عربي
Thursday 26th of November 2020
  70
  0
  0

الجانب الفقهي لعدالة كل الصحابة

الجانب الفقهي لعدالة كل الصحابة

الذين أوجدوا نظرية عدالة كل الصحابة صاغوها ونظروها بصورة تضمن الحماية التامة لماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، وتضفي على أحوالهم في الأزمان الثلاثة رداء الشرعية والمشروعية، وفصلوا لها من الأثواب ما يضمن حضورها الفعال في كل أمر من الأمور يمكن:
1 - أن يمسهم من قريب أو بعيد.
2 - أو يؤثر على قربهم أو بعدهم من الشرعية.
3 - أو يوصل ويجذر مواقع الخلاف في معسكر خصومهم.
4 - أو يفرق الخصوم في بحار من الشك والحيرة والاضطراب.
والمثير حقا أن النظرية ترمز عند عشاقها ومؤيديها اليوم لحبهم لمحمد ولأصحابه، وهم يتولون الدفاع عن هذا الرمز ويصارعون نيابة عن مخترعي هذه النظرية الذين وقفوا خارج الحلبة كأنهم لا علاقة لهم بما يجري.
أما الذين يطالبون بتعديل هذه النظرية فهم لا يقلون حبا لمحمد وأصحابه المخلصين عن أولئك المؤيدين لنظرية عدالة كل الصحابة، ولكنهم يطالبون باعتماد القواعد الشرعية والعقلية لترشيد هذا الحب ليبقى دائما في إطار الإسلام، وترك التقليد والتعصب الأعمى الذي يعطل العقل ونعمة الحوار الهادف الذي خص به الصفوة من عباده الصالحين.

المرجعية الفقهية

أن الأكثرية الساحقة من الأحاديث الواردة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون أنوف بني هاشم، كما روى ابن عرفة وهو من أكابر المحدثين، وتبين لنا أيضا أن الباحثين قد أجمعوا على أن نشأة الاختراع في الرواية ووضع الحديث على رسول الله، إنما كان في أواخر عهد عثمان وبعد الفتنة التي أودت بحياته، ثم اتسع الاختراع واستفاض حتى مبايعة علي (عليه السلام)، فما كاد المسلمون يبايعونه بيعة صحيحة حتى ذر قرن الشيطان الأموي ليغصب الحق من صاحبه وبأيلولة الأمر إلى بني أمية تشذب فن الاختراع ووضع الحديث، حتى جعلت الدولة الأموية لمن يتعاطون فن الاختراع ووضع الحديث جعلا يرغب في مثله - على حد تعبير الإمام محمد عبده (1).
هذه المرويات من المخترعات والموضوعات بقيت إلى جانب غيرها من مرويات عدول الصحابة مرجعا للجمهور على اختلاف مذاهبهم ونزعاتهم الفقهية في التشريع وغيره من الأمور (2).

المرجعيتان

1 - كل الصحابة مرجعية لأهل السنة
الذين اعتبروا كل الصحابة - بالمعنيين اللغوي والاصطلاحي - عدولا، أخذوا كافة مروياتهم عن الصحابة الصادقين العدول بالإضافة إلى المرويات الأخرى والتي وضعت في زمن الفتنة وأخذت صورتها النهائية في العهد الأموي، ولم يفرقوا بين صحابي وصحابي لأنهم كلهم عدول، وكلهم في الجنة ومن المحال عقلا أن يتعمد الكذب رجل من أهل الجنة. فمرجعية هؤلاء هم الصحابة وقد غلب عليهم اسم أهل السنة، فأهل السنة هؤلاء عرفوا الدين وفهموه عن طريق الصحابة بالمعنيين اللغوي والاصطلاحي.
والصحابة الذين نالوا حظوة في البلاط الأموي كانوا من أكثر الصحابة حديثا.
فقد ذكر أبو محمد بن حزم أن مسند أبي عبد الرحمن بن مخلد الأندلسي قد احتوى من حديث أبي هريرة على (5374) حديثا، روى البخاري منها (446) حديثا.
وغني عن البيان أن أبا هريرة من أقرب المقربين إلى معاوية وأن مدة صحبة أبي هريرة للنبي لا تتجاوز السنة وبضعة أشهر. والخلاصة أن أي حديث يرويه أي صحابي بالمعنيين اللغوي والاصطلاحي محترم ومصان، وهو جزء من الدين عند أهل السنة طالما ثبت أنه صحابي، لأن الصحابة كلهم عدول وكلهم في الجنة ولا يجوز عليهم تعمد الكذب. وحتى يكون الراوية أهل للثقة يجب أن لا يكون متهما بالتشيع لعلي (عليه السلام) أو لأهل البيت، فإذا ثبت ذلك فهو ليس بثقة من حيث المبدأ.
قال يحيى بن معين: وقيل له في سعيد بن خالد البجلي حين وثقه: هذا شيعي. قال شيعي وثقة!!!. ولم يعرف الجمهور بهذا الوصف (أهل السنة) قبل أواخر القرن الأول لأن التسنن من الأحداث الطارئة.
ما هو السند الشرعي لأهل السنة بمرجعيتهم للصحابة ؟
يقول أهل السنة: إن الرسول (صلى الله عليه وآله) قد قال:
" أصحابي كالنجوم بأيهم اهتديتم اقتديتم " وفي رواية فأيهم أخذتم بقوله.....
يقول ابن تيمية شيخ الحنابلة، ويلقب عند الجمهور بشيخ الإسلام: وحديث أصحابي كالنجوم ضعفه أئمة الحديث فلا حجة فيه. - راجع ص 551 من كتاب حجة المنتقى للذهبي. وهذا الحديث باطل بالإجماع (3).
2 - أئمة أهل البيت وثقات الصحابة هم مرجعية أهل الشيعة
أهل السنة اتخذوا مرجعا فقهيا لهم الصحابة كلهم بالمعنيين اللغوي والاصطلاحي في مقابل الشيعة الذين رجعوا إلى الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، وإلى ما رواه ثقات الصحابة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإضافة إلى كتاب الله في جميع ما جاء به الإسلام من أصول وفروع. وقد ورثوا فقههم وأصولهم وجميع تعاليمهم في جميع مراحله وفصوله عن جدهم أمير المؤمنين الذي وصفه رسول الله بأنه باب مدينة العلم (أنا مدينة العلم وعلي بابها ومن أراد المدينة فليأت الباب). وكان لهذه المرجعية ضوابط ثابتة، فقد كان الأئمة (عليهم السلام) يقولون: " إنا إذا حدثنا لا نحدث إلا بما يوافق كتاب الله، وكل حديث ينسب إلينا لا يوافق كتاب الله فاطرحوه ".
كما كان الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: " حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث رسول الله، وحديث رسول الله قول الله "
ما هو السند الشرعي لأهل الشيعة بمرجعيتهم لأئمة أهل البيت ؟
السند الشرعي هو النصوص الشرعية القاطعة الواردة في القرآن الكريم والسنة المطهرة بفروعها الثلاثة، وهي موضع اتفاق بين أهل السنة وأهل الشيعة. فأئمة أهل البيت الكرام هم من الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا بالنص القرآني والقرآن هو الثقل الأكبر وهم الثقل الأصغر بالنص الشرعي، والهداية لا يمكن أن تدرك إلا بالتمسك بالثقلين، والضلالة لا يمكن تجنبها إلا بالتمسك بالثقلين (4) وهم لهذه الأمة كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، بالنص الشرعي أيضا ، وهم أمان لأمة محمد، من الاختلاف بالنص الشرعي أيضا ونسوق بأدناه طائفة من الأدلة على كل نص ثم نوردها مجتمعة في باب الميزان.

