عربي
Tuesday 1st of December 2020
  372
  0
  0

وظيفة علم المنطق‏

وظيفة علم المنطق‏
يؤمن المنطق العقلي الأرسطي بوجود تصوّرات وتصديقات أوّليّة ضروريّة ، وهو يبحث في هذه التصوّرات والتصديقات المعلومة من حيث إيصالها إلى تصوّرات وتصديقات مجهولة . ولهذا قيل في الكتب المعروفة الموضوعة في علم المنطق : إنّ موضوع هذا العلم هو التصوّر والتصديق من حيث إيصالهما إلى مطالب اُخرى تصوّريّة وتصديقيّة(1) .
ومن خلال موضوع علم المنطق ، يمكن اقتباس وظيفة هذا العلم ، وهي - بناءً على تحديد الموضوع - التوصّل من تصوّر وتصديق معلومين إلى تصوّر وتصديق مجهولين . ويبيّن لنا علم المنطق كيفيّة الانتقال من معرفة إلى معرفة اُخرى ، أو كيفيّة تولّد معرفة من معرفة اُخرى ، وكيف يتسلسل التفكير لدى الإنسان وينتهي من مقدّمات معيّنة إلى نتائج ، ثمّ يجعل هذه النتائج مقدّمات لينتقل منها إلى نتائج اُخرى ، وهكذا ...
وعندما كان المنطق العقلي بصدد البحث في كيفيّة تولّد الفكر من الفكر وتولّد المجهول من المعلوم ، آمن بطريقة واحدة في توالد المعرفة ، وهي التي يمكننا أن نسمّيها : ( الطريقة الموضوعيّة في التوالد ) ، وذلك في قبال ( الطريقة الذاتيّة ) التي سنتحدّث عنها .
والطريقة الموضوعيّة للتوالد هي الطريقة التي لاحظها المنطق القديم في كلّ بحوثه ؛ فإنّه بحث في التصوّرات والتصديقات من حيث إيصالها إلى تصوّرات وتصديقات اُخرى وتوليدها لها على أساس هذه الطريقة .
ونقصد بالطريقة الموضوعيّة في تولّد معرفة من معرفة اُخرى التولّد الناتج عن الارتباط بين متعلّق الفكرة الاُمّ وبين متعلّق الفكرة البنت ، أي بين متعلّق الفكرة ( السبب ) وبين متعلّق الفكرة ( المسبّب ) . وهذان المتعلّقان نصطلح على كلّ منهما بـ ( موضوع المعرفة ) . فالمقصود إذن أنّ بين موضوعي المعرفتين ارتباطاً ولزوماً ، وهذا الارتباط واللزوم ينعكس على المعرفتين نفسيهما ، فيتولّد من المعرفة الاُولى معرفةٌ ثانية .
في الشكل الأوّل من القياس هناك لزوم حتمي واقعي بين صدق الكبرى والصغرى وبين صدق النتيجة ، وهذا اللزوم والربط الواقعي بين الأمرين ثابتٌ على كلّ حال ، مع قطع النظر عن أيّ مفكّر أو عاقل ، فحتّى لو لم يكن هناك مفكّر لكان هذا اللزوم الواقعي المنطقي ثابتاً في نفس الأمر والواقع . وهذا الربط الواقعي الذاتي واللزومي بين الأمرين انعكس على الفكر ، فأصبحت معرفتنا بالصغرى ومعرفتنا بالكبرى سبباً في اقتضائها لمعرفة اُخرى ، وهي النتيجة ، فيكون تولّد النتيجة من الكبرى والصغرى ناشئاً من التوالد والارتباط بين الاُمور الواقعيّة بما هي واقعيّة ، ومع قطع النظر عن الفكر والتصوّر كما قلنا . وحيث إنّ الارتباط قائمٌ بين موضوعات الأفكار والاُمور الواقعيّة التي نفكّر بها ، أسمينا طريقة التفكير هذه : ( الطريقة الموضوعيّة ) .
وبهذا البيان يظهر أنّ علم المنطق العقلي بحسب الحقيقة لا يبحث عن التصوّر والتصديق من حيث إيصالهما إلى مجهول تصوّري أو تصديقي كما هو المتعارف أن يُعبَّر عنه ، وإنّما يبحث في الاُمور الواقعّية نفس الأمريّة التي هي في ثبوتها في الواقع غير محتاجة إلى المفكّر والعاقل والمدرك .
لكنّ السؤال المطروح هو : أنّ علم المنطق حول أيٍّ من هذه الاُمور الواقعيّة يبحث ؟ ! والجواب : إنّه يبحث حول الاُمور الواقعيّة التي هي قوانين عامّة لها دخل في توليد الأفكار من الأفكار .
ومن هنا نخلص إلى أنّ علم المنطق يبحث حول اُمور واقعيّة هي عبارة عن موضوعات المعرفة ، من حيث دورها في توليد الأفكار من الأفكار ، أو قل : المعرفة من المعرفة .
ففي قولنا : « الشي‌ء الشامل لشي‌ء يشمل كلّ ما يشمله ذلك الشي » ، نحن نعرف أنّ الحدّ الأوسط ثابتٌ للحدّ الأصغر في المقدّمة الصغرى ، كما نعرف أنّ الحدّ الأكبر ثابتٌ للأوسط في المقدّمة الكبرى ، فنعرف أنّ الأكبر ثابت للأصغر في النتيجة . ومردُّ ذلك إلى هذه الحقيقة الثابتة الأزليّة ، وهي أنّ الشي‌ء الشامل لشي‌ء شاملٌ لما يشمله ذلك الآخر ، وهذا أمرٌ واقعي ثابت بقطع النظر عن وجدان أيّ عاقل أو مفكّر أو متصوّر ، وهو يلعب دور توليد الأفكار غير الموجودة من خلال الأفكار الموجودة . فعلم المنطق إذن يمارس هذه الاُمور الواقعيّة .

