عربي
Wednesday 25th of November 2020
  301
  0
  0

التناسخ الصعودي وانتقال النفس

 التناسخ الصعودي وانتقال النفس

ذكرنا أنّ اصحاب التناسخ الصعودي يقولون بأنّ تكامل النفس من بدء حدوثها يتوقف على ظهور الحياة في النبات لتكون نفساًنباتية إلى أن تنتقل إلى بدن الحيوان فتصير نفساً حيوانية، ثم نفساً إنسانية، وعندئذ يقع السؤال في حقيقة هذه النفس،

فنقول: إن النفس الموجودة في الحيوان مثلا، إما منطبعة انطباع النقوش في الحجر، والأعراض في موضوعاتها، والصور في محالّها، فيكون انتقالها مستحيلا على ما مرّ، أعني استلزامه أن تكون في آن الانتقال بلا موضوع ومحل.

وإمّا مجرّدة، لها من الخصوصيات ما للنفوس الحيوانية، فمن المعلوم أنّ النفس الحيوانية بما لها من الخصوصية يمتنع أن تتحول إلى النفس الإنسانية، فإنّ كمال النفس الأُولى عبارة عن القوة الشهوية وحسّ الانتقام، وهما يعدّان كمالا لنفوس الدواب والأنعام وأصلاً عظيماً للجسمانية والاخلاد إلى الأجساد. فلوتعلقت هذه النفس بهذه الخصوصية بالانسان، لوجب أن تنحط درجة إلى نوع نازل من الحيوان المناسب لهذه السجايا والغرائز. فاذا كان مقتضى الشهوة الغالبة والغضب الغالب، شقاء النفس ونزولها إلى مراتب الحيوانات الصامتة، التّي كمالها في كمال إحدى هاتين القوتين، فيمتنع أن يكون وجود هاتين القوتين وأفعالهما منشأ لارتفاع النفوس من درجتها البهيمية والسبعية إلى درجة الانسان الّذي كمال نفسه كسر هاتين القوتين. فتعلق النفس الحيوانية بما لها من الخصوصيات والغرائز بالانسان، لا يرفعه بل ينزله إلى درجة تناسب درجة الحيوانات1.

وعلى الجملة فالنفس الحيوانية متشخصة بغرائز خاصة هي التمايلات الشهوية والسبعية والاخلاد الى الأرض والمادة، فكيف يمكن أن تكون مثل هذه أساساً لتكامل الانسان وتعاليه، الّذي لا يتحقق له التكامل إلا بتحطيم هذه الغرائز وكسر ثورتها فإن هذا أشبه بجعل وجود الضد شرطاً لوجود ضد آخر.

نعم، هذا الاشكال انما يتصور في التكامل الصعودي المنفصل المراتب والدرجات دون متصلها كما في تكامل الانسان في رحم أمه من الجمادية الى النفس الانسانية، في ظل صور متوالية متتالية دون أن يقع بينها انفصال.

وعلى كل تقدير فهذا القسم من التناسخ باطل في نفسه، وان كان لا يصادم القول بالمعاد وحشر الانسان في النشأة الأُخرى، بخلاف القسمين السابقين، فان الاول منهما على طرف النقيض من المعاد مطلقاً والقسم الثاني على طرف النقيض منه في مورد غير الكاملين من النفوس الانسانية.

 
تحليل جامع للقول بالتناسخ

قد تعرفت على اقسام التناسخ والبراهين التّي تهدم أساس كل واحد منها، وهناك برهانان آخران على بطلان التناسخ على وجه الإطلاق، من دون أن تختصا بقسم دون قسم، واليك بيانهما:

 

الأول: اجتماع نفسين في بدن واحد

وهذا البرهان مبني على أمرين

أ ـ إنّ كل جسم نباتاً كان حيواناً أوانساناً، اذا بلغ من الكمال إلى درجة يصير فيها صالحاً لتعلّق النفس به، تتعلق به. وبعبارة أخرى: متى حصل في البدن مزاج صالح لقبول تعلق النفس المدبرة به، فبالضرورة تفاض عليه من الواهب من غير مهلة ولا تراخ، وذلك مقتضى الحكمة الإلهية التّي شاءت ابلاغ كل ممكن إلى كماله الممكن.