دور المرجعيتين

1 - دور المرجعية عند أهل السنة: قلنا إن مرجعية أهل السنة لفهم البيان القرآني هم الصحابة بالمعنيين اللغوي والاصطلاحي، كل الصحابة لا فرق بين واحد وآخر لأنهم كلهم عدول وكلهم في الجنة. وكانت رواياتهم في الدرجة الأولى لا تتعدى أقوال الرسول (صلى الله عليه وآله) وأفعاله عند المتقدمين. وعند ما تعددت المذاهب وتوزعت في الأمصار شملت الروايات أقوال الرسول وأفعاله وأقوال الصحابي وأفعاله، وأصبحت آراء الصحابة في الحوادث المصدر الثالث من مصادر التشريع: القرآن، السنة، رأي الصحابي. والمذاهب الثلاثة: الأحناف والمالكية والحنابلة أكثر تعصبا لآراء الصحابة من الشوافع. ومع أن أبا حنيفة كان متحمسا للقياس، ويراه من أفضل المصادر بعد القرآن، إلا أنه كان يقدم رأي الصحابة عليه إذا تعارضت في مورد من الموارد. وقد جاء عن أبي حنيفة: " إن لم أجد نصا في كتاب الله ولا في سنة رسوله، أخذت بقول أصحابه، فإن اختلفت آراؤهم في حكم الواقعة آخذ بقول من شئت وأدع من شئت ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم من التابعين (5).
وجاء في أعلام الموقعين لابن القيم: " إن أصول الأحكام عند الإمام أحمد خمسة: الأول النص والثاني فتوى الصحابة، وإن الأحناف والحنابلة قد ذهبوا إلى تخصيص كتاب الله بعمل الصحابي، لأن الصحابي العالم لا يترك العمل بعموم الكتاب إلا لدليل، فيكون عمله على خلاف عموم الكتاب دليلا على التخصيص وقوله بمنزلة عمله ".
فأنت تلاحظ أن أهل السنة قد أمعنوا بالغلو في تقديس الصحابة، هذا التقديس الذي لا يختلف عن العصمة في شئ.
وعندما انتشرت المذاهب الفقهية، استغل هذا الغلو المفرط في محاربة التشيع لأئمة أهل البيت (6) وأقوال الصحابة تعامل كأنها وحي من السماء فيخصصون بها عموم الكتاب ويقيدون بها مطلقاته.
2 - دور المرجعية عند أهل الشيعة: القرآن الكريم قد جاء تبيانا لكل شئ، وما ثبت عن النبي ثبوتا قطعيا لا يرقى إليه شك هو بمثابة النص، وما عدا ذلك لا يجوز الاعتماد على السنة في مقام التشريع إلا إذا تأيدت بآية من القرآن لأنه فيه تبيان كل شئ، وقد نزل بلغة العرب وبأسلوب يفهمه كل عربي، وذلك لأن السنة رواها عن الرسول جماعة يجوز عليهم الخطأ والكذب، وكانوا لا يقبلون مرويات بعضهم أحيانا ويعمل كل واحد منهم بما يوحيه إليه اجتهاده. وقد تراشقوا بأسوء التهم واستحل بعضهم دماء البعض الآخر.
وباختصار فإن القول الفصل عند الشيعة هو القرآن الكريم المبين لكل شئ وما ثبت من البيان (سنة الرسول القولية والفعلية والتقريرية) ثبوتا يقينيا لا يرقى إليه الشك.

