأمة آنذاك فهذا ما تحدثناعنه الانتفاضات والثورات التي انطلقت في مختلف أرجاء الأمة كرد فعل على مقتل الإمام الحسين بتلك الصورة الفظيعة ، كثورة التوابين والتي كان شعارها : « يا لثارات الحسين » وثورة المختار الثقفي ، وثورة أهل المدينة .
ولا تزال مظلومية الإمام الحسين حية مؤثرة في القلوب والنفوس على مر العصور والأجيال الى يومنا هذا والى أن يرث الله الأرض ومن عليها . .
وأبرع وأكثر من شهر سلاح المظلومية واستخدمه في واقعة كربلاء هي السيدة زينب . . حيث كانت تسلط الأضواء وتلفت الأنظار الى مواقع الظلامة ، وقامت بدور تأجيج العواطف والهاب المشاعر أثناء الواقعة ، وبعد الواقعة في الكوفة والشام وحينما عادت الى المدينة ، بل كرست باقي أيام حياتها للقيام بهذا الدور العظيم . .
إن المواقف العاطفية الوجدانية التي قامت بها السيدة زينب حيث كانت تبكي وتتألم وتنعي وتندب وتستغيث وتستصرخ لم تكن مجرد ردود أفعال عاطفية على ما واجهته من مآسي وآلام ، بل كانت تلك المواقف فوق ذلك سلاحاً مشرعاً تصوبه نحو الظلم والعدوان ، وتدافع به عن معسكر الحق الرسالة . .
ولنقف الآن بعض العينات والنماذج من تلك المواقف الزينبية :
ترى الإمام ينعى نفسه :
الحسين في نظر السيدة زينب ليس مجرد أخ عزيز ، ومكانته في نفسها لا تتحدد في كونه الإمام القائد والمفترض الطاعة فقط ، بل فوق ذلك كله انه يجسد ويمثل شخصية جدها رسول الله ، وأبيها الإمام علي ، وأمها فاطمة الزهراء ، وأخيها الإمام الحسن ، انه البقية والامتداد للبيت النبوي العظيم . .
لذلك حينما رأته ينعى بنفسه وينتظر الشهادة أدركت مدى الخسارة التي تحل بها وبالوجود عند فقده . .
فقد رأت الحسين ليلة العاشر من المحرم ، وهو يعالج سيفه ويصلحه في خيمته ويقول :
يا دهر أفٍ لك من خليل***كم لك بالاشراق والأصيل
من صاحب وطالب قتيل *** والـدهر لا يقنع بـالبديل
وانما الأمر الـى الجليل *** وكل حـي سالك سـبيل
فلما سمعت السيدة زينب هذه الأبيات أحسّت أن شقيقها عازم على الموت ومصمم على الشهادة ، فأعولت قائلة :
« واثكلاه ! واحزناه ! ليت الموت أعدمني الحياة ، يا حسيناه ، يا سيداه ، يا بقية أهل بيتاه ، استسلمت ، ويئست من الحياة ، اليوم مات جدي رسول الله ، وأمي فاطمة الزهراء ، وأبي علي ، وأخي الحسن ، يا بقية الماضين ، وثمال الباقين » .
فقال لها الإمام : « يا أخيه لا يذهبن بحلمك الشيطان » . .
فأجابته بأسى وإلتياع : « أتغتصب نفسك اغتصاباً ، فذاك أطول لحزني ، وأشجى لقلبي » (10) .
وقد أرادت السيدة زينب في هذا الموقف أن تبين خطورة الجريمة التي عزم الجيش الأموي على ارتكابها ، انها تستهدف رسول الله وابنته الزهراء وأخاه علياً وسبطه الحسن عبر قتل من يمثلهم ويجسدهم جميعاً آنذاك وهو الإمام الحسين ( عليه السلام ) . .

عند مصرع العباس :

لم يكن العباس بن علي جندياً عادياً في معسكر الإمام الحسين ، بل كان قائد القوات العسكرية الحسينية ، وصاحب اللواء ، وكان ذا شخصية عظيمة ، وللسيدة زينب به علاقة حميمة ، وقد احتفظ به الإمام الحسين الى جانبه فلم يأذن له بالنزول الى ساحة المعركة الا بعد قتل كل رجاله وأنصاره ، فكان آخر بطل يقاتل بين يدي الحسين ، لذلك كان مقتله إيذاناً بانهيار المعسكر الحسيني كما صرح بذلك الإمام الحسين حيث وقف على مصرع أخيه العباس قائلاً : « الآن أنكسر ظهري ، وقلت حيلتي » .
وحينما علمت السيدة زينب بمقتل أخيها العباس ، أظلمت الدنيا في عينها ، فاندفعت صارخة : « وأخاه ، واعباساه ، واضيعتنا بعدك » (11) .

