عربي
Monday 30th of November 2020
  12
  0
  0

الإمام الكاظم عليه السلام و القيادة السياسيّة

الإمام الكاظم عليه السلام و القيادة السياسيّة
ركّز الإمام موسى الكاظم(عليه السلام) على مسألة القيادة والولاية الشرعية المتمثّلة بالإمام المعصوم والموقف من القيادة السياسية المنحرفة، وتعريف الخواص بالإمامة والقيادة الحقة عبر أساليب تربويّة.
وفي هذا الاتجاه قام الإمام(عليه السلام) تعميقاً لهذا المعنى ـ بعدة نشاطات:

النشاط الأوّل : في المجال الفكري

فقد عمق الإمام(عليه السلام) الاُسس والثوابت العقائدية والفكرية التي اسّس لها الأئمة (عليهم السلام) من قبله، والتي تشكّل تحصينات وقائية تطرد بدورها الفكر المضاد والدخيل الذي تعتمده الخلافة العباسية في نظرية الحكم والتي تحاول به الخلط بين ماهو أصيل ودخيل بهدف تضليل الاُمة بعد ما رفعت شعار الدعوة الى الرضيّ من آل محمّد.
لذا أعطى الإمام (عليه السلام) مقياساً واضحاً تميّز به الاُمّة وتطبقه على كل من يدّعي القيادة والخلافة الشرعية.
فعن أبي بصير عن أبي الحسن الماضي(عليه السلام) قال: دخلت عليه فقلت له: جعلت فداك بم يعرف الإمام؟ فقال:«بخصال : أمّا أوّلهن فشيء تقدم من أبيه فيه، وعرّفه الناس، ونصّبه لهم علماً، حتى يكون حجّة عليهم،لأن رسول الله نصّب علياً(عليه السلام) علماً وعرّفه الناس، وكذلك الأئمة يعرّفونهم الناس وينصبونهم لهم حتى يعرفوه، ويسأل فيجيب، ويسكت عنه فيبتدي، ويخبر الناس بما في غد، ويكلّم الناس بكلّ لسان»(1).
وجاء عن أبي خالد الزبّالي أنه قال: «نزل أبو الحسن(عليه السلام) (موسى الكاظم) منزلنا في يوم شديد البرد في سنة مجدبة، ونحن لا نقدر على عود نستوقد به فقال: يا أبا خالد ائتنا بحطب نستوقد به.
قلت : والله ما أعرف في هذا الموضع عوداً واحداً.
فقال: كلاّ يا أبا خالد! ترى هذا الفجّ؟ خذ فيه فإنك تلقى أعرابياً معه حملان حطباً فاشترهما منه ولا تماسكه.
قال: فركبت حماري وانطلقت نحو الفجّ الذي وصف لي فإذا اعرابي معه حملان حطباً فاشتريتهما منه وأتيته بهما، فاستوقدوا منه يومهم ذلك . وأتيته بطرف ما عندنا فطعم منه.
ثم قال: يا أبا خالد! انظر خفاف الغلمان ونعالهم فأصلحها حتى نقدم عليك في شهر كذاوكذا.
قال أبو خالد: فكتبت تاريخ ذلك اليوم فركبت حماري في اليوم الموعود حتى جئت الى لزق ميل(2) ونزلت فيه فإذا أنا براكب مقبل نحو القطار فقصدت إليه فإذا يهتف بي ويقول: يا أبا خالد!
قلت: لبيك جعلت فداك.
قال: أتراك وفيناك بما وعدناك؟ ثم قال: يا أبا خالد! ما فعلت بالقبتين اللتين كنا نزلنا فيهما؟
فقلت: جعلت فداك قد هيأتهما لك. وانطلقت معه حتى نزل في القبتين اللتين كان نزل فيهما.
ثم قال: ما حال خفاف الغلمان ونعالهم؟ قلت: قد أصلحناها فأتيته بهما. فقال(عليه السلام) : يا أبا خالد سلني حاجتك؟
فقلت: جعلت فداك أخبرك بماكنت فيه. كنت زيدي المذهب حتى قدمت عليّ وسألتني الحطب، وذكرت مجيئك في يوم كذا، فعلمت أنك الإمام الذي فرض الله طاعته.
فقال(عليه السلام): يا أبا خالد من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية وحوسب بما عمل في الإسلام»(3).