اختلاف المنطلقين يؤدي لاختلاف النتائج

1 - انطلق أهل السنة من منطلق مفاده أن الصحابة - كل الصحابة بالمعنيين اللغوي والاصطلاحي بما فيه الأطفال الذين شاهدوا النبي أو شاهدهم النبي - هؤلاء كلهم عدول، لا يجوز عليهم الكذب ولا يجوز عليهم التزوير، فهم جميعا من أهل الجنة، ولا يدخل أحد منهم النار كلهم بلا استثناء بما فيهم الحكم بن العاص طريد رسول الله وطريد صاحبيه، وبما فيهم عبد الله بن أبي سرح الذي افترى على الله الكذب، وبما فيهم معاوية. فكانت النتيجة من جنس المنطلق، فما يقوله الصحابي الذي ثبتت صحبته صحيح لا يأتيه الباطل لأنه من العدول، فإذا تعددت أقوال الصحابة في المسألة الواحدة فالمجتهد حر ليأخذ بقول أي صحابي شاء ولا حرج عليه، ويدع من يشاء ولا حرج عليه (7). فلو قال الحكم بن العاص قولا في مسألة، وقال أبو هريرة قولا آخر في ذات المسألة، وقال حذيفة بن اليمان قولا ثالثا في ذات المسألة، وقال أبو بكر قولا رابعا في ذات المسألة، فالمجتهد مخير ليأخذ بأي قول من هذه الأقوال، لماذا ؟ لأنهم صحابة، وكل الصحابة عدول، ولا يجوز جرحهم أو الطعن فيهم كما يفعل أهل السنة بالرواة من غيرهم.
والأهم من ذلك أن الأحناف والحنابلة قد ذهبوا إلى تخصيص القرآن نفسه بعمل الصحابي وقوله، لأنه - حسب رأيهم - لا يمكن أن يترك الصحابي العمل بعموم النص إلا لدليل، فيكون عمل الصحابي على خلاف عموم النص دليلا على التخصيص وقول الصحابي بمنزلة عمله.
وما يثير الدهشة حقا هو أنهم يقصدون بالصحابي - أي صحابي - على الاطلاق المعنيين اللغوي والاصطلاحي. وهذه مرتبة ترقى بالصحابي إلى درجة العصمة، وتجعل منه مشرعا حقيقيا أو شريكا بالتشريع.
2 - أما أهل الشيعة فالأمر مختلف جدا عندهم من هذه الناحية، فالشيعة يوالون أصحاب محمد الذين أبلوا البلاء الحسن في نصرة الدين، وجاهدوا بأنفسهم وأموالهم. والدعاء الذي تردده الشيعة لأصحاب محمد لهو دليل قاطع على حسن الولاء وإخلاص المودة، وقد جاء فيه: "... وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكاتفوه وأسرعوا إلى قيادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأرواح والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء في تثبيت نبوته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته اللهم ما تركوا لك وفيك وارضهم من رضوانك وبما حاشوا الحق عليك، وكانوا من ذلك لك وإليك، واشكرهم على هجرتهم فيك... " هؤلاء هم أصحاب محمد الذين تعظمهم شيعة آل محمد ويدينون بموالاتهم، ويأخذون تعاليم الإسلام فيما صح وروده عنهم.
والخلاصة: إن الشيعة لا يثبتون العدالة إلا لمن اتصف بها، وكانت فيه تلك الملكة. وأصالة العدالة لكل صحابي لا دليل عليه ولا يمكن إثباته. فالشيعة تناقش أعمال ذوي الشذوذ منهم بحرية فكر وتزن كل واحد منهم بميزان عمله، فلا يوادون من حاد الله ورسوله، ويتبرأون ممن اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله.
والشيعة بهذا لا يخالفون كتاب الله وسنة رسوله وعمل السلف الصالح في تمييز الصحابة ومن هو مصداق هذا الاسم حقيقة. ومن هنا فتحت على الشيعة باب الاتهامات الكاذبة ولأن الشيعة انطلقوا من هذا المنطلق المختلف عن منطلق أهل السنة، فإنهم قد توصلوا لنتائج مختلفة عن النتائج التي توصل لها أهل السنة.

تعدد المرجعيات

في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)، كثيرا ما كانت تختلف الآراء حول المسألة الواحدة وتتعدد، فيسمعها النبي كلها ولا يضيق بها صدره، ثم يبسط حكم الشرع في هذه المسألة سواء أكانت نصا قرآنيا أم سنة محمدية، فيقبل الصادقون هذا الحكم فيوحدهم بعد اختلاف، ويدخلهم حظيرة اليقين بعد شك في هذه المسألة.
وتتكرر الحادثات، وتتكرر أحكام الحلول مما يجعل الخلاف بوجهات النظر وتعدد هذه الوجهات مظهرا من مظاهر إثراء الفكر، ولونا من ألوانه، لماذا ؟ لأن للناس مرجعية واحدة قولها الفصل وحكمها العدل. فوحدة المرجعية هي الأساس الذي تقوم عليه وحدة المجتمع ووحدة العقيدة، فإذا تعددت المرجعيات يقع الخلاف المحظور. والاختلاف والوحدة نقيضان فيضطر الحاكم لمصادرة حق الناس بطرح أفكارهم ليضمن وحدتهم.
ونتيجة نظرية عدالة كل الصحابة تعددت من الناحية العملية المراجع. فكان في المجتمع الإسلامي عشرات الألوف من المراجع، كل مرجع له رأيه وتصوره وفهمه. وبتعدد هذه المراجع انقسمت هذه الأمة إلى شيع وأحزاب، كل شيعة تؤيد مرجعها وتعتقد أنه المصيب والموصل إلى رضوان الله تعالى. ولكن عمليا، وبما أن السلطة الحاكمة خاصة عندما تخرج من إطار الشرعية هي المسيطرة على وسائل الأعلام، فإن بإمكانها أن تسلط الأضواء على المرجع أو تلك المراجع المتحدة وتصورها على أنها وحدها هي الفئة الناجية، وأنها على الحق المبين، فتنشر فتاوى هذه المرجعية وتحيطها بهالة من الإنبهار، وبعملها هذا تدعو الناس بطريقة غير مباشرة للوثوق بهذه المرجعية بغض النظر عن أهلية تلك المرجعية أو عدم أهليتها.
فأبو هريرة صحابي مغمور لم يكن له دور في عهد الخلفاء الراشدين، وكان يخدم الناس مقابل قوت بطنه، ولم تتجاوز صحبته للنبي (صلى الله عليه وآله) سنة وبضعة أشهر، لكن نتيجة لقربه من البلاط الأموي وحظوته فيه تحول إلى مرجعية هائلة، وتحولت أقواله على كثرتها إلى الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وروى من الأحاديث ما ينوف على سبعمائة ضعف ما رواه كبار الصحابة، لماذا ؟ لأن الدولة تبنته ورشحته ليكون مندوبها في مرجعية تستقطب كل المرجعيات.