أمام الفاجعة الكبرى :

لا يمكن أن تمر على انسان لحظة أقسى وأصعب من تلك اللحظات الأليمة التي مرت على السيدة زينب حينما وقع أخوها الحسين شهيداً ، ووقفت على مصرعه . .
إنها تعرف قيمة الحسين ومكانته عند الله ( سبحانه ) وعند جده رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وفي البيت العلوي . . وهي تدرك عظمة الحسين من خلال صفاته الفريدة ومميزاته الخاصة . . وهي تعي موقعية الحسين كامتداد للنبوة ومجسد للامامة وحجة لله على الخلق . .
وتعلم السيدة زينب أن قتل الحسين يمثل انتهاك أعظم حرمة ، وارتكاب أكبر جريمة ، وإن ذلك يعني الوصول الى قمة الارتداد عن الدين والتنكر للرسالة . .
ثم ان قتل الحسين يعني اغتيال أعز شيء على قلبها وأقرب شيء الى نفسها في هذه الحياة . . والحسين هو الولي لها المحامي لخدرها ، وبقتله تصبح تحت رحمة الأعداء الظلمة الجفاة . . فمن سيحمي خدرها ، ويصون عزها ويدافع عمّن معها من نساء وأطفال ؟.
والحسين لم يقتل بالشّكل المتداول في معارك القاتل ، بل أمعن القوم في تمزيق جسمه بمختلف أدوات الحرب . . جسمه بمختلف أدوات الحرب . .
فقد أصاب سهم فمه الطاهر فتفجر دمه الشريف . . وأصاب سهم جبهته الشريفة المشرقة بنور الإمامة . . ورماه رجس بسهم محدد له ثلاث شعب فاستقر في قلبه الشريف وأخرج الإمام السهم من قفاه فانبعث دمه كالميزاب فأخذ الإمام من دمه الطاهر ولطخ به وجهه ولحيته ، وهو يقول : « هكذا أكون حتى ألقى الله وجدي رسول الله وأنا مخضب بدمي » .
وهجمت على ريحانة رسول الله تلك العصابة المجرمة من كل جانب وهم يوسعونه ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح ، فضربه أحدهم بالسيف على كفه اليسرى ، وضربة آخر على عاتقه ، وكان من أحقد أعدائه عليه الخبيث سنان بن أنس ، فقد أخذ يضربه تارة بالسيف وأخرى طعنة بالرمح ! ! .
يقول بعض المؤرخين : انه لم يضرب أحد في الإسلام كما ضرب الحسين فقد وجد فيه مائة وعشرون جراحة ما بين ضربة سيف وطعنة رمح ، ورمية سهم (12) .
أما كيف ومتى علمت السيدة زينب بمقتل أخيها الحسين ؟ فإن المصادر التاريخية تشير الى أن فرس الحسين بعد أن وقع الحسين من على ظهره الى الأرض ، ومزقته سيوف القوم ورماحهم صبغ ناصيته بدم الإمام الشهيد وركض مسرعاً نحو خيمة الحسين ، كأنه يريد اعلام النساء بمقتل الإمام . . وبالفعل كان رجوع فرس الإمام من دون الإمام نذير سوء لمن في الخيام بأنهم قد فقدوا عزهم وزعيمهم . .
وهنا خرجت العقيلة زينب مهرولة نحو مصرع أخيها الحسين . . فمن يا ترى يستطيع وصف تلك اللحظات القاسية والموقف الصعب ؟ .
لقد وجدت العقيلة نفسها أمام لحظة تاريخية حساسة خطيرة ، وأمام موقف عظيم ، لابد وأن تسجل شهادتها عليه للتاريخ . .

فصاحت هاتفة من أعماق قلبها :

« وامحمداه ! وأبتاه ! واعلياه ! واجعفراه ! واحمزتاه ! .
هذا حسين بالعراء صريع بكربلاء ! .
ليت السماء أطبقت على الأرض ! وليت الجبال تدكدكت على السهل ! ! » .
وانتهت نحو الحسين وقد دنا منه عمر بن سعد قائد الجيش الأموي في جماعة من أصحابه ، والحسين يجود بنفسه ! .
فصاحت السيدة زينب : اي عمر أيقتل أبو عبدالله وأنت تنظر اليه ؟ .
فصرف وجهه عنها ، ودموعه تسيل على لحيته ! ! .
والتفتت السيدة زينب الى حشود الجيش الأموي صارخة بهم : ويحكم أما فيكم مسلم ؟ . . فلم يجبها أحد (13) .
إن هول المصيبة وعظم الفاجعة وقسوة الحدث ، لم يشغل كل ذلك العقيلة زينب عن أداء دورها الرسالي الخطير في اعلان الظلامة ، وتأجيج العواطف ، والهاب المشاعر حتى في نفوس الأعداء الظالمين . .

نظرة وداع :

بعد ظهر اليوم الحادي عشر من المحرم عزم الجيش الأموي على مغادرة أرض كربلاء ، وقد حملوا معهم نساء الحسين وأهل بيته وصبيتهم ، ومروا بقافلة الأرامل المثكولات والأيتام المفجوعين على أرض المعركة وحيث تشرق على ساحتها جثث الشهداء وأجسام القتلى من أهل البيت . .
وكان منظراً مذهلاً للنساء والأطفال : فالأجساد بلا رؤوس . . والأشلاء موزعة . . والدماء تصبغ البسيطة . .
ويبدو أن قيادة الجيش الأموي أرادت أن تدخل الرعب والفزع الى نفوس العائلة الحسينية ، وأن تحدث الهزمية والانهيار التام في نفوس أفرادها ، حتى يدخلوا الكوفة وهم في منتهى الاذلال والهوان . .
وتأملت العقيلة زينب ذلك الموقف الرهيب : حيث ترى أرض الشهادة ترتسم على ربوعها أفظع مأساة ، وتنظر الى النساء والأطفال وقد علتهن الكآبة والدهشة . . ومن جانب آخر ترى الجيش الأموي يبالغ في اظهار نشوة انتصاره الزائف ، ويستعرض قوته وقدرته الغاشمة . . فمزقت العقيلة زينب أجواء الرهبة والألم ، واندفعت تشهر سلاح المظلومية لتصوبه تجاه المتغطرسين المغرورين ، ولتثبت لهم أنهم ضعفاء مهزومون وإن توهموا النصر . . فأطلقت صوتها الشجاع المدوي قائلة : ـ « يا محمداه هذا حسين بالعراء ، مرمل بالدماء ، مقطع الأعضاء ، وبناتك سبايا ، وذريتك مقتلة »
يقول الرواة : فأبكت كل عدو وصديق حتى جرت دموع الخيل على حوافرها (14) .

