عربي
Wednesday 27th of January 2021
41
0
نفر 0
0% این مطلب را پسندیده اند

تاريخٌ يلازم الناشئة العراقية

البعض يقول ما لنا وللأمويين؟ لقد مضى عليهم زهاء ثلاثة عشر قرنا. أليست هناك مواضيع أخرى ـ ألصق منهم بحياتنا الحاضرة ـ تستلزم البحث والاستقصاء؟ ألا يثير البحث ـ في هذا النوع من المواضيع ـ اختلافا بين المسلمين نحن في غنى عنه في الوقت الحاضر؟ أليس البحث ـ في هذا الموضوع بالذات ـ ينم عن « رجعية » في التفكير؟
أن هذا النمط من التساؤل ينطوي ـ على ما أرى ـ إما على سذاجة في الإدراك ، أو على نفاق وتهافت ، أو أنه يتضمن المغالطة والتضليل ـ كل ذلك بالطبع يتوقف على الجهة التي يصدر منها.
ذلك لأن الأمويين يلازم تاريخهم الناشئة العراقية ـ بنين وبنات ـ طوال المراحل الدراسية الثلاث : الابتدائية والثانوية والعالية.
وفي أكثر من جانب من جوانب منهج التدريس : في دروس التاريخ والدين والادب والمطالعة والنصوص. يضاف إلى ذلك أن الأمويين يطلون علينا ـ بين حين وآخر ـ من نوافذ المنظمات القومية المنبثة في أنحاء القطر وبعض أرجاء العالم العربي.
هذا إلى أن المرء كثيرا ما يصادفهم في منظوم القول وفي منثوره. فقد تغنى بمجدهم فريق من الكتاب المعاصرين وحن إلى عهدهم رعيل من الشعراء المحدثين.
فالدكتور بديع شريف ، مثلا ، يشيد بمجدهم في كتابه الممتع « الصراع بين المولى والعرب » والدكتور عبد الرزاق محي الدين يريدها ـ في قصيدته الرقيقة ـ ... أما معاوية يعلو الاريكة أو أبو الحسن
فلماذا لا يعترض المعترضون على ذلك؟ ويعتبرونه رجعية في التفكير؟ لأنه يدعو إلى ارجاع عهد مرت عليه مئات السنين.
لماذا لا يطلبون من وزارة المعارف أن ترفع كابوس الأمويين عن كاهل الطلاب والطالبات؟ هل « الرجعية » المزعومة ناتجة عن كون بحثنا هذا يختلف عما ألفه المعترضون من « حقائق » مدرسية عن التاريخ الأموي؟.
أما الدعوة إلى البحث في أمور ألصق بحياتنا اليومية من الأمويين فكلمة حق يراد بها باطل. ذلك لان البحث في الامويين لا يحول دون التصدي للبحوث الاخرى بالتمحيص والنقد.
وأما الاختلاف بين المسلمين فموجود في أغلب نواحي الحياة ـ بما في ذلك موقفهم من الأمويين.
وما هذه الدراسة ـ في الواقع إلا صدى لذلك الاختلاف. فهي نتيجة من نتائجه لا سبب من أسباب حدوثه. ولعلها ـ إذا ما قرئت بعين الانصاف والتدبير ـ تخفف من حدة ذلك التوتر بين المسلمين في موقفهم من الأمويين على الاقل.
على أن الامر ، مع هذا « أعمق من ذلك كله بكثير فالأمويون ملتصقون بحياتنا العامة أشد الالتصاق : تؤثر سيرتهم فينا بصورة مباشرة أحيانا وغير مباشرة أحيانا اخرى.
فالقومية العربية ، بشكلها النازي الممقوت من حيث موقفها من العرب غير المسلمين ومن غير العرب ، هي احدى مخلفات الأمويين. وتظاهر الكثيرين منا باحترام الدين واتباع أوامره ونواهيه ـ في القول ـ ومخالفتهم ذلك « في العمل » هو الآخر من آثارهم.