إشكال المحدثين على علم المنطق‌

وهناك إشكالٌ يثيره العلماء المحدثون حول علم المنطق ، وهو يرد على منطقنا الذاتي أيضاً ، إلّاأنّ طبيعة الجواب عنه على ضوء منطقنا تختلف عن طبيعة الجواب على ضوء المنطق العقلي ، ولكنّ هذا الإشكال يندفع بالبيان الذي قدّمناه .
وحاصل الإشكال : أنّ علم المنطق يمارس الموضوع الذي يمارسه علم النفس ، فهو ليس علماً مستقلّاً ، بل هو فرع وشعبة من شعب علم النفس ؛ لأنّ علم النفس يبحث عن النفس البشريّة وظواهرها وخصوصيّاتها ، وذلك : إمّا بالطريقة القديمة ، وإمّا بالطريقة الحديثة القائمة على أساس التجربة والملاحظة . فعلم المنطق إذن يتطفّل على علم النفس ؛ لأنّه يبحث عن قوانين الفكر البشري وكيفيّة تسلسلها ونشوئها من الأفكار الاُخرى عند الإنسان ، والفكر ظاهرة من ظواهر النفس البشريّة ، ولهذا لا ينبغي أن يكون علم المنطق علماً قائماً برأسه ، بل حقّه أن يكون فرعاً من فروع علم النفس ؛ لأنّه يتناول ظاهرة من ظواهر هذه النفس - وهي التفكير - ويجعلها موضوعاً لدراسته .
وهذا الإشكال الموجّه إلى علم المنطق معروف في أوساط الاتّجاهات الحديثة .
الجواب عن إشكال المحدثين على ضوء المنطق العقلي‌:
لقد اُجيب عن الإشكال المتقدّم بأنّ علم المنطق موضوعه هو التفكير الصحيح ، وأنّ هذا العلم إنّما يسعى لتنظيم التفكير لدى الإنسان ليجعله صحيحاً .
ولكنّ الصحيح في مقام الجواب عن هذا الإشكال يظهر ممّا بيّنّاه : فإنّ علم المنطق العقلي لا يبحث عن الفكر وخواصّه ، وإنّما يبحث عن اُمور واقعيّة ذاتيّة أزليّة أبديّة ، تدخل في عمليّة توليد الفكر للفكر . فهو يبحث عن تلك الاُمور الواقعيّة الأجنبيّة عن الفكر وخواصّه ، والثابتة على أيّة حال ، سواءٌ وجد إنسان أم لم يوجد . وليس موضوع علم المنطق هو الفكر حتّى يقال : إنّ موضوعه متّحد مع موضوع علم النفس ، فينبغي للمناطقة أن يوكلوه إلى علماء النفس ليقرّروا مشاكله ، باعتبار أ نّهم - أي المناطقة - غير أخصّائيّين في هذا العلم .. فإنّ المنطق العقلي - كما قلنا - لا يبحث أصلاً عن الفكر ، وإنّما يبحث عن تلك الاُمور الواقعيّة من حيث دخالتها في عمليّة توليد الفكر للفكر ، فأيُّ ربط لعلم المنطق بعلم النفس ؟ !