في مجلس يزيد

لقد فضح الأمويون أنفسهم ، حينما دفعهم حقدهم على أهل البيت حماقتهم الى تسيير نساء الحسين وعيالاته سبايا بتلك الحالة الفظيعة . . فموكب السبايا كان تظاهرة اعلامية تؤجج المشاعر وتلهب العواطف ضد السلطة الظالمة ، والعقيلة زينب لم تترك فرصة ولا مناسبة أثناء رحلتها الشاقة المؤلمة الى الكوفة ومنها الى الشام مروراً بسائر البلدان والمناطق . . الا واستثمرتها في اعلان مظلوميتهم ، وتبيين عمق المأساة التي حلت بهم .
وحتى في مجلس يزيد بن معاوية والذي قد خطط ليكون دخول السبايا الى مجلسه مهرجاناً يحتفل فيه بانتصاره على الحسين ، فأحضر كبار قادة جيشه وزعماء الشام ، وأحاط نفسه بأجواء من الهيبة المصطنعة .
لكن العقيلة زينب أفسدت عليه كل ما صنع وأفشلت مهرجانه الضخم حين نظرت الى رأس أخيها الحسين بين يدي يزيد ، فانتصبت قائمة وأجهشت بالبكاء ، وأهوت الى جيبها فشقته ، ونادت بصوت حزين يقرح القلوب : « يا حسيناه ، يا حبيب رسول الله ، يا ابن مكة ومنى ، يا ابن فاطمة الزهراء سيدة النساء ، يا ابن بنت المصطفى » .
قال الراوي : فأبكت والله كل من كان في المجلس ويزيد ساكت (15) .
وجميل ما قالته الأديبة بنت الشاطئ حول هذا الدور الزينبي حيث كتبت تقول : لم تمض زينب الا بعد أن أفسدت على ابن زياد ، ويزيد ، وبني أمية ، لذة النصر ، وسكبت قطرات من السم الزعاف في كؤوس الظافرين ! .
فكانت فرحة لم تطل وكان نصراً مؤقتاً ، لم يلبث أن أفضى الى هزيمة قضت آخر الأمر على دولة بني أمية .
فلم تكد زينب تخرج من عند يزيد حتى أحس أن سروره بمقتل الحسين قد شابه كدر خفي ، ظل يزداد حتى استحال الى ندم ، كدر صفو الأعوام الثلاثة الأخيرة من حياته (16) .

أشعلت ثورة المدينة :

وانتهت بها رحلة الألم والعناء الى المدينة المنورة مسقط رأسها وربوع صباها ودار أهلها . . بعد فراق وغياب جاوز السبعة أشهر حيث خرجت من المدينة مع أخيها الحسين أواخر شهر رجب وعادات بعد انتهاء شهر صفر .
وفرق كبير بين موكب خروجها المهيب من المدينة يحيط بها اخوتها وأبناؤها وأبناء اخوتها ورجالات عشيرتها . . وبين قافلة الأسر التي عادت ضمنها تلوذ بها الأرملات المثكولات والصبايا اليتيمات المفجوعات .
لقد هرعت عند دخولها المدينة الى مسجد جدها رسول الله حيث مثواه الأقدس وأخذت بعضادتي باب المسجد منادية .
« يا جداه إني ناعية اليك أخي الحسين » (17) .
وأصبح برنامجها اليومي والدائم في المدينة المنورة تذكير جماهير الأمة بمظلومية الحسين وأهل بيته ، وتخليد المأساة العظيمة في كربلاء ، لتؤجج بذلك العواطف وتلهب المشاعر ، وتحرض الناس على الحكم الفاسد الظالم .
ويذكر السيد الشريف يحيى بن الحسن من أحفاد الإمام زين العابدين علي بن الحسين ، وهو المعروف بالعبيدلي النسابة ( 214 هـ ـ 277 هـ ) ( 829 م ـ 890 م ) في رسالته المشهورة ( اخبار الزينبيات ) يذكر فيها أن السيدة زينب وهي بالمدينة كانت تؤلب الناس على القيام بأخذ ثار الحسين ، فكتب والي المدينة عمرو بن سعيد الأشدق الى يزيد يعلمه بالخبر . . فكتب اليه يزيد : أن
فرق بينها وبين الناس . . فأمرها الوالي بالخروج من المدينة (18) .
لقد اشعلت السيدة زينب الثورة وفجرتها في المدينة ضد الحكم الأموي ، فكان لها دور المحرك للثورة التي عمت المدينة المنورة سنة ( 63 هـ ) حيث تمرد أهل المدينة على الحكم الأموي وطردوا واليه وجميع بني أمية وبايعوا عبدالله بن حنظلة غسيل الملائكة فبعث يزيد الى المدينة جيشاً ضخماً يبلغ ( 12 ألفاً ) بقيادة مسلم بن عقبة ، فقضى على التمرد وسيطر على المدينة ، وأباح مسلم المدينة ثلاثاً لجيشه يقتلون الناس ويأخذون المتاع والأموال . . ودعا مسلم الناس الى البيعة ليزيد على أنهم خول ـ أي عبيد ـ له يحكم في دمائهم وأموالهم وأهلهم من شاء ، فمن امتنع من ذلك قتله .
عرفت الواقعة بإسم « واقعة الحرة » والتي حصلت لليلتين بقيتا من ذي الحجة ، وعرف مسلم بن عقبة بعد الواقعة بإسم مسرف (19) .