واهتمام كثير من المشتغلين بالأمور الدينية بالجوانب الثانوية الاهمية من الدين على حساب جوهره هو أيضاً من مخلفاتهم.
والخلاصة : إننا مرضى في أخلاقنا ، يأمر أغلبنا بالفضيلة ولا يفعلها ، وينهى عن الرذيلة ويتعاطاها.
وما هذا الانحراف الخلقي ، على ما أرى ، إلا أحد مخلفات الامويين : تعست أمة تستوحي مثلها العليا ، والسياسة والاخلاق ، من معاوية بن أبي سفيان ، وعمرو ابن العاص وزياد بن سمية ، والحجاج بن يوسف ومن هم على شاكلتهم من الحكام والامراء ..
عاش العرب في شبه جزيرتهم أيام الجاهلية. وعاشوا داخل شبه الجزيرة وخارجها عندما انبثق نور الإسلام في بلادهم.
وقد حاولوا ـ في الحالة الأولى وعلى القدر المستطاع ـ أن يتجنبوا الاحتكاك بغيرهم من الأمم إلا ما استلزمته طبيعة الظروف التي نشأوا خاضعين لها من الناحيتين المادية والفكرية.
وسعوا ـ في الحالة الثانية ـ إلى الاحتكاك بالأقوام التي عاشت خارج نطاق محيطهم الجغرافي. وسبب ذلك ـ على ما يبدو ـ هو : أن الدين الجديد قد شجع العرب على التوغل في البلاد الأخرى عن طريق الفتح.
غير أن احتكاك العرب المسلمين بالأمم الأخرى ، عن طريق الفتح ، قد اصبح في العهد الأموي الذي بدأ بخلافة عثمان بن عفان لا بحكم معاوية كما هو الشائع.
وسيلة من وسائل إشغال العرب المسلمين بالتوغل في بلاد غريبة عنهم في مواردها وفي طبائع أهلها ، وعاملا من عوامل توجيه أنظارهم نحو الانتفاع بتلك الموارد من الناحية المادية.
وواسطة من وسائط اليها الذين يطالبون « الخليفة » بوجوب السير وفق تعاليم الدين كما جاءت في القرآن وسيرة النبي. أي إن : « الفتح » الإسلامي قد أصبح وسيلة من الوسائل التي يتخلص بها « الخليفة » من العناصر المتمردة على الأوضاع السياسية والاقتصادية القائمة غير المنسجمة مع بمبادئ الدين الحنيف.
وواسطة من وسائط ابتزاز موارد البلاد المفتوحة ليتصرف بها « الخليفة » وفق هواه على حساب الدين.
فعثمان بن عفان ـ الذي بدا في عهده وضع أسس الحكم الأموي ـ مثلا : قد أسرف في تبذير أموال المسلمين على أصهاره ، وأنصاره وذوي قرباه.
فمنح مروان ابن الحكم ـ زوج ابنته أم إبان ـ كما منح ابنته عائشة زوج الحرث ابن الحكم ، أخي مروان مثلا : « مئتي ألف درهم من بيت المال سوى ما أقطعه من قطائع ...
ومنح أبا سفيان ـ شيخ بني أمية ـ مئة ألف درهم » (١).
« كما أنه وهب مروان بن الحكم » خمس الغنيمة التي غنمها المسلمون في أفريقية.
وأعطى الحكم ـ أبا مروان ـ وابنه الحرث ثلثمائة الف.
وأعطى عبد الله بن خالد بن أسيد الأموي ثلثمائة ألف.
وأعطى لكل واحد ـ من الذين وفدوا مع عبد الله بن خالد ـ مئة مئة ألف.
وأعطى الزبير بن العوام ستمائة ألف ، وطلحة مئة الف ، وسعيد بن العاص مئة ألف.
وزوج ثلاثاً أو أربعاً من بناته لنفر من قريش فأعطى كل واحد منهم مئة ألف دينار » (٢) قال البلاذري (٣) :
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن أسامة بن زيد بن أسلم عن نافع مولى الزبير عن عبد الله بن الزبير قال : أغزانا عثمان أفريقية فأصاب عبد الله بن أبي سرخ غنائم جليلة فأعطى عثمان مروان بن الحكم خمس الغنائم ...
