عربي
Tuesday 24th of November 2020
  401
  0
  0

الوسوسة العملیة

الوسوسة العملیة
الوسوسة تنقسم إلى قسمین الأول: فکری، والثانی: عملی، الفکری قد یکون واضحا شیئا ما ، نطرح العملی منه بایجاز هنا لنسلط الضوء علی ما یؤثر علی حیاتنا العملیة للتخلص من فیروس العصر والحیاة المیکانیکیة المعقدة ..
فالوسوسة العملیة: هی تلک التی یکون فیها الإنسان ظاناً فی طهارته أو وضوئه، أو غسله، أو عبادته بشکل غریب، وغیر طبیعی، فتراه مثلاً یتوضأ أربعة مرات أو خمسة، وبعدها تحدثه نفسه بأن وضوءه باطل، وقد تکون بعض قطرات الماء نجسة، وما شابه ذلک من الوسواس.
إن الوسوسة العملیة إذا ظهرت فی المؤسسة الأسریة هدّتها من الأساس وترکتها خاویة، فمن أین تأتی هذه الوسوسة؟.
سبق أن ذکرنا بأن الشیطان إذا تسلط على عقل الإنسان جعل منه منافقاً، غشاشاً، محتالاً وفی مجال السیاسة کذاباً ومتلاعباً.
وإذا ما تسلط الشیطان على القلب وجعل منه تبعاً له، أضحى صاحب ذلک القلب من عبّاد المال، وعبّاد الشهرة.وقد یتسلط الشیطان على قوة الإنسان التخیلیة فیوسوس له فکریاً وعملیاً، لیرى أشیاء لا حقیقة لها ولا واقع، وکذلک یسمع أصواتاً خفیة یظنها فی یقینه بأنها حق یجب أن یعمل به، بینما لا تکون غیر وساوس شیطانیة متدنیّة.
فالجبان ـ على سبیل المثال ـ إذا کان الشیطان متسلطاً على قواه التخیلیة یرى الجن أو الملائکة إذا قضى لیلة فی إحدى الخرائب، بل ویسمع أحادیثهم فی الوقت الذی لا یوجد هکذا شیء بالمرة.
أو قد یدخل أحد الجبناء من الذین تسلّط الشیطان على قواه التخیلیة إلى مقبرة، فیرى الموتى أحیاءً عندما لا یکون أحد إلى جانبه، بل قد یرى أحدهم یجری خلفه ویمسک به فیغشى علیه.
فلو فرضنا أنه لا یوجد جنّی فی تلک الخِربة، ولم یخرج میت من قبره لیمسک به فمن کان ذلک الذی یصدر الأصوات والأفعال؟ إنها قوة الخیال المؤثرة على بصره وسمعه، وقواه اللامسة والتی جلبت إلیه ذک البلاء المهیب.
أما بالنسبة للوسوسة العملیة فترى على سبیل المثال شخصاً یشعر بترشح الماء من آلته بعدما غلسها بالماء مرات عدیدة بالرغم من أنها لم تکن کذلک ولکن الوسواس الذی فی قلبه المتسلط علیه الشیطان یخبره بأنه ما زال نجساً وعلیه أن یتطهر مرة ثانیة وثالثة ورابعة.
وخلاصة القول إن الأشیاء التی یرى فیها ضرراً علیه یقطعها فوراً، على العکس من تلک التی یرى فیها نفعاً له، فهو لا یطمئن لها، ولا یتأتى له أن یقطع فیها، ففی مسائل الطهارة لا یستطیع أن یصدق طهارته إلاّ بعد تطهیرٍ کثیر وکذا فی مسائل النجاسة.
إن مثل هؤلاء أفراد لا یمکن القول فیهم إلاّ أنهم مرضى، ومرضهم روحی، فإذا ترک أحدهم الاهتمام بمعالجة هذا المرض تفاقم علیه لیصبح کالسرطان المتفشی فی جمیع أنحاء الجسم، وعندها یکون إنساناً غیر طبیعی فی المجتمع.
قال الإمام الصادق جعفر بن محمد علیه السلام:(جاء رجل إلى النبیّ صلى الله علیه وآله فقال: یا رسول الله هلکت، فقال لهصلی الله علیه وآله وسلم أتاک الخبیث فقال لک: من خلقک؟ فقلت الله، فقال لک: الله من خلقه؟ فقال: أی والذی بعثک بالحق لکان کذا، فقال رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم: ذاک والله مَحضُ الإیمان)(1).
ومحض الإیمان یعنی بها زواله وانمیاثه من القلب حین یعرض الشیطان فیوسوس للقلب.
إن الذی یجب أن نفطن إلیه هو أن الشیطان اللعین مستعد لحرفنا عن الطریق القویم إلى الطریق المعوّج، فیأتی لهذا عن طریق المعصیة، ویوقع بذاک عن طریق الکسب الحرام، ویشجع آخر على التوغل فی الشهوات، ویقول لآخر بان السلطة جمیلة وتلیق بک وحدک، وکذا یوسوس للناس حینما یشخّص ضعفهم حتى یسیرون على نهجه المنحرف فیتنکرون للعفّةِ والشرف والأمور الطبیعیة.
