عربي
Monday 30th of November 2020
  461
  0
  0

التناسخ عند الغزالي

التناسخ عند الغزالي
أن معاد الإنسان يکون بالروح والجسد کما کان يعيش بهما في عالم الدنيا ؛ لما بينه من أوصافهم وأحوالهم في ذلک المشهد العظيم واليوم العصيب ، فلا يمکن بعد ذلک أن يحمل ما جاء به الغزالي ، أو غيره في کتبه الأخرى ، وأن بالغ في تبيين أنواع الثواب والعقاب بالنسبة للروح أنه يريد منها القول بالمعاد الروحاني.
ونحن لا نشک في ثبوته شرعاً ، إلا أننا بحاجة إلى إثباته عقلاً ، وهذا ما لم يحققه لنا أحد سوى ما جاء في کتابات الفيلسوف العارف صدر المتألهين ; ولکننا هنا نسأل من الغزالي من خلال کتبه المدونة في هذا الباب هل ان هذا الإنسان فيه القابلية لأن يعاد روحاً وجسماً أم لا ، إذ أننا لا نشک في قدرة الفاعل الذي أخرجه من ظلمة العدم إلى نور الوجود ؟ وإذا کانت فيه القابلية لهکذا أمر ، هل يمکننا أن نستدل عليها عقلاً ، وکيف ؟ وهذا ما تعجز عن إجابته کتب الغزالي ، إذ أننا لم نجده يقدم لنا دليلاً عقلياً واحداً على إثبات هذه الحقيقة ، غاية الأمر يکتفي بثبوتها عن طريق الشرع الصادق الذي لا شک فيه.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى يرد على تصوير الغزالي لطبيعة إعادة الروح إلى البدن ، الذي قال فيه : فليکن من أي مادة کانت ، إشکال التناسخ الباطل بالدليل العقلي ، الموجب لتعلق نفسين ببدن واحد ، نعم إنّ ثبوت هذا الاشكال متوقف على بطلان التناسخ الملکي في النشأة الأخرى ، کما سيأتي بيان ماهية التناسخ ، وعرض مختصر لأقسام التناسخ ، وبيان ما هو باطل منها وما هو غير باطل بالأدلة العقلية الثابتة وعندئذ يمکننا أن نشخص ما جاء به الغزالي من تصوير في کيفية إعادة البدن الإنساني في تلک النشأة ، وهو قوله : ( ... إنّ الروح تعاد إلى بدن آخر غير الأول ، ولا يشارک له في أيٍّ من الأجزاء ... إلى أنّ قال : فإن قيل : هذا التناسخ ، قلنا : سلمنا ولا مشاحة في الأسماء ، والشرع جوّز هذا التناسخ ومنع غيره ) ، (1) هل هو باطل أم غير باطل ؟

في تعريف وأقسام التناسخ

التناسخ لغة
التناسخ في اللغة مأخوذ من النسخ بمعنى النقل ، (2) أو بمعنى إزالة الشيء بشيء يتعقبه ، کنسخ الظل ، الشيب الشباب. (3)
فالأصل اللغوي في التناسخ هو النقل والانتقال والتحول.
أقسام الانتقال :
1. الانتقال من النشأة الدنيوية إلى النشأة الأخروية ، وهو الذي يصطلح بالعرف الشرعي بالمعاد.
2. الانتقال من القوة إلى الفعل تدريجاً ، ويتم ذلک عن طريق الحرکة بحسب تعريف المدرسة المشائية ، وبعض المدارس والمذاهب الفلسفية ، أو کانتقال النفس في طي مراتبها الکمالية في ظل الحرکة الجوهرية.
3. انتقال النفس الإنسانية بالموت من البدن الذي کانت متعلقة به إلى بدن آخر أعم من البدن الإنساني والحيواني والنباتي والجمادي في هذه النشأة الدنيوية ، وبعبارة مختصرة هو عبارة عن انتقال النفس من بدن إلى آخر مطلقاً.
والتناسخ بالمعنى الخاص يصدق على القسم الثالث من أقسام الانتقال بحسب النظر العقلي والشرعي ، وسيأتي إبطاله فيما بعد ، أقسام التناسخ.
1. التناسخ بالمعني الأعم : ويقصد به مطلق الانتقال للنفس من البدن المتعلقة به فعلاً إلى بدن آخر غيره بالموت ، وعندئذ يکون شاملاً للتناسخ الباطل وغير الباطل ، باعتبار عمومية الانتقال للنفس من بدن إلى آخر ، وعليه يکون التناسخ بهذا المعنى منشأ للخطأ والاشتباه في المسألة.
2. التناسخ بالمعني الأخص : وقد ذکر له أربعة أقسام :
1. انتقال النفس من البدن المادي المتعلقة به إلى بدن إنسان آخر في هذه النشأة الدنيوية ، ويسمى هذا النوع من التناسخ بالنسخ.
2. انتقال النفس من البدن الدنيوي المتعلقة به بالموت إلى بدن حيوان آخر ، ويسمى مسخاً.
3. انتقال النفس من البدن المادي المتعلقة به بالموت إلى بدن نباتي آخر ، ويسمى رسخاً.
4. انتقال النفس من البدن الدنيوي المتعلقة به بالموت إلى بدن جمادي آخر ، ويسمى فسخاً.