حكم الشرع في تعدد المرجعيات

ما من دين على الاطلاق إلا وله مرجعية. وما من عقيدة إلا ولها مرجعية.
فمحمد هو المرجعية الوحيدة لدين الإسلام ولعقيدته، فقوله الفصل، وإذا وجدت مرجعية ثانية بأمر الله، فإنها مرتبطة به بالدرجة الأولى بوصفه الأعلم والأفهم بالعقيدة ومرتبطة بالعقيدة.
والديانة اليهودية لها مرجعية واحدة. فموسى (عليه السلام) هو المرجع، وهارون تابع له، وإذا انفرد موسى عن هارون فهو خليفته، فإذا عاد موسى عادت تبعية هارون له.
والديانة المسيحية لها مرجع وهو عيسى (عليه السلام)، والحواريون مرتبطون به ومسخرون لخدمة الدين تحت إمرته. فإذا انتقل محمد وموسى وهارون وعيسى إلى الرفيق الأعلى، فيستتبع بالضرورة وجود مرجعية واحدة لكل عقيدة من هذه العقائد الثلاث معينة من قبل المرجعية الأولى بأمر ربها، وترك الدين والعقيدة بلا مرجعية، تفريط تترفع عنه ملكات الأنبياء، ويتناقض مع كمال الديانات.
وفي الإسلام، فإن مرجعية المسلمين بالنصوص الشرعية القاطعة هم أهل بيت محمد، وبالتحديد عميد هذا البيت الطاهر في كل زمان. أما لماذا أهل بيت النبوة ؟
فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، ومن جهة ثانية فقد أعدهم الرسول إعدادا علميا، وقد احتضنوا الرسول واحتضنوا دعوته. وقد بين لنا الله أنهم هم الأفضل في كل زمان، وتلك من لوازم المرجعية. وكان واضحا بعد وفاة النبي أن مرجعية المسلمين هو عميد أهل بيت النبوة وهو علي بن أبي طالب (عليه السلام). فكل مسلم قد تبلغ بأن عليا هو مولاه ومولى كل مسلم ومسلمة. أنظر إلى قول الفاروق: " هذا مولاي ومولاك ومولى كل مؤمن ومؤمنة ". تلك هي المرجعية الشرعية.
إلغاء المرجعية الشرعية يستتبع بالضرورة إيجاد مرجعية بديلة
تلاحظ أن المرجعية الشرعية في الإسلام قد عطلت بعد موت نبيه، فصار المرجع الرسمي، أو القائم مقام المرجع الشرعي هو الخليفة. ودارت الأيام، فعاد المرجع الشرعي ليقوم بعمله ووظيفة كولي للأمة ومرجع شرعي لها. فقامت الدنيا ولم تقعد إلا بعد أن قتل، وجاء الحسن فأدرك أن الدنيا ما زالت قائمة وأنها لن تقعد إلا بقتله، فترك الأمر، وأحيط بالحسين في كربلاء فقتل وأبيد من حضر معه من أهل بيته الطاهرين، فأصبحت الأمة بغير مرجعية شرعية. وبما أن المرجعية ضرورة من ضرورات وحدة المجتمع، ركز الحاكمون الأمويون ليكونوا هم المرجعية وليقنعوا الأمة أنهم المرجعية الشرعية، ومن الطبيعي أن يكون للكثير من طلاب الدنيا مصلحة بالتعاون معه لتحقيق هذه الغاية.
نظرية عدالة كل الصحابة هي الطريق الفرد لإيجاد المرجعية البديلة
فصلت نظرية عدالة كل الصحابة لغة واصطلاحا بحيث تتسع بالحاكمين الأمويين، ثم أضيفت صفة العدالة على الصحابي - أي صحابي على الاطلاق - وبما أن المرجع الشرعي عادل ولا يجوز عليه الكذب، وبما أن الصحابي عادل ولا يجوز عليه الكذب وهو من أهل الجنة، فمعنى ذلك أن الحاكم الأموي عادل ومؤهل ليكون المرجع الشرعي لأمة محمد، وهذا هو مفتاح سير الأحداث.
لو جاءت النظرية عن طريق غير الحاكمين لفشلت لو نادى بنظرية عدالة كل الصحابة أشخاص عاديون لفشلت تماما. ولكن نادى بها صحابة بتأييد مادي ومعنوي من الحكام، فقد خصصوا جعلا لمن يضع الأحاديث للطعن بالمرجعية الشرعية بعد وفاة النبي، وقربوا القائلين بنظرية عدالة كل الصحابة، وبذلوا لهم المال والجاه، وسخروا كل وسائل إعلام الدولة للترويج لهذه النظرية.
ومن الطبيعي أن لا تخفى هذه الأساليب على ذوي البصيرة من الصحابة الكرام، لكن أياديهم مغلولة، والأمة متفرقة، وقد غلبت على أمرها، فاستنكرها كبار الصحابة بالقول والفعل، لكن هذا الاستنكار كان يموت لحظة ولادته في زوايا البيوت، بينما كان تأييد هذه النظرية يعمم بكل وسائل الإعلام، وبدعم الدولة نفسها. فعمليات التنقيص من ولي الأمة ومرجعها الشرعي ولعنه وشتمه كانت أمورا يومية تمارسها الأمة بقوة السلاح، وعنفا عن إرادتها، ومن يعارض ذلك فمصيره مصير حجر بن عدي، وهو القتل وحرمانه من العطايا الشهرية أو لقمة العيش.
وبنفس الوقت، كانت عملية إيجاد المرجعية البديلة تشق طريقها بريح ملائمة.

المرجعية البديلة أصبحت شرعية

مات جيل الصحابة الكرام، ومات التابعون الصادقون، وماتت المعارضة، واختفت حجة هؤلاء جميعا، ولم يبق منها إلا النزر اليسير. وبقيت كافة المعلومات الضرورية لإضفاء الشرعية على المرجعية المزيفة والبديلة موجودة بكامل تفاصيلها، لأنها جزء من وثائق الدولة المحفوظة، وبالتالي أصبحت شرعية حقيقية من حيث الظاهر بعد أن مات كل الذين يعرفون الحقيقة، وأخفيت حجتهم ومعارضتهم، ولم يبق منها إلا اليسير، فاعتقد اللاحقون أن المرجعية الشرعية التي أمر الله بها وأوجدها هي عينها التي نقلت إليهم عن طريق الدولة من أسلافهم، فأصبحت معارضة هذه النظرية معارضة للدين نفسه لا معارضة للذين أوجدوها، وأصبحت تقليدا لا تقبل المناقشة، ومن يناقشها أو يعارضها أو ينتقص من الذين وضعوها فهو زنديق لا يواكل ولا يشارب... الخ، ولأن الشيعة بزعامة أهل البيت يعارضون ذلك ولا يقبلون به، فمن الطبيعي أن تصب عليهم كل اللعنات وأن يصوروا كأنهم أعداء للدين وكفار مجرمون. وهذا ما استقر بذهن العامة، وبذهن العلماء الذين تخرجوا من جامعات هذه النظرية، ورووا التاريخ من خلالها.