یقال إن شخصاً رأى الشیطان فی منامه، وکان فی یده حبال کثیرة فسأله عن سبب حملهِ لتلک الحبال؟ فقال إنها لجرّ الإنسان إلى جهنم الحامیة، ثم سأله ثانیة، وما هذه السلاسل التی تحملها على کتفک؟ فقال: إنها للسید الرضی، ولقد ذهبت إلیه اللیلة فقیدته بها کرات کرات ولکنه قطعها فی المرات الثلاث.
ثم سأله عن حبالٍ ملوّنة کان یحملها؟ فقال الشیطان: إن لکل فرد طریقة أتقدم بها إلیه، وهذه الألوان هی الطرق والمناهج التی یمکن أن ینحرف بها البشر عن الصراط المستقیم، فأحدها الغیبة، والثانی هو التهمة، والثالثة: الشایعة، والرابع هو الوسواس الذی أقید به الذی یرید التطهر، أو الوضوء، أو العبادة والخامس..
(فبما أغویتنی لأقعدَنَّ لهم صراطک المستقیم، ثم لآتینَّهُم من بین أیدیهم، ومن خلفهم، وعن ایمانهم، وعن شمائلهم، ولا تجد أکثرهم شاکرین) (2).
قال أمیر المؤمنین علیّ علیه السلام:
(احذروا عدوّاً نفذَ فی الصدور خفیاً، ونفث فی الآذان نجیاًّ)(3).
وقال سلام الله علیه أیضاً:
(الفتن ثلاث: حبّ النساء وهو سیف الشیطان، وشرب الخمر وهو فخ الشیطان، وحبّ الدینار والدرهم وهو سهم الشیطان)(4).
إن الشیطان قد یوسوس للمرأة المتساهلة والمتهاونة فی أمور دینها، فیشجعها على التبرّج، والسفور، لیصل بها فی نهایة الأمر إلى التنکر للعفّة والشرف، ویأتی الرجل فیوسوس له لکی یقیّد الاثنین بحبائله فیجرّهما إلى جهنم وبئس المصیر:
(لأتخذَنَّ من عبادک نصیباً مفروضاً، ولأضلَّنَّهم ولامنیَّهُم ولآمرنهم فلیُبَتکُنَّ آذان الأنعام، ولآمرنهم فلیغیِّرُنَّ خلقَ الله) (5).
وقال العزیز الحکیم أیضاً بصدد تولّی الإنسان للشیطان:
(وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّیَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَیُبَتِّکُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَیُغَیِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن یَتَّخِذِ الشَّیْطَانَ وَلِیًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِینًا) (6).
ویقول أیضاً تبارکت أسماؤه فی مکان آخر بعد أن قال الشیطان سأغوینَّهم جمیعاً:
(واستفزز من استطعت منهم بصوتک، وإجلِبْ علیهم بخیلِکَ ورجلک، وشارکهم فی الأموال والأولاد وعدهم وما یعدُهُم الشیطان إلا إلاَّ غروراً) (7).
قد یکون المغرر به جاهلاً، وضعیفاً فکریاً فیسط الشیطان الرجیم له أحد رجاله الجهلاء لیجرّه إلى جهنم بخیط ولیس بحبل، وقد یکون المغرر به عاملاً فیقیّض له شیطاناً عالماً یأتیه بالاستدلالات لکی یحلل لنفسه استطعام الحرام.
وقد یسول الشیطان لأحدهم الغش، أو التطفیف فی المیزان، أو الرشوة إذا کان ذا مقامٍ إداری، وقد یأتی لأحدهم عن طریق العلم، والرغبة فی التسلط، وحبّ المال والجاه وما إلى ذلک.
وخلاصة القول: إن لکل إنسان طریقاً یأتیه الشیطان منه وهذا ما ذکره المرحوم الشیخ غلام رضا یزدی حینما قال على منبره عبارة جمیلة بهذا الصدد.
قال: إن لکل شخص شیطاناً، وشیطانی حتماً سیکون احد شیوخ الشیاطین، لکی یتمکن من الاستدلال بإغوائه لإقناعی وجرّی إلى الهلکة: (اجلب علیهم بخیلک ورجلک).ومن أجل أن یدفع البشر شیاطینهم، علیهم أن یلتزموا دائماً بقراءة سورة الفلق، واسعوا لأن تعلّموا أبناءَکم قراءة السور الأربعة التی تبدأ بکلمة (قل) وحثّوهم على قراءتها حینما یخرجون من الدار صباحاً کی یتمکنوا من حفظ أنفسهم وأرواحهم من همزات الشیاطین المردة:
(بسم الله الرحمن الرحیم)