طريقتان لتوالد المعرفة البشريّة : موضوعيّة وذاتيّة:

كنّا بصدد الحديث عن المنطق العقلي الذي يتناول الاُمور الواقعيّة الأزليّة التي لها دخل في عمليّة توالد الأفكار من الأفكار ، وطريقة التوالد الملحوظة في هذا المنطق هي طريقة التوالد الموضوعي ، أي التوالد الناشئ من الارتباط بين المتعلّقات . وهذه الطريقة هي التي كانت معتمدة عند المنطق العقلي القديم ، ولكنّها لا تفي بأداء رسالة علم المنطق بشكل كامل وتفسير المعرفة البشريّة .
وما نريد بيانه في الأبحاث الآتية هو أنّ هناك طريقتين لتوالد المعرفة :
إحداهما : الطريقة الموضوعيّة .
والثانية : الطريقة الذاتيّة .
وبيان ذلك : أنّ الفكرة تارةً تتولّد من فكرة اُخرى على أساس الارتباط اللزومي بين موضوعي الفكرتين ، واُخرى‌ على أساس التلازم والعلّيّة والسببيّة بين نفس الفكرتين‌(2) .
ووظيفتنا المنطقيّة تختلف بين هاتين الحالتين : ففي باب التوالد الموضوعي - حيث تتولّد الفكرة من فكرة اُخرى باعتبار الربط بين موضوعيهما واللزوم بينهما - يجب البحث حول تلك الاُمور الواقعيّة الأزليّة التي هي ملاك الربط بين نفس الأفكار الثابتة ، سواءٌ وجد مفكّر أم لم يوجد ، فنبحث عنها على‌غرار بحث المتقدّمين الذين أسّسوا لهذا الغرض علمَ المنطق .
وأمّا في طريقة التوالد الذاتي ، فيجب أن لا نبحث عن شي‌ء خارج عن نطاق فكر الإنسان ؛ فإنّ موضوع بحثنا هو نفس فكر الإنسان ، وليس من وظيفتنا أن نتساءل عن السبب الخارجي الذي أدّى بهذه الفكرة إلى أن ولّدت تلك الفكرة ، بل وظيفتنا أن نتساءل عن السبب الداخلي لذلك ، فنبحث عن العلّيّة في الداخل لا في الخارج .
في المنطق العقلي كنّا نبحث عن الصغرى وعن الكبرى في الخارج ، وكنّا نبحث عن سبب تولّد العلم بالنتيجة من خلال الصغرى والكبرى . وفي هذه الأجواء يكون تولّد العلم بالنتيجة على أساس بديهي من البديهيات ، والأمر البديهي أمرٌ واقعي ثابت في نفس الأمر والواقع ، مع قطع النظر عن وجود أيّ فكر إنساني ، وهذا البديهي مفاده أنّ « الشي‌ء الشامل لشي‌ءٍ شاملٌ لما يشمله ذلك الشي‌ء الآخر » .
أمّا في المنطق الذاتي ، فعندما تتولّد فكرة من فكرة اُخرى بلا ربط لزومي بين موضوعيهما ، لا نبحث عن سرّ هذه السببيّة خارج نطاق الفكر البشري ، وإنّما نبحث عنها داخل هذا النطاق ؛ أي أ نّنا نبحث عن امتياز هذه الفكرة التي ولّدت تلك ، وعن السبب الذي يقف وراء توليدها هي بالذات لها دون غيرها من الأفكار ، فنقف على الخصوصيّات الذاتيّة لنفس الفكرة ، لا الاُمور الواقعيّة خارج نطاق الفكر والمفكّر . ومن هنا نسمّي هذا المنطق : ( المنطق الذاتي ) ؛ لأنّه المنطق الذي يكشف قوانين علّيّة الأفكار بعضها لبعض .
ومن هنا يظهر بأنّ المنطق الذاتي يختلف موضوعاً عن المنطق العقلي : فإنّ موضوع الأخير هو نفس الأمر والواقع كما ذكرنا ، بينما موضوع المنطق الذاتي بحسب الحقيقة هو الفكر البشري بما هو هو ، فنبحث عن العلّيّة والسببيّة ـ بوصفهما عرضاً ذاتيّاً لنفس الفكر ، حيث تكون الفكرة بما هي فكرة علّة لفكرة اُخرى .
إذن : موضوع علم المنطق الذاتي هو الفكر البشري ، وغرض هذا المنطق بيان قوانين التوالد الذاتي لفكرة من فكرة اُخرى .

