عربي
Thursday 30th of June 2022
215
0
نفر 0

لماذا الشيعة

لماذا الشيعة

قول علي عليه السلام : «علّمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألف باب من العلم يفتح من كلّ باب ألف باب»، روي عن علي (عليه السلام ) في كتب أهل السنَّة، وفي الاَحاديث الآتية:
الاَول ما رواه القوم، ومنهم:
العلاّمة الشيخ سليمان البلخي القندوزي في «ينابيع المودة: 77 ط إسلامبول»، قال:
عن الاَصبغ بن نباتة، قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علّمني ألف باب، وكل باب منها يفتح ألف باب، فذلك ألف ألف باب؛ حتى علمت ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وعلمت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب».
وقال في «ص 76»: في المناقب: عن الاَصبغ بن نباتة، قال: كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام فأتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين! إنّي اُحبّك في الله.
قال: «إنّ رسول الله « حدّثني ألف حديث، وكل حديث ألف باب، وإنَّ أرواح الناس تتلاقى بعضهم بعضاً في عالم الاَرواح، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، وبحق الله لقد كذبت، فما أعرف وجهك في وجوه أحبّائي، ولا اسمك في أسماء أحبَّائي»!.
ثمّ دخل عليه الآخر، فقال: يا أمير المؤمنين! إنّي أُحبك في الله.
فقال: «صدقت، وقال: إنّ طينتنا وطينة محبّينا مخزونة في علم الله، ومأخوذة أخذ الله ميثاقها من صلب آدم عليه السلام ، فلم يشذَّ منها شاذٌّ، ولا يدخل فيها غيرها، فأعِدَّ للفقر جلباباً، فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: والله الفقر إلى محبِّينا أسرع من السيل إلى بطن الوادي».وفي «ص 71»:
وفي المناقب: عن المعلَّى بن محمد البصري، عن بسطام بن مرّة، عن إسحاق بن حسان، عن الهيثم بن واقد، عن علي بن الحسن العبدي، عن سعد بن ظريف، عن الاَصبغ بن نباتة كاتب أمير المؤمنين علي عليه السلام ، قال: أمرنا مولانا بالمسير معه إلى المدائن من الكوفة، فسرنا يوم الاَحد فتخلّف عمرو بن حريث مع سبعة نفر، فخرجوا يوم الاَحد إلى مكان بالحيرة يسمّى «الخورنق»، فقالوا: نتنزَّه هناك ثمّ نخرج يوم الاَربعاء فنلحق عليّاً ( عليه السلام ) قبل صلاة الجمعة، فبينا هم يتغذّون إذ خرج عليهم ضبّ فصادوه، فأخذه عمرو بن حريث فنصب في كفه، فقال لهم: بايعوا لهذا، هذا أمير المؤمنين!
فبايعه السبعة وعمرو ثامنهم، وارتحلوا ليلة الاَربعاء فقدموا المدائن الجمعة وأمير المؤمنين عليه السلام يخطب، وهم نزلوا على المسجد، فنظر إليهم فقال:
«أيّها الناس! إنّ رسول الله « أسرَّ إليَّ ألف حديث، في كل حديث ألف باب وفي كل باب ألف مفتاح، وإنِّي أعلم بهذا العلم... وإنِّي أُقسم لكم بالله ليبعثنَّ يوم القيامة ثمانية نفر بإمامهم، وهو ضَبٌّ، ولو شئت أُسمّيهم»!.
قال الاَصبغ: لقد رأيت عمرو بن حريث سقط رعباً وخجالةً.
الثاني حديث ابن عباس
ما رواه القوم، ومنهم: العلاّمة المعاصر السيد أحمد المغربي في «فتح الملك العلي: 19»، قال:
قال علي رضي الله عنه : «علّمني رسول الله « ألف باب، كلّ باب يفتح ألف باب». أخرجه أبو نعيم، وأخرجه الاِسماعيلي في معجمه من حديث ابن عباس.
الثالث حديث آخر لابن عباس
رواه عنه القوم، ومنهم: العلاّمة علاء الدين الهندي في «منتخب كنز العمال المطبوع بهامش المسند 5: 43 ط الميمنيّة بمصر»، قال:
عن ابن عباس: أنّ عليّاً ( عليه السلام ) خطب الناس، فقال: «يا أيّها الناس! ما هذه المقالة السيّئة التي تبلغني عنكم؟ والله لتقتلنَّ طلحة والزبير، ولتفتحنَّ البصرة، ولتأتينّكم مارّة من الكوفة ستة آلاف وخمسمائة وستّين، أو خمسة آلاف وستمائة وخمسين».
قال ابن عباس: فقلت: الحرب خدعة.
قال: فخرجت فأقبلت أسأل الناس: كم أنتم؟
فقالوا: كما قال!
فقلت: هذا مِمَّا أسرَّه إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ إنّه علّمه ألف ألف كلمة، كل كلمة تفتح ألف ألف كلمة.
الرابع حديث عبدالله بن عمرو
روى عنه القوم، ومنهم: العلاّمة شمس الدين محمد بن أحمد الشافعي الذهبي المتوفى سنة 748 في «سير أعلام النبلاء 8: 24 ط مؤسسة الرسالة في بيروت»، قال: ابن حبان: حدّثنا أبو يعلى، حدّثنا كامل بن طلحة، حدثنا ابن لهيعة، حدّثني حُيي بن عبدالله، عن أبي عبدالرحمن الحُبُلي، عن عبدالله بن عمرو: أنَّ رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال في مرضه: «ادعوا لي أخي»، فدعي له أبو بكر، فأعرض عنه!
ثم قال: «أدعوا لي أخي»، فدعي له عمر، فأعرض عنه!
ثم قال: «ادعوا لي أخي» فدعي له عثمان، فأعرض عنه!
ثم دعي له عليٌّ ( عليه السلام )، فستره بثوبه وأكبَّ عليه.
فلمَّا خرج من عنده قيل له: ما قال؟
قال: «علّمني ألف باب، كل باب يفتح ألف باب».
ومنهم: الحافظ الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي المتوفى سنة 748 في كتابه «ميزان الاعتدال 2: 67 ط القاهرة»:
روى الحديث بعين ما تقدم عنه في «سير أعلام النبلاء».
ومنهم: الحافظ ابن عساكر في ترجمة الاِمام علي عليه السلام من «تاريخ دمشق 2: 483 ط بيروت»، قال:
أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، أنبأنا أبو القاسم بن مسعدة، أنبأنا حمزة بن يوسف، أنبأنا أبو أحمد بن عدي، أبنأنا أبو يعلى، فذكر الحديث بعين ما تقدّم عن «سير أعلام النبلاء».
الخامس حديث علي بن موسى الرضا عن آبائه عليهم السلام
رواه أهل السنَّة، ومنهم: العلاّمة القندوزي في «ينابيع المودّة: 73 ط إسلامبول»:
روى ابن المغازلي بسنده عن محمد بن عبدالله، قال: حدّثنا علي بن موسى الرّضا، عن أبيه، عن آبائه، عن إمام المتقين علي رضي الله عنهم، قال: علّمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألف باب من العلم، فانفتح من كلّ واحد منها ألف باب».
قال الاِمام زين العابدين، والاِمام محمد الباقر، والاِمام جعفر الصادق عليهم السلام : «علّم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام ألف باب، يفتح من كل باب ألف باب».
السادس حديث زيد
رواه أهل السنَّة، ومنهم: العلاّمة الجويني المتوفى سنة 730 في «فرائد السمطين 1: 101 ط بيروت»:
أنبأني الاِمام السيّد العالم شرف الدين الاَشرف بن محمد العلويّ المدائني ببغداد، قال: أنبأنا أبو عليّ الحسن بن الحدّاد إجازةً، قال: أنبأنا الحافظ أحمد بن عبدالله بن أحمد بن إسحاق ؛، قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم العطار ببغداد، حدّثنا أحمد بن محمد بن عبدالرحمان، حدّثنا زهربن الحسن بن عبدالملك، حدّثنا إسماعيل بن العالية البلخي، حدّثنا عبدالرحمان بن الاَسود، عن الاَجلح أبي حيّة، عن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جدّه الحسين، عن علي بن أبي طالب عليه السلام ، قال:
«علّمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألف باب، كلّ باب يفتح لي ألف باب».