الحل

إنه لا بديل عن الصبر، ولا بديل عن الاقتداء بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد قاومه كل الناس ولم يركع، بل استطاع بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالأساليب الشرعية، وبالحجة القاطعة والبراهين الساطعة أن يهتك حجب التقليد، وأن يزيح عن وجه الحقيقة كل ما علق بها. واقتنع الناس في النهاية، وتلك هي الوسيلة الوحيدة أمام عشاق الحقيقة الشرعية.

في غياب المرجعية الشرعية

انقسم الناس إلى شيع وأحزاب متنافرة متعارضة كل حزب يدعي أنه على الحق، وأن غيره على الباطل، وهم جميعا يعلمون أن الأمة في غياب المرجعية الشرعية ستنقسم إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهم يعلمون أنه لا يوجد إلا حق واحد وهو الذي تسير عليه هذه الفرقة الناجية، والفرقة الناجية هي التي تتبع المرجعية الشرعية، وهذا الانقسام كان واحدا من المبررات التي وجدت من أجلها نظرية عدالة كل الصحابة.

الانقسام الفقهي

في غياب المرجعية الشرعية المخصصة لبيان المقصود الشرعي من النص وتكييف النص على الوقائع انقسم المسلمون إلى عشرات الشيع والأحزاب الفقهية والتي تحمل في ثناياها طابعا سياسيا بالضرورة، وتمركزت هذه الأقسام بخمسة قوى:
1 - مذهب أهل البيت الكرام: وهو أول المذاهب الإسلامية على الاطلاق، وهو مذهب الفئة الناجية كما سنثبت ذلك، وقد أطلق عليه المذهب الجعفري نسبة إلى جعفر الصادق (عليه السلام).
2 - المذهب الحنفي: نسبة إلى أبي حنيفة، وقد أخذ أبو حنيفة عن الإمام جعفر ثم انفرد بمذهب خاص.
3 - المذهب المالكي: نسبة إلى مالك، وقد أخذ عن أبي حنيفة وانفرد بمذهبه أيضا.
4 - المذهب الشافعي: نسبة إلى الشافعي، وقد أخذ عن مالك وانفرد بمذهبه كذلك.
5 - المذهب الحنبلي: نسبة إلى أحمد، وقد أخذ عن الشافعي وانفرد بمذهبه.
وأنت تلاحظ أن الإمام جعفر الصادق هو أستاذ أصحاب المذاهب الأربعة، وهم يفخرون بذلك. بينما يعتبر العوام أن أتباع المذهب الجعفري على الضلال، وأن العوام على الصواب.

جذور مطاردة أهل البيت

تمت مطاردة أهل البيت الطاهرين طوال التاريخ السياسي الإسلامي لغايات:
1 - إصرار المطاردين - بكسر حرف الراء - على إجبار أهل البيت للتخلي عن خصوصيتهم التي خصهم الله بها من دون المسلمين.
2 - وبنفس الوقت تأويل هذه الخصوصية وإخراجها عن معانيها ووظائفها.
3 - إيجاد خصوصيات وضعية منافسة للخصوصية الإلهية لسلب معاني ووظائف خصوصية أهل البيت.
4 - نظرية عدالة كل الصحابة جاءت كخصوصية وضعية أريد منها أن تقوم بسلب خصوصية أهل البيت الكرام.
5 - ولو أن أهل البيت الكرام عطلوا خصوصيتهم وقبلوا الأمر الواقع فإنهم لن يتركوا وهم بحالة مطاردة مستمرة. لماذا ؟
6 - لأن السلطة فاتنة جميلة تزوجها الحكام بالإكراه وسلبوها من زوجها الشرعي، فملكوا الجسد، أما قلب الزوجة وروحها، فمع زوجها الشرعي تحلم بهذا الزوج علنا وهي بقبضة الحكام، فشبت في قلوب الحكام طوال التاريخ غيرة مجنونة، وقادتهم هذه الغيرة إلى أفاعيل مخزية.

خصوصية القرابة الطاهرة

البطن الهاشمي خير بطون الناس عامة، وخير بطون العرب خاصة بالنص الشرعي. وبيت عبد المطلب هو أيضا خير بيوت الناس عامة، وخير بيوت العرب خاصة، وبالنص الشرعي أيضا وهو هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب.
وآل محمد هم أفضل الآل، وقد افترض الله مودتهم بالكتاب، وجعل الصلاة عليهم ركنا من أركان الصلاة، وهذا معنى قول الشافعي:
يا أهل بيت نبي الله حبكم * فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم الفخر أنكم * من لم يصل عليكم لا صلاة له
وأهل بيت محمد هم دسمة هذه الأمة، وهم الشجرة التي يتداوى بها، وهم العترة (وعترة الرجل هم نسله ورهطه الأقربون) (8).
وقد طهر الله أهل بيت نبيه وأذهب عنهم الرجس - وآية التطهير لا تخفى على أي مسلم - وبفضله تعالى وجهادهم في سبيل الله تقدموا على ما سواهم، فهم المرجعية الشرعية للمسلمين وللدين، ومنهم القيادة السياسية، وهذا مجد لا يضاهيه مجد، وشرف يقصر عنه كل شرف، وخصوصية لآل محمد.

ما هي الغاية من هذه الخصوصية ؟

الغاية الشرعية من خصوصية القرابة حقيقة أنه تشريف، ولكنها بجوهرها تكليف لها معنى ولها وظائف فمعناها: أنها نقطة ارتكاز للمسلمين، فبهم تكتمل الدائرة ويتحدد مركزها، فيستقطبون الأمة كلما تفرقت، فتقدم لهم الحل بالتأشير على نقطة الارتكاز الإلهية، فلا يذهب المسلمون لا للشرق ولا للغرب، ولا للشمال ولا للجنوب، إنما يذهبون للقرابة الطاهرة، ويتجمعون حولها فتجمعهم، وهي بنفس الوقت مرجعية للدين، ومرجعية للمسلمين، فتبين الدين للمسلمين ولغير المسلمين، وتسمع من المسلمين ثم تقدم الفهم الأمثل لهذا الدين والموافق تماما للمقصود الإلهي.