(قل أعوذ بربّ الفلق) أی التجئ على الذی أزاح الظلام عن الصبح، أو ربّ کل ما ینفلق عنه، کالمطر والنبات والعیون والأولاد (من شرّ ما خلق) من شرّ ذی نفسٍ وغیره جسماً کان أو عرضاً (ومن شرّ غاسق إذا وقب) أی من شر اللیل الحالک أو الشدید الظلمة إذا دخل ظلامه، وتخصیصه بهجوم البلاء فیه غالباً. (ومن شرّ النفاثات فی العقد) النساء أو النفوس السواحر اللواتی ینفثن ـ ینفخن ـ بریق أو بدونه فی العقد التی تصنع من الخیوط المرقاة، وعُرفت دون غاسق وحاسد لأن کلّ نفاثة شریة بخلافهما. (ومن شر حاسد إذا حسد) أی الذی یُظهر حسده، وفعل ما یحمله علیه، وتخصیص الثلاثة بعدما یعمها، وهو (ما خلق) لشدة شرّها.
(بسم الله الرحمن الرحیم)
(قل أعوذ بربّ الناس ملک الناس إله الناس).
خصّوا بالذکر تشریفاً لهم، وملک الناس، إله الناس عطف بیان إذ لیس کل رب ملکاً، ولیس کل ملک رباً أو إلهاً، وهذه الثلاثة تؤذن بکمال قدرته على الإعادة وتکریر الناس لزیادة التشریف والبیان (ومن شر الوسواس) اسم بمعنى الوسوسة، أرید به الشیطان سُمِّیَ بفعله مبالغة (الخناس) لأنه یخنس أی یتأخر إذا ذکر العبد ربه. (الذی یوسوس فی صدور الناس) یوسوس عندما یجدهم غافلین عن ذکر رب السموات والأرضین (من الجنة والناس) بیان للوسواس، أی الشیطان أو للذی یوسوس من الإنس، لأن الوسواس قد یکون جنیاًّ وقد یکون إنسیاً، اللهم اکفنا شر الجنّ والإنس، واغفر لنا، ما تعمدنا، وأخطأنا، ونسینا، وسهونا، واعف عنا، وارحمنا برحمتک یا أرحم الراحمین.
قال إبلیس:(خمسة لیس لی فیهن حیلة وسائل الناس فی قبضتی: من اعتصم بالله عن نیة صادقة، واتکل علیه فی جمیع أموره، ومن کثر تسبیحه فی لیلة نهاره، ومن رضی لأخیه المؤمن ما یرضاه لنفسه، ومن لم یجرع على المصیبة حتى تصیبه، ومن رضیَ بما قسَّ الله له، ولم یهتم لرزقه)(8).
قال الإمام الصادق جعفر بن محمد علیه السلام بعد أن قال له جمیل بن درّاج: إنه یقع فی قلبه أمرٌ عظیم فقال"ع": (قل لا إله إلا الله، فقال جمیل: کلّما وقع فی قلبی شیء قلت لا إله إلا الله فیذهب عنِّی)(9).
وجاء فی تفسیر المیزان: (إن المراد من اتّباع خطوات الشیطان لیس اتّباعه فی جمیع ما یدعو إلیه من الباطل بل اتّباعه فیما یدعو الله من أمر الدین بأن یزیّن شیئاً من طرق الباطل بزینة الحقّ ویسمی ما لیس من الدین باسم الدین فیأخذ الإنسان به من غیر علم)(10).
إن التعامل مع الأفراد الذین یشعرون بإلقاءات الشیاطین فی نفوسهم ینبغی أن یکون دقیقاً، وحذراً، کالتعامل مع أیّ مریض، کون المبتلی بالوسواس لا یعدو أن یکون مریضاً وغلاّ ما صدرت عنه تلک الأفکار والأفعال التی لا ترتبط بالواقع المعاش.
فالغضب، والانتقاد، والشدّة فی الحدیث یزید فی مرض افرد الوسواسی، وعندها یضحى مجنوناً، لذا ینبغی أن نجامله ونسایره مدة من الزمن کیّ تخف وطأة المرض علیه فیتعافى بإذن من الله تبارکت أسماؤه.
اللهم إنا نسألک وندعوک بحق بنت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) الزهراء البتول سلامک علیها أن تجعل الشفاء من نصیب مرضى المسلمین وخصوصاً أولئک المبتلین بالوساوس والخیالات إنک أرحم الراحمین وصلیّ اللهم على محمّد وأهل بیته الطیبین الطاهرین.
المصادر :
1- أصول الکافی/ ج4، ص156.
2- الأعراف/16 و 17
3- غرر الحکم.
4- بحار الأنوار/ ج73، ص140.
5- النساء/118، 119
6- النساء/119
7- الإسراء/64
8- بحار الأنوار/ ج69، ص378.
9- أصول الکافی/ ج4، ص155.
10- المیزان/ ج2، ص101.



source : راسخون
  401
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

لا يحبّك إلا طاهر الولادة ولا يبغضك إلا خبيث الولادة
أهل البيت القدوة الصالحة والنموذج الأمثل
أهميّة إحياء ليالي القدر وكيفية الاستفادة من ملكوتها
الشهادة في الاطار الاجتماعي
مراتب وأقسام التوحید
الحرية في الإسلام.. مرتكزاتها ومعالمها
من معاجز أمير المؤمنين عليه السّلام
اليقين والقناعة والصبر والشکر
ضریبة الخمس
علي الأكبر شبيه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

 
user comment