ومنهم: العلاّمة جمال الدين الزرندي في «نظم درر السمطين: 113ط مطبعة القضاء»: روى الحديث بعين ما تقدّم عن «فرائد السمطين».
ومنهم: العلاّمة التفتازاني في «شرح المقاصد 2: 220 ط الاستانة»: روى الحديث بعين ما تقدّم عن «فرائد السمطين»، لكنه ذكر بدل كلمة يفتح: فانفتح.
ومنهم: العلاّمة علي بن حسام الدين الهندي في «منتخب كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد 5: 43 ط الميمنية بمصر»: روى الحديث عن علي ( عليه السلام ) بعين ما تقدّم عن «فرائد السمطين».
السابع ما روي عن علي عليه السلام مرسلاً
بطرق أهل السنَّة، ومنهم: العلاّمة أبو حامد الغزالي في «رسالته التي سماها باللّدنية» على ما في «مناقب الكاشي: 81| مخطوط»:
عن علي عليه السلام : «أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أدخل لسانه في فمي فانفتح في قلبي ألف باب من العلم مع كلّ باب ألف باب».
ومنهم: العلاّمة المحدّث المعاصر السيّد أحمد بن محمد في «فتح الملك العلي: 19 المطبعة الاِسلامية بالاَزهر»:
روى الحديث عن الاِسماعيلي في «معجمه»، وأبي نعيم في «حلية الاَولياء» بعين ما تقدّم.
ومنهم: العلاّمة الاَمرتسري في «أرجح المطالب: 106 ط لاهور»:
روى الحديث من طريق الاَربعين عن عليّ عليه السلام .
قال: «علّمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألف باب، يفتح كل باب ألف باب».
ومنهم: العلاّمة المحدّث الهروي في «الاَربعين حديثاً: 47 مخطوط»، قال:
عن علي رضي الله عنه، أنّه قال: «علّمني رسول الله « ألف باب من العلم، في كلّ باب ألف باب».
والعلاّمة الشيخ سليمان البلخي القندوزي في «ينابيع المودة: 73 ط إسلامبول» رواه أيضاً.
وقال في ص 321: «قالوا: «لو ولّينا الناس لحكمنا بما أنزل الله، لم نعْدُ ما في هذه الصحيفة». أمّا القرآن فليس له ذكر».
أقول: بل هي شرح تفاصيل أحكام القرآن، لا أنّها في قبال القرآن.
وقال في ص 322: «يقول: إنّ النساء ليس لهن من عقار الرجل ـ إذا هو توفّي عنها ـ شيءٌ... ثم إنّ هذا يناقض ما يدّعونه بأنّ لفاطمة ( عليها السلام ) نصيباً من فدك».
أقول: يراد من إرث النساء من الرجل ـ كما هو ظاهر ـ إرث الزوجات من الزوج؛ فلا يرتبط ذلك بإرث فاطمة عليها السلام من أبيها صلى الله عليه وآله وسلم . وقال في ص 326: «تحمل دعوى استمرار الوحي الاِلهي...» إلى قوله: «وقد جاء في نهج البلاغة قال في حقّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ): أرسله على حين فترة من الرسل فقفَّى به الرسل وختم به الوحي».
أقول: المراد به الوحي المصطلح، وهو الوحي إليه بكلام من الله ليبلّغه إلى الناس من جانب الله، وهو يختصّ بالنبي.
أمّا الوحي فإنَّه بمعنى إلقاء شيء في ذهنه لما يختصّ بالاِنسان فضلاً عن النبي، بل يكون في الحيوانات أيضاً؛ قال الله تعالى: (وَأَوحَى رَبُّك إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخذِى مِنَ الجِبالِ بُيُوتَاً).
«ثم هي تدّعي أنّ الدين لم يكمل».
أقول: الدين كمل في نزوله إلى خاتم النبييّن صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكن كان بيان تفاصيل الاَحكام على التدريج، وقد أودعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعده عند علي عليه السلام ليأخذوها منه ومن الاَئمّة عليهم السلام من بعده.
وليس هذا كتماناً بل أحال الناس إليهم ليسألوا منهم ما افتقروا إليه، وقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي، لن تضلّوا ما إن تمسّكتم بهما، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض».
وقال في ص 327: «قال الله تعالى: (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلناسِ وَلاَتَكْتُمُونَهُ) ، فهو بيانٌ للناس، وليس لفئةِ معيّنة من أهل بيته».
أقول: أُمّة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليست مقتصرة على من كانوا في زمانه، بل كان جميع المسلمين في كل العصور عصراً بعد عصر إلى يوم القيامة أُمّة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يمكن بيان أحكام الدين لهم إلاّ بالواسطة، والمراد من البيان في الآية أعمّ من البيان بلا واسطة وبالواسطة، وإلاّ فالمسلمون في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً لم يحضروا بأجمعهم عند بيان كل مسألة لدى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليأخذوها منه مباشرة وبلا واسطة.
وقال في ص 328: «قال جعفر الصادق عليه السلام : إنّ الله تعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء»... إلى أن قال:
«فكل ما تنسبه الشيعة بعد هذا كذب».
أقول: القرآن تبيان لكلّ شيء بمعانيه الظاهرة والباطنة، والمعاني الباطنة إنّما تظهر بواسطة رسول الله أو من أودع عندهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علم ذلك.
فكلام الصادق عليه السلام هذا ليس تكذيباً للروايات الواردة عنه وعن سائر الاَئمة المعصومين عليهم السلام في بيان المعاني الباطنة لآيات القرآن الكريم.
وقال في ص 329: «فإن كان الناس بحاجة فَلِمَ تبقى الاَمّة عند اختفاء الاِمام المزعوم منذ أكثر من أحد عشر قرناً بعيدة من مصدر هدايتها»؟
أقول: لا تصل هداية الاِمام الغائب عليه السلام إلى الناس بالملاقاة مع معرفة شخصه لحكمة له تعالى في غيبته، ولكنّه لا ينافي وصول هدايته إليهم من دون أن يعرفوه: والكلام في الاِمام الغائب سيأتي على التفصيل في مبحث خاص عند تعرّض المصنّف له.
وقال في نفس الصفحة:
«ولو كان عند عليّ عليه السلام مثل هذه العلوم لاَخرجها للناس أيّام خلافته، ولَرووها عنه أئمة أهل السنَّة».
أقول: لم يكن عليّ عليه السلام مأموراً ببيان جميع ما أودع عنده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاَهل عصره ممّا يحتاج إليه الناس في الاَعصار الآتية إلى يوم القيامة، بل كان مأموراً بجواب ما يسأل الناس عنه، وما لم يسألوه عنه ولم تقتض المصلحة بيانه فقد أودعه عند حجّة الله على الناس من بعده.
وأمّا زمان خلافته الظاهرية فكانت فرصته أقلّ من سائر الاَزمنة لاشتغاله بإجراء العدالة في الحكومة بأدقّ معانيها، وقد شغل ذلك كثيراً من أوقاته.
وقال في نفس الصفحة:
«بل إنّ هذه الدّعاوى وُجد لها أصل في عهد أمير المؤمنين ( عليه السلام )، وتولّى كبرها بعض العناصر السبأية».
أقول: السبأية هي الطائفة المنسوبة إلى عبدالله بن سبأ، وهو الذي ادّعى ربوبيّة أمير المؤمنين عليّ، واستتابه عليه السلام عن ذلك فلم يتب، فأحرقه عليّ عليه السلام .
وشتّان بين دعوى الربوبيّة وبين الاِقرار بأفضلية عليّ عليه السلام على سائر الاَُمّة من حيث العبودية والعبادة والعلم بالمعارف الاِسلامية بأكثر من غيره.
وعليك بمعرفة عبدالله بن سبأ في أحاديث الشيعة.
