عربي
Thursday 24th of September 2020
  12
  0
  0

مفاتيح لعلم البلاغة لنفتح ماإنغلق من نهج البلاغة – الثاني

مفاتيح لعلم البلاغة لنفتح ماإنغلق من نهج البلاغة – الثاني



السيد الحسيني

بسم الله الرحمن الرحيم

ابتدئنا والحمد لله بسلسلة كانت عبارة عن بعض المصطلحات والقواعد والمبادئ التي تساعد على فهم البلاغة لتكون البلاغة وسيلتنا لفهم نهج البلاغة وشروحه ..والى الان انهينا شطرا لا باس به منها وهو القسم الاول الذي جاء متضمنا

المفاتيح الاربعة التالية :

الاول : التشبيه .

الثاني : الحقيقة والمجاز .

والثالث : الاستعارة .

الرابع : المجاز اللغوي والمرسل والعقلي .

والقسم الثاني سيواصل تكملة هذه السلسلة مبتدئا بــ " الكناية " وعليه فالمفتاح الاول من القسم الثاني " الكناية " وهو خامس المفاتيح عموما نسأل الله تعالى ان يكتب لنا انجازها كما كتب لنا انجاز ما قبلها انه سميع مجيب .

المفتاح الاول : ( الكناية )

١ـ تعريف الكناية :

قال الجرجاني في التعريفات ص ٦٠:

" الكناية كلام استتر المراد منه بالاستعمال، وإن كان معناه ظاهراً في اللغة، سواء كان المراد به الحقيقة أو المجاز، فيكون تردد فيما أريد به، فلا بد من النية، أو ما يقوم مقامها من دلالة الحال، كحال مذاكرة الطلاق ليزول التردد ويتعين ما أريد منه.

والكناية، عند علماء البيان: هي أن يعبر عن شيء، لفظاً كان أو معنى، بلفظ غير صريح من الدلالة عليه، لغرض من الأغراض، كالإبهام على السامع، نحو: جاء فلان، أو لنوع فصاحة، نحو: فلان كثير الرماد، أي كثير القرى. .." إهـ

وحاصل مفهوم الكناية ببساطة " استعمال الكلمات في معناها الحقيقي ولكن بارادة معان اخرى هي المقصود الاهم عند المتكلم وتكون هذه المعاني مرافقة للمعنى الاول وملازمة له كملازمة الظل الى صاحب الظل .. او قل باختصار : استعمال الدال وارادة لازم معناه .

ناخذ بعض الامثلة لتتضح الصورة اكثر لان موضوع الكناية من المواضيع المهمة جدا في البلاغة ولها دور كبير في فهم النصوص على ما في الكناية من استعمالنا اليومي لها دون ان نحسب لذلك حساب او نلتفت اليه .. فمثلا نقول " يا فلان كفاك عملا وكدحا لمن تريد كل هذا الادخار من الاموال ..للنائمين للظهر " ؟!! محل الشاهد من المثال هذا هو الكلمة الاخيرة " للنائمين للظهر " ــ طبعا الاخوة العراقيين يعرفون ذلك جيدا فقد اعتدنا ان نقولها هكذا " للنايمين للظهر " وعلى كل حال ففي هذا الاستعمال كناية لماذا ؟

لان حالة النوم للظهر عادة لا تكون للكادحين ومن يعملون ليل نهار في سبيل جلب لقمة العيش وانما تكون للمنعمين والمرتاحين الذين اخذوا واستفادوا من عناء وتعب غيرهم .. فالاباء تزرع وتسقي وترعى الزرع واذا جاء دور قطف الثمر قطفه غيرهم .والمهم من ذلك كله ان نقول ان النوم للظهر يلازمه ترف صاحبه .. وهذا ما عنيناه وهو ان نقصد لازم معنى كلمة النوم للظهر .

مثال اخر عرفي : عض فلان اصبعه على ما فعله بالامس .. طبعا واضح اننا نريد لازم عض الاصبع وهو الندم فهنا كناية .