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن أم بكر عن أبيها قالت قدمت أبل الصدقة على عثمان فوهبها للحرث بن الحكم بن أبي العاص.
وإن عثمان ولى الحكم بن أبي العاص صدقات قضاعة فبلغت ثلثمائة ألف درهم فوهبها له حين أتاه بها.
وأعطى عثمان زيد بن ثابت الأنصاري مئة ألف درهم.
هذه نماذج من تبذير الأمويين أموال المسلمين سقناها على سبيل التمثيل لا الحضر هذا مع العلم أنها حصلت في عهد ثالث الخلفاء الراشدين.
أما نظائرها في عهد معاوية والذين جاؤوا من بعده فقد بلغت حداً يفوق الوصف.
لقد مر بنا القول بأن الفتح الإسلامي قد أصبح ـ في عهد الأمويين ـ وسيلة من وسائل إشغال الناس بالغزو لصدهم عن التحدث في أوضاعهم الداخلية العامة.
وقد اتضح ذلك عندما أخذ الأمر يتفاقم على عثمان بن عفان.
فقد جمع ابن عفان ـ سنة ٣٤ هـ ـ كبار أمرائه للتداول معهم في إيجاد حل للخروج من تلك الأزمة السياسية الحادة وتلك الفتنة الغليظة المظلمة.
فاقترح عبد الله بن عامر ـ على عثمان ـ أن يرسل المسلمين إلى « الجهاد » ويلهيهم بالحرب ويطيل إقامتهم بالثغور.
ويلوح لي أن بعض المسلمين قد انتبه إلى هذه الحيلة فحاول أن يفسدها.
فحمد بن أبي حذيفة (4) ـ الذي آلمته سياسة عثمان ، مثلا قد بدأ يندد به ويحرض على قتله ، رغم صلة القربى التي تجمع بين الرجلين.
« فكان يلقي الرجل عائداً من غزوة الروم فيتخابث ويسأل :
أمن الجهاد ؛ فيجيبه الرجل بنعم. فيشير بإبهامه إلى ناحية الحجاز ويقول :
١ ـ إبن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. وعتبة جده هو أبو هند زوج أبي سفيان وأم معاوية. أسره عمرو بن العاص عند ما غزا مصر بعد النهروان وقتل محمد بن ابي بكر عامل علي عليها. فأخذه معاوية وسجنه. غير أنه هرب من السجن. فلحق به عبيد الله بن عمرو ابن ظلام ـ وهو رجل من خثعم ـ فقتله.
لقد تركنا خلفنا الجهاد ـ جهاد عثمان بن عفان »
هذا ما يقوله محمد بن أبي حذيفة فيما يتعلق بتصرفات ثالث الخلفاء الراشدين.
ولا ندري ما كان يقوله محمد لو قدر له أن يعيش فيشهد سيرة الأمويين بعد مصرع ابن أبي طالب !! حيث أصبحت القاعدة العامة للحكم الأموي هي : الخروج على القرآن وسيرة النبي ، وصار الحكام الأمويون يتسابقون على الانغماس في الموبقات :
الأمر الذي اضطر فريقاً من خيرة المسلمين (وفي مقدمتهم الحسين بن علي وصحبه وعمار بن ياسر وحجر بن عدي وصحبه وعمرو ابن الحمق الخزاعي وميثم التمار ومن هم على شاكلتهم.) إلى توجيه روح الجهاد « الذي غرسه الإسلام في نفوسهم » نحو محاربة الأمويين. فوقعوا صرعى في ساحات الشرف.
ولقد جاهد أولئك المسلمون الأمويين لإرجاعهم إلى أحضان الدين ولردعهم من الإيغال في الموبقات ولصدهم عن السير في وثنيتهم السياسية والأخلاقية ـ جرياً مع مستلزمات القرآن.