روى في «رجال الكشي» ص7 و106: 170 ـ حدّثني محمد بن قولويه القمّي، قال: حدّثني سعد بن عبداللهبن أبي خلف القمّي، قال: حدثني محمد بن عثمان العبدي، عن يونس بن عبدالرحمن، عن عبدالله بن سنان، قال: حدثني أبي، عن أبي جعفر عليه السلام :
«أنّ عبدالله بن سبأ كان يدّعي النبوّة، ويزعم أنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو الله (تعالى عن ذلك)، فبلغ ذلك أمير المؤمنين ( عليه السلام )، فدعاه وسأله؟ فأقرّ بذلك، وقال: نعم! أنت هو، وقد كان أُلقي في روعي أنّك أنت الله وأنّي نبيّ!.
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : «ويلك! قد سخر منك الشيطان، فارجع عن هذا ـ ثكلتك أُمّك ـ وتب»!
فأبى، فحبسه واستتابه ثلاثة أيام فلم يتب، فأحرقه بالنار، وقال: «إنّ الشيطان استهواه فكان يأتيه ويلقي في روعه ذلك».
حدّثني محمد بن قولويه، قال: حدثني سعد بن عبدالله، قال: حدّثنا يعقوب بن يزيد ومحمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن هشامبن سالم، قال: سمعت أبا عبدالله ( عليه السلام ) يقول وهو يحدّث أصحابه بحديث عبدالله بن سبأ، وما ادَّعى من الربوبيّة في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، فقال: «إنّه لمّا ادَّعى ذلك فيه استتابه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فأبى أن يتوب، فأحرقه بالنار».
وقال فيها أيضاً: «وقد نفى أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) هذه المزاعم نفياً قاطعاً، وأعلن ذلك للمسلمين، ونفى أن يكون عندهم شيء أسرَّه الرسول لهم واختصّوا له دون المسلمين، واُقسم على ذلك قسماً مؤكّداً، وقد جاء الحديث عن علي عليه السلام في نفي تلك المزاعم في الصحاح والسنن والمسانيد».
أقول: الحديث رواه في «جامع الاَصول ج11 ص193» عن البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنّسائي (أرباب الصحاح والسنن المعروفة عند أهل السنَّة)، عن علي بن أبي طالب ( عليه السلام )، أنّه قال: «ما كتبنا عن رسول الله إلاّ القرآن، وما في هذه الصحيفة».
ورواه في «ج9 ص20» عن البخاري ومسلم، عن يزيد بن شريك، قال: رأيت عليّاً ( عليه السلام ) على المنبر يخطب، وسمعته يقول: «لا والله! ما عندنا من كتاب نقرأُه إلاّ كتاب الله وما في هذه الصحيفة».
أقول: والمستفاد من الحديثين أنّ الكتاب منحصر فيهما، وليس معناه نفي سائر ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإلاّ لدَلّ على كذب جميع الاَحاديث المروية عنه صلى الله عليه وآله وسلم حتى في كتب أهل السنَّة، وهو باطل بإجماع قاطبة المسلمين.
وقال في ص 330: «وقد وقفت على هذا النص في بعض كتب الشيعة، فقد جاء في تفسير الصافي: أنّه عليه السلام سئل: هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء من الوحي سوى القرآن؟ قال: لا والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إلاّ أن يعطى العبد فهماً في كتابه».
أقول: فإنّ القرآن تبيان لكل شيء، كما قال الله تعالى: (وَنَزَّلْنا عَليكَ الكِتابَ تِبياناً لِكُلِّ شَيءٍ) ، لكنّه لا بمعانيه الظاهرة: بالبداهة، بل بمعانيه الباطنة، وقوله عليه السلام «إلاّ أن يعطى العبد فهماً في كتابه» إشارة إليها.
وقال فيها أيضاً:
«فقد تلقّوا (أي الاَئمة عليهم السلام ) العلم كغيرهم من بني البشر».
أقول: نعم! إلاَّ أنّهم تلقّوه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وباب علمه علي بن أبي طالب عليه السلام .
وقال في ص 330 و331: «وقد أقرّت الشيعة في «رجال الكشّي» بأنّ محمد بن علي بن الحسين ( عليهم السلام ) يروي عن جابر بن عبدالله، واعتذرت عن ذلك باعتذار غريب حيث قالت: إنّه يروي عنه ليصدّقه الناس وهذا الاعتذار لا يقبل بالنظر إلى دعاوي الشيعة في أئمّتها، وأنّ عندهم المعجزات».
أقول: يروي عن جابر بن عبدالله ليصدّقه الناس عادة من دون حاجة إلى الاِتيان بالمعجزة وخارق العادة.
والحديث رواه الكشّي في ص41 و42، قال:حمدويه وإبراهيم ابنا نصير، قالا: حدثنا محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن حريز، عن أبان بن تغلب، قال: حدثني أبوعبدالله عليه السلام قال: «إنّ جابر بن عبدالله كان آخر من بقي من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم )، وكان رجلاً منقطعاً إلينا أهل البيت، وكان يقعد في مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو معتمٌّ بعمامة سوداء، وكان ينادي: يا باقر العلم! يا باقر العلم! فكان أهل المدينة يقولون: جابر يهجر، فكان يقول: لا والله ما أهجر ولكني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول: إنّك ستدرك رجلاً من أهل بيتي اسمه اسمي وشمائله شمائلي يبقر العلم بقراً؛ فذاك الذي دعاني إلى ما أقول».
قال: «فبينا جابر يتردَّد ذات يوم في بعض طرق المدينة، إذ هو بطريق، في ذلك الطريق كُتَّاب فيه محمد بن علي بن الحسين ( عليهم السلام )، فلمَّا نظر إليه قال: يا غلام أقبل! فأقبل. ثم قال: أدبر. فقال: شمائل رسولالله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والذي نفس جابر بيده يا غلام! ما اسمك فقال: اسمي محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ! فاقبل عليه يقبل رأسه، وقال: بأبي أنت وأُمّي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقرئك السلام، ويقول لك، ويقول لك».
قال: «فرجع محمد بن علي ( عليهما السلام ) إلى أبيه علي بن الحسين وهو ذَعِرٌ، فأخبره الخبر، فقال له: يا بنيَّ! قد فعلها جابر؟ قال: نعم! قال: يابني! الزم بيتك».
قال: «فكان جابر يأتيه طرفي النهار؛ فكان أهل المدينة يقولون: واعجباه لجابر! يأتي هذا الغلام طرفي النهار وهو آخر من بقي من أصحاب رسول الله! فلم يلبث أن مضى علي بن الحسين ( عليهما السلام )، فكان محمد بن علي يأتيه على وجه الكرامة لصحبته برسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ).
قال: «فجلس فحدّثهم عن أبيه، فقال أهل المدينة: ما رأينا أحداً قط أجرأ من ذا»!
قال: «فلمّا رأى ما يقولون حدّثهم عن رسول الله؛ قال أهل المدينة: ما رأينا أحداً قطّ أكذب من هذا يحدّث عمَّن لم يره»!
قال: «فلمّا رأى ما يقولون حدّثهم عن جابر بن عبدالله، فصدَّقوه وكان جابر والله يأتيه يتعلّم منه».
وقال في ص 331: «والشيعة يذكرون أنّ مسيرة الحسين ( عليه السلام ) إلى أهل الكوفة وخذلانهم له وقتله كانت سبب ردّة الناس إلاّ ثلاثة».
أقول: الشيعة لم يذكروا أنّ مسيرة الحسين ( عليه السلام ) كانت سبب ردّة الناس، بل كانت مسيرة الحسين عليه السلام إليهم وسيلة الهداية، فلم يهتدوا وخذلوا الحسين ( عليه السلام ) وقتلوه؛ فالسبب لارتدادهم خذلانهم له وقتله، لا مسير الحسين ( عليه السلام ) إليهم.
وقال في ص 332: «وقد يقال بأنّ هذه الدعاوى مجرّد حكايات وليس لها أثر في واقع الحياة؛ لاَنّه لا وجود للاَئمة».
أقول: الاَئمة عليهم السلام أكثر رجال التاريخ في النقل والرواية عنهم، والمعرفة برجال التاريخ إنّما تحصل بكثرة النقل والرواية عنهم، فهذه الدّعوى ان صدرت من أحد كانت من قبيل إنكار البديهيات.
