عربي
Thursday 27th of January 2022
157
0
نفر 0

احتجاج الزهراء عليها السلام

احتجاج الزهراء عليها السلام
 

روى عبدالله بن الحسن عليه السلام بإسناده عن آبائه عليهم السلام أنّه لمّا أجمع أبو بكر على منع فاطمة عليها السلام فدك ، وبلغها ذلك ، لاثت خمارها على رأسها ، واشتملت بجلبابها ، وأقبلت في لمةٍ من حفدتها ونساء قومها ، تطأ ذيولها ، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حتّى دخلت على أبي بكرٍ ـ وهو في حشدٍ من المهاجرين
والأنصار وغيرهم فنيطت دونها ملاءة ، فجلست ، ثم أنّت أنّه أجهش القوم لها بالبكاء . فارتج المجلس ثم أمهلت هنيّة حتى اذا سكن نشيج القوم ، وهدأت فورتهم ، افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله ، فعاد القوم في بكائهم ، فلّما أمسكوا عادت في كلامها ، فقالت عليها السلام :
الحمد لله على ما أنعم ، وله الشكر على ما ألهم ، والثناء بما قدّم ، من عموم نعم ابتدأها ، وسبوغ آلاء أسداها ،وتمام مننٍ والاها ، جمّ عن الاحصاء عددها ، ونأى عن الجزاء أمدها ، وتفاوت عن الإدراك أبدها ، وندبهم لاستزادتها بالشكر لا تصالها ، واستحمد إلى الخلايق بإجزالها ، وثنّى بالندب إلى أمثالها . وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، كلمة جعل الإخلاص تأويلها ، وضمن القلوب موصولها ، وأنار في الفكر معقولها . الممتنع من الأبصار رؤيته ، ومن الألسن صفته ، ومن الأوهام كيفيته ، ابتدع الأشياء لامن شيء كان قبلها ، وأنشأها بلا احتذاء أمثلةٍ امتثلها ، كونها بقدرته ، وذرأها بمشيته ، من غير حاجةٍ منه إلى تكوينها ، ولافائدة له في تصويرها إلاّ تثبيتاً لحكمته ، وتنبيهاً على طاعته ، وإظهاراً لقدرته ، وتعبداً لبريته ، وإعزازاً لدعوته . ثمّ جعل الثواب على طاعته ، ووضع العقاب على معصيته ، ذيادةً لعباده عن نقمته ، وحياشةً منه إلى جنته .
أشهد أن أبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عبده ورسوله ، اختاره وانتجبه قبل أن أرسله ، وسماه قبل أن اجتبله ، واصطفاه قبل ان ابتعثه ، اذ الخلائق بالغيب مكنونة وبستر الأهاويل مصونة ، وبنهاية العدم مقرونة ، علما من الله تعالى بمآيل الأمور ، وإحاطة بحوادث الدهور ، ومعرفة بمواقع المقدور ، ابتعثه الله تعالى إماماً لأمره وعزيمةً على إمضاء حكمه ، وإنفاذاً لمقادير حتمه. فرأى الامم فرقاً في أديانها ، عكّفاً على نيرانها عابدة لأوثانها منكرةً لله مع عرفانها .
فأنارالله بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ظلمها وكشف عن القلوب بهمها ، وجلى عن الابصار غممها وقام في الناس بالهداية ، وأنقذهم من الغواية ، وبصرهم من العماية ، وهداهم إلى الدين القويم ، ودعاهم إلى الطريق المستقيم ، ثمّ قبضه الله إليه قبض رأفةٍ واختيار ورغبةٍ وايثار بمحمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم عن تعب هذه الدار في راحةٍ ، قد حفّ بالملائكة الأبرار ورضوان الرّب الغفار ، ومجاورة الملك . صلى الله على أبي نبيّه وأمينه على الوحي ، وصفيه وخيرته من الخلق ورضيه ، والسلام عليه رحمة الله وبركاته .
