عربي
Tuesday 19th of January 2021
540
0
0%

حرمات الله

لا تامن من استخف بحرمات الله تعالى على شيء مما تشفق عليه فاني وجدت المشاركين بأرواحهم أكثر من المشاركين بأموالهم هذا شيء طال إختباري إياه ولم أجد قط على طول التجربة سواه فأعيتني معرفة العلة في ذلك حتى قدرت أنه طبيعة في البشر من قبيح الظلم الإنكار على من أكثر الإساءة إذا أحسن في الندرة
من استراح من عدو واحد حدث له أعداء كثيرة أشبه ما رأيت بالدنيا خيال الظل وهي تماثيل مركبة على مطحنة خشب تدار بسرعة فتغيب طائفة وتبدو أخرى طال تعجبي في الموت وذلك أني صحبت أقواما صحبة الروح للجسد من صدق المودة فلما ماتوا رأيت بعضهم في النوم ولم أر بعضهم وقد كنت عاهدت بعضهم في الحياة على التزوار في المنام بعد الموت إن أمكن ذلك فلم أره في النوم بعد أن تقدمني إلى دار الآخرة
فلا أدري أنسي أن شغل غفلة النفس ونسيانها ما كانت فيه في دار الابتلاء قبل حلولها في الجسد كغفلة من وقع في طين غمر عن كل ما عهد وعرف قبل ذلك ثم أطلت الفكر أيضا في ذلك فلاح لي شعب زائد من البيان وهو أني رأيت النائم إذ همت نفسه بالتخلي من جسده وقوي حسها حتى تشاهد الغيوب قد نسيت ما كان فيه قبيل نومها نسيانا تاما البتة على قرب عهدها به وحدثت لها أحوال أخر وهي في كل ذلك ذاكرة حساسة متلذذة آلمة ولذة النوم محسوسة في حاله لأن النائم يلتذ ويحتلم ويخاف ويحزن في حال نومه
إنما تأنس النفس بالنفس فأما الجسد فمستثقل مهروم به ودليل ذلك استعجال المرء بدفن جسد حبيبه إذا فارقته نفسه وأسفه لذهاب النفس وإن كانت الجثة حاضرة بين يديه لم أر لإبليس أصيد ولا أقبح ولا أحمق من كلمتين ألقاهما على ألسنة دعاته إحداهما اعتذار من أساء بأن فلانا أساء قبله والثانية استسهال الإنسان أن يسيء اليوم لأنه قد أساء أمس أو أن يسيء في وجه ما لأنه قد أساء في غيره فقد صارت هاتان الكلمتان عذرا مسهلتين للشر ومدخلتين له في حد ما يعرف ويحمل
ولا ينكر استعمل سوء الظن حيث تقدر على توفيته حقه في التحفظ والتأهب واستعمل حسن الظن حيث لا طاقة بك على التحفظ فتربح راحة النفس حد الجود وغايته أن تبذل الفضل كله في وجوه البر وأفضل ذلك في الجار المحتاج وذي الرحم الفقير وذي النعمة الذاهبة والأحضر فاقة ومنع الفضل من هذه الوجوه داخل في البخل وعلى قدر التقصير والتوسع في ذلك يكون المدح والذم وما وضع في غير هذه الوجوه فهو تبذير وهو مذموم
وما بذلت من قوتك لمن هو أمس حاجة منك فهو فضل وإيثار وهو خير من الجود وما منع من هذا فهو لا حمد ولا ذم وهو انتصاف بذل الواجبات فرض وبذل ما فضل عن القوت جود والإيثار على النفس من القوت بما لا تهلك على عدمه فضل ومنع الواجبات حرام ومنع ما فضل عن القوت بخل وشح والمنع من الإيثار ببعض القوت عذر ومنع النفس أو الأهل القوت أو بعضه نتن ورذالة ومعصية والسخاء بما ظلمت فيه أو أخذته بغير حقه ظلم مكرر والذم جزاء ذلك لا الحمد لأنك إنما تبذل مال غيرك على الحقيقة لا مالك وإعطاء الناس حقوقهم مما عندك ليس جودا ولكنه حق حد الشجاعة بذل النفس للموت عن الدين والحريم وعن الجار المضطهد وعن المتسجير المظلوم وعن الهضيمة ظلما في المال والعرض