وفيها أيضاً: «نسب إلى بعض المؤرّخين أنّ الحسن بن علي مات عقيماً».
أقول: العقيم: من ليس له ولد، وانّما يمكن الشهادة عليه بحسب الظّاهر لا في الواقع لاِخفاء ولده لاَجل كونه في معرض القتل كما سنبيّنه في التعليقة الآتية، لكنّ كون المهدي ابن الحسن العسكري ( عليهما السلام ) وولادته من المتواترات عن أبيه، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسائر الاَئمة المعصومين فلا ريب فيها.
فقد صرّح بولادة محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام ، جماعة من علماء أهل السنَّة المختصين بالنّسب والتاريخ والحديث كابن خلّكان في «وفيات الاَعيان»، وابن الاَزرق في «تاريخ ميافارقين» على ما حكى عنه ابن خلكان، وابن طولون في «الشذرات الذهبية» وابن الوردي، والسويدي مؤلّف «سبائك الذهب»، وابن الاَثير في «الكامل»، وابن الفداء في «المختصر»، وحمدالله المستوفي في «تاريخ كزيده»، والشبراوي شيخ الاَزهر في «الاِتحاف».
وقد تشرّف بحضوره جماعة في زمان حياة أبيه عليهما السلام وبعده طيلة أزمنة الغيبة حتى في زماننا هذا.
وقال في ص 333: «ادّعت (الشيعة أنّ للحسن ( عليه السلام ) ولداً قد اختفى فلم يعرفه أحد، وكان سبب اختفائه خوف القتل مع أنّه لم يقتل أبوه وأجداده من قِبَل دولة الخلافة وهم كبار، فكيف يقتل وهو طفل رضيع»؟
أقول: نعم! قتل أبوه وأجداده صلوات الله عليهم وسلامه على ما هو
مشهور في تاريخ الشيعة، وكما يشهد له ما روي عنهم عليهم السلام : «ما منّا إلاّ مسموم أو مقتول»(1).
لكنّ خوف قتل ابن الحسن العسكري عليهما السلام عند كونه طفلاً رضيعاً هو نتيجة لانتشار الاَخبار الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والاَئمة الطاهرين عليهم السلام والدالّة على أنّ مهدي آل محمد الذي يهدم بنيان الظّلم ويقطع دابر الظلمة، هو ابن الاِمام الحادي عشر الحسن بن علي العسكري عليهما السلام ؛ فصار موجباً لاِخفاء ولادته إلاّ عن الخواص صوناً لحياته الشريفة من تعرّض أيادي الحكومة العباسية الجائرة وعمالها.
وقد كان أهل بيت الاِمام الحسن العسكري عليه السلام تحت مراقبة شديدة من جانب الحكومة لا سيّما حين وفاته عليه السلام ، وقد تفحّصوا البيت وأهله عندها بأمر الخليفة العباسي ولم يجدوا منه أثراً، لكنّه ظهر بغتةً بمرأى ومنظر منهم وهو ابن خمس سنين، وعرّف نفسه وصلّى على جسد أبيه ثم غاب عن نظرهم، فدخلوا بيته ليأخذوه لكنّهم لم يقدروا عليه بإعجازه.
وقال في نفس الصفحة: «واختلف الشيوخ على النيابة، وكلّ يخرج توقيعاً، أي ورقة من الطفل يلعن بها الآخر».
أقول: النوَّاب الاَربعة لصاحب الاَمر عليه السلام في الغيبة الصغرى معروفون يعرفهم جميع الاِمامية، وكانت توقيعات صاحب الاَمر عجل الله تعالى فرجه الشريف تصوَّر على يد هؤلاء، وكان خطّة في الكتابة معروفاً، وكان كثير من التوقيعات مقروناً بالاِعجاز والاِخبار عن المغيَّبات يصدّق بها صدورها عنه ( عليه السلام )، كما سنبيِّنه على التفصيل في محلّه.
أمّا من ادّعى النيابة عنه ( عليه السلام ) كذباً فهم ـ على ما وردت أسماؤهم في «غيبة الطّوسي» سبعة ـ، ولم يذكر لواحد منهم دعوى صدور توقيع على يده، بل قد خرج التوقيع في لعن بعضهم.
وقال في ص 335 و336: «إستمع إلى شيء من هذه التوقيعات: «وكتب إليه صلوات الله عليه في سنة ثمان وثلاثمائة كتاباً سأله فيه عن مسائل: سأل عن الاَبرص والمجذوم وصاحب الفالج هل يجوز شهادتهم»؟...
إلى أن قال: «وسأل: هل يجوز أن يسبّح الرّجل بطين القبر»؟
أقول: خصّ المصنف بالذكر هذين التوقيعين من بين توقيعات كثيرة مرويّة في الكتب لاَجل الاِيراد عليهما، وقد نقلهما عن «البحار»، ونقلهما في البحار عن «الاِحتجاج» وذكرهما فيه ص (487 ـ 489) مرسلَين ولم يذكر لهما سنداً، بخلاف التوقيعات المروية في «غيبة الشيخ» فإنَّها مسندة بذكر أسماء سلسلة السـند بين الشيخ وصاحب الاَمر ( عليه السلام ).
وأمّا «الاِحتجاج» فقد ذكر أنّ مؤلّفه من أهل القرن السادس، فالمدّة بينه وبين سنة ثمان وثلاثمائة ـ تاريخ هذين التوقيعين ـ طويلة ولم يذكر لهما وسائط في النقل ليلاحظ حالهم من حيث الوثاقة وعدمها، فلم يثبت صدورهما عن الاِمام؛ والحديث غير المسند ليس حجّة عند فقهاء الاِمامية، ولا يجوز إسناده إلى الاِمام بالبتِّ واليقين.
وأمّا قوله: «وهل يكتب التسبيح بالعبث بالمسبحة؟ فأيّ شرعة هذه؟ وأيّ فقيه يفتي بذلك»؟
فيمكن أن يقال في وجهه: لقد جاءت فائدة أخذ السبحة باليد من وجه تسميتها بالسّبْحة؛ فهو لذكر الله والتسبيح له بتعداد يريده من غير أن يحتاج إلى العدّ. وما ورد في هذا التوقيع معناه أنّه يترتب على هذا الاِعداد والتّهيؤ للتسبيح أنّه لو نسي التسبيح في حين أنّه يدير السّبحة لاَجل التسبيح بها فسيكتب ذلك له أيضاً بفضل الله ورحمته الواسعة.
وقال في ص 337: «وقد جاءت توقيعات من المنتظر يؤخذ منها أنّ العمل بسنن الاِسلام وشرائعه يتوقّف على إذن القائم المنتظر، كما قد يؤخذ من النصوص التالية: «ولد لي مولود فكتبت أستأذن في تطهيره يوم السابع، فلم يكتب شيئاً، فمات المولود يوم الثامن»، فهو يتوقّف في ختان ابنه حتى يأتيه الاِذن من القائم».
أقول: كلاّ! ليس هذا لاَجل أنّ العمل بسنن الاِسلام وشرائعه يتوقف على إذن القائم المنتظر عليه السلام ، بل لاَجل أنّ أدلّة استحباب الختان منصرفة إلى ما لم يكن الطفل في معرض الموت، بل لا يجوز إذا كان ممدَّاً له.
وقال في ص 338: «والحجّ يتوقّف على إذن هذا الطفل المزعوم، فهذا شيعي يقول: تهيأت للحجّ.... فهل أمر قائمهم أمر الله وشرعه حتى يستأذن في ركن من أركان الاِسلام»؟
أقول: الحجّ الذي هو ركن من أركان الاِسلام لا يجوز تركه، فهو حجّة الاِسلام، وأمّا الحجّ المندوب فالسفر إليه ربّما يكون مكروهاً إذا استلزم تركه ما هو أهم منه، بل قد يكون محرّماً إذا استلزم ترك واجب أو فعل حرام.
وقال فيها: «إنّهم رجّحوا هذه التوقيعات على ما روي بإسناد صحيح عندهم في حال التعارض، قال ابن بابويه: «هذا التوقيع الذي عندي بخطّ أبي محمد الحسن بن علي ( عليهما السلام )»، ثم ذكر: «أنّ في «الكافي» رواية بخلاف ذلك».