واستشهد ولدها عون :

شاء الله ( سبحانه وتعالى ) أن تجتمع على قلب السيدة زينب يوم كربلاء ألوان المصائب والفجائع ، وأن تكون المثل والقدوة في تقديم الضحايا والقرابين على مذبح العدل والحرية في سبيل الله .
فقد رزئت بقتل ستة من اخوتها في طليعتهم عماد عزها الحسين بن علي ، وقمر بني هاشم العباس بن علي ، وتشير بعض المصادر إلى أن من استشهد من اخوة زينب يوم كربلاء عشرة ، أما الستة الذين تتفق اغلب المصادر على شهادتهم في كربلاء فهم ما يلي :
1 ـ الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب .
2 ـ العباس بن علي بن أبي طالب .
3 ـ جعفر بن علي بن أبي طالب .
4 ـ عبدالله بن علي بن أبي طالب .
5 ـ عثمان بن علي بن أبي طالب .
6 ـ محمد الأصغر بن علي بن أبي طالب .
وهناك أسماء اخرى تضيفها بعض المصادر كإخوة للسيدة زينب نالوا شرف الشهادة أيضاً في كربلاء ، هي كما يلي :
7 ـ أبو بكر بن علي بن أبي طالب .
8 ـ عبدالله بن علي بن أبي طالب ـ غير المذكور سابقاً ـ .
9 ـ عمر بن علي بن أبي طالب .
10 ـ إبراهيم بن علي أبي طالب (20) .
كما فجعت بمقتل مجموعة من أبناء اخوتها تجمع المصادر على خمسة منهم ثلاثة من أولاد أخيها الحسن ، وهم :
1 ـ أبو بكر بن الحسن بن علي .
2 ـ عبدالله بن الحسن بن علي .
3 ـ القاسم بن الحسن بن علي .
واثنان من أولاد أخيها الحسين هم :
4 ـ علي بن الحسين الأكبر .
5 ـ عبدالله بن الحسين (21) .
اضافة الى سائر رجالات أسرتها من الهاشميين والذين يتراوح عددهم جميعاً بين السبعة عشر والسبعة والعشرين بطلاً حسب اختلاف المصادر والروايات التاريخية (22) .
ومع ما لمصرع هؤلاء الأعزة من تأثير فظيع على النفس الا أن لفقد الولد لوعة خاصة لم يسلم منها قلب السيدة زينب فقد فجعت بمقتل ولدها وفلذة كبدها عون بن عبدالله بن جعفر حيث قدمته شهيداً بين يدي خاله الإمام الحسين .
وبرز عون الى ساحة المعركة يقاتل الأعداء ، وهو يرتجز :
إن تنكروني فأنا ابن جعفر***شهيد صدق في الجنان أزهر
كفـى بهذا شرفاً من مـعشر ***يطير فيها بجناح أخضر
فحمل عليه عبدالله بن قطنة الطائي فقتله ، وقد رثاه سليمان بن قتة بقوله :
واندبي ان بكيت عوناً أخاه *** ليس فيما ينوبهم بخذول
فلعمري لقد أصبت ذوي القمر *** بي فبكي على المصاب الطويل (23)
ونقل أبو الفرج الأصفاني أن قاتل عون هو عبدالله بن قطنة التيهاني (24) .
وفي بعض المصادر جاءت الفقرة الأخيرة من رجز عون : كفى بهذا شرفاً في المحشر
وانه قتل من الأعداء ثلاثة فوارس وثمانية عشر راجلاً ، وعن الاسفرائيني أنه قتل ستة وعشرين فارساً (25) .
ولم تقل كتب السير والمقاتل عن العقيلة زينب أنها أعولت على مقتل ولدها أو أشارت اليه في ندبتها ومأتمها .
قال السيد عبد العزيز سيد الأهل : لم يسمع لها بكاء حين قتل ولدها عون بمثل ما بكت به أخاها وأولاد أخيها (26) .
ويبدو أن لعبدالله بن جعفر ولداً آخر اسمه عون الأصغر وأمه جمانة بنت المسيب بن نجبة الفزاري ، من هنا حصل خلط في كلام الرواة والمؤرخين بين عون الذي أمه زينب وهو الشهيد في كربلاء ، وبين أخيه عون الذي أمه جمانة ولم يتأكد استشهاده في كربلاء (27) كما استشهد لعبدالله بن جعفر ولد آخر في كربلاء هو محمد بن عبدالله بن جعفر لكن أمه الخوصاء بنت حفصة بن ثقيف من بكر بن وائل ، وليست السيدة زينب كما توهم بعض الكتاب ، وأيضاً ذكرت بعض المصادر شهيداً آخر من ولد عبدالله بن جعفر في كربلاء وهو عبيدالله بن عبدالله بن جعفر إلا أن ذلك غير مؤكد وأمه ليست زينب أيضاً بل الخوصاء السابق ذكرها (28) .