مثال اخر : " اياك وفلانة فان لسانها طويل " معلوم ان طول اللسان كناية عن صاحبة الكلام السيء والبذيء .. او فلان يده طويلة وهكذا من امثلة .

٢ـ تقسيم الكناية :

تنقسم الكناية الى ثلاثة اقسام رئيسة :

القسم الاول : الكناية عن صفة .

القسم الثاني : الكناية عن موصوف .

القسم الثالث : الكناية عن نسبة .

اما القسم الاول : فهو عبارة عن كون ما اردتَ الكناية عنه صفة من الصفات. مثال : كان امير المؤمنين عليه السلام نقي الثوب . فهنا الكناية بنقي الثوب عن صفة وهي صفة الطهارة والنقاء والصفاء .

واما القسم الثاني : فهي عبارة عن كون ما اردت الكناية عنه موصوف . مثال : ان فاطمة الزهراء في موطن اسراري . فهنا الكناية بــ " موطن الاسرار " عن القلب وهو الموصوف . او تقول : جاء حيوان متعلم .. فهنا تكني بالمتعلم عن الانسان وهو الموصوف .

واما القسم الثالث : فهو عبارة عن كون ما كنيت عنه عبارة عن نسبة . مثال : وراء ثوبك ــ ياعلي ــ اسدٌ .فهنا كنيت بــهذه الجملة عن نسبة الشجاعة لعلي . او مثلا : كان اعداء علي عليه السلام يخافون من ظله .

المفتاح الثاني : ( الجملة الخبرية وما يتعلق بها ) .

١ـ تعريف الخبر :

هو الكلام الذي يحكي ويدل ويخبر به عن وقوع امر او عدم وقوعه بحيث يمكننا ان نضعه بميزان الحق والباطل والصدق والكذب .. فهو بحد ذاته قابل للإتصاف بالصدق وبالكذب وإن كان بحسب الواقع والحقيقة اما صادق او كاذب ..

مثلا : " الجو ممطر " هذه الجملة قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة اذن هي بحد نفسها قابلة للصدق كما انها بحد نفسها قابلة للكذب . فان كانت فعلا السماء تمطر فهي صادقة وان كانت السماء لا تمطر فهي كاذبة . وهذا هو معنى الخبر ما يصح وصفه بالصدق او الكذب .

ويقابل الخبر الإنشاء وسياتينا الكلام عنه تفصيلا ولكن ليتضح المقصود من الخبر اكثر لان الاشياء كما يقال تعرف باضدادها وما يقابلها والإنشاء مقابل الخبر فنقول :

الإنشاء : هو الكلام والجملة التي لا يصح نعتها بالكذب او الصدق وان هو ايضا كلام ولكن هذا الضرب من الكلام في الحقيقة هو الذي ينشأ واقعه ويحقق نفسه ويوجد النسبة . مثلا " اهدنا الصراط المستقيم " او مثلا " اعطني ماءً " هذا كلام ولكن لايصح ان يوصف بالصدق او الكذب لانه طلب وهذا بخلاف ما مر في الجملة الخبرية وساتي الكلام عنه فلا تستوضح بعد هذا الايضاح .

٢ـ الهدف والغرض من الخبر:

يختلف الغرض من استعمال الكلام الخبري الذي يفيد بحد نفسه معلومة وفائدة يستفيد منها السامع فتارة يخرج من فيك الكلام وانت قاصد من استعماله إعلام السامع كما يحصل في يومنا هذا في وسائل الاعلام فان المذيع حين يتلو نشرة الاخبار ليس له غرض من اسماعنا للكلام الا ان نطلع على اخبار اليوم ويحصل عندنا علم بما يجري اذن فالهدف الاول من القاء الكلام هو " إعلام السامع والمخاطب بمفاد الكلام الذي كان جاهلا به " وهذا يسمى عند اهل الفن بــ " فائدة الخبر " . كأن يقول المذيع : افتتحت الدولة مدرسة في العاصمة تسع لعشرين الف طالب . ولكن هل هذه هي الفائدة الوحيدة من القاء الكلام واستعمال الخبر ؟

الجواب : كلا هناك فوائد واغراض اخرى وهي كثيرة فبالاضافة الى ما ذكرناه

ان يستعمل الخبر لافادة السامع واخباره بان المتكلم يعلم بمفاد الخبر ومعناه .