ثم قال: «لست أفتي بهذا الحديث بل أفتي بما عندي بخطّ الحسنبن علي ( عليهما السلام )».
.... وكيف يجزمون بأنّ هذا خطّ الحسن بن علي ( عليهما السلام ) مع أنّ الخطوط متشابهة»؟
أقول: أهل الفنّ يعرفون خطوط آحاد الاَشخاص من بين المتشابهات، فيعرف خطّ شخص بشكل دقيق من خصوصيات خطه، مضافاً إلى أنّه يعرف بالقرآئن القطعيّة الدالّة على أنّه خطّه.
وقال فيها أيضاً: «كما أنّ هذا النائب محلّ شك كبير؛ لاَنّ مسألة النيابة يتصارع كثير من رؤسائهم على الفوز بها، لاَنّها وسيلة سهلة لجمع الاَموال».
أقول: قد تقدّم الجواب عن هذه الفرية في ذيل ما ذكره في 333، فراجع.
وقال في ص339: «ومن يزعم الصلّة بهذا المنتظر، أو يزعم أنّه قد أرسل له برسالة يحظى بثقة القوم، كما تجد ذلك في تراجم رجالهم... فهي مصدر من مصادر دينهم».
أقول: الذي وجدناه بين الموثّقين في كتب رجال الشيعة، وقد ذكر فيها أنّه خرج إليه التوقيع، هو علي بن سليمان بن الحسن بن الجهم ( رضي الله عنه ).
قال العلاّمة الحلي ( رضي الله عنه ) في رجاله ص100: «كان له اتّصال بصاحب الاَمر عجل الله فرجه، وخرجت إليه توقيعات، وكان له منزلة في أصحابنا، وكان ورعاً ثقة فقيهاً لا يطعن عليه في شيء».
وقال فيها: «كما يجري في هذه التوثيقات توثيق الرجال أو ذمّهم، ويجعل ذلك أصلاً عندهم في جرحه وتعديله، فهي مصدر من مصادر دينهم، قال الآلوسي: «إنّهم أخذوا مذهبهم من الرقاع المزبورة... بل جعلوا هذه الرقاع من أقوى دلائلهم وأوثق حججهم».
وتعجّب كيف يزعمون بعد هذا أنّهم أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) وقد أسّسوا أحكام دينهم بمثل هذه الترَّهات، واستنبطوا الحرام والحلال من نظائر هذه الخزعبلات»؟!
أقول: التوقيع الذي اشتمل على التوثيق هو ما ذكره المصنف تحت الخط في هذه الصفحة، ذكره الكشي ونقله العلاّمة الحلّي في رجاله ص(190)، وهو يشتمل على توثيق البلالي والمحمودي. فأمّا البلالي فلم يذكر له حديثاً في الفقه، وأمّا المحمودي فذكر له حديثين يرويهما عن أبيه في حدّ الزنا وما يوجب التّعزير.
فلا معنى عندئذٍ لقول الآلوسي: «إنّهم أخذوا مذهبهم من الرقاع المزبورة».
وقال فيها أيضاً: «ثم تحدّث الآلوسي عن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، وتعجّب كيف تلقّبه الرافضة بالصدوق»؟!
أقول: هذا اشتباه منه؛ فالذي تلقّبه الشيعة بالصدوق هو ابنه محمد ابن عليبن الحسين صاحب الكتب الكثيرة!!
وقال في ص 340:«قالوا: خرج التوقيع إلى الحسن السمري... وسيأتي من شيعتي من يدّعي المشاهدة، فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب مضرّ».
أقول: المراد من مشاهدته أن يراه أحد ويعرفه، لا مجرّد رؤيته من دون أن يعرفه، كما يدل عليه ما رواه النعماني في «الغيبة» بالسند عن الصادق عليه السلام في حديث قال: «صاحب هذا الاَمر يتردّد بينهم، ويمشي في أسواقهم، ويطأ فرشهم، ولا يعرفونه حتى يأذن الله له أن يعرّفهم نفسه، كما أذن ليوسف حتى قال له إخوته: (أَئِنَّكَ لاََنتَ يُوسفُ قالَ أنا يوسف) »(2).
وما رواه في «كمال الدين» عن ابن المتوكّل، عن الحميري، عن محمد بن عثمان العمري، قال: سمعته يقول: «والله إنّ صاحب هذا الاَمر يحضر الموسم كل سنة فيرى الناس ويعرفهم، ويرونه ولا يعرفونه»(3).
وقال في ص 341:
«ويفسّر شيخهم النوري الطبرسي نص الكافي الذي يقول: «لابدّ لصاحب هذا الاَمر من غيبة، ولابُدَّ له في غيبته من عزلة، وما بثلاثين من وحشة»، بأنّه في كل عصر يوجد ثلاثون مؤمناً وليّاً يتشرّفون بلقائه».
أقول: ليس المراد من الغيبة هو الحياة وحده طول السنين من دون خادم يخدمه ولا مصاحب يصاحبه، فلا بأس أن يكون له ثلاثون وليّاً يخصّونه بالمصاحبة، لا يعاشرون الناس ولا أحد يعرفهم.
وقال في ص 343: «وجعلت ما ينقل عن هؤلاء في مقام ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ».
أقول: ليس مجرّد النقل عنهم في مقام ما يقوله رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عند الشيعة، بل إذا ثبت بالطريق الصحيح عنهم فهو حجّة يكشف عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لاِعلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أُمّته أنّ الحجّة بعده تنحصر في القرآن والعترة؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم ـ فيما يرويه عنه العامّة والخاصة وقد كثر نقله في كتب أهل السنَّة ـ : «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي، لن تضلّوا ما إن تمسّكتم بهما، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض».
وقد أوردنا جملة من مداركه في كتب أهل السنَّة عند ما ذكره المصنف في ص308، فراجع.
وقال فيها: «ويقول محمد حسين آل كاشف الغطاء: وأمّا ما يرويه مثل أبي هريرة، وسمرة بن جندب، وعمرو بن العاص ونظائرهم فليس لهم عند الاِمامية مقدار بعوضة».
أقول: كلام كاشف الغطاء ( قدس سره ) في كتابه «أصل الشيعة واصولها» ص82 هكذا: «وأمّا ما يرويه مثل أبي هريرة، وسمرة بن جندب، ومروان بن الحكم، وعمران بن حطان الخارجي، وعمرو بن العاص ونظائرهم، فليس لهم عند الاِمامية من الاعتبار مقدار بعوضة، وأمرهم أشهر من أن يذكر؛ كيف وقد صرّح كثير من علماء أهل السنَّة بمطاعنهم، ودلّ على جائفة جروحهم»؟!
أقول: فقد روى البخاري، وأبو داود، والنسائي في صحاحهم عن عمران بن حطّان الخارجي الذي ورد أنه قال في عبدالرحمان بن ملجم
وقتلة الاِمام علي عليه السلام :
يا ضَربةً مِن تَقيٍّ ما أرادَ بِهاإلاَّ لِيَبلغَ مِن ذِي العَرشِ رضواناً
ويروي النسائي في صحيحه عن عمر بن سعد قاتل الحسين عليه السلام الذي قال رسول الله فيه وفي أخيه عليهما السلام : «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة»(4)، ورواه العامة والخاصة عن جماع نقلنا جملة عن كتب أهل السنَّة في ذيل قول المصنف في ص445.
وأمّا غيرهم من الصحابة فقد قال عنهم في كتابه هذا ص42:
«ولا أقول: انّ الآخرين من الصحابة ـ وهم الاَكثر الذين لم يتّسموا بتلك السمة ـ قد خالفوا النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولم يأخذوا بإرشاده.
كلاًّ! ومعاذ الله أن يظنّ بهم ذلك وهم خيرة مَن على وجه الاَرض يومئذٍ، ولكن لعلّ تلك الكلمات (أي الصادرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ولاية علي عليه السلام ) لم يسمعها كلّهم، ومن سمع بعضها لم يلتفت إلى المقصود منها، وصحابة النبي أسمى من أن تحلّق إلى أوج مقامهم بُغاث الاَوهام».