رعاية القافلة

كان لابد وأن يفكر الإمام الحسين في مصير عائلته ومستقبلهم بعد شهادته فهو كأب غيور عطوف يهمه أن تتوفر لعائلته بعده أنسب الظروف الممكنة ، كما أنه يعرف طبيعة أعدائه القساة الظالمين والذين سوف يصبون جام غضبهم وحقدهم على عائلته المنكوبة ، والأهم من كل ذلك فهو يريد من هذه العائلة أن تؤدي دوراً جهادياً في خدمة نهضته المقدسة ، ولذلك اصطحبهم معه ، وقال لمن أشار عليه بتركهم في المدينة : « قد شاء الله أن يراهن سبايا » (29) .
كل ذلك يستلزم وجود رعاية لهذه القافلة من الأرامل والأيتام ، وقيادة تواصل ادارة المعركة مع الأعداء الظالمين .
وتشير بعض المصادر إلى أن عدد النساء اللاتي كن مع الإمام الحسين في كربلاء يتجاوز الأربعين امراة كما ذكر أسماءهن وتفاصيل حالاتهن الشيخ المازندراني (30) عدا الصبايا الصغيرات في السن ، والأطفال الذكور .
بالطبع فإن الإمام زين العابدين هو الوارث الشرعي والوصي لأبيه لكن ما يعانيه من المرض يحول بينه وبين التصدي لرعاية القافلة اضافة الى تربص العسكر بحياته ، وطلبهم أدنى مبرر للقضاء عليه .
فبقيت السيدة زينب هي المرشح الوحيد والكفوء للقيام بهذا الدور لذلك أوصاها الإمام برعاية القافلة ، ونهضت بهذه المسؤولية على أفضل وجه .
فكانت مرجع النساء والأطفال ، يلوذون بها في حوائجهم وشؤونهم وتتحمل هي مسئولية رعايتهم والدفاع عنهم .

وفيما يلي نلتقط بعض الصور لدور الرعاية الزينبية :

تمنع عبدالله بن الحسن :

وهو غلام في الحادية عشر من عمره ، وابن للإمام الحسن بن علي لما رأى عمه الحسين وحيداً وسط المعركة وقد أحاط به الأعداء ، لم تسمح له نفسه بالتفرج على ما يجري في ساحة المعركة ، ودفعته أريحيته وشهامته ليركض نحو المعركة ويفدي عمه الحسين بنفسه .
ولما لمحه الحسين مهرولاً باتجاهه نادى بأخته زينب أن تمارس دورها في حماية ورعاية الأطفال ، وأن تمنعه من الخروج الى المعركة قائلاً : أحبسيه .
فسارعت العقيلة زينب للحيلولة بينه وبين التوجه الى المعركة ، لكن الغلام امتنع عليها وأفلت منها واشتد نحو عمه الحسين حيث لقي مصرعه في حجر عمه الحسين (31) .

ليلة الحادي عشر :

لا شك أنها كانت ليلة موحشة عصيبة على عيالات الحسين ، حيث وطأة الفاجعة شديدة على نفوسهم ، وقد فقدوا كل الولاة الحماة ، وحرقت خيامهم وأخبيتهم ، وأصبحن النساء والأطفال يلوذون ببعضهم البعض في تلك الفلاة الموحشة ، التي خيم عليها ظلام الليل ، مع ما نالهم من اعتداءات العسكر ضرباً وسلباً وشتماً .
ومن تلك الليلة بدأت العقيلة زينب ممارسة دورها الشاق العظيم في رعاية الركب الحسيني .
يقول الشيخ القرشي : أما حفيدة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وشقيقة الحسين العقيلة زينب فإنها ما هنت ولا استكانت أمام تلك الأهوال القاصمة فقد اسرعت تلتقط الأطفال الذين هاموا على وجوههم في البيداء ، وتجمع العيال في تلك البيداء الموحشة ، وهي تسليهم وتصبرهم على تلك الرزايا ، وقد أنفقت تلك الليلة ساهرة على حراستهم (32) .

تسلي الإمام زين العابدين :

حينما غادرت قافلة السبايا أرض كربلاء مروا بالنساء والأطفال على ساحة المعركة فكان المنظر مهيباً مفزعاً ، حيث شاهدت العائلة أجسام الأحبة مضرجة بالدماء ، مقطعة الأشلاء ، فانفجر الركب عويلاً وبكاءً ، وأخذ الجزع والألم من نفس الإمام زين العابدين مأخذاً شديداً لما يراه من حال جثث أبيه وأعمامه واخواته ورجال واشبال أسرته وأنصارهم الكرام ، ولما يلاحظه من افتجاع النساء والعيال والأطفال .
وهنا كان دور زينب القائدة التي تتسامى على الآلام ، وتسيطر على مشاعرها بصورة مذهلة : حيث احتفظت برباطة جأشها ، وكظمت كل ما يعتمل في نفسها من الحزن والألم ، واتجهت نحو ابن أخيها الإمام زين العابدين تسليه وتصبره وتطمنه بالمستقبل المشرق لثورة أبيه الحسين ، وحدثته بحديث طويل جاء فيه :
« مالي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي واخوتي ، فوالله إن هذا لعهد من الله الى جدك وابيك ، ولقد أخذ الله ميثاق أناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض وهم معروفون في أهل السماوات انهم يجمعون هذه الأعضاء المقطعة والجسوم المضرجة فيوارونها وينصبون بهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء ، لا يدرس أثره ولا يمحى رسمه على كرور الليالي والأيام وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلال في محوه وطمسه فلا يزداد أثره الا علواً » (33) .