فقد جاء في سورة البقرة : « وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم » وفي سورة المائدة : « إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا ... ».
وفي سورة المجادلة : « لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم ... »
لقد كانت الغاية من الجهاد ـ في عهد الرسول الكريم ـ هي رفع كلمة الله والسمو بالمتخلفين من الناس إلى أوج المستويات الخلقية الرفيعة.
وكان الرسول الكريم يوزع غنائم الفتح توزيعاً عادلا بين المسلمين وفق مستلزمات الشرعية السمحاء. فلا غرو أن رأينا المسلمين ـ في عهده ـ يتسابقون في تقديم أرواحهم للموت.

وفي تاريخ الرسول أمثلة رائعة من هذا القبيل ذكر الواقدي :
إن الرسول ـ عندما علم أن أبا سفيان قد ألب عليه المشركين لأخذ ثأرهم منه بعد معركة بدر ـ استشار أصحابه قبل الخروج إلى أحد فيما ينبغي أن يفعلوه. فطلبوا منه أن يخرج إلى عدوهم ورغبوا في الاستشهاد في سبيل الله.
« فقال مالك بن سنان ـ أبو أبي سعيد الخدري ـ يا رسول الله نحن والله بين إحدى الحسينين :
إما أن يظفرنا الله بهم. فهذا الذي نريده. والأخرى ـ يا رسول الله ـ يرزقنا الله الشهادة. والله ـ ما أبالي أيهما كان. إن كلا لفيه الخير ...
وقال النعمان بن مالك بن ثعلبة ـ أخو بني سالم ـ يا رسول الله لا تحرمنا الجنة فو الذي لا اله إلا هو لأدخلنها (5) ...
وقال خثيمة ـ أبو سعد ـ يا رسول الله إن قريشاً مكثت حولا تجمع الجموع وتستجلب العرب في بواديها ومن تبعها من أحابيسها. ثم جاؤنا. فلنخرج لهم عسى الله أن يظفرنا بهم. أو تكون الاخرى وهي الشهادة.
لقد أخطأتني وقعة بدر وقد كنت عليها حريصا. وقد بلغ ـ من حرصي ـ أن ساهمت أبني في الخروج فخرج سهمه. فرزق الشهادة وقد كنت عليها حريصا وقد رايت ابني البارحة ـ في النوم ـ في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها وهو يقول : إلحق بنا ترافقنا في الجنة. وقد ـ والله يا رسول الله ـ أصبحت مشتاقا إلى مرافقته في الجنة ...
وقال أنس بن قتادة يا رسول الله هي إحدى الحسينين. إما الشهادة وإما الغنيمة والظفر بهم ».
تلك صورة من أروع صور دفاع المرء عن عقائده واستعداده للتفاني في سبيلها. فالاستشهاد في ساحات القتال والظفر بالخصم سيان عند مالك بن سنان. فهو لا يبالي أيهما كان لأن في كل منهما الخير.
والاستشهاد في سبيل صيانة بيضة الإسلام ـ بنظر النعمان بن مالك ـ أفضل من الانتصار على المشركين على الرغم مما في ذلك الانتصار من إعلاء لكلمة الله.
فالنعمان مصم على دخول الجنة ـ اي انه قد وطد نفسه على نفسه الموت في ساحات القتال. وليس بعد هذا من شيء يستطيع أن يقدمه المرء في سبيل الدفاع عن معتقداته في الدين والسياسة والأخلاق.
أما خثيمة فقد تسابق مع ابنه في الوصول إلى الموت ، وأنه أسف على نجاته منه في معركة بدر بقدر ما كان فرحة شديداً باستشهاد ولده.
وقد رأى في المنام ولده الشهيد على احسن حال فشجعه على اللحاق به.
وإذا كانت الاحلاي كما يقول فرويد ـ العالم النفسي المعروف تعبيراً عن الرغبات المكبوتة لدى الإنسان ، اي أنها تحقيق لما لا يمكن تحقيقه في الحياة التي يحياها الإنسان ، فإن خيثمة ـ حلمه هذا ـ قد ضرب مثالا آخر من أروع الأمثلة في الدفاع عن الإسلام.