ولا يخفى بطلان هذه الأقسام الأربعة ، وسنأتي بمجموعة أدلة تؤکد هذه الحقيقة ، ويمکن أنّ نقسم التناسخ بشکل آخر ، ولکن لا يجب بطلانها جميعاً ، بل قد يکون بعضها باطلاً والبعض الآخر جائزاً ، وهي کما يلي :
1. التناسخ الملکي : وهو عبارة عن انتقال النفس بالموت من البدن العنصري الدنيوي إلى بدن عنصري دنيوي آخر مغاير للنفس وبدنها الأول ، بحيث تصبح النفس بعد الانتقال إليه نقساً له ، والبدن بدناً لها.
2. التناسخ الملکوتي : وهو عبارة عن تعلق النفس ببدن أخروي غير مغاير لها بعد انقطاعها عن البدن الدنيوي بالموت ، ويکون هذا البدن الأخروي من منشئاتها القائمة بها قيام الفعل بفاعله ، وإن کان مغايراً لبدنها العنصري بوجه.
وسيأتي الکلام في تقديم الأدلة الدالة على بطلان القسم الأول ، وهو التناسخ الملکي ، الذي يعبر عنه بالتناسخ عنه الانفصالي أيضاً ، دون بطلان قسم الثاني ، وهو التناسخ الملکوتي ، الذي يعبر عنه بالتناسخ الاتصالي ؛ لأنه عبارة عن ظهور وانکشاف لملکات النفس التي أصبحت جزءاً منها ، فبعد الموت ينکشف الباطن ، فتظهر هذه الملکات على شکل صور مثالية مجردة جميلة کانت أو قبيحة ، هذا في النشأة البرزخية ، ثم تتجسم تلک الأعمال في النشأة الأخروية ، وقد دلت الرواية والآيات على ذلک ، فقد نقل عن الرسول الأکرم صلی الله عليه وآله وسلم جملة من الروايات تحکى حال الناس وتغير صورهم في اليوم الآخر ، فمنها على صور القردة ، ومنها على صور الخنازير ، ومنها ... ، (4) وقال الحق تعالى : ( وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ) ، ( يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ).
ونقل عن الامام الصادق عليه السلام أنّه قال : « إن المؤمن إذا خرج من قبره ، خرج منه مثال من قبره ... إلى أن قال : فيقول المثال أنا السرور الذي کنت تدخله على إخوانک في الدنيا ، خلقت مه لأُبشرک وأونس وحشتک » ، (5) وغيرها.

أدلة إبطال التناسخ

الدليل الأول
استلزم التناسخ الحرکة الرجعية لقانون التکامل الحاکل على عالم الإمکان. لا شک ولا ريب في وجود الارتباط الوثيق بين الروح والبدن المادي العنصري في عالم الدنيا ، الذي يعبر عنه بالألفة الطبيعية بينهما ، (6) أو بحسب التعبير الفلسفي أن الروح مجردة ذاتاً عن المادة لا فعلاً.
وبموجب قانون التکامل الحاکم على عالم الإمکان ، فإن الروح والبدن يتحرکان نحو تحقق التکامل ، فإن الروح عند تعلقها بالجسم الجنيني تکون في مرحلة التحضير والاستعداد في حال کونها ضعيفة جداً ، ومع التکامل التدريجي للروح منذ أوان الصغر إلى مرحلة الشيخوخة ، فإنا نلتمس بالوجدان الحرکة التکاملية التي تمر بها النفس الإنسانية في هذه المدة ، وکيف أنها تتحول من العقل الهيولاني إلى العقل بالملکة إلى العقل بالفعل إلى العقل المستفاد ، (7) بحسب اصطلاح الحکمة النظرية ، وهنا نتساءل عن إمکان التناسخ الذي يوجب الحرکة الرجعية من الکمال إلى النقص ، ورجوع النفس من الوجدان للکمال إلى فقدان الکمال ؟ وهل يمکن للنفس أن نفقد کمالاتها الذاتية التي أصبحت جزءاً منها أم لا ؟ وهل هناک طريق لإمکان وجود الحرکة الارتجاعية في النظام الطبيعي ؟
هذه الأسئلة طرحناها والتي نحن في صدد البحث عن جوابها على أساس الدليل ، فإنمّا نطرحها باعتبار أن التناسخ الذي ذهب إليه أتباع التناسخية ، هو حقيقة رجوع النفس بعد وصولها إلى مرتبة کمالية معينة في حال تعلقها بالبدن الأول إلى بدن جنين إنساني أو حيواني أو خلية نباتية ، وجميع هذه دونها في الکمال ، وهذا باطل ؛ لأنه لا يخلو من صورتين :
الأولى : إما أن تتعلق النفس بهذه الأجنة الإنسانية أو الحيوانية ، أو الخلية النباتية ، وهي بمالها من الکمال المناسب لمقامها ، وهذا غير ممکن عقلاً ؛ لأن النفس مادامت في البدن تزداد في فعليتها شيئاً فشيئاً حتى تصير أقوى وجوداً وأشد تحصلاً ، ومثل هذا لا يمکن أن يتعلق بالوجود الأدنى منه ، الذي لا يحمل ذلک الکمال وتلک الفعلية ، لعدم تحقق التعاضد والانسجام بينهما. وبطلان هذا الوجه ناتج من اجتماع الفعلية وعدم الفعلية ، فالفعلية ناتجة من استکمال النفس وجامعيتها لبعض الکمالات ، وعدم فعليتها ناتج من تعلقها بالجنين الذي يجب أن تکون فيه مستجمعة لها بالقوة فحسب ، فتکون الکمالات في محل واحد وزمان واحد ، بالفعل وبالقوة معاً ، وهذا محال ؛ لأنه جمع بين الوجدان والفقدان. (8)
الثانية : ( أن تتعلق النفس بهذه الأجنة أو الخلية النباتية ، ولکن بعد تنزلها عن فعليتها ، انسلاخها عن کمالاتها ، وهذا النحو من التعلق ، وإن کان يوجد بين البدن والنفس تعاضداً وانسجاماً ، لکن ذلک الانسلاخ إما ناشئ من ذات وصميم النفس ، وإما أن يکون حاصلاً بقهر من الله سبحانه. والأول لا يتصور ؛ لأن الحرکة الذاتية من الکمال إلى النقص غير معقولة ، والثاني ينافي الحکمة الإلهية التي تقتضي بلوغ کل ممکن إلى کماله الممکن ).