مثلا : اقول لك ـ انت يامن تقرأ هذه الاسطر في هذا المنتدى ـ اقول لك " انت الان في منتدى الكفيل او انت عضو في منتدى الكفيل " فهل هنا اريد من كلامي هذا ان اعلمك بانك عضو ؟!!!! سبحان الله هل يمكن لإحد ان يكون عضو مشارك ولا يعلم بذلك ؟!! طبعا لا ، وانما قصدي من هذا الكلام ان اخبرك بعلمي بهذه المعلومة وهذا الحكم .

وهذا يسمى في علم البلاغة بــ " لازم الفائدة " وهنا اغراض اخرى لا داعي لسردها من ارادها فاليراجعها في الكتب المتخصصة بذلك .. فمن تلك الاغراض الخرى مثلا المفاخرة التي حصلت بن الزهراء وامير المؤمنين عليه السلام فليس الغرض منها فائدة الخبر او لازم الفائدة فكلاهما " ع " مما لا يخفى عليهما ذلك ولكن الغرض اظهار الفخر وهم اهله سلام الله عليهم .. وكالاسترحام وهكذا فراجع الاغراض ثمة إن اردتَ ذلك .

والخلاصة : ان الخبر يستعمل لعدة اغراض اهمها :

١ـ فائدة الخبر : وهو اعلام واخبار المخاطب به واطلاعه عليه .

٢ـ لازم الفائدة : وهو اعلام المخاطب بان المتكلم بالخبر عالم بضمونه ومفاده .

٣ـ اقسام الخبر بحسب المخاطب .

ينقسم الخبر بملاحظة واعتبار احوال المخاطب الى ثلاثة اقسام :

القسم الاول : الخبر الابتدائي .

القسم الثاني : الخبر الطلبي .

القسم الثالث : الخبر الانكاري .

اما القسم الاول : ( الخبر الابتدائي ) فهو الخبر الذي تلقيه وتتحدث به للسامع الذي لم يكن يعلم به قبل اخبارك به بمعنى انك باخبارك ترفع عنه الجهل بالخبر .. فلو فرضنا انك تريد ان تخبر صديقك بهذا الموضوع وصديقك لم يكن عالما به فتقول له " الخبر ثلاثة اقسام ابتدائي وطلبي وانكاري " فهذا اخبار منك له وهو لم يكن يعلم به ..او مثلا لو اخبرك شخص وانت تقرأ هذا الموضوع وقال لك " اذّن الظهرو حان وقت الصلاة " فهو بهذا افادك بخبر لم تكن عالما به اصلا او كقول الامام في نهج البلاغة : " كمال الاخلاص له نفي الصفات عنه " او تقول للسني الذي لا يعرف عن حق امير المؤمنين في الإمامة شيئا تقول له : يقول الامام في نهج البلاغة " لنا حق ان اعطيناه والا ركبنا اعجاز الابل وان طال السُّرى " وهذا هو الخبر الابتدائي لانك اُخبرتَ به ابتدائا .

القسم الثاني : الخبر الطلبي : فهو ان تلقي الخبر للسامع والمخاطب الذي قد سمع الخبر ولكن لم يستقر في نفسه بل شكك فيه وتردد فالاولى ان لا تلقي له الخبر خاليا ومجردا عن وسيلة واداة من ادوات التأكيد في الكلام التي ستأتي .... تقول لمن يشكك ويتردد في امامة علي او عصمته " إنّ عليا معصوم وامام " فجئت له بــ " ان " التي تفيد التاكيد ..ومثلا اذا قلت لشخص شيعي سمع ان الزهراء عليها السلام قد كسر ظلعها ولكن شكك في ذلك فتقول له " والله الزهراء مكسورة الظلع " فهنا ما قلت له " الزهراء مكسورة الظلع " بلا اداة تأكيد بل جئت له بـ القسم وهو " والله " الذي يفيد تقوية وتقرير وتثبيت الكلام .