وظائف القرابة الطاهرة

1 - نقطة ارتكاز واستقطاب.
2 - مرجعية للدين لبيانه للناس عامة وللمسلمين خاصة.
3 - ثقل أصغر، والقرآن هو الثقل الأكبر، والعترة هم الثقل الأصغر، والهداية لا تدرك إلا بالثقلين، والضلالة لا يمكن تجنبها إلا بالتمسك بهذين الثقلين معا.
فلو تمسكت الأمة بالقرآن الكريم وحده وتركت العترة الطاهرة فستضل حتما.
لماذا ؟ لأن القرآن هو الدواء، والعترة هي الطبيب، والطب عملية اختصاصية. (9)
4 - قيادة سياسية للأمة. فعندما تكون القيادة السياسية بعترة محمد تطيب نفوسهم جميعا بها لأنها الحل الجذري الذي يقطع دابر الخلاف، ويجلب الاستقرار، ويميت الطمع والتنافس عليها. وقد تكفل الشرع الحنيف ببيان لمن منهم تكون هذه القيادة، وكيف تنتقل.
لماذا أعطيت القرابة الطاهرة هذه الخصوصية ؟
لماذا اختار الله محمدا للرسالة ولم يختر أبا سفيان ؟ هذا فضل الله يؤتيه من يشاء. لماذا فضل الله بعض النبيين على بعض ؟ هذا فضل الله. لماذا اختار محمدا من بني هاشم ولم يختره من بني عدي أو بني تيم أو بني أمية ؟ هو الذي بيده الفضل يؤتي فضله من يشاء. ولكن باستقرائنا العميق لتاريخ الإسلام يمكن أن نجد بعض التعليلات لهذا الاختيار.

تعليلات

1 - لقد بين الله سبحانه وتعالى أن قرابة محمد هم خير الناس وأفضلهم، ومن مصلحة العباد أن يقودهم الأفضل والأحسن. وقد وثقنا هذه الناحية قبل قليل.
2 - الانذار الصادر عن بني هاشم والموجه لبطون قريش كلها عندما همت بقتل محمد، إذ أنذرهم أبو طالب قائلا: والله لو قتلتموه ما أبقيت منكم أحدا حتى نتفانى وإياكم. وأثبت لهم أنه قد هم بقتل زعماء قريش عند ما أشيع بأن محمدا قد قتل.
3 - إن كل بطون قريش قررت مقاطعة بني هاشم، وكتبوا كتابا بأن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم. وتم حصر الهاشميين في شعاب أبي طالب ثلاث سنوات، وانحاز بنو عبد المطلب بن عبد مناف إلى أبي طالب في شعبه.
وقطعت عنهم قريش الميرة والمادة، فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم، وسمعت أصوات صبيانهم من وراء الشعب، ولقريش مطلب واحد وهو أن يسلم الهاشميون محمدا لقريش لقتله، أو يخلي الهاشميون بين قريش وبين محمد. ولكن الهاشميين أبوا ذلك، ودافعوا عن محمد بأرواحهم وأموالهم وأولادهم واستقرارهم.
4 - لما فشل الحصار، وخوفا من القرابة الطاهرة اضطرت قبائل قريش أن تختار من كل قبيلة رجلا تعبيرا عن اشتراكها بقتل محمد يضيع دمه بين القبائل ولا يقوى الهاشميون على المطالبة بدمه، وتحرك مندوبو القبائل فعلا ليقتلوا النبي، ولكن الله نجاه.
5 - والقرابة الطاهرة في الجاهلية هي ناصية قريش ولا تقطع الأمور دون مشورتهم.
6 - وهم وسيلة النجاة بالنص الشرعي، وهم الأمان بالنص الشرعي لهذه الأسباب مجتمعة ومنفردة بالإضافة إلى الفضل الإلهي أعطيت القرابة الطاهرة هذه الخصوصية بالإضافة إلى الإعداد الرباني لعمدائهم من الناحية العملية والتربوية.
تحولت هذه الخصوصية إلى حجة سياسية طوال التاريخقال أبو بكر الصديق مخاطبا الأنصار: الناس تبع لنا، ونحن عشيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وقال عمر الفاروق مخاطبا الأنصار: إنه والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم. لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة (10).
قال بشير بن سعد مخاطبا الأنصار ومعقبا على قول الفاروق والصديق: " إن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل من قريش، وقومه أحق بميراثه وتولي سلطانه، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدا، فاتقوا الله ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم " (11).
فسلم الأنصار وقالوا: لا نبايع إلا عليا، وعلي غائب مشغول وأهل البيت بمصابهم. وبايعت الأكثرية الحاضرة في سقيفة بني ساعدة أبا بكر الصديق وخرج كخليفة، وخرج عمر كنائب للخليفة، وخرج أبو عبيدة كنائب ثان للخليفة، وخرج الذين بايعوه كجيش للخليفة.
فوجئ الإمام علي بما جرى، وطلب منه نائب الخليفة وولي عهده عمر بن الخطاب أن يبايع أبا بكر كخليفة للمسلمين، فقال علي مخاطبا أبا بكر وعمر: " إنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي، وتأخذونه منا أهل البيت غصبا ؟ ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم، فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الأمارة. وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار. نحن أولى برسول الله حيا وميتا، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون ".
فقال له عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع. فقال له علي: احلب حلبا له شطره، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غدا. الله الله يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به، لأنا أهل البيت ونحن أحق بهذا الأمر ما كان فينا القارئ لكتاب الله الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، المدافع عنهم الأمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية. والله إنه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعدا. فقال بشير بن سعد الأنصاري: لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان.
ولما ماتت فاطمة (عليها السلام) أرسل علي إلى أبي بكر أن أقبل إلينا، فأقبل أبو بكر حتى دخل على علي وعنده بنو هاشم. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال، أما بعد يا أبا بكر، فإنه لم يمنعنا أن نبايعك إنكارا لفضيلتك ولا نفاسة عليك، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا، فاستبددت به علينا، ثم ذكر قرابته من رسول الله، فلم يزل يذكر حتى بكى أبو بكر. فقال أبو بكر: لقرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي.
أتى المغيرة بن شعبة فقال: الرأي يا أبا بكر أن تلقوا العباس فتجعلوا له في هذه الإمرة نصيبا، وتكون لكما الحجة على علي وبني هاشم. فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة والمغيرة إلى العباس. ومما قاله أبو بكر للعباس:... وقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا... إلى أن قال: على رسلكم يا بني عبد المطلب، فإن رسول الله منا ومنكم. فأجابه العباس على كل النقاط التي أثارها إلى أن قال: وأما قولك إن رسول الله منا ومنكم، فإنه قد كان من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها (12).
وقد آلت الأمور إلى الفاروق، لأن أبا بكر أوصى له، ولأنه من قريش عشيرة النبي، ثم آلت إلى عثمان لنفس الأسباب، فقد أوصى له عمر عمليا، ولأنه أيضا من قريش. وآلت الأمور إلى علي لأنه الولي، ولأن الناس بايعوه، كذلك الحسن (عليه السلام)، وعندما غصب معاوية الأمر بالقوة كان من مبررات حكمه أنه من قريش ومن أقارب النبي، فهاشم وعبد شمس إخوة، فسنده الظاهري القربى والغصب، وهكذا سند الحكم الأموي كله، وجاء بنو العباس وقد تسلحوا بالقرابة وضربوا على وتر الآلام التي لحقت بأهل البيت كمقتل الأئمة علي والحسن والحسين والذرية الطاهرة، ثم تسلموا بالقوة فغلبوا وحكموا.
فالحكم من بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) وحتى سقوط آخر خلفاء بني العباس قام في جانب منه على قاعدة أن الأئمة من قريش، وقريش هي قرابة النبي، وأنت تلاحظ أن القرابة من النبي يحرم منها أهل البيت، ويستفيد منها الأبعدون.