فهذا وإن خصه القائلون بهذا النوع من التناسخ بالمتوسطين في الکمال والناقصين فيه ، دون الکاملين في مجالي العلم والعمل ، قال الشيخ السبحاني : ( فهو على طرفي النقيض من المعاد في الصنفين الأولين ، دون الصنف الثالث الذين لهم الحشر والانتقال إلى النشأة الأخرى دون التناسخ ، نعم إن هذين الصنفين الأولين بعد انتهاء دورة التناسخ وزمنها ينتقلون إلى عالم النور ، فيکون لهم من الحشر ما للکاملين من أفراد الإنسان ). (9)
الدليل الثاني : عدم الموازنة بين الأموات والمواليد
قبل طرح هذا الدليل فمن الضروري أن نذکر نقطتين وهما :
الأولى : زيادة أفراد النّاس.
أقول : فقد ثبت بالتجربة الحسية والإحصاء أن أفراد البشر في بداية الخلقة لم يكونوا بهذا المقدار والعدد ، وإنما أصبح بهذا العدد نتيجة التوليد المتوالي لأفراد البشر ، وقد ثبت بالإحصاء أيضاً أن عدد الأموات يساوي ثلث المواليد ، وعليه يکون ما يتولد من أفراد البشر بحسب الإحصاء أکثر بکثير من أفراد البشر الميتين ، وهکذا يزداد عدد البشر يوماً بعد يوم. (10)
الثانية : الموت غير الطبيعي.
وهذا على العکس من النقطة الأولى التي کانت تثبت أن عدد الأموات أقل بکثير من المواليد ، ولکن هنا قد تکون الأموات أکثر بکثير من المواليد ؛ وذلک عن طريق حصول بعض الکوارث والحوادث الطبيعية التي تؤدي إلى قتل وموت الآلاف والملايين من الناس في ساعة واحدة کحصول الزلازل ، أو الطوفان ، أو الحرب النووية ، أو أمراض الطاعون ، وغيرها في حال يکون فيه مواليد تلک السنة أو الشهر أو اليوم لا يتعدى سدس الأموات الذين يموتون نتيجة تلک الحوادث والکوارث ، وعليه فيجب أن تکون هناک أرواح کثيرة من الأموات محرومة من تعلقها بالبدن لمدة طويلة ، أو ما يعبر عنها بتعطيل الأرواح ، وهذا اللون من التعطيل لا يعتقد به حتى أتباع مذهب التناسخ ، بل هو طبق عقيدتهم يکون محالاً ، بناءً على أن أرواح الأموات يجب أن يساوي عدد المواليد ، فحتى يولد فرد جديد يجب أن يموت فرد في مقابله حتى تتعلق روح الميت بالجنين المتولد الجديد ، وعليه يجب أن يکون عدد أفراد البشر أوان الخلقة يساوي عدد أفراد البشر في آخر العالم ؛ لأن الروح دائماً في حالة خلع ولبس ، وهذا لا يؤيده الوجدان والواقع ، بل هما على خلافه ؛ لأنه بأقل تأمل ونظر يثبت للإنسان أن عدد أفراد البشر دائماً في زيادة مستمرة لم تکن موجودة سابقاً.
وقد يجيب التناسخي عن ذلک بإمکان خلق أرواح جديدة من قبل الله تعالى تتعلق بأبدان جديدة إلى جانب الأرواح السابقة التي مازالت في دور التناسخ بين التعلق وعدم التعلق.
والحق أن هذا القول هو فرار صريح من الإشکال ، ولا يتناسب مع من يدعي العلم ، وما هو إلا شکل من الإشکال الجدل الأعمى ، هو مخالفة صريحة لما ذهبوا إليهم القول بالتناسخ الدوري اللايقفي عندهم ، وإلا إذا سلم التناسخي بهذا القول فلماذا لا يسلم بالقدرة الإلهية على حفظ الأرواح في محل ووضعية خاصة من دون حلولها وتعلقها بأبدان جديدة في هذا العالم الدنيوي ، کما يذهب إليه القائلون بالبرزخ الذي أخبر عنه الوحي الإلهي ؟ وعليه فلا موازنة بين عدد الأموات وعدد المواليد ، في الحال الذي يذهب إليه أصحاب التناسخ بوجوب الموازنة بينهم.