القسم الثالث : الخبر الانكاري : فهو الخبر الذي تلقيه لمن يعلم به وعرفه وسمعه جيدا ولكنه رفضه وانكره وجحده بحيث تلقيه له مؤكدا بأداة من ادوات التوكيد او بعدة مؤكدات على حسب درجة رفضه وانكاره وكلٌ بحسبه ..فمثلا تقول لمن سمع بحديث الغدير وعلم به ولكنه انكره كابن تيمية مثلا " والله إن رسول الله لــقد قال من كنت مولاه فعلي مولاه " فلاحظ جيدا انك ما اكتفيت بالقول " قال رسول الله من كنت مولاه فعلي مولاه " بل اضفت له ما يلي من الادوات :

١ـ والله .

٢ـ إنّ .

٣ـ اللام في قولك " لــقد " .

٤ـ قد .

وكل هذه من وسائل تأكيد الكلام عسى ان يرجع المنكر الجاحد عن انكاره وجحوده .

وللإستئناس بالنص القرآني لا بأس ان نأتي بمثال من القرآن : قال تعالى : {قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} [يس : ١٦] لاحظوا في هذا النص ادوات التأكيد التي اقتضاها انكار المخاطبين وهي :

١ـ القسم : " ربنا يعلم " .

٢ـ إنّ .

٣ـ اللام في لـــ " لمرسلون " وهذا هو الخبر الانكاري .

تعقيب : ( قصة طريفة ذات صلة بالموضوع )

حصلت مناظرة قصيرة بين عالمين احدهما فيلسوف وهو الكندي والاخر لغوي وهو المبرّد، انقل لكم خلاصتها :

قال الكندي صاحب العقلية الفلسفية للمرّد : إني لاجد في كلام العرب حشوا . فقال له المبرد : في اي موضع وجدت ذلك . فقال: أجد العرب يقولون جمل متعددة ولكن المعنى واحد : والجمل هي :

١ـ عبد الله قائم .

٢ـ إنّ عبد الله قائم .

٣ـ إن عبد الله لقائم.!!

فقال له المبرد : هذا غير صحيح بل المعاني مختلفة باختلاف الالفاظ فالاول إخبار عن قيامه ( وهو ما قلنا ان البلاغيين يسمونه بالخبر الابتدائي ).

والثاني جواب عن سؤال سائل ( وهو ما انه الخبر الطلبي ) .

والثالث جواب عن إنكار منكر قيامه ( وهو ما قلنا انه الخبر الانكاري ) .

فالالفاظ مختلفة باختلاف المعاني ..انتهت القصة بتلخيص وايجاز وتصرف مني لاني نقلتها بالمعنى . ولنا في القصة عبرة فقد صدق القائل : من تكلم بغير فنه اتى بالعجائب..!!

٤ـ الخروج بالخبر عن الاصل

ذكرنا في النقطة الثالثة ان الخبر اما ابتدائي وهو ما يلقى للجاهل الذي لم يسمع به من قبل . او طلبي وهو للمتردد والمضطرب فيه الشاك في مضمونه فيؤكد له بمؤكد .. واما انكاري وهو للجازم والمعتقد بخلافه فيؤكد له بحسب درجة انكاره اما بمؤكد او اكثر وكل بحسبه .. هذا هو اصل القاء الخبر والمجيء به على حسب حال السامع .

ولكن السؤال هنا / هل هذا الاصل عام ولا يختلف بحيث ينقلب فيؤتى بالخبر مؤكدا باكثر من أداة ولكن السامع حاله يقتضي ان يلقى اليه بحسب الاصل مجردا لانه جاهل غير منكر مثلا ؟

الجواب / نعم قد يخرج فتنقلب القواعد لسبب وجيه سنبينه ضمنا وهذا الخروج كالتالي :

١ـ القاء الطلبي لغير الشاك المتردد :

معنى ذلك : ان السامع جاهل لا متردد ولا منكر ولكنك تعطيه الخبر مؤكدا بمؤكد واحد وكانه مشكك ومتردد فتعامله معاملة من يشكك فيه مع انه ليس كذلك وانما تنزله بهذه المنزلة لانه قد سبق ان اعلم بالخبر بطريقة اخرى ..