وهناك صور أخرى ، لا تقل روعة عما ذكرنا ، في التعبير عن موقف المسلمين من الجهاد في عهد الرسول ، فمنها ما يتصل بموقف الأحداث وآبائهم من التضحية في سبيل الاسلام. قال الواقدي (6) :
عرض على الرسول غلمان عبد الله بن عمرو ، وزيد بن ثابت وأسامة بن زيد والنعمان بن بشير ، وزيد بن أرقم والبراء بن عازب ، وأسيد بن حضير ، وغرابة ابن أوس وسمرة بن جندب ، ورافع بن خديج ، فردهم.
قال رافع بن خديج : فجعلت أتطاول ـ وعلى خفان ـ فأجازني رسول الله. فلما أجازني شكا سمرة بن جندب لربيبة ـ مرى بن سنان زوج أمه ـ ذلك. فقال : مرى يا رسول الله رددت إبني وأجزت رافع بن خديج !! وابني يصرعه. فتصارعا. فصرع سمرة رافعا .. فأجازه الرسول ».
ومنها ما يتعلق بحماس من أجاز لهم الإسلام أن يتخلفوا عن الجهاد.
وقد بلغ عمرو بن الجموح القمة في موقفه في هذا المضمار.
وكان عمرو بن الجموح رجلا أعرج. فلما كان يوم أحد ـ وكان له بنون أربعة يشهدون مع النبي أمثال الأسد ـ أراد بنوه أن يحبسوه.
فقال له المسلمون أنت رجل أعرج ولا حرج عليك ، وقد ذهب بنوك مع النبي. قال : بخ !! يذهبون إلى الجنة واجلس أنا عندكم ، فخرج ولحقه بنوه يكلمونه في القعود. فأتى رسول الله ؛ فقال :
يا رسول الله إن أولادي يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك ، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة. فقال رسول الله أما أنت فقد عذرك الله ، ولا جهاد عليك. فأبى عمرو إلا الخروج معهم إلى أحد.
فقال أبو طلحة : نظرت إلى عمرو بن الجموح في الرعيل الأول يقول : أنا والله مشتاق إلى الجنة ، وإبنه في أثره. حتى قتلا.
وكانت عائشة ـ زوج النبي ـ قد لقيت بنت عمرو بن حزام ـ راجعة بعد أحد ـ تسوق بعيراً لها ، عليه جثة زوجها عمرو وجثة أخيها عبد الله ، وجثة إبنها خلاد.
فقالت لها عائشة : فأين تذهبين بهم؟ قالت : إلى المدينة أقبرهم فيها ..
ثم أقبلت هند إلى رسول الله فقالت له : أدع الله عسى أن يجعلني معهم.
فعمرو بن الجموح خرج إلى الجهاد رغم إعفائه عن المساهمة في ذلك من الناحية الشرعية. وأراد أن يطأ بعرجته الجنة. فأخذ يتسابق ـ على ذلك ـ مع أحد بنيه حتى صرعا معاً.
وقد اصبح بذلك من التضحية في ذؤابتها.
أما زوجة هند فهي الأخرى قد سارت في طريق الخلود. فلم تكتفي باستشهاد زوجها وابنها وأخيها ـ وهو أمر لا تقوى على تحمله النساء ـ « حملهم على جملها من أحد إلى المدينة لدفنهم ، وهي جذلة متعالية » بل أرادت من الرسول أن يدعو لها باللحاق بهم.
كل ذلك طمسه الأمويون بالإضافة إلى طمسهم معالم الدين الأخرى كما سنرى.
ذلك ما يتصل بموقف العرب المسلمين من الأمم الاخرى في ضوء الدين الجديد.