الدليل الثالث : عدم الفائدة في التکرار
إنّ أرواح الناس في حال تعلقها بالأبدان الجسمانية وتذوقها للحوادث الحلوة والمرة ، التي تتذوقها الروح الإنساني عن طريق البدن الذي تؤدي أعمالها من خلاله لأجل الاستکمال المطلوب لها ، فإذا کان بمجرد مفارقتها للبدن الأول تتعلق ببدن آخر ، وهکذا تستمر دائماً من أجل أن تتذوق تلک المتاعب والآلام واللذات ، وقد تذوقتها من قبل ، وهنا نتساءل عن فائدة هذا العود ، وهل يتناسب مع الحکمة الإلهية التي اقتضت أن توصل کل شيء إلى کماله الذي خلق من أجله ؟ ولا أرى أنه هناک عاقل يرى في ذلک التکرار المستمر فائدة معينة ، بل قد يکون نقضاً للغرض والحکمة الإلهية من الخلقة ، والحلال أن الالتزام بالتناسخ هو لزوم القول بالتکرار غير المفيد ، في حين أن هذا النوع من التکرار لا حاصل فيه ، بل يعد من اللغو واللعب والبعث ، وهو لا يتناسب مع الحکمة الإلهية ، فهو باطل بالضرورة الدينية والعقلية. (11)
الدليل الرابع : اجتماع نفسين في بدن واحد وهذا الدليل مبني على أمرين :
الأمر الأول : إن کان جسم نباتاً کان ، أو حيواناً ، أو إنساناً ، إذا بلغ من الکمال إلى درجة يصير فيها صالحاً لتعلق نفس به ، وبعبارة أخرى : متى حصل في البدن مزاج صالح لقبول تعلق النفس المدبرة به ، فبالضرورة تفاض عليه من الواهب من غير مهلة ولا تراخ ، وذلک مقتضى الحکمة الإلهية التي شاءت إبلاغ کل ممکن إلى کماله الممکن.
الأمر الثاني : إن القول بالتناسخ يستلزم تعلق النفس المستنسخة المفارقة للبدن ، ببدن نوع من الأنواع من نبات ، أو حيوان ، أو إنسان ، بحيث يتقوّم ذلک البدن بالنفس المستنسخة المتعلقة به. (12)
ولازم تسليم هذين الأمرين ، تعلق نفسين ببدن واحد : أحدهما النفس المفاضة على البدن لأجل صلاحيته للإفاضة ، وثانيتهما النفس المستنسخة المتعلقة بعد المفارقة بمثل هذا البدن ، فينتج أن التناسخ المبتنى على أحد هذين الأمرين لازم لاجتماع نفسين ، أو ممانعية أحدهما من طروء الأخرى ، وهو باطل. (13)
ومن المعلوم بطلانه ؛ وذلک لأن تشخص کل فرد من الأفراد بنفسه وروحه ، وفرض نفسين وروحين مساوق لفرض ذاتين ووجودين لوجود واحد وذات واحدة. (14)
والحق أن الوجدان يکذب تعلق نفسين ببدن واحد ، إذا لو کان کذلک لأدرک من خلال العلم الحضور بالذات للذات التي نعبر عنها ب‍ « أنا » ، أو من خلال إدراک أفعال النفس المدبرة لتلک الأفعال ، فلو کانت هناک ذاتان لحصل في يوم من الأيام التعارض بينهما من خلال تدبير البدن ، والأقوى من ذلک کله علمنا الضروري أنه لا يوجد معها في هذا البدن نفس أخرى مدبرة ومتصرفة في أمره ، وکذلک تعلم بالضرورة أنه ليس لها تدبير ببدن آخر ، وعليه فلا نفس معها في البدن ، ولا تعلق لها ببدن غير بدنها المتعلقة به ، ودليل ذلک کله الوجدان والواقع. فقد قال صاحب کشف المراد في هذا الصدد ما هذا لفظه : ( ... إنّه لو تعلقت نفس واحدة ببدنين ، لزم أن يکون معلوم أحدهما معلوماً للآخر وبالعکس ، وکذا باقي الصفات النفسانية ، وهو باطل بالضرورة ). (15)
وقال التفتازاني : ( إن کل نفس تعلم بالضرورة أن ليس معها في هذا البدن نفس أخرى تدبر أمره ، وأن ليس لها تدبير وتصرف في بدن آخر ، فالنفس مع البدن على التساوي ، وليس لبدن واحد إلا نفس واحدة ، ولا تتعلق نفس واحدة إلا ببدن واحد ). (16)
الدليل الخامس : علاقة النفس بالبدن توجب التناسق بينهما قوة وفعلاً
هناک بحث حول طبيعة وعلاقة النفس بالبدن ، وقد ذکر في ذلک أن الترکيب بينهما ترکيب طبيعي اتحادي ، لا ترکيب انضمامي ، وهما في بدايتهما متسمان بالقوة ثم يأخذان بالتکامل التدريجي بموجب قانون التکامل الطبيعي الحاکم على عالم الإمکان ، ويخرجان من القوة إلى الفعل ، أو من الضعف إلى الشدة مادامت النفس متعلقة بالبدن في هذه النشأة الأولى ، ولها نوع استکمال آخر خارج هذه النشأة في عالم البرزخ کما ذهب إليه البعض. (17)
وعليه فلو تعلقت نفس بعد بلوغها مرتبة معينة من الکمال بحيث أصبحت فيها بالنسبة لهذه المجموعة من الکمالات بالفعل ، ببدن آخر عند کونه جنيناً أو غير ذلک ، للزم أن أحدهما بالقوة وهو البدن والآخر بالفعل ، وذلک ممتنع ؛ لأن الترکيب بينهما طبيعي اتحادي ، وهذا النوع من الترکيب يستحيل أن يتحقق بين أمرين ، أحدهما بالفعل ، والآخر بالقوة. (18)
وقد يعترض علينا بالشکل التالي : برهانکم هذا يتناسب مع الالتزام بأن النفس تتعلق دائماً ببدن هو أدون منها مرتبة کبدن الجنين ، أو خلية النبات ، ولکنه غير جارٍ فيما إذا کان البدن بفعلية متناسبة مع فعلية النفس.