وفي سائر سبل الحق سواء قل من يعارض أو كثر والتقصير عما ذكرنا جبن وخور وبذلها في عرض الدنيا تهور وحمق وأحمق من ذلك من بذلها في المنع عن الحقوق الواجبات قبلك أو قبل غيرك وأحمق من هؤلاء كلهم قوم شاهدتهم لا يدرون فيما يبذلون أنفسهم فتارة يقاتلون زيدا عن عمرو وتارة يقاتلون عمرا عن زيد ولعل ذلك يكون في يوم واحد فيتعرضون للمهالك بلا معنى فينقلبون إلى النار أو يفرون إلى العار
وقد أنذر بهؤلاء رسول الله صلى الله عليه و سلم في قوله يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قتل حد العفة أن تغض بصرك وجميع جوارحك عن الأجسام التي لا تحل لك فما عدا هذا فهو عهر وما نقص حتى يمسك عما أحل الله تعالى فهو ضعف وعجز حد العدل أن تعطي من نفسك الواجب وتأخذه وحد الجور أن تأخذه ولا تعطيه وحد الكرم أن تعطي من نفسك الحق طائعا وتتجافى عن حقك لغيرك قادرا وهو فضل أيضا وكل جود كرم وفضل
وليس كل كرم وفضل جودا فالفضل أعم والجود أخص إذ الحلم فضل وليس جودا والفضل فرض زدت عليه نافلة إهمال ساعة يفسد رياضة سنة خطأ الواحد في تدبير الأمور خير من صواب الجماعة التي لا يجمعها واحد لأن الواحد في ذلك يستدرك وصواب الجماعة يضري على استدامة الإهمال وفي ذلك الهلاك نوار الفتنة لا يعقد كانت في عيوب فلم أزل بالرياضة واطلاعي على ما قالت الأنبياء صلوت الله عليهم والأفاضل من الحكماء المتأخرين والمتقدمين في الأخلاق وفي آداب النفس أعاني مداواتها حتى أعان الله عز و جل على أكثر ذلك بتوفيقه ومنه وتمام العدل ورياضة النفس والتصرف بأزمة الحقائق هو الإقرار بها ليتعظ بذلك متعظ يوما إن شاء الله
فمنها كلف في الرضاء وإفراط في الغضب فلم أزل أداوي ذلك حتى وقفت عند ترك إظهار الغضب جملة بالكلام والفعل والتخبط وامتنعت مما لا يحل من الانتصار وتحملت من ذلك ثقلا شديدا وصبرت على مضض مؤلم كان ربما أمرضني وأعجزني ذلك في الرضا وكأني سامحت نفسي في ذلك لأنها تمثلت أن ترك ذلك لؤم ومنها دعابة غالبة فالذي قدرت عليه فيها إمساكي عما يغضب الممازح وسامحت نفسي فيها إذ رأيت تركها من الانغلاق ومضاهيا للكبر
ومنها عجب شديد فناظر عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها حتى ذهب كله ولم يبق له والحمد لله أثر بل كلفت نفسي احتقار قدرها جملة واستعمال التواضع ومنها حركات كانت تولدها غرارة الصبا وضعف الإغضاء فقصرت نفسي على تركها فذهبت ومنها محبة في بعد الصيت والغلبة فالذي وقفت عليه من معاناة هذا الداء الإمساك فيه عما لا يحل في الديانة والله المستعان على الباقي مع أن ظهور النفس الغضبية إذا كانت منقادة للناطقة فضل وخلق محمود ومنها إفراط في الأنفة بغضت إلي إنكاح الحرم جملة بكل وجه وصعبت ذلك في طبيعتي وكأني توقفت عن مغالبة هذا الإفراط الذي أعرف قبحه لعوارض اعترضت علي والله المستعان ومنها عيبان قد سترهما الله تعالى وأعان على مقاومتهما وأعان بلطفه عليهما فذهب أحدهما ألبتة ولله الحمد وكأن السعادة كانت موكلة بي
