عربي
Monday 24th of January 2022
128
0
نفر 0

لماذا الامامة بعد النبوة

لماذا الامامة بعد النبوة

ن الخلاف في الإمامة ليس في شخص الإمام، وإنما تعدّاه إلى أصل ثبوت الإمامة بمعناها الأوسع من الحكومة والسلطة، بما يشمل المرجعية الدينية بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه من الخطأ ما وقع به الكثير من علماء الكلام في اشتباه عند تصويرهم للنزاع بين المدرستين في شخص الإمام، فكما أن النبوّة لا تعني الحكم فقط، بل النبوّة تتضمن العديد من الشؤون من ضمنها مسألة الحكم، كذلك هي الإمامة عند مدرسة أهل البيت عليهم السلام، بينما في المقابل حصرت مدرسة الخلفاء الإمامة في مجال السلطة فقط.

الإمامة والنبوة
إنّ مقام الإمامة عند مدرسة أهل البيت عليهم السلام هي أرفع شأناً من مقام النبوّة، فأنبياء أولي العزم عليهم السلام هم الذين جمعت لهم الإمامة إضافة إلى النبوّة، وليس من الضروري أن يكون كلّ نبي إماماً، بل إنّ كثيراً من الأنبياء عليهم السلام لم يصلوا إلى رتبة ومقام الإمامة، فقد ورد في القرآن الكريم: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾(1).
ولمعرفة دلالة الآية على الإمامة، لا بد من معرفة الإبتلاءات التي عاشها إبراهيم عليه السلام، وموقفه منها.
فقد ثبت إبراهيم عليه السلام أمام نمرود وألقي في النار، وهو مسلّم لأمر ربه، ثم إنه عليه السلام لم يرزق بذريّة إلا على كبر سنّه، ولما رزق بإبنه، جاءه الأمر الإلهي بمغادرة بلاد الشام مع زوجته وطفله إلى الحجاز، وأمر بترك زوجته وطفله هناك وحيدين والرجوع. إلى بلاد الشام، وقد امتثل عليه السلام أمر الله بتسليم كامل، وقد أشار تعالى إلى هذا الأمر بقوله: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾(2).
وأشد ما تعرّض له إبراهيم عليه السلام، وهو يدل على تسليمه المطلق أمام الأوامر الإلهية، الأمر الإلهي بذبح إبنه إذ قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ الله مِنَ الصَّابِرِينَ﴾(3).
وهنا يتحدث القرآن عن تسليمه وتسليم إبنه المطلق أمام الأمر الإلهي، وما إن حانت اللحظة ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾(4)،
جاء النداء: ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾(5)، وهكذا اجتاز إبراهيم عليه السلام الإمتحان الإلهي، فلم يكن المراد ذبح ابنه بقدر ما كان المراد معرفة درجة التسليم التي وصل إليها إبراهيم عليه السلام.

الإمامة مقامٌ بعد النبوّة
بعد كلّ هذه الإبتلاءات التي تعرّض لها النبي إبراهيم عليه السلام، خاطب الله نبيه ﴿ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾، فمتى كان ذلك؟ لا شكّ أنه كان بعد أن كان إبراهيم عليه السلام نبيّاً وبعد أن وصل إلى سنّ متقدمة وذلك لأمرين:
أحدهما: إن الآية ذكرت أن إبراهيم عليه السلام نال الإمامة بعد أن اجتاز جميع الإبتلاءات الربانيّة، وهذه الابتلاءات لم تحلّ به إلا بعد أن كان نبيّاً.
ثانيهما: إنّ إبراهيم عليه السلام بعد أن أعطاه الله الإمامة طلبها عليه السلام لذرّيته، وهذا يعني أن الإمامة جاءته عندما كان له ولد، وهو عليه السلام لم يكن له ولد إلا بعد النبوّة وبعد أن تقدّم به العمر.
فإذا كانت الإمامة لإبراهيم عليه السلام بعد النبوّة- والآية تتحدث عن أنها منصب ومقام سوف يهبه الله لنبيّه، لم يصل إليه إبراهيم عليه السلام إلا بعد أن إجتاز الإبتلاءات كلّها- فما هو هذا المنصب الراقي الذي هو أعلى شأناً من النبوّة والذي أعطي لإبراهيم عليه السلام ؟ إنه الإمامة.