النشاط الثاني : في المجال العملي

كان الإمام(عليه السلام) يحاسب شيعته واتباعه المتعاطفين مع الحكّام والولاة ولا يسمح لهم بالانخراط في دائرة الظالمين واعوان الظالمين إلاّ في موارد خاصة كان هو الذي يأمر بها ويشرف على سيرها وتصرّفاتها.
قال زياد بن أبي سلمة دخلت على أبي الحسن موسى(عليه السلام) فقال لي : يا زياد، انك لتعمل عمل السلطان ؟
قال : قلت أجل : قال لي : ولم؟!
قلت : أنا رجل لي مروّة وعليّ عيال وليس وراء ظهري شيء.
فقال لي : يا زياد لان أسقط من على حالق ( المكان الشاهق ) فأقطّع قطعة قطعة، أحب اليّ من أن أتولّى لاحد منهم عملا أو أطأ بساط رجل منهم، إلاّ، لماذا ؟
قلت : لا أدري جعلت فداك.
قال : إلاّ لتفريج كربة عن مؤمن، أو فكّ أسره، أو قضاء دينه.
يا زياد! إنّ أهون ما يصنع الله بمن تولّى لهم عملا أن يضرب عليه سرادقاً من نار الى أن يفرغ من حساب الخلائق.
يا زياد! فان وليت شيئاً من أعمالهم، فأحسن الى اخوانك، فواحدة بواحدة والله من وراء ذلك.
يا زياد! أيّما رجل منكم تولى لاحد منهم عملا، ثم ساوى بينكم وبينهم، فقولوا له : أنت منتحل كذاب .
يازياد! اذا ذكرت مقدرتك على الناس فاذكر مقدرة الله عليك غداً ونفاذ ما أتيت اليهم عنهم، وبقاء ما أتيت اليهم عليك»(4).
ويأتي إخبار الإمام الكاظم(عليه السلام) باُمور مستقبليّة ـ مثل إخباره بموت المنصور قبل تحقّقه وهو في أوج قدرته ـ دليلاً عمليّاً وحسيّاً آخر على مبدأ إمامته، فضلاً عن ما يفرزه هذا الإخبار بالمستقبل من آمال بانفراج الأزمة التي كانت تتمثّل في عتوّ المنصور وجبروته.
الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) يخبر بموت المنصور
وأراد أبو جعفر المنصور الذهاب الى مكة ـ وذلك قبيل وفاته ـ فأخبر الإمام(عليه السلام) بعض خواص الشيعة بموته قبل أن يصل اليها. وفعلا مات قبل الوصول اليها كما أخبر به الإمام(عليه السلام) .
قال علي بن أبي حمزة: سمعت أبا الحسن موسى(عليه السلام) يقول: «لا والله لا يرى أبو جعفر بيت الله أبداً.
فقدمت الكوفة فأخبرت أصحابنا، فلم نلبث ان خرج فلمّا بلغ الكوفة قال لي أصحابنا في ذلك فقلت : لا والله لا يرى بيت الله أبداً.
فلما صار الى البستان اجتمعوا أيضاً اليَّ فقالوا: بقي بعد هذا شيء ؟ قلت: لا والله لا يرى بيت ا لله أبداً.
فلما نزل بئر ميمون أتيت أبا الحسن(عليه السلام) فوجدته في المحراب قد سجد فأطال السجود ثم رفع رأسه اليَّ فقال: اخرج فانظر ما يقول الناس. فخرجت فسمعت الواعية على أبي جعفر فأخبرته. قال: الله أكبر ما كان ليرى بيت الله أبداً»(5).
وهكذا انتهت حياة المنصور العبّاسي واستولى على الحكم من بعده ابنه المهدي وذلك في سنة ( 158 هـ ) ، وبذلك بدأ عهد سياسي جديد له ملامحه وخصائصه. وسوف نرى مواقف الإمام الكاظم(عليه السلام) الرساليّة في هذا العهد الجديد.
الإمام الكاظم (عليه السلام)وحكومة المهدي العبّاسي
ويمكن أن نوجز ملامح حكومته وعهده فيما يلي :
أولا : لم يطرأعلى سياسية الخليفة العبّاسي المهدي أيّ تغيير يعول عليه، فقد التزم بالنهج العبّاسي كخط ثابت واستوحى منه ما يجب أن يعمله من تفصيلات قد تستحدث أثناء سلطته، وسار على ما سار عليه الخلفاء العبّاسيون من قبله، نعم طرأ بعض التغيير لصالح العلويين بعد ذلك التضييق الشديد من المنصور على العلويين فكانت مصلحة الحكم تقتضي شيئاً من المرونة، الأمر الذي دعا الإمام(عليه السلام) أن يستغل هذه المرونة التي اتّخذها المهدي العبّاسي لصالح اتباعه وتوسعة نشاطه ومحاور تحرّكه.
