عربي
Friday 27th of November 2020
  1120
  0
  0

ملامح عقيلة الهاشميّين السيّدة زينب الكبرى *

ملامح عقيلة الهاشميّين السيّدة زينب الكبرى *

من خلال التعرّف على خطبتَين جليلتَين لسليلة بيت النبوّة السيّدة زينب الكبرى عليها السّلام ، نحاول الاقتراب من بعض ملامح شخصيّتها العظيمة ولو على سبيل الإشارة ، وِفقاً لكلام أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام : ( اللسانُ ميزان الأعمال ) (1) .

وعلى الرغم من كثرة ما نُقل عن السيّدة زينب عليها السّلام ، إلاّ أنّنا آثَرنا الكلام على هاتَين الخطبتَين (2) لجُملة أمور ، منها : أنّ سنَدَي هاتَين الخطبتَين على درجة عالية من الوثاقة والاعتبار ، وأنّ الخطبتَين أُلقيتا في ظروف خطيرة وحسّاسة ، بحيث لا نبالِغ إذا ما قُلنا إنّ كلّ مُفردة استُعملت فيهما هي ذات دلالة على بُعد من أبعاد العظمة الروحيّة والوجوديّة لهذه السيّدة الجليلة ، التي جسّدت ملحمة للإيمان والصبر والثبات في أشدّ الظروف واللحظات .

ونُشير إشارات سريعة وعابرة إلى بعض هذه الأبعاد :

أوّلاً : الشجاعة :العامِل الأساس ، أو أحد أهمّ العوامل التي أفضَتْ إلى ظفر نهضة الإمام الحسين عليه السّلام ـ التي تحمّلت السيّدة زينب عليها السّلام ظُهْر يوم عاشوراء عِبْء رسالتها ـ هو شجاعة هذه السيّدة العظيمة وثباتها في مواقفها أمام الطاغية يزيد ، الذي حاول مع أزلام حكومته ـ عن طريق القمع ، والبطش ، والإرعاب المشفوع بتيّار واسع من الإعلام الكاذب ـ أنْ يُلقي في أذهان عامّة الناس أنّ الإمام الحسين عليه السّلام الثائر في طلب إصلاح أُمّة جدّه رسول الله صلّى الله عليه وآله هو خارجيّ ، تمرّد على وليّ الأمر ولم يخضع لخليفة عصره ، وكان من الطبيعيّ على مثل هؤلاء المتمرّدين أنْ تقمعهم قِوى الحكومة الإسلاميّة الشجاعة !