الإمامة عهد الله
الإمامة هي عهد الله على ما ذكرته الآية، لأنّ إبراهيم عليه السلام أحبّ أن تكون الإمامة لذريته، ولكن الجواب كان ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، فإذاً الإمامة هي من عهود الله. ولذا ترى مدرسة أهل البيت عليهم السلام أنّ الإمامة ترتبط بالله ولا شأن للناس بها. وهذا العهد لا يناله شخصٌ إلا بعد أن يمرّ بمراحل من الطاعة والتسليم والانقياد لله بنحوٍ يصبح هو الإنسان الكامل. ومن هنا نجد الآية تخبر عن عدم وصول الظالم إلى مقام الإمامة. ولكن يقع الكلام في تحديد الظالم.
إنّ الظالم قد يكون ظالماً لنفسه وقد يكون ظالماً للآخرين، وكلا القسمين لا ينال عهد الله. وظلم الغير أمرٌ واضحٌ إذ هو التعدّي على الآخرين. وأمّا ظلم النفس فهو عبارة عن المعصية. فقد ورد التعبير القرآني عن العاصي بأنّه ظالم لنفسه، وأيّ شخصٍ كان ظالماً لنفسه فلا ينال عهد الله.

من هو الظالم؟
1- شخصٌ يكون ظالماً لنفسه دائماً من أوّل عمره إلى آخره.
2- شخصٌ يكون صالحاً غير ظالم لنفسه أوّل عمره، ولكنّه يظلمها آخر عمره.
3- شخصٌ يكون ظالماً لنفسه في أوّل عمره ولكنّه عاد بالتوبة ورفع الظلم عنها.
ويمكن تصوّر شخص رابع وهو من لم يظلم نفسه أبداً وفي أي وقت من الأوقات.
ومن المستحيل أن يكون طلب إبراهيم عليه السلام الإمامة- مع ما لها من الشأن الرفيع- لمن كان من القسمين الأول والثاني.
أمّا الثالث فهو كمن كان مشركاً ثم آمن، وقد جاء الجواب بالنفي إذ ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾، أي أن كلّ إنسان كان في سابق حياته ظالماً فلا ينال الإمامة، ولذا تدلّ الآية على أن الإمامة لا تكون من نصيب من كان مشركاً في بعض حياته.
وعليه فكل من صدق عليه الظلم لنفسه ولو لفترة قصيرة لا ينال الإمامة. فكل هذه الأقسام لا تستحق الإمامة. وبالتالي لا يبقى إلا من لم يظلم نفسه أبداً، وهو التصوّر الرابع. وهذا ممّا لا شك أنّ إبراهيم عليه السلام طلب الإمامةَ له، لأنه لا ينطبق عليه عنوان الظالم أبداً.

الإمامة الخاصة في القرآن:
تستدل مدرسة أهل البيت عليهم السلام لإثبات الإمامة بآياتٍ قرآنية. وتوجد روايات لدى مدرسة الخلفاء تؤيد التفسير الذي تذهب إليه مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ونذكر منها:

آية الإنفاق:
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾(6)
إنّ طريق إثبات ذلك هو قوله ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ فهذا القول ليس تشريعاً وليس إنشاء، فلا تريد الآية أن تقول إنه يستحب إعطاء الزكاة حال الركوع، وإنه شامل لجميع المسلمين، بل الآية تريد أن تتحدث عن واقعةٍ حصلت في الخارج، فهي تريد إخبارنا عن أمرٍ قد حصل. وهذه الحادثة اتفق على نقلها كلا المدرستين، وملخّصها أنّ سائلاً دخل المسجد والإمام علي عليه السلام يصلي، فأومأ الإمام إليه ليأتي ويأخذ منه خاتماً كان في إصبعه، ولم ينتظر الإمام انتهاء صلاته ليتصدّق على ذلك السائل، فنزلت الآية الكريمة.
وتتفق المدرستان على أن الآية إنما نزلت في هذه الحادثة. وأما تعبير الآية بصيغة الجمع بقولها (يؤتون) مع أن المراد شخصٌ واحدٌ فليس غريباً، لأن استعمال الجمع مكان المفرد للتعظيم هو أمرٌ متعارف في اللغة العربية.
والآية الكريمة إبتدأت أولا بكلمة (إنما)، وهي في اللغة العربية أداة حصر تدل على التخصيص، كما ورد في الآية قوله (وليّكم)، والولي هو بمعنى من له حقّ التصرّف وحقّ القيمومة والأمر والنهي.
فالآية تريد أن تفيدنا بأن من له حقّ الولاية والأمر والنهي منحصر بالله ورسوله والذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، وهو علي عليه السلام.
كما أنّ الآية تتحدث عن حالة استثنائية لا عن حالة عامة، لأنّ إعطاء الزكاة أثناء الركوع لا يعبر عن ممارسة عامّة، ولا عن قاعدة عامة، ولكننا مع ذلك نجد أنّ القرآن الكريم لم يصرّح بالواقعة ولا بإسم صاحبها، مع اتفاق كلمة الفرق الإسلامية على أنّ الآية وردت في علي بن أبي طالب عليه السلام.