ونجيب عن هذا الاعتراض بأن محور هذا البرهان هنا هو لزوم التناسق بين النفس والبدن من حيث القوة والفعل ، وهذا الشرط مفقود في أکثر موارد التناسخ ، کما لو تعلقت ببدن الجنين الذي هو أدون منها مرتبة ، وما ذکرناه في إبطال التناسخ النزولي کان محوره لزوم الحرکة الرجعية في عالم الکون ، وهو خلاف القانون الحاکم عليه ، أو يستلزم النقض للحکمة الإلهية.
وعليه فإن الالتزام بالتناسخ يوجب القول بعدم التناسق بين النفس والبدن ولوفي موارد متعددة ومعينة ، بل قد يکون ذلک في أکثر موارده خصوصاً بالنسبة للنفوس غير المستکملة کما يذهب إليه أتباع المذهب التناسخي ، وهذا التنافي يبطله علاقتهما وترکيبهما معاً الذي يحکم بوجوب التناسق بينهما من حيث القوة والفعل.

في إبطال قول الغزالي بالتناسخ في عالم الآخرة

بالمقدار الذي مرّ نکتفي من ذکر براهين إبطال التناسخ بأقسامه المختلفة ، ولکن يبقي شيء واحد وهو : هل التناسخ الذي تم إبطال أکثر أقسامه ، يشمل تعلق النفس ببدن جديد مطلقاً سواء کان في هذه النشأة أو في النشأة الأخرى ، أم أنّه خاص برجوع النفس من فعليتها إلى عدم الفعلية مرة أخرى ، وتعلقها بالبدن الجديد في هذه النشأة الأولى فقط ؟ هذا هو محل الکلام الذي نحن في صدد إثباته إيجاباً أو سلباً ، فقد ذهب الغزالي إلى عدم صدق التناسخ حقيقة على تعلق النفس بالبدن المماثل للبدن الدنيوي في عالم الآخرة وإن سمى تناسخاً في لسان القوم ؛ باعتبار أن الشرع أجاز ذلک ، کما جاء في کلامه الآتي : ( إن الروح يعاد إلى بدن آخر غير الأول ، ولا يشارک له في شيء من الأجزاء ... ثم قال : فإن قيل : هذا التناسخ ، قلنا : سلمنا ولا مشاحة في الأسماء ، والشرع جوّز هذا التناسخ ومنع غيره ). (19)
وفي موضع آخر من کتاباته قال : ( ... بأن هذا التناسخ ، فلا مشاحة في الأسماء ، فما ورد الشرع به يجب تصديقه ، فليکن تناسخاً ، نحن إنما ننکر التناسخ في هذا العالم ، وأما البعث فلا ننکره سمى تناسخاً أو لم يسم تناسخاً ). (20)
وهنا نسأل عن محذور التناسخ الباطل هل هو من جهة الشرع ، أم من جهة العقل ؟ وهل أن الشرع يجيز ما حکم العقل في استحالته أم لا ؟ أو بعبارة أخرى هل أن محل بحث التناسخ شرعي أم عقلي ؟ وإذا کان شرعياً فما هو المانع من تعلق النفس المفارقة للبدن الأول بالموت ـ بحد تعبيرهم ـ بالجنين المتکون المستعد لقبول إفاضة النفس وتعلقها به حال وجودها ؟ هذا ما سنجيب عنه أولاً بجواب الغزالي ، ومن ثم بجواب الفلاسفة ، وإليک بيانه :
قال الغزالي : ( وقولکم : إن کل مزاج استعد لقبول نفس استحق حدوث نفس من المبادئ ، رجوع إلى أن حدوث النفس بالطبع لا بالإرادة ، وقد أبطلنا ذلک في مسألة حدوث العالم ، کيف !! ولا يبعد على مساق مذهبکم أيضاً أن يقال إنّما يستحق حدوث نفس إذا لم تکن ، ثم نفس موجودة فتستأنف نفس ، فيبقى أن يقال : فلم لم تتعلق بالأمزجة المستعدة في الأرحام قبل البعث والنشور ، بل في عالمنا هذا ؟ فيقال : لعل الأنفس المفارقة تستدعي نوعاً آخر من الاستعداد ، ولا يتم سببها إلا في ذلک الوقت ، ولا يبعد في أن يفارق الاستعداد المشروط للنفس الکاملة المفارقة الاستعداد المشروط للنفس الحادثة ابتداء التي لم تستعد کمالاً بتدبر البدن مدة ، والله تعالى أعلم بتلک الشروط بأسبابها وأوقاتها حضورها ، وقد ورد الشرع به ، وهو ممکن فيجب التصديق به ).