عودة إلى إشكال المحدثين والجواب عنه على ضوء المنطق الذاتي‌ :

ولو أنّ المحدثين وجّهوا الإشكال السابق إلى منطقنا الذاتي لكان أولى من توجيهه إلى المنطق العقلي ؛ فإنّ باستطاعتهم أن يقولوا لنا : إنّ المنطق الذاتي بحسب الحقيقة هو فرع من فروع علم النفس ؛ لأنّه يبحث في الفكر ، والفكر هو أحد الظواهر التي يدرسها علم النفس ، ومن هنا كان من الأفضل أن تسمّوا هذا البحث : ( علم النفس ) لا ( علم المنطق ) .
وجوابنا عن هذا الإشكال يتّضح من خلال التمييز بين المنطق الذاتي وبين الدراسات المتعارفة في علم النفس والتي تتناول الفكر البشري ، وإن كان من الممكن اعتبار المنطق الذاتي فرعاً من فروع علم النفس باعتبار آخر كما سوف نوضّح الآن . وفي مقام التمييز بينهما نقول : إنّ الإنسان في تفكيره يتأثّر بعدّة عوامل ومؤثّرات ، أحدها العقل . وهناك مؤثّرات اُخرى تساهم مع العقل في تحديد سير التفكير وخطواته ، من قبيل العاطفة بمختلف أقسامها ؛ فإنّ العواطف لها تأثير - ولو غير مباشر - في تحديد سير التفكير بحسب الخارج .
ومن هذه العوامل والمؤثّرات الإعلام [ أو الدعايات ] الاجتماعيّة في عالم الخارج ؛ فإنّها تنعكس على مستوى العواطف وتؤثّر فيها . وكذلك الأمر بالنسبة إلى العقائد الدينيّة التي تنعكس على شكل عواطف وتؤثّر بشكل غير مباشر .
وما نريد أن نقوله هو أنّ هناك مؤثّرات كثيرة غير العقل تؤثّر في سير تفكير الإنسان ، وهذا أمر واضح .
وهنا حالتان تختلف إحداهما عن الاُخرى : الاُولى يتكفّل بها علم النفس ، أمّا الثانية فيتكفّل بها المنطق الذاتي :
فنحن تارةً ندرس التفكير الخارجي للإنسان الذي يعيش محكوماً لكلّ هذه العوامل والمؤثّرات المتقدّمة ، والذي قد تؤثّر فيه عواطفه ، فيشكّك في كثيرٍ من الاُمور المعلومة وبالعكس ، فنقيس أفكاره واعتقاداته من خلال الملاحظة والتجربة التي يعتمد عليها العلم الحديث ، وهذه وظيفة علم النفس بمعناه الحديث . والإنسان الذي يخضع إلى دراسة من هذا القبيل مع تمام هذه العوامل والمؤثّرات التي لا يتحرّر من جملة منها في حياته الفكريّة يكون موضوعاً لعلم النفس .
وتارةً اُخرى‌ نجرّد هذا الإنسان عن كلّ المؤثّرات في التفكير باستثناء العقل ، ونفرضه بذلك كالمعصوم الذي لا يخضع تفكيره لأيّ مؤثّر ما عدا عقله ، ثمّ نرى كيف يتسلسل تفكيره . أو نفرضه كالرياضي في تفكيره ؛ فإنّ الرياضي لا يتأثّر بعامل آخر غير عامل العقل في بيانه للعمليّات الرياضيّة .
إذن : نحن نتحدّث عن مثل هذا الشخص الذي يجرّد ذهنه عن كلّ المؤثّرات ما عدا العقل ، وهذا الشخص عندما يرى بعقله أنّ النار متى ما وجدت في الغرفة أصبحت الغرفة حارّة ، فهل يحصل له القطع بأنّ النار علّة لذلك أم لا ؟ ! وإذا حصل له القطع بذلك ، فما هي النكتة في حصول هذا القطع ؟ ! وكيف حصل له ذلك بمجرّد رؤيته الحرارة مع النار عدّة مرّات ؟ ! هذا ما نجيب عنه .