فإذا لاح منه طالع قصدت طمسه وطاولني الثاني منهما فكان إذا ثارت منه مدوده نبضت عروقه فيكاد يظهر ثم يسر الله تعالى قدعه بضروب من لطفه تعالى حتى أخلد ومنها حقد مفرط قدرت بعون الله تعالى على طيه وستره وغلبته على إظهار جميع نتائجه وأما قطعه ألبتة فلم أقدر عليه وأعجزني معه أن أصادق من عاداني عداوة صحيحة أبدا وأما سوء الظن فيعده قوم عيبا على الإطلاق وليس كذلك إلا إذا أدى صاحبه إلى ما لا يحل في الديانة أو إلى ما يقبح في المعاملة وإلا فهو حزم والحزم فضيلة وأما الذي يعيبني به جهال أعدائي من أني لا أبالي فيما أعتقده حقا عن مخالفة من خالفته
ولو أنهم جميع من على ظهر الأرض وأني لا أبالي موافقة أهل بلادي في كثير من زيهم الذي قد تعودوه لغير معنى فهذه الخصلة عندي من أكبر فضائلي التي لا مثيل لها ولعمري لو لم تكن في وأعوذ بالله لكانت من أعظم متمنياتي وطلباتي عند خالقي عز و جل وأنا أوصي بذلك كل من يبلغه كلامي فلن ينفعه اتباعه الناس في الباطل والفضول إذا أسخط ربه تعالى وغبن عقله أو آلم نفسه وجسده وتكلف مؤونة لا فائدة فيها وقد عابني أيضا بعض من غاب عن معرفة الحقائق أني لا آلم لنيل من نال مني وأني أتعدى ذلك من نفسي إلى إخواني فلا أمتعض لهم إذا نيل منم بحضرتي
وأنا أقول إن من وصفني بذلك فقد أجمل الكلام ولم يفسره والكلام إذا أجمل أندرج فيه تحسن القبيح وتقبيح الحسن ألا ترى لو أن قائلا قال أن فلانا يطأ أخته لفحش ذلك ولاستقبحه كل سامع له حتى إذا فسر فقال هي أخته في الإسلام ظهر فحش هذا الإجمال وقبحه وأما أنا فإني إن قلت لا آلم لنيل من نال مني لم أصدق فالألم في ذلك مطبوع مجبول في البشر كلهم لكني قد قصرت نفسي على أن لا أظهر لذلك غضبا ولا تخبطا ولا تهيجا فإن تيسر لي الإمساك عن المقارضة جملة بأن أتأهب لذلك فهو الذي أعتمد عليه بحول الله تعالى وقوته وإن بادرني الأمر لم أقارض إلا بكلام مؤلم غير فاحش أتحرى فيه الصدق ولا أخرجه مخرج الغضب ولا الجهل
وبالجملة فإني كاره لهذا إلا لضرورة داعية إليه مما أرجو به قمع المستشري في النيل مني أو قدع الناقل إلي إذ أكثر الناس محبون لإسماع المكروه من يسمعونه إياه على ألسنة غيرهم ولا شيء أقدع لهم من هذا الوجه فإنهم يكفون به عن نقلهم المكاره على ألسنة الناس إلى الناس وهذا شيء لا يفيد إلا إفساد الضمائر وإدخال التمائم فقط ثم بعد هذا فإن النائل مني لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما إما أن يكون كاذبا وإما أن يكون صادقا فإن كان كاذبا فلقد عجل الله لي الانتصار منه على لسان نفسه بأن حصل في جملة أهل الكذب وبأن نبه علي فضلي بأن نسب إلي ما أنا منه بريء العرض
وما يعلم أكثر السامعين له كذبه إما في وقته ذلك وإما بعد بحثهم عما قال وإن كان صادقا فإنه لا يخلو من أحد ثلاثة أوجه إما أن أكون شاركته في أمر استرحت إليه استراحة المرء إلى من يقدر فيه ثقة وأمانة فهذا أسوأ الناس حالة وكفى به سقوطا وضعة وإما أن يكون عابني بما يظن أنه عيب وليس عيبا فقد كفاني جهله شأنه وهو المعيب لا من عاب وإما أن يكون عابني بعيب هو في على الحقيقة وعلم مني نقصا أطلق به لسانه فإن كان صادقا فنفسي أحق بأن ألوم منه وأنا حينئذ أجدر بالغضب على نفسي مني على من عابني بالحق وأما أمر إخواني فإني لست أمسك عن الامتعاض لهم لكني امتعض امتعاضا رقيقا لا أزيد فيه أن أندم القائل منهم بحضرتي وأجعله يتذمم ويعتذر ويخجل ويتنصل وذلك بأن أسلك به طريق ذم من نال من الناس وأن نظر المرء في أمر نفسه والتهمم بإصلاحها أولى به من تتبع عثرات الناس وبأن أذكر فضل صديقي فأبكته على اقتصاره على ذكر العيب دون ذكر الفضيلة