وفيه : أن الذي يدقق ويحقق في هذا الجواب يجد فيه الضعف واضحاً ؛ لأنه لم يکن جواب على نحو القطع ، بل هو جواب مبنى على الاحتمال والظن والرجاء ، کما هو ظاهر من قوله السابق : ( لعل الأنفس المفارقة تستدعي نوعاً آخر من الاستعداد ، وقوله : ولا يبعد في أن يفارق الاستعداد المشروط للنفس الکاملة الاستعداد المشروط للنفس الحادثة ابتداء ) ، وما نحن فيه يجب أن يکون الجواب عنه قطعياً سواء کان عن طريق الشرع أم العقل ، وأما قوله : ( وقد ورد الشرع فيه ) ، لم يثبت بالدليل القطعي الصريح ، بل المقطوع به من الشرع خلافه تماماً ؛ لأنه صريح في إثبات العينية والنفسية بين البدنين الدنيوي والأخروي من غير أن يقبل التأويل ، لا المثلية ذهب الغزالي إليها ، وإن کان ظاهر بعض الآيات الکريمة ، والروايات الشريفة. (21)
وهناک إشکال عقلي يرد عليه ، کما بينه الفلاسفة والحکماء وسيأتي ذکره. وقد علق صدر المتألهين عليه بما يلي : ( أقول : هذا الکلام مما تلقاه کثير من فضلاء الزمان بالقبول ، ولعلهم زعموا أن الإشکال المذکور في الحشر هو لزوم التناسخ بحسب المفهوم وإطلاقاً للفظ ، أو توهموا أن محالية التناسخ من جهة الشرع ، وإنما الإشکال لزوم مفسدة التناسخ بحسب العقل ، وهو اجتماع نفسين على بدن واحد سواء سمي تناسخاً ، أو حشراً ). (22)
وقال السبزواري في حاشية الأسفار ما هذا لفظه : (ليس انتقال النفس بعد المفارقة عن البدن بالموت إلى البدن الحي ، وإلاّ اجتماع نفسين لبدن واحد ، بل هو انتقال بعدها إلى المواد المستعدة المستدعية بلسان استعدادها لها إلى الأجنة التي في أرحام الأمهات الحيوانية الطالبة إياها ، فکيف يجوّز الشيخ انتقال النفس إلى الجسم الحي الفلکي الذي له نفس جزئية منطبعة ونفس کلية عقلية ؟ حاشا عن ذلک ، نعم مذهب بعض الحکماء أن نفوس الأفلاک تستکمل ، وبعد قرون تلحق بعالم العقول ، وتصعد النفوس المستکملة الأرضية إلى الأفلاک بدلاً عنها ، ثم بعدما استکملت هناک والتحقت بعالم العقول صعدت طائفة أخرى من النفوس وهکذا ، وهذا التناسخ ). (23)
وقد قال ملاصدرا في ما جاء به الشيخ الرئيس في باب تصحيح برزخ النفوس غير المستکملة ، قال فيه : ( وما جوّزه الشيخ ، ونقله ممن يعتقد أنه من العلماء الذين لا يجازفون ، فليس إلا کون بعض الأجرام السماوي موضوعاً لتخيل النفس ،وصرح بأن هذا التعلق ليس بأن يصير ذلک الجوهر النفساني المفارق عن البدن نفساً لذلک الجرم ، وإلاّ لزم کون ذلک الجرم الفلکي ذا نفسين ، وهذا أمر محال في نفسه ... ثم قال : وإن التناسخية لم يجوزوا ذلک ، فکيف جوز مثل الشيخ أمراً لم يجوزه أحد من العقلاء ؟ وأما ما قررنا وألزمنا عليه ، فذلک حديث آخر ، وهو مسلک عميق ودقيق ، ومنهج يمکن الذهول عنه لأکثر العقلاء ).
وقد برهن صدر المتألهين بطلان التناسخ على أساس منهجه الذي قرره في مسألة إثبات الحرکة الجوهرية ، ولذا قال إن مفسدة التناسخ ليست ناتجة من اختلاف الاستعدادت ، بل قد تؤکد لزومها ، کما يظهر عند التأمل ، فقال : ( فإن الواقف بالقوانين العقلية يعلم أن المادة لا تتهيأ ولا تستعد لفيضان صورة إلا عند تلبسه بصورة سابقة لها هي المعدة اللاحقة ، وتلک الصورة السابقة أقرب الأشياء إلى الصورة اللاحقة ، فالمادة المستعدة للنفس لا تستعدها إلا بعد استيفائها جميع المراتب الصورية التي تحتها بالقابلية والاستعداد ، وهذا شيء مطابق للبرهان معتضد بالتجربة والوجدان ؛ فعلى هذا کان تحقيق البعث والحشر للأبدان أصعب وأشکل ؛ فباب الوصول إلى معرفة المعاد الجسماني مسدود إلا على من سلک منهجا وذهب في طريقتنا ... ).