مثلا : تقول لابنك " ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " فابنك لا يشك ولا يتردد فلماذا القيت الخبر له مؤكدا بــ ان ؟

فكان الاصل ان يقال له " الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " بلا توكيد بـ" ان " .. ولكنك نزلته منزلة المشكك المتردد مع ان واقعه ليس كذلك وانما انت عاملته هذه المعاملة لانك سبق ان تحدثت اليه عن بعض الناس الذين يصلون ويرتكبون المنكرات وان هذا مما لا ينبغي .. فجئت له بالخبر على علم مسبق بذلك وهو لم يرفضه ولم يشكك به البتة ولكن لما تقدم علمه بذلك جئت له بالخبر مؤكدا له تلك الحقيقة.

٢ـ القاء الانكاري لغير المنكر للخبر :

معنى ذلك : ان السامع لا ينكر الخبر ولكنك تنزله منزلة المنكر الجاحد بسبب عدم عمله بما يقتضيه الخبر . مثلا : تقول لمن يعلم ان التدخين مضر بالصحة ولكنه مع ذلك يدخن تقول له " والله ان التدخين لمضر بالصحة " طبعا هنا المدخن يعلم ذلك جيدا ولكن لما شاهدتَه يدخن بالرغم من علمه بضرر التدخين نزلته منزلة من ينكر ضرر التدخين .

٣ـ القاء الابتدائي للمنكر :

ومعنى ذلك : ان مقتضى ما قررناه من قواعد ان يعطى الخبر للمنكر مشحونا بالمؤكدات على حسب درجات انكاره ولكنك في هذه الحالة بسبب ان ما انكره من خبر اوضح من الشمس وابيَنُ من الامس وعليه ادلة وقرائن جئت له بالخبر خاليا من أي توكيد فنزلته منزلة من لم يكن عنده علم بالخبر اصلا . مثلا : تقول للمخالف الذي علم بكل الشواهد والادلة القرانية والنبوية على امامة علي عليه السلام ومع ذلك يعاند ويكابر ويجحد امامته عليه السلام تقول له : ( علي امام ) مع ان حاله الحقيقي الانكار الذي يجب ان يؤتى له بالخبر معززا بالمؤكدات ولكنك جئت له بالخبر خاليا من ذلك لانك ترى ان حاجة الى ذلك لما يعيشه السامع من ادلة وشواهد ولكن " وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم " .

المفتاح الثالث : ( الإنشاء وما يتعلق به )

سبق ان قلنا ان الكلام على قسمين : خبري وانشائي وتقدم بيان الخبري وما يتعلق به والكلام الان في الانشائي وما يرتبط به فنقول :

١ـ تعريفه :

الكلام الإنشائي هو ما لا يصح في نفسه ان نتعبره صادقا او كاذبا او قل ليس له واقع خارجي نلحظه بحيث عند مطابقته له يكون صادقا والا يكون كاذبا كما هو الحال في الخبري كما تقدم .

فمثلا : اقرأ يا بني..فهذا لا يقال عنه صادق او يقال عنه كاذب ..بل ليس له واقع لمفاده لنرى يطابقه او لا يطابقه كما هو الحال لقولك " ابني يقرأ " يمكن ان نلاحظ ذلك خارجا ان وجدناه فعلا يقرأ قلنا عن الكلام صادق والا نقول عنه كاذب . والحاصل : الفرق بين الكلام الخبري والانشائي هو :

ـ الخبري :

اولا : يصح وصفه بالصدق او الكذب .

ثانيا : له واقع يطابقه فيقال عنه صادق او لا يطابقه فيقال عنه كاذب .