وقال في ص 344:
«فهل يتمكّن أمير المؤمنين من نقل سنّة الرسول كلها للاَجيال؛ كيف وهو لا يكون مع الرسول في كل الاَحيان»؟
أقول: يدفعه ما تواتر نقلهفيكتبأهل السنَّة، قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
«أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب».
وقد أوردنا جملة عن مصادره عن كتب أهل السنَّة عند التعرض لقول المصنّف في ص317، فراجع.
وقال فيها:
«كما أنّ هذه المقالة، وهي حصر سنّة رسول الله بواحد يفضي إلى فقدان صفة التواتر في نقل شريعة القرآن وسنة سيد الاَنام».
أقول: ما جرت عليه السيرة القطعيّة بين جميع المسلمين من أحكام الاِسلام المسلَّمة بينهم المستمرّ عملهم بها، فهي مأخوذة من تعليمات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كالصلاة وأقسامها من اليوميّة وغيرها وأجزائها وتعداد ركعاتها وشروطها ومبطلاتها، وكالحجّ والعمرة وأجزائهما والترتيب بينهما من الاِحرام إلى آخر أعمالهما، وكالزكاة ومتعلّقاتها، والصوم ومبطلاته وأقسام الصوم الواجبة والمندوبة، وسائر واجبات الاِسلام ومحرّماته. وما وقع الاختلاف فيه منها، وليس في كتاب الله آية يتمسّك بها، يرجع فيه إلى عترة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لاِرجاعه أُمّته إليهم بعد رحلته، وتبيان ذلك إليهم بقوله: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي، لن تضلّوا ما إن تمسّكتم بهما، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض»، كما هو المتواتر عنه صلى الله عليه وآله وسلم في كتب أهل السنَّة. وقال في ص 345: «وقد قال بعض أهل العلم: لم يُروَ عن علي ( عليه السلام ) إلاّ خمسمائة وستة وثمانون حديثاً».
أقول: ذلك في كتب أهل السنَّة، وأمّا في كتب الشيعة فجميع الاَحاديث المرويّة من الاَئمّة الاثني عشر عليهم السلام مروية عن علي عليه السلام ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وقال في ص 346: «ومن العجب أنّ الشيعة حكمت على من سمع من غير الاِمام بالشرك حيث جاء في «أُصول الكافي»: من ادّعى سماعاً من غير الباب الذي فتحه الله فهو مشرك».
أقول: يعني أنّ الاَحكام الاِلهيّة من ادّعى سماعها ممّن يفتي بها بالقياس، والاستحسان من قبل نفسه، من دون أن يسمعه من باب فتحه الله إليه كأرباب الفتوى لاَهل السنَّة، فقد تعبّد لغير الله سبحانه وتعالى.
وقال في نفس الصفحة: «ويقولون: كلّ ما لم يخرج من عند غير الاَئمة ( عليهم السلام ) فهو باطل».
أقول: أي كل ما خالف الاَئمة في ذلك فهو باطل، فإنّ آخر الحديث الذي استشهد به على هذه المقالة في ذيل الصفحة هكذا: «وإذا تشعّبت بهم الاَُمور كان الخطأ منهم والصواب من علي».
وقد روى في «أُصول الكافي 1: 50|1 باب اختلاف الحديث» حديثاً عن عليَّ عليه السلام : «إنَّ في أيْدِي النّاسِ حَقّاً وَباطِلاً وَصِدْقاً وَكِذْباً وناسِخاً وَمَنْسُوخاً وَعامّاً وَخاصّاً وَمُحْكماً ومُتشابها وَحِفظاً وَوَهَماً، وَقَدْ كُذِبَ عَلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَلى عَهْدِهِ حَتّى قامَ خَطِيباً، فَقالَ: أَيُّها النّاسُ! قَدْ كَثُرت عَلَيَّ الْكَذّابَةُ، فَمَنْ كَذَب عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيتبوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النّار.
ثُمَّ كُذِبَ عَلَيْه من بعْدِهِ، وَإنَّما أَتاكُمُ الْحَدِيثُ مِنْ أَرْبَعَةٍ لَيْسَ لَهُمْ خامِسٌ:
رجلٍ منافق يُظهِر الايمانَ مُتَصَنِّعٍ بِالاِسْلامِ، لا يَتَأثمُ وَلا يَتَحَرَّجُ أنْ يَكذِبَ عَلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم مُتَعَمِّدَاً. فَلو عَلِمَ النّاسُ أَنَّهُ مُنافِقٌ كَذّابٌ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَلَمْ يُصَدِقُوُه، وَلكِنَّهُمْ قالُوا: هذا قَد صَحِبَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَرَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ، وَأَخَذُوا عَنْهُ وَهُمْ لا يَعْرِفُونَ حالَهُ؛ وَقَدْ أَخْبَرَهُ اللهُ عَنِ الْمُنافِقينَ بِما أَخْبَرَه، وَوَصَفَهُمْ بِما وَصَفَهُمْ فَقالَ عَزَّوَجَلَّ: (وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ)(5). ثُمَّ بَقَوْا بَعْدَهُ فَتَقَرَّبُوا إِلى أَئِمَّةِ الضَّلالَةِ وَالدُّعاةِ إِلى النَّارِ بِالزُّورِ وَالْكِذْبِ وَالْبُهْتانِ، فَوَلّوْهُمُ الاَعمالَ وَحَمَلُوهُمْ عَلى رِقابِ النّاسِ، وَأَكَلُوا بِهِمُ الدُّنْيا؛ وَإِنَّمَا النّاسُ مَعَ الْمُلُوكِ وَالدُّنْيا إلاّ مَنْ عَصَمَ اللهُ. فهذا أَحَدُ الاَرْبَعَةِ.
وَرَجُلٍ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ شَيْئاً لَمْ يَحْمِلْهُ عَلى وَجْهِهِ، وَوَهِمَ فيهِ وَلَمْ يَتَعَمَّدْ كِذْباً، فَهُوَ في يَدِهِ يَقُولُ بِهِ وَيَعْمَلُ بِهِ ويَرْوِيهِ، فَيَقُولُ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم ، فَلَوْ عَلِمَ الْمُسلِمُونَ أَنَّهُ وَهَمٌ لَمْ يَقْبَلُوهُ، وَلَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ وَهَمٌ لَرَفَضَهُ.
وَرَجُلٍ ثالِثٍ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم شَيْئاً أَمَرَ بِهِ ثُمَّ نَهى عَنْهُ وَهُوَ لا يَعْلَمُ، أَوْ سَمِعَهُ يَنْهى عَنْ شَيءٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَهُوَ لا يَعْلَمُ، فَحَفِظَ مَنْسُوخَهُ وَلَمْ يَحْفظِ النّاسِخَ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ، ولَو عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ إِذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ.
وَآخَرَ رابِعٍ لَمْ يَكْذِبْ عَلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم ، مُبْعِضٍ لِلْكِذْبِ خَوْفاً مِنَ اللهِ وَتَعْظِيماً لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم . لَمْ يَنْسَهُ بَلْ حَفِظَ ما سَمِعَ عَلى وَجْهِهِ، فَجاءَ بِهِ كَما سَمِعَ لَمْ يَزِدْ فيهِ وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ، وَعَلِمَ النّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ فَعَمِلَ بِالنّاسِخِ وَرَفَضَ الْمَنْسُوخَ؛ فَاِنَّ أَمْرَ النَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم مِثلُ الْقُرآنِ ناسِخٌ وَمَنْسُوخٌ [وَخاصٌ وَعامٌّ] ومُحْكَمٌ وَمُتَشابِهٌ، وقَدْ كانَ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم الْكَلامُ لَهُ وَجْهانِ: كَلامٌ عامُّ وَكَلامٌ خاصٌّ مِثْلُ الْقُرآن، وَقالَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ في كِتابِهِ: (وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهيكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(6)، فَيَشْتَبِهُ عَلى مَنْ لَمْ يَعْرِفْ وَلَمْ يَدْرِما عَنَى اللهُبِهِ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وآله وسلم .