أما ما يتصل بموقفهم من جاهليتهم فيمكننا أن نقول :
إن الدين الجديد قد استلزم ـ من الناحية النظرية على كل حال ـ إحداث تغييرات واسعة المدى وعميقة الغور في نظرة العربي لنفسه من حيث صلتها بالمجتمع الذي ينتمي إليه وبالكون الذي يعيش فيه.
كما إنه قد استلزم كذلك ـ من الناحية النظرية أيضا ـ إجراء تبدلات واسعة وعميقة في تصرفات العربي في المجالين الآنفي الذكر.
وبما أن دراستنا هذه منصبة ـ في جوهرها ـ على الجانب الأخلاقي للدين الجديد ـ بمقدار ما يتعلق الأمر بالأسرة الأموية ـ فسوف لا نتطرق للبحث في الدين الإسلامي ـ في جوانبه العقائدية ـ إلا عرضاً.
أي إننا سوف تقصر البحث في الجانب الأخلاقي ـ السياسي للأمويين في ضوء مبادئ الدين الحنيف. ويمثل الجانب السلبي للأخلاق الإسلامية لجانب الإيجابي لأخلاق العرب في جاهليتهم. أي أن كل تصرف نهى الدين العرب عن تعاطيه يعتبر خلقاً عربياً جاهلياً أصيلا فيهم. وفي القرآن الكريم آيات تصف الخلق العربي ـ في جانبيه الإسلامي والجاهلي ـ فتعبر جوانبها الإيجابية عن الخلق العربي الإسلامي. على حين أن جوانبها السلبية تصف الخلق العربي الجاهلي. وقد جعلنا محتويات تلك الآيات مقياساً لدراستنا لأخلاق الأمويين.
جاء في سورة الانعام : « قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم : ألا تشركوا شيئا ... ولا تقربوا الفواحش ـ ما ظهر منها وما بطن ـ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ... » وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى. وبعهد أوفوا ... » (7)
وجاء في سورة الحجرات : « يا أيها الذين آمنوا إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ».
فاذا نظرنا إلى الآيات الآنفة الذكر في ضوء المجالين السالفين ـ علاقة المسلم بالكون وبالمجتمع ـ امكننا أن نحدد الخلق الإسلامي تحديداً دقيقاً. فتتلخص علاقة الإنسان بالكون في الإيمان بوحدانية الله.
أما علاقته بالآخرين فتبدو في الإقلاع عن الزنى والقتل ونكث العهد والغدر وتجنب الظلم بشتى صوره. تلك هي ـ بنظرنا ـ الاسس التي يرتكز عليها الإسلام في جوانبه الاخلاقية.
وقد جاء أغلبها بصيغة السلب ـ النهي ـ لان أضدادها ، على ما يلوح ، كانت هي : الاخلاق الشائعة في المجتمع العربي الجاهلي. فالاخلاق التي حثت الآيات السالفة الذكر العرب على التمسك بها هي الاخلاق الإسلامية ، وتطبيقها على العرب ما نسميه : « الخلق العربي الإسلامي ».
والأخلاق التي نهى الاسلام العرب عن السير وفق مستلزمها هي ما ندعوه : « الخلق الجاهلي » أي أخلاق العرب في جاهليتهم.
والاخلاق التي نهي الاسلام العرب على السير وفق مستلزماتها هي ما ندعوه : « الخلق الجاهلي » أي أخلاق العرب في جاهليتهم.
ذكر أبو عمرو ـ سفيان بن عبد الله : « قال : قلت يا رسول الله قل لي قولا في الاسلام لا أسأل عنه أحد غيرك قال : قل آمنت بالله ثم أستقم ». فأوجز الرسول ـ بذلك ـ الاسلام ـ الاسلام في جانبيه العقائدي والأخلاقي.
فالإيمان بالله يستلزم القيام بالشعائر الدينية المعروفة. والإستقامة تتضمن السير وفق مستلزمات الأخلاق الاسلامية التي شرحناها.
ومن الطريف أن نذكر هنا أننا عثرنا على أكثر من ثلاثين آية تشير إلى أن الاسلام يتضمن الايمان بالله واستقامة الأخلاق. فهل آمن الامويون بالله؟ ومن ثم استقاموا؟
والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الانهار ... » ويلوح لي ان الإسلام يهدف ـ من الإيمان بالله ـ تقويم الأخلاق.