وأن أقول له إنه لا يرضى بذلك فيك فهو أولى بالكرم منك فلا ترض لنفسك بهذا أو نحو هذا من القول وأما أن أهارش القائل فأحميه وأهيج طباعه وأستثير غضبه فينبعث منه في صديقي أضعاف ما أكره فأنا الجاني حينئذ على صديقي والمعرض له بقبيح السب وتكراره فيه وإسماعه من لم يسمعه والإغرار به وربما كنت أيضا في ذلك جانيا على نفسي ما لا ينبغي لصديقي أن يرضاه لي من إسماعي الجفاء والمكروه وأنا لا أريد من صديقي أن يذب عني بأكثر من الوجه الذي حددت
فإن تعدى ذلك إلى أن يساب النائل مني حتى يولد بذلك أن يتضاعف النيل وأن يتعدى أيضا إليه بقبيح المواجهة وربما إلى أبوي وأبويه على قدر سفه النائل ومنزلته من البذاءة وربما كانت منازعة بالأيدي فأنا مستنقص لفعله في ذلك زار عليه متظلم منه غير شاكر له لكني ألومه على ذلك أشد اللوم وبالله تعالى التوفيق وذمني أيضا بعض من تعسف الأمور دون تحقيق بأني أضيع مالي وهذه جملة بيانها أني لا أضيع منه إلا ما كان في حفظه نقص ديني أو إخلاق عرضي أو إتعاب نفسي فإني أرى الذي أحفظ من هذه الثلاثة وإن قل أجل في العوض مما يضيع من مالي
ولو أنه كل ما ذرت عليه الشمس ووجدت أفضل نعم الله تعالى على المرء أن يطبعه على العدل وحبه وعلى الحق وإيثاره فما استعنت على قمع هذه الطوالع الفاسدة وعلى كل خير في الدين والدنيا إلا بما في قوتي من ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى وأما من طبع على الجور واستسهاله وعلى الظلم واستخفافه فلييأس من يصلح أن نفسه أو يقوم طباعه أبدا وليعلم أنه لا يفلح في دين ولا في خلق محمود وأما الزهو والحسد والكذب والخيانة فلم أعرفها بطبعي قط وكأنني لا حمد لي في تركها لمنافرة جبلتي إياها والحمد لله رب العالمين من عيب حب الذكر أنه يحبط الأعمال إذا أحب عاملها أن يذكر بها فكاد يكون شركا لأنه يعمل لغير الله تعالى وهو يطمس الفضائل لأن صاحبه لا يكاد يفعل الخير حبا للخير لكن ليذكر به أبلغ في ذمك من مدحك بما ليس فيك لأنه نبه على نقصك وأبلغ في مدحك من ذمك بما ليس فيك لأنه نبه على فضلك ولقد انتصر لك من نفسه بذلك وباستهدافه إلى الإنكار واللائمة لو علم الناقص نقصه لكان كاملا لا يخلو مخلوق من عيب فالسعيد من قلت عيوبه ودقت أكثر ما يكون ما لم يظن فالحزم هو التأهب لما يظن فسبحان من رتب ذلك ليري الإنسان عجزه وافتقاره إلى خالقه عز و جل

الإخوان والصداقة والنصيحة
إستبقاك من عاتبك وزهد فيك من استهان بسيئاتك العتاب للصديق كالسبك للسبيكة فإما تصفو وإما تطير من طوى من إخوانك سره الذي يعنيك دونك أخون لك ممن أفشى سرك لأن من أفشى سرك فإنما خانك فقط ومن طوى سره دونك منهم فقد خانك واستخونك لا ترغب فيمن يزهد فيك فتحصل على الخيبة والخزي لا تزهد فيمن يرغب فيك فإنه باب من أبواب الظلم وترك مقارضة الإحسان وهذا قبيح من امتحن بأن يخالط الناس فلا يلق بوهمه كله إلى من صحب ولا يبن منه إلا على أنه عدو مناصب ولا يصبح كل غداة إلا وهو مترقب من غدر إخوانه وسوء معاملتهم مثل ما يترقب من العدو المكاشف