وفي هذا السياق ، كان موكب السبايا ـ سبايا أهل بيت النبوّة عليهم السّلام ـ إذا دخل مدينة من المُدُن ، طوال المسيرة المُرهقة التي امتدّت من كربلاء إلى الكوفة ثمّ من الكوفة إلى الشام ، قيل لأهل تلك المدينة إنّ هؤلاء السبايا هم سبايا وأسرى من الخوارج !وكانوا في الشام ـ وقد أَثْمَلَهُم غرور النصر الدمويّ الذي حقّقوه في كربلاء ـ يُعدِّون العدّة لحفلٍ كبير دَعَوا إليه كبار رجال الحكم وسفراء الدول الأجنبيّة ، وخُيِّل ليزيد أنّ أحداً لنْ يَجْرُؤ ـ بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السّلام ـ على زعزعة دعائم حُكْمِهِ ، وكان جنوده المدجّجون بالسلاح لا يتورّعون عن سفْك دم كلّ مَن تُسوِّل له نفسه أنْ يعترّض بكلمة .أُدخل موكب السبايا على يزيد وهو في مجلسه ، بعد أنْ حُمِلوا آلاف الكيلومترات على إبل مهزولة بغير وِطاء ، قد هدّهم المصابُ الجَلَل : فَقْدُ ريحانة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسِبطه الأثير لديه ، الذي ترعرع على صدر رسول الله صلّى الله عليه وآله وشبّ في حِجره ، والذي أخذه رسول الله صلّى الله عليه وآله معه ـ إلى جانب أبيه وأمّه وأخيه ـ ليُباهِل نصارى نجران ، فقال كبيرُهم حين تأمّل فيهم : أرى وجوهاً لو سألوا الله أنْ يُزيل جبلاً لأزاله من مكانه ، فلا تبتهلوا فتهلكوا ! (3) .وأرهقهم بُعد الشقّة ، بعد أنْ أعنف بهم الحادي ، فساقهم على غير رِفق ، ولم ينزل بهم إلاّ على غير ماء ولا عُشب ، ثمّ أُدخلوا على يزيد ولمّا يستريحوا من عناء الطريق بعدُ ، عسى أنْ يَفُتّ ذلك في عضدهم ويُوهِن من جَلَدهم ، ويُضِعف منطقَهم .ونهضت عقيلة بني هاشم ( عليها السّلام ) في وقار ، وخاطبت يزيد دون أنْ تكترث له ولا لزبانيّته ، في فصاحةٍ وبلاغة وَرِثَتهما من أمير الفصاحة والبلاغة أبيها أمير المؤمنين عليه السّلام ، فأعادت إلى الأذهان وقفةَ أُمّها الزهراء ( عليها السّلام ) وخطبتها الشهيرة في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وكان من جُملة خطبتها أنْ قالتْ :أظننتَ يا يزيدُ أنّك حين أخذتَ علينا أقطارَ الأرض ، وضَيّقتَ علينا آفاقَ السماء ، فأصبَحنا لك في إسارِ الذلّ .. أنّ بنا من اللهِ هَواناً وعليكَ منه كرامةً وامتناناً ، وأنّ ذلك لِعِظَم خَطرِك وجلالةِ قَدْرك ، فشَمَختَ بأنفِك ، ونَظَرت في عِطفِك! ... فمَهْلاً مَهلاً ، لا تَطِش جَهلاً !أنَسِيتَ قولَ الله عزّ وجلّ : ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) ؟! (4) .أمِنَ العدل ـ يا ابنَ الطُلقاء ـ تَخديرُكَ حرائرَكَ وإماءَكَ ، وسَوقُكَ بناتِ رسولِ الله صلّى الله عليه وآله ، يَحدوا بهنّ الأعداءُ من بلدٍ إلى بلد ، ويَستَشرِفُهنَّ أهلُ المَناقِل ، ويُبرَزنَ لأهل المَناهِل (5) ، ويَتَصفّحُ وُجوهَهُنَّ القريبُ والبعيد ... عُتُوّاً منك على الله وجُحوداً لرسولِ الله صلّى الله عليه وآله ، ودَفعاً لِما جاء به من عند الله .. .