إذن : فالفرق بين المنطق الذاتي وبين علم النفس يكمن في أنّ علم النفس يتناول في بحوثه العاديّة الفكر محكوماً لتمام العوامل والمؤثرات ؛ لأنّ عمليّة التجريد لا تنطبق على الواقع الخارجي ، وعلم النفس يلجأ إلى التجربة وملاحظة الأفراد في عالم الخارج ، شأنه في ذلك شأن سائر العلوم التجريبيّة . أمّا المنطق الذاتي ، فيتناول الفكر مجرّداً عن كلّ العوامل والمؤثّرات عدا العقل ، ثمّ يبحث في كيفيّة تولّد الفكر من الفكر .

التمييز بين مادّة الفكر وصورته‌ :

كنّا بصدد الحديث عن المنطق الذاتي وتمييزه عن سائر فروع المعرفة ، وقد شرعنا في بيان ما يختلف فيه مع المنطق العقلي الأرسطي ، الذي عنينا به المنطق البرهاني .
وقلنا في هذا الصدد : إنّ كلّاً من هذين المنطقين يبحث عن طريقة في التفكير تختلف عن الطريقة التي يبحث عنها المنطق الآخر : فالمنطق الذاتي يبحث عن قوانين الطريقة الذاتيّة في تولّد المعرفة ، بينما يبحث المنطق العقلي عن قوانين الطريقة الموضوعيّة في ذلك .
وتوضيح الفكرة : أنّ الفكر من وجهة نظر المنطق العقلي تارةً يلحظ من حيث مواده ، واُخرى‌ من حيث صورته :
ففي قولنا : « العالم متغيّرٌ ، وكلّ متغيّر حادث ، فالعالم حادث » : ( تغيّر العالم ) و ( حدوث المتغيّر ) مادّتان من مواد الفكر البشري ، فيلحظ صدقهما أو كذبهما في مقام حكايتهما عن الخارج .
وتارةً اُخرى‌ لا يلحظ صدق المواد أو كذبها وإنّما تلحظ صورة الفكر ، ويتمّ ذلك من خلال تبديل جميع المفصّلات بالمبهمات . وبعبارة اُخرى : تبديل جميع المواد بالرموز ، وذلك عبر قطع النظر عن خصوصيّة المادّة . وأفضل طريقة لتحقيق ذلك تتأتّى عبر إهمال ذكر ( العالم ) و ( التغيّر ) و ( الحدوث ) ، ونأتي في مقابل ذلك بالرموز التي تتناسب مع كلّ مادّة من المواد التي يتصوّرها العقل ، فنقول : ( أ ) هو ( ب ) ، و ( ب ) هو ( ج ) ، إذن : ( أ ) هو ( ج ) .
وفي هذه الحالة نكون قد طبّقنا القياس نفسه ، إلّاأ نّنا قطعنا النظر عن مواده وصيّرناه رموزاً صرفة .
ونلاحظ في هذه الحالة أ نّه لم يبق من الفكر إلّاصورته وشكله ، أمّا مضمونه فلم يعد موجوداً ؛ لأنّه لا مطابق له في عالم الخارج ، ولكنّه في الوقت نفسه احتفظ بالصورة نفسها التي كانت موجودة في قولنا : « العالم متغيّرٌ ، وكلّ متغيّر حادث ، فالعالم حادث » . فهاتان الصورتان متطابقتان من حيث الإيجاب والسلب ، ومن حيث الكلّيّة والجزئيّة ، ومن حيث الشرطيّة والحمليّة ، إلى غير ذلك من الجهات والمقولات المنطقيّة .. غاية الأمر أنّ إحداهما صيغت على أساس الرموز ، والاُخرى على أساس المواد الخارجيّة .