فإن سلم من ذلك فلله الحمد وإن كانت الأخرى ألفي متأهبا ولم يمت هما وأنا أعلمك أن بعض من خالصني المودة وأصفاني إياها غاية الصفاء في حال الشدة والرخاء والسعة والضيق والغضب والرضى تغير علي أقبح تغير بعد اثنى عشر عاما متصلة في غاية الصفاء ولسبب لطيف جدا ما قدرت قط أنه يؤثر مثله في أحد من الناس وما صلح لي بعدها ولقد أهمني ذلك سنين كثيرة هما شديدا ولكن لا تستعمل مع هذا سوء المعاملة فتلحق بذوي الشرارة من الناس وأهل الحب منهم ولكن هاهنا طريق وعرة المسلك شاقة المتكلف يحتاج سالكها إلى أن يكون أهدى من القطا وأحذر من العقعق حتى يفارق الناس راحلا إلى ربه تعالى وهذه الطريق هي طريق الفوز في الدين والدنيا يحرز صاحبها صفاء نيات ذوي النفوس السليمة والعقود الصحيحة البرآء من المكر والخديعة ويحوي فضائل الأبرار وسجايا الفضلاء
ويحصل مع ذلك على سلامة الدهاة وتخلص الخبثاء ذوي النكراء والدهاء وهي أن تكتم سر كل من وثق بك وأن لا تفشي إلى أحد من إخوانك ولا من غيرهم من سرك ما يمكنك طيه بوجه ما من الوجوه وإن كان أخص الناس بك وأن تفي لجميع من ائتمنك ولا تأمن أحدا على شيء من أمرك تشفق عليه إلا لضرورة لا بد منها فارتد حينئذ واجتهد وعلى الله تعالى الكفاية وابذل فضل مالك وجاهك لمن سألك أو لم يسألك ولكل من احتاج إليك وأمكنك نفعه وإن لم يعتمدك بالرغبة ولا تشعر نفسك انتظار مقارضة على ذلك من غير ربك عز و جل ولا تبن إلا على أن من أحسنت إليه أول مضر بك وساع عليك
فإن ذوي التراكيب الخبيثة يبغضون لشدة الحسد كل من أحسن إليهم إذا رأوه في أعلى من أحوالهم وعامل كل أحد في الإنس أحسن معاملة وأضمر السلو عنه إن فات ببعض الآفات التي تأتي مع مرور الأيام والليالي تعش مسالما مستريحا لا تنصح على شرط القبول ولا تشفع على شرط الإجابة ولا تهب على شرط الإثابة لكن على سبيل استعمال الفضل وتأدية ما عليك من النصيحة والشفاعة وبذل المعروف حد الصداقة الذي يدور على طرفي محدوده هو أن يكون المرء يسوءه ما يسوء الآخر ويسره ما يسره فما سفل عن هذا فليس صديقا
ومن حمل هذه الصفة فهو صديق وقد يكون المرء صديقا لمن ليس صديقه وأما الذي يدخل في باب الإضافة فهو المصادق فهذا يقتضي فعلا من فاعلين إذ قد يحب الإنسان من يبغضه وأكثر ذلك في الآباء مع الأبناء وفي الإخوة مع إخوتهم وبين الأزواج وفيمن صارت محبته عشقا وليس كل صديق ناصحا لكن كل ناصح صديق فيما نصح فيه وحد النصيحة هو أن يسوء المرء ما ضر الآخر ساء ذلك الآخر أو لم يسؤه وأن يسره ما نفعه سر الآخر أو ساءه فهذا شرط في النصيحة زائد على شروط الصداقة وأقصى غايات الصداقة التي لا مزيد عليها من شاركك بنفسه وبماله لغير علة توجب ذلك وآثرك على من سواك ولولا أني شاهدت مظفرا ومباركا صاحبي بلنسية لقدرت أن هذا الخلق معدوم في زماننا ولكني ما رأيت قط رجلين استوفيا جميع أسباب الصداقة مع تأتي الأحوال الموجبة للفرقة غيرهما ليس شيء من الفضائل