ـ الإنشائي : يخالفه في الامرين معا .

٢ـ ( الإنشاء بين الأمر والنهي )

بعد ان عرفنا معنى الانشاء نشرع في اقسامه .. وهي كثيرة ولكن اهمها وابرزها هي :

الامر والنهي والاستفهام والتمني والنداء والقسم والتعجب نبدأ باثنين منها ثم تاتي الاخرى تباعا والقسمان الذان سنتناولهما الآن هما : الامر والنهي .

أـ الامر : وهو طلب للفعل من العالي الى الداني ..كقوله تعالى " اقيموا الصلاة " .

وهو يحصل بعدة طرق :

فتارة يحصل بفعل الامر وهو الاكثر تقريبا كـما في الاية .. واخرى يكون بلام الطلب الداخلة على المضارع مثلا " لينفق ذو سعة " وثالثة يكون باسم الفعل كقول المؤذن " حيّ على الصلاة " أي اقبلوا وهلموا للصلاة .. ورابعة يكون بالمصدر النائب عن الفعل كقوله تعالى " فضرب الرقاب " او " وبالوالدين احسانا " هذه هي ابرز الطرق التي يحصل بها الامر . وليس بالضرورة ان يكون الامر لطلب الفعل فقط بل قد ينشأ بهدف آخر كما تقول لمن يدعو لك " اللهم آمين " وهي بمعنى اللهم استجب ففي هذه الحالة بما انك وجهته لله والله هو العالي الذي لا عالي فوقه فلا يكون امرا بل يسمى دعاءا او كقولك " ربنا آتنا في الدنيا حسنة " وهكذا ياتي لمعان اخرى ..

ب ـ النهي : وهو طلب ترك الفعل والكف عنه من العالي الى الداني . كقوله تعالى " ولا تقربوا الزنا " وقد يعطي معنى اخر غير طلب ترك الفعل من العالي الى الداني كقولك في الدعاء " ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا " فهنا طلب من الداني الى العالي اذن فليس بنهي بل هو دعاء .

٣ـ الطلب " الاستفهام "

قد مر بنا ان الطلب له عدة اقسام مر علينا قسمان منها وهما الامر والنهي والكلام الان في ثالث الاقسام وهو " الاستفهام " .

معنى الاستفهام :

أ ـ ومعنى الاستفهام : طلب الفهم وذلك لانه ماخوذ من الفعل " فهم " ثم اضيف له " است الطلب " وهي التي تضاف لتعطي معنى الطلب فمثلا " الاسترخاء " يعني طلب الرخاء و " الاستبراء " طلب البراء وعليه فكل فعل اضيف له " است " في بدايته افاد الطلب وحيث ان الفعل " فهم " اضيفت له " است الطلب " اذن هو طلب الفهم والعلم بما لم يكن معلوما ومفهوما . مثاله " هل انت مستفيد من قراءة هذا الموضوع " ؟ او " أمستفيد انت من قراءة هذا الموضوع " ؟

الكلمات التي تسختدم للإستفهام

ب ـ وله عدة ادوات :

١ـ الهمزة : ولها استعمالان :

الاول : الاستفهام عن المفرد الذي يُعلم حكمه ولكن يجهل عينه ومصداقه بالتحديد بمعنى طلب معرفة مفرد وتعيينه في الجملة التي يعرفها السائل . مثلا : أ انت طرقت الباب ام ابنك ؟

ففي هذه الجملة تعرف انت جيدا ان ثمة طارق للباب ولكن لا تعرف شخص الطارق فتطلب تعيينه .

الثاني : الاستفهام عن جملة برمتها وطلب التاكد من حصولها او عدم حصولها

مثلا : أتطرق الباب ؟

فهنا انت تريد ان تعرف اصل الجملة ولست متاكدا من حصولها بخلاف الاستعمال الاول للهمزة اذ كنت متأكد من طرقة الباب ولكن لم تعرف شخص الطارق .