ثمّ التفت إلى أهل المجلس وقالت : أنتم عباد الله نصب أمره ونهيه وحملة دينه ووحيه ، وأمناء الله على أنفسكم ، وبلغاؤه إلى الامم ، وزعمتم حق لكم لله فيكم ، عهد قدمه اليكم ، وبقية استخلفها عليكم: كتاب الله الناطق ، والقرآن الصادق ، والنور الساطع ، والضياء اللامع ، بينة بصائره ، منكشفة سرائره ، متجلية ظواهره ، مغتبطة به أشياعه ، قائد إلى الرضوان اتباعه ، مؤدٍ إلى النجاة إسماعه . به تنال حجج الله المنورة ، وعزائمه المفسرة ، ومحارمه المحذرة ، وبيناته الجالية ، وبراهينه الكافية ، وفضائله المندوبة ، ورخصه الموهوبة ، وشرايعه المكتوبة .
فجل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك ، والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر ، والزكاة تزكية للنفس ونماء في الرزق ، والصيام تثبيتاً للإخلاص ، والحجّ تشييداً للدين ، والعدل تنسيقاً للقلوب ، واطاعتنا نظاماً للملة ، وإمامتنا أمانا من الفرقة ، والجهاد عزاً للإسلام ، والصبر معونةً على استيجاب الأجر ، والأمر بالمعروف مصلحة للعامّة ، وبر الوالدين وقايةً من السخط ، وصلة الارحام منماةً للعدد ، والقصاص حصناً للدماء ، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة ، وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس ، والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس ، واجتناب القذف حجاباً عن اللّغة ، وترك السرقة إيجاباً للعفة ، وحرّم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبية ، ( فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون ) وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه ، فإنه ( إنّما يخشى الله من عباده العلماء ) .
ثمّ قالت : أيّها الناس ! اعلموا أنّي فاطمة ، وأبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، أقول عوداً وبدءاً ، ولا أقول ما أقول غلطاً ، ولا أفعل ما أفعل شططاً: ( ولقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين روؤف رحيم ) فإنّ تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم وأخا ابن عمي دون رجالكم ، ولنعم المعزّي إليه صلى الله عليه وآله سلم . فبلغّ الرسالة صادعاً بالنذارة مائلاً عن مدرجة المشركين ، ضارباً ثبجهم ، آخذاً بأكظامهم ، داعياً إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، يكسر الأصنام وينكت الهام حتى انهزم الجمع وولوا الدبر ، حتى نفرّى اللّيل عن صبحه وأسفر الحق عن محضه ، ونطق زعيم الدين ، وخرست شقاشق الشياطين ، طاح وشيظ النفاق ، انحلّت عقد الكفر والشقاق ، وفهتم بكلمة الإخلاص في نفر من البيض الخماص ، وكنتم على شفا حفرةٍ من النار ، مذفة الشارب ، ونهزة الطامع ، وقبسة العجلان ، وموطىء الاقدام ، تشربون الطرق ، وتقتاتون الورق ، أذلةً خاسئين ، « تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم » .
فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم بعد اللتيا والتي ، وبعد أن مني ببهم الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب ، « كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله » ، أو نجم قرن للشيطان ، وفغرت فاغرة من المشركين قذف أخاه في لهواتها ، فلا ينكفىء حتى يطأ صماخها بأخمصه ، ويخمد لهبها بسيفه ، مكدوداً في ذات الله ، مجتهداً في أمر الله ، قريباً من رسول الله سيد أولياء الله ، مشمّراً ناصحاً ، مجداً كادحاً ، وأنتم في رفاهية من العيش ، وادعون فاكهون آمنون ، تتربصون بنا الدوائر ، وتتوكّفون الأخبار ، وتنكصون عند النزال ، وتفرون عند القتال .
فلما اختار الله لنبيه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ، ظهر فيكم حسيكة النفاق ، وسمل جلبات الدين ، ونطق كاظم الغاوين ، ونبغ خامل الأقلّين ، وهدر فنيق المبطلين .
فخطر في عرصاتكم ، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه ، هاتفاً بكم ، فألفاكم لدعوته مستجيبين ، وللغرّة فيه ملاحظين. ثم استنهضكم فوجدكم خفافاً ، وأحمشكم فألفاكم غضاباً ، فوسمتم غير ابلكم ، وأوردتم غير شربكم ؛ هذا والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لمّا يندمل ، والرسول لمّا يقبر زعمتم خوف الفتنة ، « ألا في الفتنة سقطوا وإنّ جهنم لمحيطة بالكافرين ».