تمنع الأطفال من تناول الصدقة :

حينما دخلت قافلة السبايا الى الكوفة كان أثر الأجهاد والعناء والأرهاق واضحاً على الأطفال والصبية في القافلة ، كما كانوا يعانون من الجوع ... ولا حظت ذلك بعض نساء أهل الكوفة ، فصرن يقدمن التمر والخبز الى الأطفال والصبايا ، فتناول منه بعضهم ، لكن السيدة زينب رفضت ذلك ومنعت الأطفال عن تناول صدقات الناس قائلة :
« إن الصدقة حرام علينا أهل البيت » .
ولما سمعت الصبية مقالة العقيلة رمى كل واحد منهم ما في يده أو فمه من الطعام . وراح يقول لصاحبه : ان عمتي تقول : « إن الصدقة حرام علينا أهل البيت » (34) .

ترفض استقبال الشامتات :

في الكوفة أمر ابن زياد بحبس السبايا في دار إلى جنب المسجد الأعظم ، وازدحمن نساء أهل الكوفة للدخول على السيدة زينب والسبايا في سجنهن ، فرفضت السيدة زينب أن تدخل عليهن غير المملوكات ومن كن مسبيات في الماضي ، لتمنع بذلك دخول النساء الشامتات والمتفرجات على مأساة أهل البيت ، حيث صاحت السيدة زينب بالناس : « لا تدخل علينا الا مملوكة أو أم ولد فانهن سبين كما سبينا » (35) .

ملاذ العيال :

حينما يواجه أحد من عيالات الحسين أي مشكلة فإن الملجأ والملاذ هي العقيلة زينب ، ففاطمة بنت الحسين لما سمعت الرجل الشامي يطلبها من يزيد قائلاً :
هب لي هذه الجارية لتكون خادمة عندي .
فانها لاذت بعمتها زينب محتمية بها لاجئة اليها فتصدت العقيلة زينب للموقف متحدية سلطان يزيد وبطشه .

مكافأة الحرس :

بعدما لاحظ يزيد أن الحالة المأساوية لسبايا أهل البيت أثارت عليه النقمة والغضب وردات الفعل العنيفة من قبل الناس ، عمد أخيراً الى تحسين أوضاع العائلة الحسينية واستجاب لرغبتهم في الرجوع الى المدينة وأمر النعمان بن بشير أن يجهزهم بما يصلحهم ، ويسير معهم رجلاً أميناً من الشام ومعه خيل يسير بهم الى المدينة .
وخلافاً للمعاملة الخشنة التي عانت معها قافلة السبايا في مسيرهم الى الشام فقد كان هذا المكلف بركبهم في عودتهم الى المدينة لبقاً في التعامل ليناً في أخلاقه معهم ، فكان يسايرهم ليلاً فيكونون أمامه بحيث لا يفوتون طرفه ، فاذا نزلوا تنحى عنهم هو وأصحابه ، فكانوا حولهم كهيئة الحرس ، وكان يسألهم عن حاجتهم ويلطف بهم .
فلما وصلوا الى المدينة أرادت العقيلة زينب مكافاته على حسن تعامله وجميل صنعه ، ولم يكن لديها مال تقدمه اليه لكنها عمدت الى بعض ما تبقى من حلي ولدى أختها فاطمة وقدمته إليه معتذرة قائلة :
« هذا جزاؤك بصحبتك ايانا بالحسن من الفعل » .
فتأثر الرجل من مبادرة السيدة زينب واعتذر عن قبولها قائلاً :
لو كان الذي صنعت انما هو للدنيا كان في حليكن هذا ما يرضيني دونه ، ولكن والله ما فعلته الا لله ولقرابتكم من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) (36) .
تجدر الأشارة الى أن النعمان بن بشير هو الذي رافق موكب العائلة الى المدينة ، وهو أنصاري مدني يكن مشاعر الإحترام لأهل البيت ، وهو كان والياً على الكوفة حينما دخلها سفير الحسين مسلم بن عقيل ، ولم يتخذ ضد مسلم اجراءات قمعية كما كان يرغب الأمويون ، فعزله يزيد عن ولاية الكوفة وولي عبيدالله بن زياد مكانه ، وحينما سمع النعمان مقالة الأمويين عنه أنه ضعيف أو متضعف ، قال : لأن أكون ضعيفاً وأنا في طاعة الله أحب اليّ من أن أكون قوياً في معصيته (37) .

حماية الإمام

مع أن الإمام علي بن الحسين زين العابدين كان حاضراً في واقعة كربلاء ، وكان في عز عمره وشبابه في الثانية والعشرين من العمر . ومع أن الشباب الهاشميين حتى الأصغر منه سناً كانوا يتسابقون الى المعركة ، وكان الجيش الأموي لا يتوقف عن اطلاق النار على أي هاشمي مهما كان عمره وسنه ولو كان طفلاً رضيعاً . . مع كل ذلك فقد شاءت حكمة الله ( سبحانه ) حفظ حياة الإمام زين العابدين ، عبر اصابته بالعلة والمرض فأصبح ملازماً للخيمة على فراش المرض ، حيث أقعده المرض عن حمل السلاح والنزول الى ساحة المعركة ، ليكون هو الخلف والبقية ولتستمر به الإمامة والزعامة الدينية في ذرية الحسين .
وحينما استشهد الإمام الحسين وهجم الجيش الأموي على خيامه وعياله ، وأصبحوا أسارى في أيدي الظالمين كانت حياة الإمام زين العابدين معرضة للخطر في كل لحظة من اللحظات لكن السيدة زينب قامت بدور الحماية والدفاع عن الإمام في تلك الظروف القاسية الصعبة ، وأنقذ الله ( تعالى ) حياة الإمام بمبادرتها ومواقفها الشجاعة أكثر من مرة .