ويمکننا أن نعترض على موضوعية التناسخ عند الشيخ الرئيس أبي علي سينا بعد إبطاله للمعاد الجسماني بالدليل العقلي ، کما هو مبرهن عليه في رسالته الاضحوية في أمر المعاد ، إذ أن مسألة التناسخ تجري فيما إذا کان هنا إمکان للقول بالمعاد الجسماني ، وإلاّ فعند القول بالمعاد الروحاني ، تصبح المسألة سالبة بانتفاء الموضوع ، فلا فائدة بعد ، نعم يمکن أن تصبح موضوعية للبحث والنقاش ، بناء على قبوله المعاد الجسماني الثابت بواسطة الشرع ، کما هو مختاره في المسألة ، وسيأتي الکلام عنها مفصلاً فيما بعد. ولذا عبر عنه ملا صدرا بقوله : ( ما ذکره في استحالة التناسخ أيضا ليس ببرهان محقق فإنه قال : لو عادت النفس جسداً واستعد للقبول لفاضت إليه نفس من واهب الصور ؛ فإنّ المستعد يستحق بذاته قبول الصورة ، فيؤدي إلى أن يفيض إليه نفس ، ويتعلق به النفس المستنسخة ، فيجتمع نفسان لبدن واحد ، وهو محال ).
وعليه فلا يمکننا أن نقبل کلام الغزالي في مسألة جواز التناسخ في عالم الآخرة ، الذي هو بمعنى تعلق النفس المفارقة للبدن الدنيوي الذي کان مطيتها في مرحلة التکامل التدريجي في عالم الدنيا ، على أساس الدليل الشرعي الذي قال فيه ؛ لأنه في الواقع لا دليل شرعي قطعي عندنا دال على إثبات المثلية بين البدنين الدنيوي والأخروي ، بل صريح القرآن الکريم کان نصاً في المعاد الجسماني العيني للبدن الأول ، کما هو نصف في الکثير من آيات الذکر الحکيم ، ولا دليل عقلي عنده في إثبات ذلک ، بل إن ما استند عليه ما هي إلا جملة احتمالات قائمة على أساس عدم الاستبعاد في مثل هذه المسألة ، وما هي إلا مجموعة ظنون لا غير ، وأن الظن لا يغني عن الحق شيئاً ، خصوصاً عند حضور الدليل اليقيني العقلي والشرعي على خلافها ، فلا تبقى لها معهما قيمة علمية يمکن أن يعتمد عليها في ذلک ، نعم لو لم يکن لدينا دليل عقلي ولا شرعي قطعي على الخلاف ، لوجب الأخذ بما جاء به ، ولکن مع تحقق المخالفة القطعية ، فلا مجال الحجية الطرف المخالف بعد ، ولعل قائل يقول : إن ما ذهب إليه ملا صدرا في برهنة استحالة التناسخ سواء کان في الدنيا أو الآخرة ، يختلف عن طريقة برهنة المشهور من الفلاسفة في إثبات بطلان هذه المسألة ؛ بناءً على أساس اختلاف المبني ، نقول : هذا الصحيح ، ولکنه انتهى إلى نفس اللازم الباطل الذي انتهى إليه مشهور ، وهو وجوب تعلق نفسين ببدن واحد ، أو تمانع أحدهما للآخر في التعلق بالبدن الجديد ، سواء کان مثل البدن الأول أو ليس مثله ، وسواء کان بدن إنسان ، أو بدن نوع حيوان آخر غير الإنسان ، وکيف کان فلا مجال لقبول ما جاء به الغزالي لأجل تصحيح المعاد الجسماني.

خلاصة الکلام

ومما تقدم يتضح لنا ما يلي :
أولاً : لم يکن للغزالي منهج علمي واحد في التحقيق ، بل اعتمد في ذلک على مجموعة من الأساليب العلمية ، فمثلاً : في الوقت الذي نجده ذامّاً ومعترضاً على طريقة الفلاسفة في الاستدلال والتحقيق ، نراه منتهجاً لنفس اللون من التفکير والأسلوب في تحقيق المسائل الفلسفية التي يراها مخالفة لظاهر الشريعة وليس من الدين.
ثانياً : وبناءً على ما تقدم ذکره في النقطة الأولى ، يراه البعض أنه يعد مشکلة فکرية لدارسية ، من أجل تحديد هويته کباحث في المسائل المعرفية المختلفة.
ثالثاً : في الوقت الذي اعتمد في تحقيقاته على مجموعة من الأساليب ، إلاّ إننا نجده يرجح من بين سائر هذه المناهج الثلاث المعروفة المنهج الفلسفي ، والمنهج الفلسفي ، والمنهج الکلامي ، والمنهج الصوفي المنهج الصوفي بحيث يعتبره الطريق الوحيد الموصل إلى الحقيقة ، کما جاء ذلک في قوله : ( إنّي علمت يقيناً أن الصوفية هم السابقون لطريق الله تعالى خاصة ، وأن سيرتهم أحسن السير ، وأن طريقتهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزکى الأخلاق ، بل لو جمع عقل العقلاء ، وحکمة الحکماء ، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا من سيرتهم وأخلاقهم ويبدلوا بما هو خير منه ، لم يجدوا سبيلاً ... ).
رابعاً : وأما بالنسبة لرأيه في تحديد ماهية الإنسان ، فإنه يراها أنها جوهر مجرد لا يفسد بفساد البدن ، وأنها سوف ترتبط ببدن ما يوم القيامة ، لکي تعاد معاداً جسمانياً روحانياً ، ولا يرى في ذلک محذوراً ؛ لأنّ الشرع جوز ذلک ، فلا تناسخ في البين ، وإن سمى تناسخاً ، فلا مشاحة في الأسماء ، ولکننا من خلال البحث بينا بطلان ما ذهب إليه ، مع قولنا بأن المعاد جسماني وروحاني معاً کما مرّ بيانه في طيات البحث السابق. فتأمل.