وَلَيْسَ كُلُّ أَصْحابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم كانَ يَسْأَلُهُ عَنِ الشَّيءِ فَيَفْهَمُ، وَكانَ مِنْهُمْ مَنْ يَسأَلُهُ وَلا يَسْتَفْهِمُهُ؛ حَتّى أَنْ كانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجيءَ الاََْعْرابِيُّ وَالطّارِيء فَيَسّأَلُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم حتّى يَسْمَعُوا.
وَقَدْ كُنْتُ أَدْخُلُ عَلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم كُلَّ يَوْمٍ دَخْلَةً وَكُلَّ لَيْلَةٍ دَخْلَةً، فَيُخَلِّيني فيها أَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ دارَ، وَقَد عَلِمَ أَصْحابُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ لَمْ يَصْنَعْ ذلِكَ بِأَحَدٍ مَنَ النّاسِ غَيْري، فَرُبَّما كانَ في بَيْتي يَأْتيني رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَكْثَرُ ذلِكَ في بَيْتي.
وكُنْتُ إِذا دَخَلْتُ عَلَيْه بَعْضَ مَنازِلِهِ أَخْلاني وَأَقامَ عَنّي نِساءَه، فلا يَبْقى عِنْدَهُ غَيْري، وإذا أتاني لِلخَلْوَةِ مَعِي في مَنْزِلِي لَمْ تَقُمْ عَنِّي فاطِمَةُ وَلا أَحَدٌ مِنْ بَنِيَّ.
وَكُنْتُ إِذا سَأَلْتُهُ أَجابَنِي، وَإِذا سَكَتُّ عَنْهُ وَفُنِيَتْ مَسائِلِي ابْتَدَأَني. فَما نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم آيَةٌ مِنَ الْقُرآنِ إِلاّ أَقْرَأَنيها وأَمْلاَها عَلَيَّ، فَكَتبْتُها بِخَطّي، وَعَلَّمَنِي تَأْوِيلَها وَتَفْسِيرَها وَناسِخها وَمَنْسُوخَها وَمُحْكَمَها وَمُتَشابِهَها وَخاصَّها وَعامَّها، وَدَعا الله أنْ يُعْطِيَني فَهْمَها وَحِفْظها؛ فَما نَسِيتُ آيَةً مِنْ كِتابِ اللهِ وَلا عِلْماً أَمْلاَََهُ عَلَيَّ وَكَتَبْتُهُ مُنْذُ دَعَا الله لي بِما دَعا، وَما تَرَك شَيْئاً عَلَّمَهُ اللهُ مِنْ حَلالٍ وَلا حَرامٍ، وَلا أَمْرٍ وَلا نَهْي كانَ أَوْ يَكُونُ، وَلا كِتابٍ مُنْزَلٍ عَلى أحَدٍ قَبْلَهُ مِنْ طاعَةٍ أَوْ مَعْصِيةٍ إِلاّ عَلَّمَنِيهِ وَحَفِظْتُهُ، فَلَمْ أَنْسَ حَرْفاً واحِداً.
ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلى صَدْرِي وَدَعا اللهَ لي أنْ يَمْلاَََ قَلْبِي عِلْماً وَفَهْماً وَحُكْماً وَنُوراً، فَقُلْتُ يانَبِيَّ اللهِ! بِأبِي أَنْتَ وَاُمِّي مُنْذُ دَعَوتَ اللهَ ليِ بِما دَعَوْتَ لَمْ أَنْسَ شَيْئاً وَلَمْ يَفُتْنِي شَيءٌ لَمْ أَكْتُبْهُ، أَفَتَتَخَوَّفُ عَلَيَّ النّسْيانَ فيما بَعْدُ؟ فَقالَ: لا! لَسْتُ أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ النِّسيانَ وَالْجَهْلَ».
وقال في ص348: «إنّ السّبب يعود إلى البدعة الاَُولى التي ابتدعها ابن سبأ من القول بأنّ عليّاً ( عليه السلام ) وصي رسول الله».
أقول: ما أكبر هذا البهتان! وما أجرأه على إنكار نصب رسولالله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام بالولاية على أُمّته بقوله: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه»!!
فلقد بلغت كثرة أسانيده من طرق أهل السنَّة إلى حدٍّ لعلّه لم يبلغ إليه حديث في كثرة الاَسانيد، كما سيجيء نقل جملة منها عن كتب أهل السنَّة بما يعجبك كثرتها.
أمّا قوله: «ابتدعها ابن سبأ» فجوابه: ما ذكره كاشف الغطاء ( قدس سره ) في «أصل الشيعة وأُصولها: 35» حيث قال:
«أما عبدالله بن سبأ الذي يلصقونه بالشيعة أو يلصقون الشيعة به، فهذه كتب الشيعة بأجمعها تعلن بلعنه والبراءة منه، وأخف كلمة تقولها كتب الشيعة في حقّه، ويكتفون بها عن ترجمة حاله عند ذكره في (حرف) العين هكذا: «عبدالله بن سبأ ألعن من أن يذكر»! أنظر رجال أبي علي وغيره.
وقال فيها أيضاً:
«يقول المامقاني: «تشرّف الرجل برؤية الحجّة ـ عجل الله فرجه وجعلنا من كلّ مكروه فداه ـ بعد غيبته، فيستشهد بذلك على كونه في مرتبة أعلى من مرتبة العدالة ضرورة»، ولكن لماذا لا يجرون مثل هذا الحكم في صحابة رسول الله، ويعتبرون تشرّف الصحابة برؤية رسول الهدى برهان عدالتهم، أليس رسول الله أعظم من منتظر»؟
أقول: الوجه في حكم المامقاني (قده) بعدالة من تشرّف برؤية الحجّة عجل الله فرجه، وكونه في أعلى درجة من العدالة: غيبته عن جميع الناس فاسقهم وعادلهم؛ فلو ظهر لشخص دلّ اختصاصه بهذا الشرف على كونه في أعلى درجة من العدالة والعبوديّة لله تعالى.
أمّا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يكن غائباً عن الناس حتى الكفّار والمنافقين، فمجرّد رؤية رسول الله واستماع كلام منه لا يستلزم كونه مسلماً، فضلاً عن كونه عادلاً وتقيّاً.
وقال في ص 349: «وكلّ خطيئة الصحابة التي من أجلها ردّوا رواياتهم وحكموا بردّتهم، أنّهم أنكروا النّصّ على إمامة عليّ ( عليه السلام )».
أقول: من أنكر إمامة عليٍّ عليه السلام رغم تنصيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له بالاِمامة للمسلمين بعد ارتحاله (كما هو المتواتر في كتب أهل السنَّة، وكما سننقل جملة من أسانيده عن كتبهم عند قول المصنّف في ص 691، ونقلنا هناك شهادة عدّة كتب لهم بتواتره)، من أنكر ذلك كان ساقطاً عن العدالة. لكنّا لا نسلّم إنكار جميع الصحابة أو جلّهم لذلك؛ وإنّما لم يظهروه خوفاً من الحكّام.
وقد نقلنا كلام كاشف الغطاء ( قدس سره ) عند التعليق على قول المصنف في ص343، فراجع.
وقال فيها: «مع أنّ هذا الاَصل الذي يزِنون به الناس واضح البطلان؛ لاَنّه لو كان بهذه المثابة التي يزعمون لذكره الله تعالى في كتابه المبين...».
أقول: قد ورد في كتب أهل السنَّة أنّه لمّا نصب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام بالاِمامة نزلت هذه الآية: (اليَومَ أكملْتُ لَكُم دِينَكُم وأتْمَمْتُ عَليكُم نِعمتيَ وَرَضيتُ لَكُم الاِسلام دِيناً)(7).
فمن جملة كتب أهل السنَّة التي روي فيها ذلك: «تاريخ ابن عساكر الشافعي المتوفى سنة 571 في ترجمة علي بن أبي طالب ص 86» قال: أنبأنا أبو عبدالله محمد بن علي بن أبي العلاء، أنبأنا أبي أبو القاسم، أنبأنا أبو محمد بن أبي نصر، أنبأنا خيثمة، أنبأنا جعفر بن محمد بن عنبسة اليشكري، أنبأنا يحيى بن عبدالحميد الحِمّاني، أنبأنا قيس بن الربيع، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال:
لمّا نصب رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم عليّاً ( عليه السلام ) بغدير خمّ فنادى له بالولاية: هبط جبرئيل عليه بهذه الآية: (اليوَم أكْملْتُ لَكُم دِينَكُم وأَتممتُ عَليْكم نِعمتي وَرَضِيتُ لَكُم الاِسلام دِيناً).