٢ـ هل : ليس لها الا استعمال واحد وهو طلب معرفة الجملة والاستفهام عن اصلها بمعنى هي لا تأتي الا للاستعمال الثاني من استعمالات الهمزة .

فمثلا : هل تحققت علامات الظهور ؟

٣ـ ما : يستفهم بها عن معاني الكلمات وطلب شرحها .

مثلا : ما العسدج ؟

فنجيبك بانه ذهب .

ما الكمثرى ؟ فنجيبك بانه فاكهة فانت تسأل بما عما لا تعرف معناه فتطلب ممن تسأله ان يشرح لك حقيقة الكلمة التي لا تعرف معناها او تطلب منه ان يشرح لك المعنى اللغوي .

٤ـ متى : يسأل بها عن الزمان الماضي او المستقبل . مثلا : متى ولد الامام الصادق عليه السلام ؟ فهذا للماضي او تسأل عن المستقبل وتقول " متى تذهب للعمل " ؟

٥ـ ايّان : يستفهم بها عن الزمان المستقبل فقط . كقوله تعالى " ايان مرساها "

٦ـ كيف : ويستفهم بها عن الحال . مثلا : كيف بكم اذا خرج الامام المهدي عجل الله فرجه الشريف " ؟

٧ـ اين : ويسأل بها عن المكان . مثلا " اين الموعد " ؟

٨ـ انى : ويُسأل بها اما عن الحال كــ " أنى بكم اذا خرج المهدي عج " او من اين " كقوله تعالى " أنى لكي هذا " وهكذا

٩ـ كم : يستفهم بها عن العدد " مثلا " كم موضوع كتبتَ " ؟

١٠ـ من يسأل بها عن خصوص العاقل .مثلا " مَنْ علمك هذا " ؟

١١ـ أي : لا يختص السؤال بها عن شيء بل تكون بحسب الاستعمال فد يكون السؤال بها عن الزمان فتقول " باي ساعة تاتي " ؟ او عن الحال كــ " باي وضع جئت " ؟ او تسأل بها لتعيين المحكوم عليه بحكم ما " أي منكما جائني ليلة امس " وهكذا .

هذه هي اهم الكلمات التي تستخدم للإستفهام .

٤ـ الإنشاء الطلبي " التمني "

معنى التمني :

التمني هو عبارة عن طلب امر مرغوب فيه عند الطالب والمتمني له ولكنه اما مستحيل الوقوع اوبعيد الحصول وان كان ممكنا .

فمثلا قول الشاعر : " الا ليت الشباب يعود يوما * فاخبره بما فعل المشيب "

فهو يرغب برجوع الشباب ويتمنى ذلك ولكن ليس كل ما يتمنى المرء ممكن الحصول وليس كل ما يتمنى المرء يدركه فرجوع الزمن امر مستحيل .

واما مثال بعيد الحصول فكما لو قلت " ليت لي جبلا من ذهب " فهذا يمكن ان يقع ولكنه بعيد .

ادوات التمني :

قد تتصور ان التمني ينحصر باداته المعروفة التي وضعت له وهي " ليت " ولكن الامر ليس كما تتصور اذ يمكن ان يستعمل المتمني عدة ادوات غير ليت وتفيد التمني وان كانت لم توضع له ويفهم ذلك من خلال سياق الكلام .. وهنا نحن نذكر بعض تلك الادوات .

فمنها مثلا " لو " فيقال " آه .. آه.. لو كان عندي دار قرب الامام الحسين عليه السلام " او كقوله تعالى " فلو ان لنا كرة فنكون من المؤمنين " .

ومنها " هل " فيقال مثلا " هل لي منك نظرة يا صاحب الزمان " .

ومنها " لعل " كقوله تعالى " لعلي اعمل صالحا فيما تركت " او " لعلي ابلغ الاسباب اسباب السماوات " .

٥ـ الإنشاء الطلبي " النداء "

النداء : هو المخاطبة بطلب الاقبال من المخاطب بادوات خاصة به وابرزها " يا " كقول الزائر لسيد الشهداء " يا حسين " فهذا نداء . والاصل في عبارة النداء المتقدمة ما يلي " ادعوك " فحذفوا الفعل ادعو واستبدلوه باداة من ادوات النداء ووضعوا مكان " . الكاف " الاسم الظاهر للمخاطب فصارت " يا حسين " كما في مثالنا .