ثانياً : إنّ المرونة التي طرأت على سياسة المهدي العبّاسي مع العلويين كانت في بداية حكمه وتمثلت فيما أصدره من عفو عام عن جميع المسجونين وفي ردّ جميع الاموال المنقولة وغير المنقولة والتي كان قد صادرها أبوه ظلماً وعدواناً الى أهلها، فردّ على الإمام موسى الكاظم(عليه السلام) ما صادره أبوه من أموال الإمام الصادق(عليه السلام).
ثالثاً : بعد أن نشط الإمام(عليه السلام) وذاع صيته خلال حكم المهدي استخدم المهدي سياسة التشدد على الإمام موسى الكاظم(عليه السلام)، فلقد استدعاه إلى بغداد وحبسه فيها ثم ردّه إلى المدينة(6).
وكان ذلك في أواخر حكم المهدي تقريباً. كما خطط في هذه المرّة لقتل الإمام عن طريق حميد بن قحطبة، حيث دعا المهدي حميد بن قحطبة نصف الليل وقال: إنّ إخلاص أبيك وأخيك فينا أظهر من الشمس، وحالك عندي موقوف.
فقال: أفديك بالمال والنفس، فقال هذا لسائر الناس.
قال: أفديك بالروح والمال والأهل والولد، فلم يجبه المهدي.
فقال أفديك بالمال والنفس والأهل والولد والدين فقال: لله درّك.
فعاهده المهديّ على ذلك وأمره بقتل الإمام الكاظم (عليه السلام) في السُحرة(7)بغتة، فنام فرأى في منامه علياً يشير اليه ويقرأ: (فهل عسيتم ان توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطّعوا أرحامكم)(8).
فانتبه مذعوراً، ونهى حميداً عمّا أمره، وأكرم الإمام الكاظم(عليه السلام) ووصله(9).
رابعاً : شجّع المهدي الوضّاعين في زمنه فقام هؤلاء بدوراعلامي تضليلي فأحاطوا السلاطين بهالة من التقديس وأبرزوهم في المجتمع على أنهم يمثلون ارادة الله في الارض وأن الخطأ لا يمسّهم فمثل غياث بن ابراهيم الذي عرف هوى المهدي في الحَمام وعشقه لها فحدّثه عن أبي هريرة أنه قال :
لا سبق إلاّ في حافر أو نصل ـ وزاد فيه ـ أو جناح.
فأمر له المهدي عوض افتعاله للحديث بعشرة آلاف درهم، ولمّا ولّى عنه قال لجلسائه:
أشهد أنه كذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قال رسول الله ذلك ولكنه أراد أن يتقرب اليّ(10).
وأسرف المهدي في صرف الاموال الضخمة من أجل انتقاص العلويين والحطّ من شأنهم فتحرّك الشعراء والمنتفعون وأخذوا يلفّقون الأكاذيب في هجاء العلويين ومن جملة هؤلاء الزنديق مروان بن أبي حفصة .
ولمّا سمع الإمام موسى الكاظم(عليه السلام) بقصيدة مروان تأثّر أشدّ التأثّر، وفي الليل سمع هاتفاً يتلو عليه أبياتاً تجيب على أبيات بشار وهي:
أنى يكون ولا يكون ولم يكن***للمشركين دعائم الاسلام
لبني البنات نصيبهم من جدهم***والعم متروك بغير سهام
ما للطليق وللتراث وانما***سجد الطليق مخافة الصمصام
وبقي ابن نثلة واقفاً متلدداً***فيه ويمنعه ذوو الأرحام
إنّ ابن فاطمة المنوّه باسمه***حاز التراث سوى بني الاعمام(11).
خامساً : لقد شاع اللهو وانتشر المجون وسادت الميوعة والتحلّل في حكم المهدي العباسي . وبلغ المهدي حسن صوت ابراهيم الموصلي وجودة غنائه فقرّبه اليه وأعلى من شأنه(12).
ولقد استغرق المهدي في المجون واللهو وظن الناس به الظنون واتهموه بشتى التهم والى ذلك أشار بشار بن برد في هجائه ايّاه .
خليفة يزني بعمّاته***يلعب بالدف وبالصولجان
أبدلنا الله به غيره***ودسّ موسى في حر الخيزران(13)