فهيهات منكم ، وكيف بكم ، وأنّى تؤفكون ؟ وكتاب الله بين أظهركم ، اموره ظاهرة ، وأحكامه زاهرة ، وأعلامه باهرة ، وزواجره لائحة ، وأوامره واضحة ، قد خلّفتموه وراء ظهوركم ، أرغبةً عنه تريدون ، أم بغيره تحكمون ، « بئس للظالمين بدلاً »« ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ».
ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها ، ويسلس قيادها ثم أخذتم تورون وقدتها ، وتهيّجون جمرتها ، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي ، وإطفاء أنوار الدين الجلي ، وإهماد سنن النبي الصفي ، تسرون خشوا في أرتعاء ، وتمشون لأهله ووله في الخمر والضراء ، ونصبر منكم على مثل حزّ المدى ، ووخز السّنان في الحشا ، وأنتم تزعمون ألاّ إرث لنا ، « أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من حكماً لقوم يوقنون » أفلا تعلمون ؟ بلى تجلّى لكم كالشمس الضاحية أنّي ابنته .
أيها المسلمون أاغلب على إرثيه يا ابن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ، ولا أرث أبي ؟ « لقد جئت شيئاً فرياً » ، أفعلى عمدٍ تركتم كتاب الله ، ونبذتمونه وراء ظهوركم ، إذ يقول : « وورث سليمان داود », وقال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا عليها السلام إذ قال ربّ « هب لي من لدنك وليّاً يرثني ويرث من آل يعقوب » وقال : « واولوا الأرحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله » وقال :« يوصيكم الله في أولادكم للذّكر مثل حظ الانثيين » وقال : « إن ترك خيراً الوصيّة للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين » ، وزعمتم ألاّ حظوة لي ، ولا إرث من أبي لا رحم بيننا !
أفخصّكم الله بأية أخرج منها أبي ؟ أم هل تقولون أهل ملّتين لا يتوارثان ، ولست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة ؟ ! أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي ؟ فدونكها مخطمة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزّعيم محمدّ ، والموعد القيامة ، وعند الساعة ما تخسرون ، ولا ينفعكم إذ تندمون ، « ولكل نبأٍ مستقرّ وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحلّ عليه عذاب مقيم » . ثم رمت بطرفها نحو الأنصار فقالت : يا معاشر الفتية ، وأعضاد الملّة ، وأنصار الإسلام ! ما هذه الغميزة في حقّي ؟ والسّنة عن ظلامتي ، أما كان صلى الله عليه وآله وسلم أبي يقول : « المرء يحفظ في ولده » ؟ سرعان ما أحدثتم ، وعجلان ذا إهالةً ، ولكم طاقة بما احاول ، وقوّة على ما أطلب وازاول ! أتقولون مات محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟! فخطب جليل استوسع وهيه ، واستنهر فتقه ، وانفتق رتقه ، وأظلمت الأرض لغيبته ، وكسفت النجوم لمصيبته ، واكدت الآمال ، وخشعت الجبال ، واضيع الحريم ، وازيلت الحرمة عند مماته. فتلك والله النّازلة الكبرى ، والمصيبة العظمى ، لا مثلها نازلة ولا بائقة عاجلة أعلن بها كتاب الله ـ جل ثناؤه ـ في أفنيتكم في ممساكم ومصبحكم هتافاً وصراخاً وتلاوة وإلحاناً ، ولقبله ما حلّ بأنبياء الله ورسله ، حكم فصل وقضاء حتم : « وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسول أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين ». أيها بني قيلة ! أاهضم تراث أبيه وأنتم بمرأى منّي ومسمع ، ومبتدأ ومجمع ؟! تلبسكم الدّعوة ، وتشملكم الخبرة ، وأنتم ذوو العدد والعدّة ، والأداة والقوّة ، وعندكم السلاح والجنّة ؛ توافيكم الدعوة فلا تحبيبون ، وتأتيكم الصّرخة فلا تغيثون ، وأنتم موصوفون بالكفاح ، معروفون بالخير والصّلاح ، والنجّبة التي انتجبت ، والخيرة التي اختيرت ! قاتلتم العرب ، وتحمّلتم الكذّ والتعب ، وناطحتم الامم ، وكافحتم البهم ، فلا نبرح أو تبرحون ، نأمركم فتأتمرون حتى دارت بنا رحى الإسلام ، ودرّ حلب الأيام ، وخضعت نعرة الشرك ، وسكنت فورة الإفك ، وخمدت نيران الكفر ، وهدأت دعوة الهرج ، واستوسق نظام الدين ، فأنّى جرتم بعد البيان ، واسررتم بعد الإعلان ، ونكصتم بعد الإقدام ، وأشركتم بعد الإيمان ؟ « ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهمّوا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق ان تخشوه إن كنتم مؤمنين » .
ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض ، وأبعدتم من هو أحقّ بالبسط والقبض، وخلوتم بالدعة ، ونجوتم من الضيق بالسّعة ، فمججتم ما وعيتم ، ودسعتم الذي تسوّغتم ، « فإن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإنّ الله لغني حميد » ألا وقد قلت ما قلت على معرفة منّي بالخذلة التي خامرتكم ، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم ، ولكنها فيضة النفس ، ونفثة الغيظ ، وخور القنا ، وبثّة الصدور ، وتقدمة الحجّة.
فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظّهر ، نقبة الخفّ ، باقية العار ، موسومة بغضب الله وشنار الأبد ، موصولة بنار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة . فبعين الله ما تفعلون « وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون » . وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، ، « فاعملوا إنّا عاملون وانتظروا إنّا منتظرون .
فأجابها أبو بكر عبد الله بن عثمان ، فقال : يا ابنة رسول الله ، لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفاً كريماً ، رؤوفاً رحيماً ، وعلى الكافرين عذاباً أليماً وعقاباً عظيماً : فإن عزوناه وجدناه أباك دون النساء ، وأخاً لبعلك دون الأخلاء ، آثره على كل حميم ، وساعده في كل أمر جسيم ، لا يحبّكم إلاكل سعيد ، ولا يبغضكم إلا كل شقي : فأنتم عترة رسول الله صلى الله عليه وآله الطيبون ، والخيرة المنتجبون ، على الخير أدلّتنا ، وإلى الجنّة مسالكنا ، وأنت ـ يا خيرة النساء وابنة خير الأنبياء ـ صادقة في قولك ، سابقة في وفور عقلك ، غير مردودةٍ عن حقك ، ولا مصدودةٍ عن صدقك ، ووالله ، ما عدوت رأي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : « نحن معاشر الأنبياء لا نوّرث ذهباً ولا فضة ولا داراً ولا عقاراً ، وإنما نورّث والحكمة ، والعلم والنبوة ، وما كان لنا من طعمة فلوليّ الأمر بعدنا أن يحكم فيه بحكمه » .
وقد جعلنا ما حاولته في الكراع والسّلاح يقابل به المسلمون ، ويجاهدون الكفار ، ويجالدون المردة ثم الفجّار . وذلك بإجماع من المسلمين لم أتفرّد به وحدي ، ولم أستبد بما كان الرأي فيه عندي ، وهذه حالي ، ومالي هي لك وبين يديك ، لا نزوي عنك ولا ندّخر دونك . ونت سيدة أمّة أبيك ، والشجرة الطيبة لبنيك ، لا يدفع ما لك من فضلك ، ولا يوضع من فرعك وأصلك ؛ حكمك نافذ فيما ملكت يدأي ، فهل ترين أن اخالف في ذلك أباك صلى الله عليه وآله ؟
فقالت عليها السلام : سبحان الله ! ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كتاب الله صادفاً ، ولا لأحكامه مخالفاً ، بل كان يتّبع أثره ، ويقفو سوره ، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالاً عليه بالزور ، وهذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته . هذا كتاب الله حكماً عدلاً ، وناطقاً فصلاً ، يقول : « يرثني ويرث من آل يعقوب » ، « وورث سليمان داود » فبيّن عزّ وجلّ فيما وزّع عليه من الأقساط ، وشرّع من الفرايض والميراث ، وأباح من حظّ الذّكران والإناث ما أزاح علّة المبطلين ، وأزال التّظنّي والشبهات في الغابرين ، كلا « بل سؤّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ».
فقال أبو بكر صدق الله ورسوله ، وصدقت ابنته ؛ انت معدن الحكمة ، وموطن الهدى والرحمة ، وركن الدين وعين الحجّة ، لا أبعد صوابك ، ولا أنكر خطابك هؤلاء المسلمون بيني وبينك ، قلّدوني ما تقلّدت ، وباتّفاق منهم أخذت ما أخذت غير مكابر ولا مستبد ولا مستأثر ، وهم بذلك شهود .