وظيفة علم المنطق‌ :

بعد التمييز بين صورة الفكر وبين مادّته ، قالوا : إنّ مواد الفكر على قسمين : فمنها الأوّلي ، ومنها الثانوي‌(3) ، والأوّلي لا يحتاج إلى تأسيس علم لمعرفته ؛ لأنّه أوّلي ، وأمّا الثانوي فتتكفّل بتمييز صوابه عن خطئه هذه العلوم التي اُسّست في الدنيا ؛ فإنّ كلّ علم ينال حظّاً ونصيباً من هذه العلوم الثانويّة ويحقّق فيها ويدرسها ويستكشف ما هو الحقّ فيها وما هو الخطأ .
وعليه : فالمواد لا تقع ضمن وظيفة علم المنطق‌(4) ؛ لأنّ بعض المواد لا حاجة إلى البحث فيها ؛ باعتبارها أوّليّة كما قلنا ، والمواد الاُخرى الثانويّة تتوزّع على فروع المعرفة البشريّة ، والتي تنقسم - بحسب ترتيب القدماء لها - إلى علوم عالية ومتوسّطة وسافلة .
إذن : فما يتبقّى للمنطق هو صورة الفكر ، فيبحث في أنّ الصيغة الفكريّة للفكر متى تصدق نتيجتها عندما تكون موادها ومقدّماتها صادقة ؟ !
وهنا نلاحظ أنّ صدق المواد قد أخذ أمراً مسلّماً ومفروغاً عنه ؛ لأنّه خارجٌ عن مهمّة المنطقي ولا يعنيه بحال من الأحوال . ولذلك عندما يقولون : إنّ موضوع علم المنطق - ولا أقلّ منطق البرهان - هو التصديق من حيث إيصاله إلى تصديق مجهولٍ وإلى معرفة مجهولة فإنّهم ناظرون إلى هذه الجهة ، أعني صورة الفكر ، وإلى أنّ مواد الفكر إذا ركّبت مثلاً بنحو الحدّ الأصغر والأوسط والأكبر فإنّ النتيجة ستكون ضروريّة وصادقة ؛ لصدق المقدّمات ، ولا ينظرون إلى مواد الفكر .
وبهذا يظهر أنّ المنطق العقلي - وهو الذي يعبّر عنه اليوم بالمنطق‌ الصوري - عندما يبحث عن صورة الفكر فهو في الحقيقة يبحث عن الملازمة بين الصورة وبين النتيجة ، إيجاباً وسلباً ، فيميّز بين الصورة التي تلزم منها النتيجة وبين التي لا تلزم منها .
إذا اتّضح هذا ، يتّضح أنّ ما يعالجه المنطق العقلي - أو الصوري - عندما يتناول الملازمة بين صدق الصغرى والكبرى وبين صدق النتيجة هو بحسب الحقيقة أمرٌ واقعي محفوظٌ في لوح الواقع ، مع قطع النظر عن الفكر وعن أيّ مفكّر في عالم الخارج ، وهو يبحث في هذه الاُمور الواقعيّة التي يكون لها دخل في تنظيم صورة الفكر بهدف أن يكون تولّد المعرفة تولّداً صحيحاً مطابقاً لنفس الأمر الواقع .