ثمّ اندفعت العقيلة زينب عليها السّلام تُقرّع يزيد وتفضح نَسَبه الوضيع ، وتذكّره بجرائم أسلافه الذين اقتفى آثارَهم وسار على حَذْوهم ، فقالتْ :وأنّى يُرتجى الخيرُ ممّن لَفَظ فُوهُ ( أي فمه ) أكبادَ الشهداء ، ونَبَتَ لحمُه بدماء السُّعداء ، ونَصَب الحربَ لسيّد الأنبياء ، وجَمَع الأحزابَ ، وشَهَر الحِرابَ ، وهَزّ السيوفَ في وجه رسول الله صلّى الله عليه وآله ، أشدّ العرب لله جُحوداً ، وأنكرهم له رسولاً ، وأظهرهم له عُدواناً ، وأعتاهم على الربّ كفراً وطُغياناً .لَعَمري لقد نَكأتَ القَرحةَ (6) ، واستأصلتَ الشَأْفة (7) ، بإراقتكَ دمَ سيّدِ شبابِ أهل الجنّة ، وابنِ يَعسوبِ العرب ، وشمسِ آل أبي طالب ، وهَتَفْتَ بأشياخِك ، وتَقَرّبتَ بدمهِ إلى الكفَرة من أسلافِكَ . . . وما فَرَيْتَ إلاّ جِلدَك ، وما جَزَزْتَ (8) إلاّ لحمَك ، وَسَتَرِدُ على رسول الله صلّى الله عليه وآله بما تحمَّلتَ مِن دم ذُرّيّتِه ، وانتهكتَ من حُرمتِه ، وسَفَكتَ من دماء عِترته ولُحمته . . . فلا يَستفزّنّكَ الفرحُ بقتلِهم ، وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، وحَسْبُك بالله وليّاً وحاكماً ، وبرسولِ الله صلّى الله عليه وآله خَصيماً ، وبجبرئيل ظهيراً .ولئن جَرَّتْ عَلَيَّ الدَّواهي مُخاطبتَك ، إنّي لأستصغِرُ قَدْرَكَ ، وأستَعظِمُ تَقريَعكَ ، وأستَكِبرُ تَوبيخَك ، لكنّ العيونَ عَبرى ، والصدور حَرّى ... فكِدْ كَيْدكَ واسْعَ سَعْيَكَ وناصِبْ جُهْدَكَ ، فواللهِ لا تَمحْو ذِكرَنا ، ولا تُميتُ وَحيَنا ، ولا تُدرِكُ أمَدَنا ، ولا تُرحِضُ (9) عنك عارَها ؛ وهل رَأيُك إلاّ فَنَد (10) ، وأيّامُك إلاّ عَدَد ، وجَمْعُك إلاّ بَدَد ، يومَ يُنادي المنادِ : أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ .ومِن قَبْلُ في مجلس عُبيد الله بن زياد كان للعقيلة زينب ( عليها السّلام ) كلام جَبَهَت به ابن زياد حين سألها متشفّياً : كيف رأيتِ صُنْعَ الله بأخيكِ وأهل بيتِك ؟! فقالتْ :ما رأيتُ إلاّ جميلاً ! هؤلاء قَومٌ كَتَب اللهُ عليهم القتلَ فبرزوا إلى مَضاجِعهم ، وسيَجمعُ اللهُ بينَكَ وبينهم فتُحاجُّ وتُخاصَم ، فانْظُر لِمَن الفُلْجُ (11) يومئذٍ ، ثَكَلَتْكَ أُمُّك يا ابنَ مَرجانة !فبُهت الذي كَفَر ، وتَلَجلج واستَخذى بعد عُنفوانه ، وتصاغرَ بعد شُموخه وإدلاله بنفسه ، بعد أنْ مَلَكَت عليه العقيلةُ المفوّهة البليغة أقطارَ الأرض والسماء ، فتمنّى في خِزْيِهِ لو انشقّتْ الأرض من تحته فابْتَلَعَتْهُ .وروى أصحاب التواريخ والسِّير أن يزيد بن معاوية لمّا فضحته عقيلة بني هاشم عليها السّلام بخطبتها أنحى باللأئمّة على ابن زياد ، وقال : قَبَّح اللهُ ابنَ مَرجانة ، لو كانت بينكم وبينه قرابةٌ ورِحم ما فعل هذا بكم ، ولا بَعَث بكم على هذا ! (12) .فتأمّل كيف كشفتْ هذه السيّدة الجليلة بمنطقها الجَزْل عن حقيقة مقام يزيد وهو في أوّج عِزّه الظاهريّ ، فإذا به يتصاغر ويتضاءل حتّى ينتحل الأعذار أمامها كالعبد الذليل المذنب أمام سيّدته ، وشهد لها المُؤالِف والمخالِف بأنّ كلامها ليزيد بن معاوية يدلّ على عقل وقوّة جَنان (13) .