كيف يلتفت عليّ عليه السلام في صلاته؟
وقد يشكّك البعض في كون الآية وردت بحق عليّ عليه السلام، لأنّ ما ينقل عن عليّ عليه السلام هو أنه كان يستغرق في صلاته حتى يذهل عن نفسه، فلا يعرف ما يدور حوله، فكيف التفت إلى الفقير وعرف به وتصدّق عليه وهو في حال الصلاة؟
ولكنّ هذا التشكيك غير صحيح، لأن خشوع الإمام علي عليه السلام في صلاته، وإن كان كما ذكر واشتهر، ولكن لا يعني أن جميع حالات الأولياء كبعضها البعض.وهذا ما ينقل عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأنه في بعض الحالات كانت تعتريه الجذبة في الصلاة، وأحياناً كان الحسن والحسين عليهما السلام يعلوانه فيصبر عليهما ويطيل في السجود حتى ينهضا عنه.
وقد يقال في مسألة التفات أمير المؤمنين عليه السلام إلى الفقير حال الصلاة، إنه لم يلتفت عن الله إلى غيره، وإنما التفت من الله إلى الله، فإن توجهه إلى الله بلغ من الكمال درجة أضحى يرى فيها العالم بأسره.

آية الغدير
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾(7).
إنّ هذه الآية وردت في سياق آياتٍ تتحدث في ما قبلها وفي ما بعدها عن أحكام فرعية، إذ تتحدث الآيات التي قبلها عن اللحوم المحلّلة ثم تأتي الآية الكريمة. وهذه الآية لا ترتبط بما قبلها وما بعدها، ولذا فإننا لو رفعناها لانسجم ما قبلها مع ما بعدها تماماً.

آية التطهير:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾(8).
إنّ المراد من التطهير الذي ذكرته الآية الكريمة، هو التطهير مما يعتبره القرآن الكريم رجساً، وهو يشمل في القرآن كلّ ما كان قد نُهي عنه، سواء أكان من الذنوب الاعتقادية أم الأخلاقية أم العملية، ولذا يقول علماء مدرسة الأئمة عليهم السلام إنّ الآية تدل على عصمة أهل البيت عليهم السلام.
وبتعبير العرفاء أن بعض الناس يعيش في عالم الكثرة فلا يصل إلى الوحدة، وبعض يعيش في الوحدة دون أن يلتفت إلى الكثرة، وبعض وصل إلى مقام الجمع بين الوحدة والكثرة، فهو في الوقت الذي يكون في الوحدة هو في الكثرة، وفي الوقت الذي هو في الكثرة هو في الوحدة. وهذا أعلى وأرقى المقامات ولا يصل إليه إلا الأوحدي.
إن نزول الآية في وصف أهل بيت النبوّة عليهم السلام، وفي سياق اجتماع حدث بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي والزهراء وفاطمة والحسنين عليهم السلام، هو من الأمور المتفق عليها بين المدرستين في أهم كتبهم المعتبرة. ولا تقتصر مصادر الأحاديث التي تدل على ذلك على كتاب أو كتابين بل هي كثيرة حتى في روايات مدرسة الخلفاء.
ولكننا نجد أن الآية وردت ضمن سياق آياتٍ أخرى تتحدث قبلها وبعدها عن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولغة الآية التحذير لنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنّ الذنب الصادر من إحداهنّ يكون عذابه مضاعفا،ً وضمن هذا السياق تأتي الآية المتقدمة الواردة في شأن أهل البيت عليهم السلام. والذي يحصل في هذا السياق أنّ هذه الآية بخصوصها تفترق عن الآيات التي قبلها والتي بعدها في أمرين:
الأول: أن الضمير يتبدل في الآية من التأنيث إلى التذكير، وليس ذلك أمراً جزافياً، فقد تبدل الخطاب من ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ﴾ إلى ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾. فإذاً قد تبدّل الموضوع، والقرآن يريد أن يتحدث عن موضوعٍ جديدٍ.
الثاني: إن الآيات السابقة على هذه الآية واللاحقة لها والموجهة لنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كانت تحمل صيغة التهديد والأمر والتكليف ﴿وَقَرْنَ فِيْ بُيُوْتِكُنَّ وَلاْ تَبَرَّجْنَّ﴾، وأمّا مفاد آية التطهير فهو قد تجاوز ذلك، بل تجاوز المدح ليتحدث عن التنزيه عن الذنوب والمعاصي والتطهير من الموبقات.
إنّ هذا كلّه يشهد على أنّ المخاطب بهذه الآية هم أهل البيت عليهم السلام، فيما كان المخاطب بما سبق هذه الآية وما لحقها نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكانت الآية كالجملة المعترضة التي ترد في سياق الحديث عن موضوعٍ آخر.