معاملة الحكام للقرابة الطاهرة من الناحية السياسية

مشى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في جماعة وأخرجوا عليا غير عابئين ببكاء فاطمة الزهراء وجاء به إلى أبي بكر فقالوا له: بايع. فقال علي: إن لم أفعل فمه ؟ قالوا: إذا نضرب عنقك. قال علي: تقتلون عبد الله وأخا رسوله ؟ فقال عمر للخليفة أبي بكر: ألا تأمر فيه بأمرك ؟ فقال أبو بكر: لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جانبه. فلحق بقبر رسول الله يصيح ويبكي وينادي: " يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني "، ونادت فاطمة بأعلى صوتها: يا أبت، يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من الخطاب وابن أبي قحافة.
وتخلف قوم عن بيعة أبي بكر، وكانوا في بيت علي، فبعث أبو بكر إليهم عمر فناداهم وهم في دار علي فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقن الدار على من فيها، فقيل: يا أبا حفص، إن فيها فاطمة، فقال: وإن (13).
وخرجوا ولم يحرق الفاروق بيت فاطمة، وماتت فاطمة ودفنت ليلا، لأنها أوصت أن لا يصلي عليها أبو بكر. وبعد موتها بايع علي أبا بكر وأوصى أبو بكر لعمر، وخلال حياتهما كانا يقدمان أهل البيت عند توزيع العطايا. فقد بدأ عمر بمحمد وآله، ثم أبو بكر وآله، ثم عمر وآله، كما يروي البلاذري في فتوح البلدان، وكانا يستشيران الإمام علي ويرجعان إليه (14).
وعصر أبي بكر وعمر في جانب من جوانبه عصر ذهبي لأهل البيت.
وجاء الأمويون فحاربوا عليا، وسموا الحسن، وقتلوا الحسين، وأبادوا إبادة كاملة من حضر معه من أهل البيت، ومنعوهم من أن يشربوا من ماء الفرات، وتاريخ الأشراف للبلاذري يروي هذه المحنة، وصبوا كل غضبهم على من يحب أهل بيت محمد، وبعد أن استولى معاوية على الحكم كتب إلى جميع عماله في جميع الآفاق بأن يلعنوا عليا في صلواتهم وعلى منابرهم كما يقول العقاد في ميزانه ص 16.
ولم يقف الأمر عند ذلك، بل كانت مجالس الوعاظ في الشام تختم بشتم علي، كما يروي ابن عساكر (ج 3 ص 407)، وبالتالي، فلم يجيزوا لأحد من شيعته وأهل بيته شهادة، ومحوا من الديوان كل من يظهر حبه لعلي وأولاده، وأن يسقطوا عطاءه ورزقه.
وجاء بعدهم العباسيون. يقول أبو بكر الخوارزمي: " والجملة أن هارون مات وقد حصد شجرة النبوة واقتلع غرس الإمامة ".
ثم ها هو المنصور في ثورة غضبه يقول وقد عزم على قتل الإمام جعفر الصادق: قتلت من ذرية فاطمة ألفا أو يزيدون، وتركت سيدهم ومولاهم جعفر بن محمد. ثم قال مشافهة للإمام الصادق: لأقتلنك ولأقتلن أهلك حتى لا أبقي على الأرض منك قامة سيف، ولأضربن المدينة حتى لا أترك فيها جدارا قائما.
ويقول الطبري في تاريخه: إن المنصور هذا ترك خزانة رؤوس ميراثا لولده المهدي كلها من العلويين، وقد علق بكل رأس ورقة كتب فيها ما يستدل به على صاحبه، ومن بينها رؤوس شيوخ وشبان وأطفال (15). والمنصور هو الذي كان يضع العلويين في الإسطوانات ويسمرهم في الحيطان، كما ذكر اليعقوبي في تاريخه، ويتركهم يموتون في المطبق جوعا، وتقتلهم الروائح الكريهة، حتى لم يكن لهم مكان يخرجون إليه لإزالة الضرورة. وكان يموت أحدهم ويترك حتى يبلى من غير دفن ثم يهدم المطبق على من تبقى منهم أحياء وهم في أغلالهم.
وأما الرشيد فقد أقسم على استئصالهم وكل من تشيع لهم، واشتهر عنه قوله:
حتام أصبر على آل بني أبي طالب والله لأقتلنهم ولأقتلن شيعتهم ولأملقن ولأملغن ، وكان شديد الوطأة على العلويين يتبع خطواتهم ويقتلهم.
كتب المنصور يوما إلى الإمام الصادق (عليه السلام): لم لا تغشاني كما تغشاني الناس ؟ فأجابه الصادق: ليس لنا ما نخافك من أجله، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنيك، ولا تراها نقمة فنعزيك، فما نصنع عندك ؟ " فكتب المنصور إليه، تصحبنا لتنصحنا. فأجابه الإمام من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك (16).