إن تاريخهم يشير بصراحة ووضوح إلى الإجابة بالنفي عن هذين السوال ـ هذا باستثناء سيرة عمر بن عبد العزيز. فقد كان الأمويون ـ كما سنرى ـ في صراع رهيب مع مبادئ الإسلام منذ انبثاق نوره ـ في عهد الرسول ـ حتى سقوط دولتهم عام ١٣٢ هـ.
وقد ظهر لي كذلك أن الامويين قد اتخذوا الدين الاسلامي ستاراً لتثبيت أخلاقهم الجاهلية التي حاربها الاسلام.
فقد تعاونوا ـ أباً عن جد عدا عمر بن عبد العزيز ـ على فصم عرى الاسلام عروة فعروة. ولم يسلم جانب من جوانب الدين من التعرض لاعتداءاتهم المتكررة كلما آنسوا ـ في ذلك الاعتداء ـ تركيزاً لأسس حكمهم الجاهلي البغيض. فلا يمكن أن يجمع المرء ـ على ما رأى ـ بين الأمويين والاسلام.
وإما أن يخلد الامويين على أساس أخلاقهم العربية الجاهلية التي مسخها الاسلام.
فإما أن يخلد الاسلام ـ بتعاليمه وأخلاقه ـ ويشجب الأمويون.
لأن محاولة الجمع بين الأمويين والاسلام فاشلة ويائسة بعد التحليل الدقيق.
وهناك أمر آخر لابد من الإشارة إليه في هذا الصدد ؛ هو : أن الحكام الامويين قد أخذوا يتسابقون ـ كما سنرى ـ على الايغال في الخروج على مبادئ الاسلام.
وأخذ الخلف منهم يسبق السلف ـ بمراحل ـ في هذا المضمار.
* وفي سيرة النبي من الأمثلة على ذلك الشيء الكثير. « روي عن ابن عباس أنه قال : كنا مع النبي في سفر. فمنا الصائم ومنا المفطر. فأنزلنا منزلا في يوم حار ... فسقط الصوام وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب. فقال الرسول : ذهب المفطرون بالأجر كله »(8)
وبما أن الامويين قد اغتصبوا الحكم الاسلامي : اغتصبوا الحكم الاسلامي اغتصاباً ، ولم يكن لهم ـ من الناحية الشرعية ـ ما يؤهلهم لزعامة المسلمين ، الانسب أن رأيناهم يسمعون إلى تثبيت أركان حكمهم بوسائل فاسدة من الرشوة والملاينة ، ومن الأرهاب والتنكيل حسبما تستلزم الظروف والمناسبات.
فانفسح ـ بسياستهم تلك ـ باب الشر على مصراعيه أمام الوصوليين الانتهازيين.
وأغدق الامويون عليهم العطايا وخلعوا عليهم الجاه والمناصب والنفوذ على حساب الدين.
وقد حول الامويون ـ كذلك ـ نشاط المشتغلين في الامور الدينية إلى وعظ الرعايا المسلمين وحثهم على التذرع بالصبر ، والطاعة ، والخضوع للاوضاع السياسية القائمة.
فأوجد بعض هؤلاء الحيل الشرعية لتبرير تصرفات الامويين.
فاحتمى بذلك الأمويون ، وعصموا ملكهم من التعرض للانهيار على أيدي المطالبين بالعودة إلى القرآن وسنة الرسول.
ويطلب أن أنبه القارئ ـ في ختام هذه المقدمة ـ إلى أن دراستي هذه محاولة لتفسير تاريخ الامويين في ضوء مبادئ الدين الاسلامي.
فقد وضعت الأمويين تحت مجهر الاسلام.
ووازنت بين تصرفاتهم وبين مبادئه التي جاءت في القرآن وسيرة الرسول فاكثرت من الاستشهاد بمحتويات القرآن وأحاديث النبي ـ لانها الوثائق التاريخية ، والمستمسكات القانونية الوحيدة في هذا السبيل.