ومنها: «تاريخ بغداد 8: 490» لاَبي بكر الخطيب البغدادي.
رواه عن الحافظ الدارقطني، عن حبشون الخلال، عن علي بن سعيد الرّملي، عن ضمرة، عن ابن شوذب، عن مطر الورّاق، عن ابن حوشب، عن أبي هريرة.
ومنها: «مناقب الخوارزمي: 80».
رواه بسنده المسلسل عن أبي سعيد الخدري.
وقال فيها أيضاً: «ردّوا روايات الصحابة».
أقول: لم تكتب روايات الصحابة في صدر الاِسلام؛ لكون كتابة الحديث ممنوعة في زمان الخلفاء إلى عهد عمر بن عبدالعزيز سنة تسع وتسعين من الهجرة.
قال في «معالم المدرستين 2: 47 ـ 57»: ويظهر من بعض الاَحاديث أنّهم نشطوا لمنع كتابة حديث الرسول الاکرم صلی الله عليه وآله وسلم وفي زمان صحّة الرسول، قال عبدالله بن عمرو بن العاص:
«كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شيء سمعته من رسول الله ورسول الله بشر يتكلّم في الغضب والرضا»؟!
فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله، فأومأ بإصبعه إلى فيه، وقال: «اكتب! فوالّذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حقّ». رواه في سنن الدارمي 1: 125، وسنن أبي داود 2: 126، ومسند أحمد 2: 161 و207 و216.
ومن هنا تعرف سبب منعهم كتابة وصيّة الرسول في آخر ساعات حياته، وسبب منعهم من كتابة حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عندما تولَّوا الحكم ولم يبقَ مانع من ذلك.
وجاء في «صحيح البخاري | كتاب العلم | باب العلم 1: 22»:
لمَّا حضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال: «هلمّ أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده».
قال عمر: إنّ النبيّ غلبه الوجع وعندكم كتاب الله، فحسبنا كتاب الله!
واختلف أهل البيت واختصموا... قال: صلى الله عليه وآله وسلم : «قوموا عنّي ولاينبغي عندي التنازع».
وفي «طبقات ابن سعد 5: 140»:
«إنّ الاَحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلمّا أتوه بها أمر بتحريقها. وبقي هذا المنع نافذاً حتى ولي الحكم عمر بن العزيز الاَموي (سنة 99)، فرفع المنع وكتب إلى أهل المدينة: أن انظروا حديث الرسول فاكتبوه، فإنّي قد خفت دروس العلم وذهاب أهله».
وفي «فتح الباري 1: 218»: «وكان ابن شهاب الزهري أوّل من دوّن الحديث على رأس المائة من هجرة الرسول، وليتهم اكتفوا بذلك، بل منعوا من رواية حديث الرسول كذلك».
وروى الذهبي في «تذكرة الحفّاظ 1: 4» في ترجمة أبي بكر: «أنّ أبابكر جمع الناس بعد وفاة نبيّهم، فقال: إنّكم تحدّثون عن رسولالله صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلِّوا حلاله وحرِّموا حرامه».
وفي «جامع بيان العلم لابن عبدالبر | باب ذكر من ذمّ الاِكثار من الحديث»، و«تذكرة الحفاظ للذهبي 1: 4 ـ 5»:
«روى عن قرظة بن كعب أنّه قال: لما سيّرنا عمر إلى العراق مشى معنا عمر إلى صرار، وقال: أتدرون لِمَ شيّعتكم؟ قلنا: أردت أن تشيعنا وتكرمنا. قال: إنّ مع ذلك لحاجة، إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويِّ النحل، فلا تصـدُّوهم بالاَحاديث عن رسول الله وأنا شريككم.
قال قرظة: فما حدّثت بعده حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم »!
وفي رواية أُخرى: فلمّا قدم قرظة بن كعب قالوا: حدِّثنا، فقال: نهانا عمر!
وفي «كنز العمال: حديث رقم 4865»:
«عن عبدالرحمان بن عوف قال: ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب رسول الله فجمعهم من الآفاق: عبدالله بن حذيفة،
وأبا الدرداء، وأبا ذر، وعقبة بن عامر، فقال: ما هذه الاَحاديث التي أفشيتم عن رسول الله في الآفاق؟
قالو: تنهانا؟!
قال: لا! أقيموا عندي، لا والله لا تفارقوني ما عشت؛ فنحن أعلم نأخذ منكم ونردّ عليكم؛ فما فارقوه حتى مات».
وروى الذهبي في «تذكرة الحفاظ 1: 7»: «أنّ عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الاَنصاري، فقال: أكثرتم الحديث عن رسول الله»!
وفي تاريخ ابن كثير 8: 107: «وكان (عمر) يقول للصحابة: أقلُّوا الرواية عن رسول الله إلاّ فيما يعمل به».
وفي «منتخب الكنز بهامش مسند أحمد 4: 64»: «قال عثمان على المنبر: لا يحلّ لاَحد يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر، ولا في عهد عمر»!
ويظهر أنّه في هذا العصر كان ما رواه الدارمي وغيره: أنّ أبا ذر (رض) كان جالساً عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناس يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه، ثم قال: ألم تُنْهَ عن الفتيا؟
فرفع رأسه إليه فقال: أرقيب أنت عليَّ؟! لو وضعتم الصمصامة على هذه ـ وأشار إلى قفاه ـ ثم ظننت أنّي أنفذ كلمة سمعت من رسولالله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أ ن تجيزوا عليَّ لاَنفذته.
هذه أمثلة ممّا كان على عهد الخلفاء الثلاثة من الحظر على الصحابة في نشر أحاديث الرسول، غير أنّهم أحجموا عن الكلام ولم يفصحوا عن السّبب، كما فعله معاوية على عهده.
وذكر في الطبري 2: 112 وابن الاَثير 3: 102 في حوادث سنة 51 هجرية: «أنّ معاوية لمّا استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين، وأمّره عليها دعاه وقال له: لست تاركاً إيصاءك بخصلة: لا تترك شتم عليٍّ وذمّه، والترحّم على عثمان والاستغفار له، والعيب لاَصحاب علي والاِقصاء لهم»!
روى ابن أبي الحديد عن المدائني في كتاب «الاَحداث»: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة: أن برئت الذّمّة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته؛ وكان أشدّ البلاء حينئذٍ على أهل الكوفة.
وهكذا خنقت مدرسة الخلفاء أنفاس الصحابة والتابعين، وقضت على من خالف سياستها، وفي مقابل ذلك فتحت الباب لآخرين في أن يتحدّثوا بين المسلمين كما يشاؤون.
المصادر :
1- انظر بحار الاَنوار 27: 217|19 و43: 364 و44: 139.
2- الغيبة للنعماني: 163|4.
3- كمال الدين: 440|8، أورده عنه في بحار الاَنوار 52: 152|4.
4- انظر: المصنف لابن أبي شيبة 12: 97|12228، والمستدرك للحاكم 3: 167، ومجمع الزوائد لابن حجر الهيثمي 9: 183 وكنز العمال للمتقي الهندي 7: 26|17795 و12: 112|34246 و115|34259 و34260 و119|34282 و120|34285 و13: 661|37682.
5- المنافقون 63: 4.
6- الحشر 59 : 7.
7- المائدة 5: 3.

215
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:
لینک کوتاه

آخر المقالات

فيما جاء في تفسير قوله تعالى: واعتصموا بحبل الله ...
تشريع صلاة التراويح
نشاة التشيع
سعة دائرة الحلال
هندسة القضاء والقدر
في صفات الأنبياء وكتبهم
التقية في الاسلام
الإمامة والخلافة بإختصار
ما أثر الشفاعة
ماهية الإمامة عند أهل السنّة

 
user comment