ثانياً : الفصاحة والبلاغة :من السِمات التي امتازتْ بها السيّدة زينب عليها السّلام : فصاحتُها وبلاغتُها ومنطقُها الرصين الجَزل ؛ فقد أشار علماء الأدب الذين نقلوا خُطبَها إلى أنّها أشبَهَت أباها أمير المؤمنين عليه السّلام في هذه المَلَكة ، حيث أشبَهَتْه في ثراء المحتوى وجمال التعبير ، وفي رعاية ما يُناسب كلّ مقامٍ من مَقال وكلام : أ ـ تأمّل ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ في أنواع السَّجع الذي وظّفتْه في عباراتها ، كقولها :( قد هَتكتَ سُتورَهُنّ ، وأبدَيتَ وجوهَهُنّ ) .وقولها : ( نتيجة خِلالِ الكُفر ، وصبّ يُجرجر في الصدرِ لقتلى بدر ) .ب ـ وانظر تشبيهاتها التي أوردتْها في كلامها فضاعفتْ روعتَه ، كقولها لأهل الكوفة : ( إنّما مَثَلكُم كمَثَلِ التي نَقَضَت غَزْلَها من بَعد قوّةٍ أنكاثاً ) ، فقد شبّهتهم فيه بالعجوز الحمقاء التي تَغزِل الصوف ، حتّى إذا شارف عملُها على الكمال عَمَدت إليه فنَقَضتْه وأهدَرتْه .وكقولها لأهل الكوفة : بأنّ مَثَلهم ( كمرَعى على دِمنة ) ، إذْ شبّهتْهم فيه بالمرعى ذي الظاهر الزاهي الجميل ، الذي تَضرب جذوره في دِمنة قذرة خبيثة .ج ـ وتأمّل إلى استخدامها فنّ ( تَجاهُل العارِف ) ، في قولها : ( هل فيكم إلاّ الصَّلف والعَجب والشّنِف والكذِب ؟! ) .وقولها : ( أمِن العدلِ ـ يا بنَ الطُّلقاء ـ تَخديرُكَ حرائرَك وإماءَك ، وسَوقُك بناتِ رسول الله صلّى الله عليه وآله سَبايا ؟! ) .وقد زخرتْ هاتان الخطبتان بالكناية والإيجاز والاستعارة وسائر فنون البلاغة ، حتّى لُقّبت السيّدة زينب ( عليها السّلام ) في حياتها بألقاب : ( البليغة ) ، و ( الفصيحة ) ، و ( وليدة الفصاحة ) .* وقد روى السيّد ابن طاووس عن بشير بن خُزَيم الأسدي أنّه قال في صِفة عقيلة بني هاشم عليها السّلام :( كأنّها تُفرِغُ عن لسان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، وقد أومَأتْ إلى الناس أنِ : اسكُتوا ، فارتَدَّتْ الأنفاس ، وسَكَنَت الأجراس ) (14) .* وقال النيشابوري في ( الرسالة العلويّة ) : ( كانت زينب ابنة عليّ عليه السّلام في فصاحتها وبلاغتها وزُهدها وعبادتها كأبيها المرتضى وأمّها الزهراء عليها السّلام ) (15) .وروى المجلسيّ أنّ ابن زياد قال لمّا قَرّعتْه زينب عليها السّلام بكلامها المتين : هذه سَجّاعة ! ولَعَمري لقد كان أبوكِ سَجّاعاً شاعراً !!قالتْ : إنّ لي عن السَّجاعةِ لَشُغلاً ، وإنّي لأعجَبُ ممّن يَشتَفي بقتلِ أئمّته ، ويَعلَم أنّهم مُنتقِمون منه في آخرتِه ! (16) .

ثالثاً : الحياء والعفّة :العقيلة زينب ( عليها السّلام ) فرعٌ شامخ من فروع الدَّوحة النبويّة الوارفة ، تَرَعرعتْ في بيتٍ رفيع من بيوت أ

  1120
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

غفران فی شهر رمضان
اعمال يوم اعمال يوم عيد الفطر
تاريخ ظهور النفاق في الإسلام
أصحاب وثقات الامام الرضا عليه السلام
نماذج الشفاعة في القران الکريم
أفضلية الإمام عليّ عليه السّلام على الصحابة
من اخلاقیات فاطمة الزهراء
حبّ أهل البيت عليهم السلام في الكتاب والسُنّة
السيد عبد العظيم الحسني (رضوان الله عليه)
زيارة أم البنين عليها السلام

 
user comment