خامساً : وأمّا بالنسبة لإمکان المعاد ، فکما تقدم في النقطة السابقة ، أنه اعتمد في إمکانه ووقوعه على الشرع ولم يبحثه کثيراً في کتبه ، کما ذکر ذلک الفخر الرازي حيث قال : ( ... وإنّما لم يشرحه في کتبه کثير شرح ، لما قال أنه ظاهر لا يحتاج إلى زيادة بيان ، ... ). (24)
سادساً : بينا في المسألة الخامسة ، أن التناسخ قد يأتي بمعنى الانتقال ، وأن للانتقال أربع صور ، وأن التناسخ بالمعنى الخاص يصدق على القسم الرابع منها ، وهو انتقال النفس الإنسانية بالموت من البدن الذي کانت فيه إلى بدن ما أعم من البدن الإنساني ، أو الحيواني ، وکذلک بينا فيها أن التناسخ يقسم أيضاً إلى قسمين أحدهما محال ، والآخر جائز ، والأول هو التناسخ الملکي ، والثاني هو التناسخ الملکوتي ، ثم ومن خلال البحث أتضح لنا أن ما ذهب إليه الغزالي في مسألة البدن الأخروي هو من نوع القسم الأول ـ الملکى ـ وهو من الأنواع الباطلة ، وإن کان في عالم الآخرة ، وقلنا هناک إن مسألة بطلانه لا علاقة لها بمسألة الشرع ، لأن العقل السليم يثبت بطلانها بالضرورة ، وحاشا للشرع أن يجيز ما يراه العقل مستحيلاً.
سابعاً : في المسألة السابعة بينا ما يد على بطلان التناسخ الملکي بجميع ألوانه وصوره ، دون التناسخ الملکوتي ، وقد ذکرنا فيها ما يقارب خمسة أدلة توجب في ثبوتها بطلان التناسخ المکلي سواء کان ظرفه عالم الدنيا ، أو عالم الآخرة بلا فرق ، کما مرّ توضيحه قبل ذلک مفصلاً ، ومن خلال ذلک تم لنا بطلان ما ذهب إليه الغزالي في تصويره للمعاد الجسماني الأخروي.
المصادر :
1- أبو حامد الغزالي ، تهافت الفلاسفة ، ص 78.
2- أقرب الموارد ، ج 2 ، مادة نسخ.
3- الراغب الأصفهاني ، المفردات في غريب القرآن ، مادة نسخ.
4- الميرزا أحمد الاشتياني ، لوامع العقائد ، ج 2 ، ص 45 ؛ محمد إسماعيل ، جامع الشتات ، ص 88.
5- محمد مهدي النراقي ، جامع الشتات ، ج 2 ، ص 175.
6- محمد باقر شريعتي سبزواري ، کتاب معاد در نگاه عقل ودين ، ويرايش دوم ، ص 122.
7- المحقق عبدالهادي السبزاوري ، شرح المنظومة ، قسم الطبيعيات ، مباحث النفس ، ص 306 ، 307 ؛ العلامة محمد حسين الطباطبائي ، بداية الحکمة ؛ المرحلة 11 ، الفصل 4 ، ص 179 ؛ لنفس المؤلف ، نهاية الحکمة ، المرحلة 11 ، الفصل 5 ، ص 247.
8- جعفر السبحاني ، کتاب الإلهيات ، ج 4 ، ص 303 : فقد قال فيه ، إنّ ما ذکرناه کان تقريراً لما أفاده ملاصدرا في الأسفار ، ج 9 ، ص 16.
9- جعفر السبحاني ، کتاب الإليهات ، ج 4 ، ص 304.
10- محمد باقر سبزواري ، کتاب معاد در نگاه عقل ودين ، ص 124.
11- محمد باقر سبزواري ، معاد در نگاه عقل ودين ، ص 125 ـ 127.
12- جعفر السبحاني ، الالهيات ، ج 4 ، ص 306.
13- ملاصدرا ، الاسفار ، ج 9 ، ص 10.
14- جعفر السبحاني ، کتاب الإلهيات ، ج 4 ، ص 306.
15- کشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ، ص 113.
16- سعد الدين التفتازاني ، شرح المقاصد ، ج 2 ، ص 38.
17- محمد المحمدي ، کتاب المعاد ، الفصل 8 ، ص 93.
18- صدر المتألهين ، الأسفار ، ج 4 ، ص 2 ، 3.
19- المصدر السابق ، ج 9 ، ص 208 : نقلاً عن تهافت الفلاسفة للغزالي.
20- أبو حامد الغزالي ، تهافت الفلاسفة ، کتاب ص 243.
21- الطبرسي ، الاحتجاج ، ج 2 ، ص 256 : ومنها رواية حفص بن غياث.
22- کتاب الإسفار ، ج 9 ، ص 208.
23- حاشية هادي السبزواري على کتاب الأسفار ، ص 210.
24- مسعود بن عمر بن عبدالله المعروف بسعد الدين النفتازاني ، شرح المقاصد ، ص 91.

 


source : راسخون
  461
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

أهمية دراسة الشخصيات التاريخية
الدور الأحسائي في الخطابة الحسينيّة
التفویض المطلق
القاضي عبد الجبار وبلاغة القرآن
طبيبٌ دَوَّارٌ بطبه
أفأنت تکره الناس
تعيين المرجعية
موسسات الشیعه فی العالم فرانسه
القضاء و المشية و الإرادة
الدوافع الروحية للعبادة

 
user comment