أشبه بالرذائل من الاستكثار من الإخوان والأصدقاء فإن ذلك فضيلة تامة متركبة لأنهم لا يكتسبون إلا بالحلم والجود والصبر والوفاء والاستضلاع والمشاركة والعفة وحسن الدفاع وتعليم العلم وبكل حالة محمودة ولسنا نعني الشاكرية والأتباع أيام الحرمة فأولئك لصوص الإخوان وخبث الأصدقاء والذين يظن أنهم أولياء وليسوا كذلك ودليل ذلك إنحرافهم عند إنحراف الدنيا ولا نعني أيضا المصادقين لبعض الأطماع ولا المتنادمين على الخمر والمجتمعين على المعاصي والقبائح والمتألفين على النيل من أعراض الناس والأخذ في الفضول وما لا فائدة فيه فليس هؤلاء أصدقاء ودليل ذلك أن بعضهم ينال من بعض وينحرف عنه عند فقد تلك الرذائل التي جمعتهم وإنما نعني إخوان الصفاء لغير معنى إلا لله عز و جل إما للتناصر على بعض الفضائل الجدية وإما لنفس المحبة المجردة فقط ولكن إذا أحصيت عيوب الاستكثار منهم وصعوبة الحال في إرضائهم والغرر في مشاركتهم وما يلزمك من الحق لهم عند نكبة تعرض لهم فإن غدرت بهم أو أسلمتهم لؤمت وذممت وإن وفيت أضررت
بنفسك وربما هلكت وهذا الذي لا يرضى الفاضل بسواه إذا تنشب في الصداقة وإذا تفكرت في الهم بما يعرض لهم وفيهم من موت أو فراق أو غدر من يغدر منهم كاد السرور بهم لا يفي بالحزن الممض من أجلهم وليس في الرذائل أشبه بالفضائل من محبة المدح ودليل ذلك أنه في الوجه سخف ممن يرضى به وقد جاء في الأثر في المداحين ما جاء إلا أنه قد ينتفع به في الإقصار عن الشر والتزيد من الخير وفي أن يرغب في ذلك الخلق الممدوح من سمعه ولقد صح عندي أن بعض السائسين للدنيا لقي رجلا من أهل الأذى للناس وقد قلد بعض الأعمال الخبيثة فقابله بالثناء عليه وبأنه قد سمع شكره مستفيضا ووصفه بالجميل والرفق منتشرا فكان ذلك سببا إلى إقصار ذلك الفاسق عن كثير من شره بعض أنواع النصيحة يشكل تمييزه من النميمة لأن من سمع إنسانا يذم آخر ظالما له أو يكيده ظالما له فكتم ذلك عن المقول فيه والمكيد كان الكاتم لذلك ظالما مذموما
ثم إن أعلمه بذلك على وجهه كان ربما قد ولد على الذام والكائد ما لم يبلغه استحقاقه بعد من الأذى فيكون ظالما له وليس من الحق أن يقتص من الظالم بأكثر من قدر ظلمه فالتخلص من هذا الباب صعب إلا على ذوي العقول والرأي للعاقل في مثل هذا أن يحفظ المقول فيه من القائل فقط دون أن يبلغه ما قال لئلا يقع في الاسترسال زائد فيهلك وأما في الكيد فالواجب أن يحفظه من الوجه الذي يكاد منه بألطف ما يقدر في الكتمان على الكائد وأبلغ ما يقدر في تحفيظ المكيد ولا يزد على هذا شيئا وأما النميمة فهي التبليغ لما سمع مما لا ضرر فيه على المبلغ إليه وبالله التوفيق النصيحة مرتان فالأولى فرض وديانة والثانية تنبيه وتذكير وأما الثالثة فتوبيخ وتقريع وليس وراء ذلك إلا التركل واللطام اللهم إلا في معاني الديانة فواجب على المرء تزداد النصح فيها رضي المنصوح أو سخط تأذى الناصح بذلك أو لم يتأذ وإذا نصحت فانصح سرا لا جهرا وبتعريض لا تصريح إلا أن لا يفهم المنصوح تعريضك فلا بد من التصريح ولا تنصح على شرط القبول منك فإن تعديت هذه الوجوه فأنت ظالم لا ناصح وطالب طاعة وملك لا مؤدي حق أمانة وأخوة وليس هذا حكم العقل ولا حكم الصداقة لكن حكم الأمير مع رعيته والسيد مع عبيده لا تكلف صديقك إلا مثل ما تبذل له من نفسك فإن طلبت أكثر فأنت ظالم ولا تكسب إلا على شرط الفقد ولا تتول إلا على شرط العزل وإلا فأنت مضر بنفسك خبيث السيرة مسامحة أهل الاستئثار والاستغنام والتغافل لهم ليس مروءة ولا فضيلة
