عربي
Monday 30th of November 2020
  334
  0
  0

الميزان (1)

الميزان (1)

تمهيد

سنتحدث في هذا الدرس عن الميزان في اللغة والاصطلاح، وأدلَّة إثبات الميزان من كتاب الله تعالى، والروايات الشريفة، وصفة الميزان، وما يوزن فيه، والردُّ على من ينكره، ومرجِّحات الميزان، ومتى تنصب الموازين؟، ولمن تنصب؟ وكيفية الوزن.

هذه الأسئلة سنحاول أن نسلِّط الضوء عليها، سائلين الله تعالى أن يجعلنا ممن ثقل ميزانهم بالحسنات والأجر، إنَّه لطيفٌ رحيم.
الميزان في اللغة اسم آلة يوزن بها الشيء، والمراد به في الآيات عبارة عمّا يعرف به مقادير الأعمال، وليس علينا البحث عن كيفيَّته، بل نؤمن به ونفوِّض كيفيَّته إلى الله تعالى.

 
المقصود من الميزان

الميزان في اللغة اسم آلة يوزن بها الشيء، والمراد به في الآيات عبارة عمّا يعرف به مقادير الأعمال، وليس علينا البحث عن كيفيَّته، بل نؤمن به ونفوِّض كيفيَّته إلى الله تعالى.

يقول صدر المتألهين: "إنَّ حقيقة الميزان ليس يجب أن يكون البتة مما له شكل مخصوص، أو صورة جسمانية، فإنَّ حقيقة معناه وروحه وسّره، هو ما يقاس ويوزن به الشيء، والشيء أعمُّ من أن يكون جسمانياً أو غير جسماني، فكما أنَّ القبَّان، وذا الكفتين وغيرهما ميزان للأثقال،... فكذلك علم المنطق ميزان للفكر في العلوم النظرية، وعلم النحو ميزان للإعراب والبناء، والعروض ميزان للشعر، والحسّ ميزان لبعض المدركات، والعقل الكامل ميزان لجميع الأشياء، وبالجملة ميزان كل شيء يكون من جنسه، فالموازين مختلفة، والميزان المذكور في القرآن ينبغي أن يحمل على أشرف الموازين، وهو ميزان يوم الحساب، كما دلَّ عليه قوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)(الأنبياء:47). وهو ميزان العلوم، وميزان الأعمال القلبية، الناشئة من الأعمال البدنية"1.

"وإذا كان البشر قد اخترعوا موازين للأعراض كالحرِّ والبرد، أفي عجز الخالق البارئ القادر على كل شيء، عن وضع ميزانٍ للأعمال النفسانية والبدنية، المعبَّر عنها بالحسنات والسيئات بما أحدثته في الأنفس من الأخلاق والصفات"2.

 
ميزان أم موازين؟

يلاحَظ ورود الميزان في القرآن الكريم بصيغة الجمع، قال تعالى: (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ)(القارعة:6-11)، فما هو المراد من هذا الجمع؟

المـوازيـن: جـمع ميزان، وهو الوسيلة لقياس الأشياء، وهذا التعبير يدل على أنَّ في ذلك اليوم لا يوجد مـيـزان واحـد للأعمال، بل هناك عدة موازين، وقد يكون المراد من تعدد الموازين أن يكون لكل إنسان، أو لكلِّ أمَّةٍ، أو عملٍ، ميزاناً، فالصلاة مثلاً توزن بميزان، وكذلك الصيام والحجُّ والجهاد، أي لكلِِّ واحدٍ منها ميزان خاص.
إنَّ الميزان بمعنى الوجود المقدَّس للأئمة المعصومين صلى الله عليه وسلم، ففي الزيارة نزور أمير المؤمنين عليه السلام قائلين: "السلام على يعسوب الإيمان وميزان الأعمال، وسيف ذي الجلال"6.

وقد قال بعض المفسرين: إنَّ السبب في ذكر الله تعالى الميزان بصيغة الجمع، هو أنَّ لكلِّ نوع من أنواع الطاعات ميزاناً، فيقام لكل منها هناك ميزان، فالله سبحانه يخبر عن أنَّه وضع لكلِّ شيء ميزاناً يقدّر به، من غير فرق بين أن يكون جسماً أو قولاً أو فعلاً أو عقيدة، فلكلِّ شيءٍ ميزانٌ يميّز به الحقّ من الباطل، والصدق من الكذب، والعدل من الظلم، والرذيلة من الفضيلة.

وقـيـل: إنَّ الـمـيزان هو واحد لا أكثر، والدليل على هذا القول بعض الروايات في هذا المجال، وما صيغة الجمع (موازين) إلا لبيان عظمة الميزان.

 
الإختلاف في تحديد معنى الميزان

وأصل الميزان لا خلاف فيه، لكن وقع الاختلاف في مفهومه ومعناه على أقوال، أهمها:

أوّلاً: إنَّ في القيامة موازين كموازين الدنيا، لكلِّ ميزان لسان وكفَّتان، تُوزَن به أعمال العباد من الحسنات والسيئات، أخذاً بظاهر اللَّفظ، واختلفوا في الموزون هل هو الأعمال، أو صحائف الأعمال.