آية البلاغ:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾(9).
لا شك في أن الآية تتصف بلهجة شديدة، لا سيما بملاحظة أنّ هذه الآيات من سورة المائدة هي آخر ما نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
إنّ هذه الآية أيضاً هي كالآيات السابقة، حيث نجد أنّها وردت ضمن سياقٍ مختلف، فلو رفعناها من وسط الآيات الأخرى لم ينقطع السياق ولم يختل. فهذه الآية لم تأتِ تتمةً لما قبلها ولا مقدمة لما بعدها، بل تتحدث عن موضوعٍ آخر.
ما هو هذا الأمر الذي لو لم يبلّغه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكأنه ما بلّغ رسالته؟
ليس لدى مدرسة الخلفاء جواب! وأمّا مدرسة أهل البيت عليهم السلام فجوابها هو مسألة الإمامة، لا سيما بملاحظة وجود رواياتٍ كثيرةٍ لدى مدرسة الخلفاء على أنّ الآية نزلت في غدير خم.
وذلك قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينا﴾(10)، فإنّ هذه الآية تشير أيضاً إلى واقعةِ الغدير، وأهميّة ما حصل في ذلك اليوم بنحو كان به كمال الدين وإتمام النعمة. وتعتبر مدرسة أهل البيت عليهم السلام أنّ الإمامة هي التي كان بها كمال الدين، فيما لا يجد الفريق الآخر جواباً.

القرآن وعدم التصريح
هذه هي الآيات الواردة في حق أهل البيت عليهم السلام. وقد لاحظنا أنّها جميعاً تمتاز بخصوصيّة خاصّة. فهي مع أنّها تشتمل على دلائل وقرائن تؤكّد المطلوب، إلا أنّها وردت في سياقٍ مختلفٍ، وأدرجت ضمن سياق آيات تتحدث عن أفكار أخرى وقضايا مختلفة، مما قد يعرّض الفكرة المرتبطة بأهل البيت عليهم السلام إلى الإغفال. ومن هنا يطرح السؤال: لماذا اعتمد القرآن هذا الأسلوب؟ فلا بدّ من وجود سرٍّ وراء ذلك.
وبعبارة مختصرة، إذا كانت مسألة الإمامة مهمة جداً، وإمامة أمير المؤمنين عليه السلام على هذه الدرجة من الأهميّة، فيحقّ لنا أن نسأل: لماذا لم يذكر القرآن الكريم شأن أهل البيت عليهم السلام في آيات مستقلّةٍ صريحةٍ وواضحةٍ، وإنما ضمّنها آياتٍ أخرى تتحدث عن مواضيع مختلفة؟