سادساً : إنّ جميع ما أخذه المنصور من أبناء الاُمة ظلماً وعدواناً وجمعه في خزانته وبخل عن بذله لإعمار البلاد واصلاح حال الاُمة قد بذله المهدي على شهواته حتى أسرف في ذلك بالرغم من كل ما شاهد من البؤس والفقر التي كانت حاضرة أمام الناظرين أيّام حكومته.
وقد روي من بذخه واسرافه ما بذله لزواج ابنه هارون من زبيدة حتى قال معتز عن بدلة ليلة الزفاف: بأن هذا شيء لم يسبق اليه أكاسرة الفرس ولا قياصرة الروم ولا ملوك الغرب(14).
سابعاً : انّ السفّاح والمنصور لم يسمحا لنسائهما بالتدخل في شؤون الدولة ولكن المهدي لمّا استولى على الحكم بدأ سلطان المرأة ينفذ الى البلاط فزوجته الخيزران أصبحت ذات نفوذ قوي على القصر تقرب من تشاء وتبعّد من تشاء. ومن هذا العصر أخذ نفوذ المرأة يزداد ويقوى في بلاط الحكّام العباسيين حتى بلغ نهايته في أواسط العهد العباسي واستمر حتى نهاية حكمهم(15).
ثامناً : انّ انشغال المهدي باللهو من جانب وحاجته الى الاموال من جانب آخر شجّع عمّاله على نهب الاموال وسلب ثروات الاُمة حتى انتشرت الرشوة عند الموظّفين وتشدّد ولاته في أخذ الخراج . بل عمد المهدي نفسه الى الاجحاف بالناس فأمر بجباية أسواق بغداد وجعل الأجرة عليها(16).
هذه هي بعض الظواهر التي جاء بها عصر المهدي لتضيف كاهلاً آخر للتركة التأريخية المؤلمة التي خلفها بنو العباس والأمويون من قبلهم على الاُمة .
وقد نشط الإمام الكاظم (عليه السلام) مستغلاً هذه الفرصة المحدودة فكان برنامجه يتوزّع على خطين :
1 ـ خط التحرك العام في دائرة الاُمة والانفتاح عليها بهدف إصلاحها ضمن صيغ وأساليب سياسية وتربوية من شأنها إعادة الاُمة إلى وعيها الإسلامي وقيمها الرسالية .
2 ـ خط بناء الجماعة الصالحة وتأصيل الامتداد الشيعي فتوجّه خلال هذهِ الفترة القصيرة بكل قوة نحو هذا الخط حتى جاء دور الرشيد فضيّق على الإمام (عليه السلام) وسجنه ثم قام بتصفية نشاطه وحياته (عليه السلام) .
المصادر:
1- قرب الاسناد: 265 ح 1263، واُصول الكافي: 1/285 ح 7، والإرشاد: 2/224، ودلائل الإمامة: 169 وعن الإرشاد في اعلام الورى: 2/22.
2- اللزق بالكسر: اللصق يقال «هو بلزقي» أي بجنبي .
3- مناقب آل أبي طالب: 4/319 وعنه في بحار الأنوار : 48 / 77.
4- الكافي : 5 / 109 ـ 110 وعنه في بحار الأنوار : 48 / 172 .
5- قرب الاسناد: 264 ح 1259 وعنه في بحار الأنوار : 48 / 45 .
6- قرب الاسناد : 140 ، البحار : 48 / 228 ح 32 واخرجه المالكي في الفصول المهمة : 216 والشبلنجي في نور الأبصار : 165.
7- السُحرة بالضم: السحر.
8- محمد (47): 22 .
9- المناقب : 4 / 325 وعنه في بحار الأنوار : 48 / 139 ح15 ، تاريخ بغداد : 13 / 30 ، وعنه في تذكرة الخواص : 313 ووفيات الاعيان : 5 / 308 .
10- تاريخ بغداد : 2 / 193.
11- الاحتجاج للطبرسي: 2/167، 168.
12- الاغاني : 5 / 5 .
13- شذرات الذهب : 1 / 365.
14- راجع حياة الإمام موسى بن جعفر : 1 / 439 ـ 440 .
15- حياة الإمام موسى بن جعفر : 1 / 441 .
16- تاريخ اليعقوبي : 2 / 399 .

 

 


source : راسخون
  12
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

أسرار مآتمنا المختصّة بأهل البيت (عليهم السّلام)
أهمية دراسة الشخصيات التاريخية
الإمام الحسن المجتبى ( عليه السلام ) رجل الثورة الصامتة
سني يثبت عدد الأئمة من القرآن
الدور الأحسائي في الخطابة الحسينيّة
التفویض المطلق
القاضي عبد الجبار وبلاغة القرآن
طبيبٌ دَوَّارٌ بطبه
أفأنت تکره الناس
تعيين المرجعية

 
user comment