بل هو مهانة وضعف وتضرية لهم على التمادي على ذلك الخلق المذموم وتغبيط لهم به وعون لهم على ذلك الفعل السوء وإنما تكون المسامحة مروءة لأهل الإنصاف المبادرين إلى الإنصاف والإيثار فهؤلاء فرض على أهل الفضل أن يعاملوهم بمثل ذلك لا سيما إن كانت حاجتهم أمس وضرورتهم أشد فإن قال قائل فإذا كان كلامك هذا موجبا لإسقاط المسامحة والتغافل للإخوان فيه استوى الصديق والعدو والأجبني في المعاملة فهذا فساد ظاهر فنقول وبالله التوفيق كلاما لا يحض إلا على المسامحة والتغافل والإيثار ليس لأهل التغنم لكن للصديق حقا فإن أردت معرفة وجه العمل في هذا والوقوف على نهج الحق فإن القصة التي توجب الأثرة من المرء على نفسه صديقه ينبغي لكل واحد من الصديقين أن يتأمل ذلك الأمر فأيهما كان أمس حاجة فيه وأظهر ضرورة لديه فحكم الصداقة والمروءة تقتضي للآخر وتوجب عليه أن يؤثر على نفسه في ذلك فإن لم يفعل فهو متغنم مستكثر لا ينبغي أن يسامح ألبتة إذ ليس صديقا ولا أخا فأما إذا استوت حاجتهما واتفقت ضرورتهما فحق الصداقة ها هنا أن يسارع كل واحد منهما إلى الأثرة على نفسه فإن فعلا ذلك فهما صديقان وإن بدر أحدهما إلى ذلك ولم يبادر الآخر إليه فإن كانت عادته هذه فليس صديقا ولا ينبغي أن يعامل معاملة
الصداقة وإن كان قد يبادر هو أيضا إلى مثل ذلك في قصة أخرى فهما صديقان من أردت قضاء حاجته بعد أن سألك إياها أو أردت ابتداءه بقضائها فلا تعمل له إلا ما يريد هو لا ما تريد أنت وإلا فأمسك فإن تعديت هذا كنت مسيئا لا محسنا ومستحقا للوم منه ومن غيره لا للشكر ومقتضيا للعداوة لا للصداقة لا تنقل إلى صديقك ما يؤلم نفسه ولا ينتفع بمعرفته فهذا فعل الأرذال ولا تكتمه ما يستضر بجهله فهذا فعل أهل الشر ولا يسرك أن تمدح بما ليس فيك بل ليعظم غمك بذلك لأنه نقصك ينبه الناس عليه ويسمعهم إياه وسخرية منك وهزؤ بك ولا يرضى بهذا إلا أحمق ضعيف العقل ولا تأس إن ذممت بما ليس فيك بل افرح به فإنه فضلك ينبه الناس عليه ولكن افرح إذا كان فيك ما تستحق به المدح وسواء مدحت به أو لم تمدح واحزن إذا كان فيك ما تستحق به الذم وسواء ذممت به أو لم تذم من سمع قائلا يقول في امرأة صديقه قول سوء فلا يخبره بذلك أصلا لا سيما إذا كان القائل عيابة وقاعا في الناس سليط اللسان أو دافع معرة عن نفسه يريد أن يكثر أمثاله في الناس وهذا كثير موجود وبالجملة فلا يحدث الإنسان إلا بالحق وقول هذا القائل لا يدرى أحق هو أم باطل إلا أنه في الديانة عظيم فإن سمع القول مستفيضا من جماعة وعلم أن أصل ذلك القول شائع