فالتفتت فاطمة عليها السلام وقالت : معاشر الناس المسرعة إلى قيل الباطل ، المغضيةعلى الفعل القبيح الخاسر « أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها » كلا بل ران على قلوبكم ما أسأتم من أعمالكم ، فأخذ بسمعكم وأبصاركم ، ولبئس ما تأوّلتم ، وساء ما به أشرتم ، وشرّ ما عنه اعتضتم ، لتجدنّ ـ والله ـ محمله ثقيلاً ، وغبّه وبيلاً إذا كشف لكم الغطاء ، وبان ما وراءه الضراء . « بدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون » و « خسر هنالك المبطلون » .
ثم عطفت على قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقالت :
قـد كــان بــعدك أنــباء وهــنبثة ***لو كـنت شـاهـدها لم تكــبر الخـطب
إنّــا فــقدناك فــقد الأرض وابــلها ***واختلّ قـومك فاشهدهم وقــد نكـبوا
وكـــل أهــل له قــربى ومــنزلة ***عـند الإله عـلى الأدنـين مــقترب
أبـدت رجـال لنـا نـــجوى صـدورهم ***لمّا مضيت وحـــالت دونك التّـرب
تـــجهّمتنا رجــال واســتخفّ بــنا ***لمّا فقدت وكـــل الأرض مـغتصب
وكــنت بــدراً وقــوراً يسـتضاء بـه ***عـليك تـنزل مــن ذي العـزة الكـتب
وكــان جــبريل بـــالآيات يــونسنا ***فقد فقدت فكـــل الخـير مـحتجب
فــليت قـبلك كـــان المـوت صـادفنا ***لمّا مضيت وحـــالت دونك الكتب
إنّــا رزئــنا بــما لم يـرز ذو شـجن ***مــن البــريّة لا عـجم ولا عـرب
ثم انكفأت عليها السلام وأمير المؤمنين عليه السلام يتوقع رجوعها إليه ، ويتطلع طلوعها عليه. فلما استقرت بها الدار قالت لأمير المؤمنين عليه السلام : يابن أبي طالب ! اشتملت شملة الجنين .
وقعدت حجرة الظنين نقضت قادمة الأجدل ، فخانك ريش الاعزل ؛ هذا ابن أبي قحافة يبتزني نحيلة أبي وبلغة ابني ، لقد أجهر في خصامي ، وألفيته ألدّ في كلامي ، حتى حبستني قيلة نصرها ، والمهاجرة وصلها ، وغضّت الجماعة دوني طرفها ؛ فلا دافع ولا مانع ، خرجت كاظمةً ، وعدت راعمةً ، أضرعت خدّك يوم أضعف حدّك ، افترست الذئاب ، افترشت التراب ، ما كففت قائلاً ، ولا أغنيت باطلاً ، ولا خيار لي . ليتني مت قبل هنيتي ودون زلّتي .
عذيري الله منك عادياً ومنك حامياً .
ويلاي في كل شارقٍ ، مات العمد ، ووهت العضد . شكواي إلى أبي ، وعدو أي إلى ربّي .
اللهم أنت أشدّ قوة وحولاً ، وأحدّ بأساً وتنكيلاً .
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : لا ويل عليك ، الويل لشانئك ، نهنهي عن وجدك يا ابنة الصّفوة وبقيّة النبوة ، فما ونيت عن ديني ، ولا أخطأت مقدوري ، فإن كنت تريدين البلغة فرزقك مضمون ، كفيلك مأمون ، وما أعد لك أفضل مما قطع عنك .
فاحتسبي الله ؛ فقالت : حسبي الله ؛ وأمسكت .
المصدر : من کتاب الاسرار الفاطمية / الشيخ محمد فاضل المسعودي

 


source : راسخون
157
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

قتيبة بن مسلم وملک الصين
العباس بن الإمام أمير المؤمنين ( عليهما السلام)
أَنوارٌ حسينيّة (3)
حیاة الامام الرضا (ع)
عرض تاريخي لعمارة المسجد النبوي
إذا بلغ الصبي بعد الإحرام وصار مستطيعاً
ما هو اسم الحسين عليه السلام
باقر علم النبيين صلوات الله عليه
الميزان
أصول العقیدة الإسلامیة وأرکانها

 
user comment