عند استغاثة الحسين :

تلك كانت ساعة حرجة حساسة ، حيث بقي الحسين وحيداً فريداً في ساحة المعركة ، بعد أن تهاوى كل أصحابه وأهل بيته شهداء مضرجين بدمائهم ويرى خلفه النساء والأطفال تتعالى صيحاتهم وبكاؤهم ، وأمامه الأعداء يشرعون سيوفهم للأنقضاض عليه .
وهنا رفع الحسين صوته مستغيثاً يطلب من ينصره ويعينه في ذلك الموقف الصعب الأليم قائلاً : « هل من ذابٍ يذب عن حرم رسول الله ؟ هل من موحدٍ يخاف الله فينا ؟ هل من مغيث يرجو الله في اغاثتنا ؟ » .
واخترق نداء الحسين أستار خيام عيالاته ونسائه ، فاستشعروا المصيبة والفاجعة ، وارتفع بكاؤهم ونحيبهم وكان لنداء الأستغاثة وقع كبير على قلب الإمام زين العابدين ، فقد آلمه وأحزنه أن يكون مريضاً مقعداً لا يقدر على حمل السيف وقتال الأعداء ، لكنه مع ذلك تحامل على مرضه ، ووثب من فراشه ، ومشى خطوات يتوكأ على عصا ويجر سيفه فرمقه الحسين ، وتأثر لمنظره وهيئته ، ونادى بأخته أم كلثوم : خذيه واحبسيه لئلا تخلو الأرض من نسل آل محمد .
وأرجعته الى الخيمة ، وهو يقول : ياعمتاه ذريني أقاتل بين يدي ابن رسول الله (38) .
ويؤكد السيد المقرم أن أم كلثوم هذه هي السيدة زينب (39) .

عند هجوم العسكر على الخيام :