وليس راجعا إلى قول إنسان واحد أو اطلع على حقيقته إلا أنه لا يقدر أن يوقف صديقه على ما وقف هو عليه فليخبره بذلك بينه وبينه في رفق وليقل له النساء كثير أو حصن منزلك وثقف أهلك أو اجتنب أمرا كذا وتحفظ من وجه كذا فإن قبل المنصوح وتحرز فحظ نفسه أصاب وإن رآه لا يتحفظ ولا يبالي أمسك ولم يعاوده بكلمة وتمادى على صداقته إياه فليس في أن لا يصدقه في قوله ما يوجب قطيعته فإن اطلع على حقيقة وقدر أن يوقف صديقه على مثل ما وقف عليه هو من الحقيقة ففرض عليه أن يخبره بذلك وأن يوقفه على الجلية فإن غير فذلك وإن رآه لا يغير اجتنب صحبته فإنه رذل لا خير فيه ولا نقية ودخول رجل متستر في منزل المرء دليل سوء لا يحتاج إلى غيره ودخول المرأة في منزل رجل على سبيل التستر مثل ذلك أيضا وطلب دليل أكثر من هذين سخف وواجب أن يجتنب مثل هذه المرأة وفراقها على كل حال وممسكها لا يبعد عن الدياثة الناس في أخلاقهم على سبع مراتب فطائفة تمدح في الوجه وتذم في المغيب وهذه صفة أهل النفاق من العيابين وهذا خلق فاش في الناس غالب عليهم وطائفة تذم في المشهد والمغيب وهذه صفة أهل السلاطة والوقاحة من العيابين وطائفة تمدح في الوجه والمغيب وهذه صفة أهل الملق والطمع وطائفة تذم في المشهد وتمدح في المغيب وهذه صفة أهل السخف والنواكة وأما أهل الفضل فيمسكون عن المدح
والذم في المشاهدة ويثنون بالخير في المغيب أو يمسكون عن الذم وأما العيابون البرآء من النفاق والقحة فيمسكون في المشهد ويذمون في المغيب وأما أهل السلامة فيمسكون عن المدح وعن الذم في المشهد والمغيب ومن كل من أهل هذه الصفات قد شاهدنا وبلونا إذا نصحت في الخلاء وبكلام لين ولا تسند سب من تحدثه إلى غيرك فتكون نماما فإن خشنت كلامك في النصيحة فذلك إغراء وتنفير وقد قال الله تعالى فقولا له قولا لينا وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تنفروا وإن نصحت بشرط القبول منك فأنت ظالم ولعلك مخطئ في وجه نصحك فتكون مطالبا بقبول خطئك وبترك الصواب لكل شيء فائدة ولقد انتفعت بمحك أهل الجهل منفعة عظيمة وهي أنه توقد طبعي واحتدم خاطري وحمي فكري وتهيج نشاطي فكان ذلك سببا إلى تواليف لي عظيمة المنفعة ولولا استثارتهم ساكني واقتداحهم كامني ما انبعثت لتلك التواليف لا تصاهر إلى صديق ولا تبايعه فما رأينا هذين العملين إلا سببا للقطيعة وإن ظن أهل الجهل أن فيهما تأكيدا للصلة فليس كذلك لأن هذين العقدين داعيان كل واحد إلى طلب حظ نفسه والمؤثرون على أنفسهم قليل جدا فإذا اجتمع طلب كل امرئ حظ نفسه
وقعت المنازعة ومع وقوعها فساد المروءة وأسلم المصاهرة مغبة مصاهرة الأهلين بعضهم بعضا لأن القرابة تقتضي العدل وإن كرهوه لأنهم مضمرون إلى ما لا انفكاك لهم منه من الاجتماع في النسب الذي توجب الطبيعة لكل أحد الذب عنه والحماية له
المصدر : الأخلاق والسير - ابن حزم

540
0
0%
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

في تساوي بعض حالات الزهراء مع رسول الله وأمير المؤمنين ...
آثار الغيبة على الفرد والمجتمع وإفرازاتها
في مدح الإمام العسكري عليه السلام
الاستدراج
دعاء وداع الامام الرضا عليه السلام
التواضع و التکبر
الإمام الحسن العسكري (ع) والتمهيد لولادة و غيبة الإمام ...
واقعة کربلاء ملحمة الخلود
المواقف السياسيّة للإمام موسى الكاظم (عليه السلام)
هل الدعوة لإزالة ذهب القباب عُمَرِيَةُ المنشأ فعلاً ؟

 
user comment