نوعا القرابة

1 - القرابة القريبة لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم فاطمة وعلي وحسن وحسين ونسلهم لاحقتهم خصوصية القرابة وجرت عليه كل الويلات والمآسي، وتلك مكافأة على موقف أبي طالب نحو الإسلام ونبي الإسلام وعلى موقف علي في حروب الإسلام مع أعدائه، فعليهم الغرم كله والغنم لسواهم.
2 - القرابة البعيدة من رسول الله، فقد حكموا لأنهم من عائلة النبي (قريش) فأخذوا الغنم كله وخصوا القرابة القريبة بالغرم كله.

عزل العترة الطاهرة

النتيجة المنطقية أن عزل الإمام بعد وفاة فاطمة، وتجلت رغبة عزل الإمام عن بني هاشم بمحاولة اجتذاب العباس إلى السلطة وإغرائه ببعض الأمر له ولعقبه. لكن العباس رفض ذلك رفضا قاطعا، ورد ردا حاسما على السلطة الراشدة. ومع الأيام عزلت القرابة القريبة الطاهرة عن بني هاشم وعن آل البيت وعن الناس لأنه وبالمعيار الموضوعي فإذا قدر للشخص العادي أن يختار بين السلطة وبين خصومها فإنه سيختار جانب السلطة لأنها هي الجانب القوي المالك لزمام الأمور. فكانت أغلبية الأمة مع الحكام. وأقليتها مع أهل البيت، أو كما عبر الشاعر: القلوب مع أهل البيت والسيوف عليهم ومع أعدائهم. فعمرو بن سعد بن أبي وقاص الذي قاد جيش الخليفة ضد الحسين وأهل البيت في كربلاء صلى الصبح وقال: اللهم صل على محمد وآل محمد وبعد أن أنهى الصلاة قام بقتل الموجودين من أهل بيت محمد، ولم يكتف بقتلهم بل قطع رؤوسهم كلهم، كما يجمع على ذلك ثقات المؤرخين، وسلبوا أهل البيت حتى لباسهم وهم أموات. وتحركت الخيول فوطئت جثة الحسين وجثث من معه من أهل البيت تقربا إلى ابن زياد وإلى يزيد بن معاوية. ولله في خلقه شؤون.
وتلك ثمرة من ثمرات المقولة " لا ينبغي أن يجمع الهاشميون النبوة مع الملك ".

تأويل الخصوصية

ما ثبته الله لن يهزه البشر، وما وضعه الخالق لن يغيره المخلوق، أدرك الحكام أن خصوصية أهل البيت لن تتغير مهما فعلوا بهم. فالصلاة عليهم مفروضة وطهارتهم واردة في القرآن الكريم، وولايتهم على الأمة ثابتة، والنصوص بفضلهم آخذة بالأعناق. وحتى لو تم إبادة أهل البيت إبادة تامة فإن هذه الخصوصية ستبقى شبحا يلاحق الحكام ليلا نهارا. ومن هنا لا بديل عن تأويل هذه الخصوصية.
المصادر :
1- تاريخ محمد عبده ج 2 ص 347 راجع شيخ المضيرة للشيخ محمود أبو رية ص 201 - 202.
2- آراء علماء المسلمين في التقية والصحابة وصيانة القرآن الكريم للسيد مرتضى الرضوي ص 86.
3- آراء علماء المسلمين في التقية والصحابة وصيانة القرآن الكريم ص 92 / أضواء على السنة المحمدية ص 341 - 344 و ص 89.
4- صحيح الترمذي ج 5 ص 328 ونظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص 232 .
5- أبا حنيفة لأبي زهرة ص 304 والإمام زيد ص 418 وراجع آراء علماء المسلمين ص 87 - و 88 للسيد مرتضى الرضوي.
6- المدخل إلى علم أصول الفقه لمعروف الدواليبي ص 217 / كتاب السيد مرتضى الرضوي ص 88.
7- تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور محمد يوسف موسى عن كتاب الأمة للشافعي ص 228 / كتاب السيد مرتضى الرضوي ص 88/ أبا حنيفة لأبي زهرة ص 304.
8- مختارات الصحاح ص 31 و 185 و 70 و ص 410،/ المعجم الوسيط ص 21 ج 1 و ص 588 ج 2.
9- ج 1 ص 44 من كنز العمال، وأخرجه الإمام أحمد من حديث زيد بطريقين صحيحين في أول ص 182 وفي آخر ص 189 ج 5 من مسنده، وأخرجه أيضا عن ابن أبي شيبة وأبو يعلى، وابن سعد عن أبي سعيد، وراجع الحديث 945 ج 1 ص 47، من كنز العمال، وأخرجه الحاكم في مستدركه ج 3 ص 148 .
10- الإمامة والسياسة لابن قتيبة ص 84.
11- تاريخ الطبري ج 3 ص 197 - 198.
12- الإمامة والسياسة ص 14 - 16.
13- الإمامة والسياسة لابن قتيبة ص 12، والعقد الفريد لابن عبد ربه المالكي ج 4 ص 259 و 260، وشرح النهج لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد ج 1 ص 134 و ج 2 ص 19، وراجع تاريخ الطبري ج 3 ص 202، وراجع أنساب الأشراف للبلاذري ج 1 ص 586، وملحق المراجعات تحقيق حسين راضي ص 261.
14- الإستيعاب بهامش الإصابة ج 3 ص 39. وذخائر العقبى ص 81 و 82، وتذكرة الخواص للجوزي الحنفي ص 144 - 148، وكفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 192، والمناقب للخوارزمي ص 38.. الخ.
15- مناقب ابن شهر آشوب ج 3 ص 357، والبحار ج 47 ص 178.
16- العقد الفريد ج 2 ص 80 وراجع كشف الغمة في أموال الصادق لابن حمدون ج 2 ص 208 .

 


source : راسخون
  70
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

الخلافه و نظام الحکم
شهادة الإمام علي زين العابدين عليه السلام
نبذ من غريب كلام الإمام علي عليه السلام وشرحه لإبن ...
قوله ( ص ) أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة :
حرمات الله
أين يقع غدير خُمّ؟
في العقبات على طريق المحشر
انطباعات عن شخصية الإمام محمّد الباقر
مفاتيح لعلم البلاغة لنفتح ماإنغلق من نهج البلاغة – ...
دعاء الإمام السجاد (ع)عند ختم القرآن

 
user comment