كما استشهدت بحوادث كثيرة ذكرتها أمهات كتب التاريخ عن الامويين. ووازنت بين الجانبين.
وقد ظهر لي أثناء عملية الموازنة بين الجانبين بأن الدين الإسلامي شيء وتصرفات الامويين شيء آخر يختلف عنه تمام الاختلاف. فانكشف أمامي فشل المحاولة التي يبديها بعض الباحثين لتغليف سيرة الامويين بغشاء سميك من المغالطة والتدليس وإظهارها على غير مظهرها الذي جاءت به أمهات كتب التاريخ.
أما السبب الذي دعاني إلى قياس تصرفات الأمويين بمقياس الدين الاسلامي فهو : أنهم حكموا المسلمين باسم الدين ، وتظاهروا باتباع مبادئه ، وأخذ بعضهم البيعة لبعض آخر على هذا الاساس. ولا أراني بحاجة إلى أن أنبه القارئ إلى أن المحاولة التي يبديها بعض الكتاب المعاصرين لتطبيق مبادئ الدين الإسلامي على شؤون الحياة السياسية والاقتصادية في الوقت الحاضر أمر خارج عن نطاق هذه الدراسة.
فقد اقتصر البحث ـ كما سيرى القارئ ـ على تدوين سيرة الامويين في ضوء المبادئ الدينية التي تظاهروا بأنهم يسيرون وفق مستلزماتها. ولكي يستوفي البحث « الذي بين يدي القارئ » شروطه العلمية فقد تضمن ـ كما سلف أن ذكرنا ـ الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث وموازنة ذلك بتصرفات الأمويين كما جاءت في أمهات كتب التاريخ الإسلامي.
فهذا البحث إذن بحث في التاريخ الأموي لا في السياسة المعاصرة أو في الدين.
لقد اكتسب الأمويون « مجدهم » ـ عند من يقول بذلك من الباحثين ـ بواسطة الإسلام. فقد رفعهم الإسلام ـ بنظر بعض الناس ـ من حضيض الجاهلية إلى مستوياته الرفيعة. فيصبح مدح أولئك الباحثين للأمويين ، وتدوينهم سيرتهم وتدريسها للناشئة ـ هذا الأساس ـ إنما هو مدح ضمني للإسلام.
المصادر :
1- عبد الفتاح عبد المقصود ، الإمام علي بن ابي طالب ج ٢ / ص ٢٠ ـ ٢١.
2- الدكتور طه حسين ، الفتنة الكبرى ، عثمان بن عفان ص ١٩٣.
3- أنساب الأشراف ٥ / ٢٧ و ٢٨ و ٥٢.
4- عبد الفتاح عبد المقصود ، الإمام علي بن أبي طالب ٢ / ٤٨ والبلاذري ، أنساب الأشراف ٥ / ٥٠ / ٥١.
5- مغازي رسول الله « ص » ١٦٤ ـ ١٦٥.
6- مغازي رسول الله « ص » ص ١٦٩.
7- وقد ورد شيء مشابه لهذا في سورة البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، وهود ، ويونس ، والرعد ، في أكثر من موضع واحد.
8- جورج جرداق : الإمام علي ، ص ٩٤.

41
0
0% ( نفر 0 )
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

في تقدم الشيعة في علوم القرآن ، وفيه صحائف
لقد أعطى اجتماع السقيفة لأبي بكر القوّة من ناحيتين
شفاعة الميرزا القمي
عدم جواز تكفير من سبّ الصحابة
حول تغلغل التشيع في ايران خلال القرن الثالث .
سلطة بني العباس الفاسدة و الإمام الرضا يتحدى الفساد :
صراعات فرق أهل السنة
الذنوب الكبيرة (7)
المأمون يعترف . . . ! !
تاريخ الاسلام من العصر الجاهلي إلى وفاة النبي -2

 
user comment