ب ـ ان القول بالتناسخ يستلزم تعلّق النفس المستنسخة المفارقة للبدن، ببدن نوع من الأنواع من نبات وحيوان وإنسان، بحيث يتقوّم ذلك البدن بالنفس المستنسخة المتعلقة به.

ولازم تسليم هذين الأمرين، تعلّق نفسين ببدن واحد: إحداهما النفس المفاضة على البدن لأجل صلاحيته للإفاضة، وثانيتهما النفس المستنسخة المتعلقة بعد المفارقة بمثل هذا البدن.

ومن المعلوم بطلانه وذلك لأن تشخص كل فرد من الأنواع بنفسه وروحه، وفرض نفسين وروحين مساوق لفرض ذاتين ووجودين لوجود واحد وذات واحدة.

أضف إلى ذلك: أنه ما من شخص إلا ويشعر بنفس وذات واحدة. قال التفتازاني: انّ كل نفس تعلم بالضرورة أن ليس معها في هذا البدن نفس أخرى تدبر أمره وأن ليس لها تدبير وتصرّف في بدن آخر، فالنفس مع البدن على التساوي، ليس لبدن واحد إلا نفس واحدة ولا تتعلق نفس واحدة إلا ببدن واحد2.

سؤال وجواب: أما السؤال فهوأنّ هذا انما يتم اذا كان هناك فصل زمني بين صلوح البدن لافاضة الحياة وتعلّق النفس المستنسخة. وأما اذا كان صلوحه وقابليته، مقارناً لتعلق النفس المستنسخة، فلا يلزم اجتماع نفسين في بدن واحد، لأنها تمنع عن أفاضة الحياة عليه، فلا تكون له نفسان ولا حياتان؟

والجواب: ان كون النفس المستنسخة مانعة من حدوث النفس الأخرى ليس بأولى من منع الأخرى من التعلّق بالبدن.

أضف الى ذلك أنّ استعداد المادة البدنية لقبول النفس من الواهب للصور، يجري مجرى استعداد الجدار لقبول نور الشمس مباشرة وانعكاساً اذا رفع الحجاب من أمامه. فإن كان عند ارتفاع الحجاب جسم ثقيل ينعكس فيه نور الشمس الواقع عليه إلى ذلك الجدار، أشرق عليه النوران الشمسيان المباشري والانعكاسي، ولا يمنع من وقوع الانعكاسي، وقوع النور المباشري عليه. ومثل ذلك ما نحن فيه، غير أن اجتماع النفسين ممتنع، ومانعية أحداهما عن طروء الأُخرى غير صحيحة. فينتج أنّ التناسخ المبتني على أحد الأمرين (اجتماع نفسين ومانعية إحداهما من طروء الأخرى) باطل3.

*الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني

-------------------------------------------------------------------

1- لاحظ الأسفار : ج 9، ص 23.

2- شرح المقاصد ، ج 2 ص 38 ولاحظ كشف المراد، ص 113، ط صيدا، ويضيف الأخير: نه لوتعلق نفس واحدة ببدنين لزم أن يكون معلوم أحدهما معلوماً للآخر وبالعكس، وكذا باقي الصفات النفسانية، وهوباطل بالضرورة.

3- لاحظ الأسفار، ج 9، ص 10 . وهذا البرهان يختص بالمشائيين وقبله صدر المتألهين أيضاً.

  301
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

تنزيه سيدنا محمد عن المعاتبة في امر المتخلفين
المُناظرة الثانية والسبعون /مناظرة أبي جعفر العلوي ...
نظرية الصدفة في خلق العالم:
أدلة الشريعة اللفظية ومعرفة المقاصد الشرعية
اصل في معرفة ذوات المعصومين (ع ) وحياتهم بالاجمال وفيه ...
خير العمل
في أن الوجود حقيقة واحدة مشككة
الشيخ محمد جواد البلاغي
الدُرُوز
رأي إمام الحرم الجويني

 
user comment