وابرز الحروف التي تستعمل للنداء هي :

يا : كــ " يا علي ويا محمد " .

أ : الهمزة كـ " أ محمد " .

وا : كـ " وا وحسيناه وا غريباه " .

أيا : كـ " ايا ضيفنا لو زرتنا لو جدتنا نحن الضيوف وانت رب المنزل " .

٦ـ الإنشاء غير الطلبي ( القَسَم ) .

القسم من المفاهيم الواضحة والتي يستخدمها اغلب الناس وللقسم ادوات وصيغ تختص به نذكر اهمها " الواو والباء والتاء " وغيرها من الصيغ والكلمات كـ " لعمرك " .

فمثال الواو : " والله او ومحمد والحسين " و كـقوله تعالى {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} [التين : ١]

ومثال الباء : " بالله او بالحسين " وكقوله تعالى {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [المائدة : ٥٣] .

والتاء كقولك : تالله لأزورنَّ الحسين عليه السلام .

و لعمرك كــ " لعمرك لأهدينك هدية ترضاها او كقول الامام الباقر فيما ينقل عنه عليه السلام .

تعصي الاله وانت تظهر حبه ***** هذا لعمرك في الفعال قبيـــح

لو كان حبـك صادقا لأطعــته ***** إنّ المحب لمن احب مطــيــع

٧ـ الانشاء غير الطلبي " التعجب "

التعجب : حالة نفسية سببها ظهور امر غريب او فعل عجيب يظهره الانسان اما بتغيير خاص في شكله بلسان الحال او يظهره الانسان المتعجب بواسطة لفظ وهذا اللفظ على قسمين :

القسم الاول : الفاظ لا ضابطة لها وانما جائت مسموعة ومستخدمة للتعجب مع ان اصل وضعها ليس للتعجب مثلا " كيف ترفع صوتك على ابيك " ؟! او قوله تعالى " كيف تكفرون بالله وكنتم امواتا فاحياكم " فكيف موضوعة للاستفهام ولكن هنا استخدمت للعجب ويعرف ذلك من سياق الكلام كما هو واضح .

وايضا من امثلة هذا القسم " لله درك يا ابا الحسن " او قولك " سبحان الله كلما ارادوا ان يوقفوا زيارة الحسين ازدادت يوما بعد اخر . " ! وهذه العلامة (!) توضع في الكتابة عادة كرمز للتعجب .

القسم الثاني : الفاظ وضعت كضابطة وقاعدة للتعجب وهي صيغتين :

١ـ ما افعله / مثلا " ما اشجع علي عليه السلام " او كقول الشاعر : يا كوكبا ما كان اقصر عمره . وللعلم فان كان بين " ما " وبين " افعل " زائدة لان من اشهر مواضع زيادة كان هو بين ما وبين فعل التعجب .

٢ـ أفعل به / مثلا " اكرم بالحسين " . او " ابا الحسن اكرم به من امام وقائد " .

نكتفي بهذا المقدار من بيان اقسام الانشاء سواء الطلبي او غير الطلبي فان فيما ذكرناه كفاية لمن اراد ان يستفيد من هذا المدخل البسيط .

والحمد لله رب العالمين .

انتهى .

  12
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

آثار الذنوب علی الفرد
في معجزات الامام الحسين بن علي ع
الأمويين و مبادئ الدين
مسیره البطوله والشجاعه
إنّ الحسين (عليه السلام) مصباح الهدى وسفينة النجاة
تنشيط نظام المناعة بالصيام
غيبة الإمام المهدي (عج) وظهوره..بين الغيب المطلق ...
رسالة في حديث الوصية بالثقلين (الكتاب والسنة)
تعريف المال عند علماء الشريعة
تأريخ المباهلة عاماً وشهراً ويوماً

 
user comment