ونخلص من هذه المقدّمات إلى تحديد موضوع علم المنطق العقلي بتعبير آخر ، فنقول : إنّ أيّ أمر واقعي يكون له دخلٌ وتأثيرٌ في تنظيم صورة الفكر ويوجب صحّة تولّد فكر من فكر ومطابقة الفكر المتولّد مع ما هو عليه الواقع ، فهو موضوعٌ لعلم المنطق .
وهنا نأتي إلى تحديد أعمق لموضوع علم المنطق العقلي : فقد اتّضح لنا أنّ لكلّ فكر متعلّقاً محفوظاً في عالم الواقع ، وهو المعبّر عنه بـ ( موضوع الفكر ) أو ( موضوع المعرفة ) ، وأنّ تولّد فكرٍ من فكرٍ آخر والربط الموجود بينهما ناشئٌ بحسب الحقيقة من الربط المحفوظ في عالم الواقع بين متعلّقيهما . والمنطق العقلي لا يتناول بالبحث تولّد فكرٍ من آخر ، وإنّما يتناول التولّد الأعمق الحاصل في رتبة سابقة ، فلا يكون موضوع علم المنطق العقلي هو تولّد الفكر من الفكر ، وإنّما التولّد الحاصل بين متعلّقيهما ، وهو الذي نعبّر عنه بـ ( التوالد الموضوعي ) في مقابل ( التوالد الذاتي ) .
المصادر :
1- الشفاء ، الإلهيّات : 10 ؛ شرح الإشارات والتنبيهات 1 : 17 ؛ الرسالة الشمسيّة : 2 ؛ كتاب التعريفات : 72
2- الاُسس المنطقيّة للاستقراء : 160 - 162 للسيد محمد باقر الصدر قدس سره
3- تحرير القواعد المنطقيّة في شرح الرسالة الشمسيّة : 52
4- في العديد من المصادر أنّ وظيفة علم المنطق تطال المادّة والصورة معاً ( النجاة من الغرق في بحر الضلالات : 8 ؛ التحصيل : 5 ؛ الحاشية على تهذيب المنطق : 378 ؛ تحرير القواعد المنطقيّة في شرح الرسالة الشمسيّة : 457 - 458 ؛ شرح مطالع الأنوار في المنطق : 14 ؛ بحر الفوائد 1 : 30 ) ، ومن بعضها القليل يفهم العكس ( شرح حكمة الإشراق : 33 ) ، وربما هو الساري إلى التراث الفقهي ( رسائل الشهيد الثاني 2 : 763 ) ، ولمّا وقع في احتجاجات الأخباريّين ( الفوائد المدنيّة : 257 ) لم يردّه عليهم الاُصوليّون ( فرائد الاُصول 1 : 53 ) وفلاسفة المفسّرين ( الميزان في تفسير القرآن 5 : 257)

 


source : راسخون
  372
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

حجر الاسود بدءه واستلامه
أهمية دراسة الشخصيات التاريخية
أسرار مآتمنا المختصّة بأهل البيت (عليهم السّلام)
الإمام الحسن المجتبى ( عليه السلام ) رجل الثورة الصامتة
سني يثبت عدد الأئمة من القرآن
الدور الأحسائي في الخطابة الحسينيّة
التفویض المطلق
القاضي عبد الجبار وبلاغة القرآن
طبيبٌ دَوَّارٌ بطبه
أفأنت تکره الناس

 
user comment