لماذا اعتمد القرآن هذا الأسلوب؟
والجواب يتم بملاحظة أمرين:
أحدهما: الأسلوب القرآني في بيان الموضوعات:
وهذا الأسلوب يعتمد على بيان الأصل والقاعدة العامة، لا على بيان الحالة الفردية والشخصية الخاصة، وهذا من مميزات النصّ القرآني. وقد بيّن القرآن هذا الأمر عبر الآية الكريمة المتقدمة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾(11). وقد قلنا إنّ الكفار في ذلك اليوم أصيبوا باليأس من القضاء على هذا الدين، وإنّ الخوف اليوم هو من المسلمين أنفسهم، ولذا قال ﴿وَاخْشَوْنِ﴾، فالقلق على الأمة أصبح من داخلها.
ثانيهما: صون القرآن من التحريف:
إنّ مسألة الإمامة لا تقلّ أهميّة عن أيّ مسألة أخرى جاء بها الإسلام. ولكن المشكلة كانت في العصبية وعدم وجود قابلية لدى العرب لتحمل هذه المسألة.ولذا نجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخشى ردّة فعل المنافقين الذين سيرفضون تنصيب الإمام علي عليه السلام وسيتهمون النبي بأنه اختص أهل بيته بأمر وميّزهم عن غيرهم، ولذا نجد الله عز وجل بعد أن يخبر المسلمين عن يأس الكفار من المسلمين، يخاطب المسلمين بقوله ﴿واخشونِ﴾، أي الخوف ينبغي أن يكون من الله لأن الأمة إذا بدّلت ما كانت عليه، أزال الله عنها النعمة التي كانت لديها. فإذاً المشكلة في نفس المسلمين والخوف من أنفسهم.
وكذلك يخاطب الله نبيّه في الآية التي يطلب منه فيها إبلاغ الناس بقوله: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. وهذا يدلّ على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخشى رفض الناس ما يريد إبلاغهم إياه، ولذا نجد اللغة الشديدة في تشجيع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الإقدام على إبلاغ هذا الأمر للناس بنحو يشكل عدم إبلاغ هذا الأمر للناس نوعاً من عدم إبلاغ الرسالة بتمامها.
إذاً، الخوف من عدم تقبّل الناس هذا الأمر هو الذي أدّى إلى اعتماد القرآن هذا الأسلوب في بيان شأن إمامة أهل البيت عليهم السلام، والتاريخ يشهد أيضاً لهذا الأمر، إذ نجد أنّ التبرير الذي يقدّمه الرافضون لخلافة الإمام علي عليه السلام هو أن ذلك كان حيطة على الإسلام، لأن القوم لا ينقادون إليه ولا يقبلونه، لأن الإمام وَتَرَهم فهو من ألدّ أعدائهم ولن يقدموا على طاعته.
إذاً، لقد كان هناك نوعٌ من القلق من القيام بتمرّدٍ على مسألة إمامة أهل البيت عليهم السلام، ولذا كان أن جاء القرآن بالآيات التي تتحدّث عن أهل البيت عليهم السلام ضمن سياقات أخرى، وتكون هذه الآيات واضحةً لمن ليس لديه أغراض خاصة، وكان طالباً للحقيقة. إن القرآن الكريم لم يرد أن يعبّر عن ذلك بصراحة لئلا يتمرّد أولئك على القرآن مباشرة.
عِلماً أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد نصّ على الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في حديث الغدير المتواتر عند الفريقين، وغيره من الأحاديث، ومع ذلك لم ينفع، وبادر أتباع المدرسة الأخرى للقيام بعملية تأويل لكلام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الصريح هذا، ويستنتج من ذلك أنّه لو كانت هناك آية قد تحدثت عن الموضوع بصراحةٍ لبادروا أيضاً إلى توجيهها وتأويلها.
المصادر :
1- البقرة: 124.
2- إبراهيم: 37.
3- الصافات: 102.
4- الصافات: 103.
5- الصافات: 105.
6- المائدة:55.
7- المائدة: 3.
8- الأحزاب: 33.
9- المائدة: 67.
10- المائدة: 3.
11- المائدة: 3.

128
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

کتب السنن عند السنة
فرحة التتويج (التاسع من ربيع الاول ) و مستحبات هذا ...
زواج علي وفاطمة عليهما السلام
وحدة البلدان وتعدّدها
معنى التحريف
ذكرى استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام) هل هي ...
قوّة المسلمين في وحدتهم
التوطين
الاستشفاع بمحمد و آل محمد في الدعاء
قبل اختيار الزوجة

 
user comment