هل كان متوقعاً أن يحصل لأهل البيت ما حصل لهم في كربلاء من المآسي ، وعلى أيدي أناس يدعون الإسلام ، ويمثلون السلطة الرسمية لحكم المسلمين ؟ ولما يمضي على وفاة الرسول أكثر من نصف قرن من الزمن ، وهو الذي طالما أوصى
الأمة بذريته وعترته ، بل اعتبرها الذكر الحكيم أجراً للرسالة (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) (40) .
لكن عسكر بني أمية قد جاوز كل الحدود والأعراف وتقاليد الحروب في تعامله مع أهل البيت . . حيث لم يكتفوا بقتل الحسين وأصحابه ، وانما هجموا بعد ذلك على خيام النساء والأطفال والتي كانت تضم حرائر الرسالة ومخدرات النبوة .
ويسجل السيد المقرم وصفاً لهذا الهجوم اعتماداً على مصادر عديدة أشار اليها ، ننقل منه ما يلي :
لما قتل أبو عبدالله ( عليه السلام ) مال الناس على ثقله ومتاعه ، وانتهبوا ما في الخيام وأضرموا النار فيها ، وتسابق القوم على سلب حرائر الرسول ، ففررن بنات الزهراء حواسر مسلبات باكيات ، وإن المرأة لتسلب مقنعتها من رأسها ، وخاتمها من اصبعها ، وقرطها من أذنها ، والخلخال من رجلها .
أخذ رجل قرطين لأم كلثوم وخرم أذنها ، وجاء آخر الى فاطمة ابنة الحسين فانتزع خلخالها وهو يبكي .
قالت له : مالك تبكي ؟ ! .
فقال : كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله ؟ .
قالت له : دعني اذاً .
قال : أخاف أن يأخذه غيري (41) .
بهذه الروح العدوانية هجموا على الخيمة التي كان فيها الإمام زين العابدين ، وجروه من على فراش مرضه ، وجرد شمر بن ذي الجوشن سيفه يريد قتله ! فنهره حميد بن مسلم قائلاً :
يا سبحان الله ! أتقتل الصبيان ؟ إنما هو صبي مريض ! .
فأجابه شمر بدناءة : إن ابن زياد أمر بقتل أولاد الحسين . وكاد السيف أن يقع على رقبة الإمام وينهي حياته ، لو لا تدخل العقيلة زينب حيث تعلقت به لتحميه وتدفع عنه القتل صارخة بالظالمين القساة : « لا يقتل حتى أقتل دونه » (42) .
ولما رأوا السيف لا يصل الى زين العابدين الا عبر جسد السيدة زينب ، اضطروا للتراجع عن قتله وكفوا عنه .
انقاذ الإمام من بطش ابن زياد :
أدار عبيدالله بن زياد بصره يتصفح وجوه السبايا وبقية أهل البيت حينما أوقفوا أمامه في قصره بالكوفة .
فرأى الإمام زين العابدين وقد أنهكته العلة فسأله : من أنت ؟ .
قال : أنا علي بن الحسين .
فقال ابن زياد : أولم يقتل الله علي بن الحسين ؟ .
أجابه الإمام بهدوء وأناة : كان لي أخ أكبر مني يسمى علياً قتله الناس فرد ابن زياد غاضباً : الله قتله .
أجابه الإمام بشجاعة وثبات : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها ) (43) ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله ) (44) .
ولم يتحمل ابن زياد أن يرد عليه الإمام رداً قرآنياً منطقياً . يفحمه ويكشف جهله فصاح منفعلاً : وبك جرأة على رد جوابي ؟ ! وفيك بقية للرد عليّ ؟ ! .
ونادى بأحد جلاديه : خذ هذا الغلام واضرب عنقه .
فتسابق الجلاوزة لأخذ الإمام للقتل ، وأصبحت حياة الإمام في خطر حقيقي ، وهنا تدخلت السيدة زينب لتمارس دورها في حماية الإمام وانقاذ حياته ، حيث أخذت الإمام واعتنقته لتمنع الجلاوزة من أخذه ، ثم التفتت الى ابن زياد قائلة : حسبك يابن زياد من دمائنا ما سفكت ، وهل أبقيت أحداً غير هذا ؟ فإن أردت قتله فاقتلني معه .
وأحبطت محاولة ابن زياد حيث اضطر للتراجع عن قرار قتل الإمام ، وقال متعجباً : دعوه لها ، يا للرحم ودت انها تقتل معه (45) .
المصادر :
1- سورة الجن ، الآيات ( 26 ـ 27 ) .
2- ( بحار الأنوار ) المجلسي ج 28 ، ص 55 ـ 60 .
3- ( حياة الإمام الحسين ) القرشي ج 3 ، ص 27 .
4- المصدر السابق ص 32 .
5- ( زينب الكبرى ) النقدي ص 94 .
6- ( حياة الإمام الحسين ) القرشي ج 3 ، ص 304 .
7- المصدر السابق ص 344 .
8- المصدر السابق ص 380 .
9- المصدر السابق ص 196 ـ 198 .
10- المصدر السابق ص 172 .
11- المصدر السابق ص 269 .
12- المصدر السابق ص 284 ـ 289 .
13- ( مقتل الحسين ) السيد عبد الرزاق المقرم ص 284 .
14- المصدر السابق ص 307 .
15- ( زينب الكبرى ) النقدي ص 114 .
16- ( السيدة زينب ) عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ ص 158 .
17- ( مقتل الحسين ) المقرم ص 376 .
18- ( أخبار الزينبيات ) العبيدلي ، مطبوع ضمن مجلة ( الموسم ) العدد : 4 .
19- ( الكامل في التاريخ ) ابن الأثير ج 4 ، ص 120 .
20- ( أنصار الحسين ) محمد مهدي شمس الدين ص 131 ـ 137 .
21- المصدر السابق .
22- المصدر السابق .
23- ( حياة الإمام الحسين ) القرشي ج 3 ، ص 258 .
24- ( مقاتل الطالبين ) الأصفاني ص 91 .
25- ( وسيلة الدارين ) الزنجاني ص 241 .
26- ( زينب عقيلة بني هاشم ) سيد الأهل ص 8 .
27- ( نفس المهموم ) الشيخ عباس القمي ص 317 .
28- ( أنصار الحسين ) شمس الدين ص 133 ـ 135 .
29- ( حياة الإمام الحسين ) القرشي ج 3 ، ص 32 .
30- ( معالي السبطين ) محمد مهدي المازندراني ج 2 ، ص 141 .
31- ( تاريخ الأمم والملوك ) الطبري ج 6 ، ص 259 .
32- ( حياة الإمام الحسين ) القرشي ج 3 ، ص 308 .
33- ( مقتل الحسين ) المقرم ص 308 .
34- ( حياة الإمام الحسين ) القرشي ج 3 ، ص 334 . و ( مقتل الحسين ) المقرم ص 310 .
35- ( مقتل الحسين ) المقرم ص 326 .
36- ( تاريخ الأمم والملوك ) الطبري ج 6 ، ص 266 .
37- ( زينب عقيلة بني هاشم ) عبد العزيز سيد الأهل ص 100 .
38- ( بحار الأنوار ) المجلسي ج 45 ، ص 46 . و ( مقتل الحسين ) المقرم ص 271 .
39- ( مقتل الحسين ) المقرم ص 316 .
40- سورة الشورى ، الآية ( 23 ) .
41- ( مقتل الحسين ) المقرم ص 300 .
42- ( حياة الإمام الحسين ) القرشي ج 3 ، ص 302 ، و ( مقتل الحسين ) المقرم ص 301 .
43- سورة الزمر ، الآية ( 42 ) .
44- سورة آل عمران ، الآية ( 145 ) .
45- ( الكامل في التاريخ ) ابن الأثير ج 4 ، ص 82 . و ( مقتل الحسين ) المقرم ص 325 .

 


source : راسخون
320
0
0%
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

في تساوي بعض حالات الزهراء مع رسول الله وأمير المؤمنين ...
آثار الغيبة على الفرد والمجتمع وإفرازاتها
في مدح الإمام العسكري عليه السلام
الاستدراج
دعاء وداع الامام الرضا عليه السلام
التواضع و التکبر
الإمام الحسن العسكري (ع) والتمهيد لولادة و غيبة الإمام ...
واقعة کربلاء ملحمة الخلود
المواقف السياسيّة للإمام موسى الكاظم (عليه السلام)
هل الدعوة لإزالة ذهب القباب عُمَرِيَةُ المنشأ فعلاً ؟

 
user comment