ثانياً: الميزان كناية عن العدل في الآخرة، وأنَّه لا ظلم فيها على أحدٍ، ووضع الموازين هو وضع العدل، وثقلها رجحان الأعمال بكونها حسنات، وخفّتها مرجوحيَّتها بكونها سيئات، وجـاء فـي حـديـث عـن الإمام الـصـادق عليه السلام: أنَّهُ سئل عنِ الميزان، فقال: "الميزان العدل"3.

ثالثاً: الميزان: هو الحساب، وثقل الميزان وخفَّته، كناية عن قلّة الحساب وكثرته، لما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنَّه قال: " ومعنى قوله:(فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ)(الأعراف:8)،(وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ)(الأعراف:9)، فهو قلَّة الحساب وكثرته، والناس يومئذ على طبقات ومنازل، فمنهم من يحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً، ومنهم الَّذين يدخلون الجنَّة بغير حساب، لأنَّهم لم يتلبسوا من أمر الدنيا بشيء، وإنَّما الحساب هناك على من تلبَّس بها ههنا، ومنهم من يحاسب على النقير والقطمير، ويصير إلى عذاب السَّعير، ومنهم أئمة الكفر وقادة الضلالة، فأولئك لا يقيم لهم يوم القيامة وزناً، ولا يعبأ بهم، لأنَّهم لم يعبأوا بأمره ونهيه، ويوم القيامة هم في جهنَّم خالدون، تلفح وجوههم النَّار، وهم فيها كالحون"4.

رابعاً: الموازين: الأنبياء، والأوصياء، لما روي عن الإمام الصادق عليه السلام في قوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)(الأنبياء:47) قال: "الموازين: هم الأنبياء والأوصياء"5.

كيف يكون الجمع بين كل هذه الأحاديث والأقوال؟  فقد ورد في بعضها: إنَّ الميزان بمعنى الوجود المقدَّس للأئمة المعصومين صلى الله عليه وسلم، ففي الزيارة نزور أمير المؤمنين عليه السلام قائلين: "السلام على يعسوب الإيمان وميزان الأعمال، وسيف ذي الجلال"6.

إنَّ تفسير الميزان بالعدل، أو بالنبي، أو بالقرآن، كلّها تفاسير بالمصداق، فليس للميزان إلاّ معنى واحد هو: ما يوزن به الشيء، وهو يختلف حسب اختلاف الموزون.

وعلى ضوء هذا، فالقرآن الكريم ميزان، كما أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ميزان، والإمام المعصوم عليه السلام ميزان،ويـعـتـقد بعض المحققين أنَّ الأئمة المعصومين عليهم السلام وأولياء اللّه بمنزلة كفة الميزان الأولى، وأعمال الإنسان وعقائده ونياته بمنزلة الكفة الأخرى، فيوازن بينهما يوم القيامة.

فتقام الموازنة بين الناس من جهة، وأولياء اللّه من جهة أخرى، فكلَّما كانت أعمالنا وعقائدنا شبيهة ومقاربة لأولياء اللّه، فسيكون ميزان عملنا ثقيلاً، وهذا ما يتناسب مع قوله تعالى: (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ)(الأعراف:9)، (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ)(الأعراف:8).

 
الميزان الدنيوي للإيمان

وقد جعل الله تعالى لتشخيص الإنسان صحة عقائده وأخلاقه وأعماله موازين، كالكتاب والسنّة والعقل، فقد روي أنَّ الإمام الباقر عليه السلام قال لبعض أصحابه:" إعرض نفسك على ما في كتاب الله، فإن كنت سالكاً سبيله، زاهداً في تزهيده، راغباً في ترغيبه، خائفاً من تخويفه، فاثبت وأبشر، فإنَّه لا يضرُّك ما قيل فيك، وإن كنت مبائناً للقرآن، فماذا الّذي يغرُّك من نفسك "7.

رحلة الآخرة, إعداد ونشر جمعية المعارف الثقافية

-------------------------------------------------------

الهوامش:

1- الأسفار، ج9 ص 299.

2- المنار، ج 8، ص 323.

3- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - الشيخ ناصر مكارم الشيرازي - ج 20 ص 411.

4- المجلسي-محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء،الطبعة الثانية المصححة - ج 90 ص 105.

5- المجلسي-محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء،الطبعة الثانية المصححة - ج 7 ص 243.

6- الميرزا النوري - مستدرك الوسائل - مؤسسة آل البيت عليه السلام لإحياء التراث - بيروت - لبنان - ج 10 ص 222.

7- المجلسي-محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء،الطبعة الثانية المصححة - ج 75 ص 163.

  334
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

أسرار مآتمنا المختصّة بأهل البيت (عليهم السّلام)
أهمية دراسة الشخصيات التاريخية
الإمام الحسن المجتبى ( عليه السلام ) رجل الثورة الصامتة
سني يثبت عدد الأئمة من القرآن
الدور الأحسائي في الخطابة الحسينيّة
التفویض المطلق
القاضي عبد الجبار وبلاغة القرآن
طبيبٌ دَوَّارٌ بطبه
أفأنت تکره الناس
تعيين المرجعية

 
user comment