عربي
Saturday 4th of February 2023
0
نفر 0

على بيت الوحي-2

بدأ الغارة!

إلى هنا كان الحديث عمّا ورد في المصادر التاريخية عن سوء نيّة الخليفة وأعوانه في هذه الواقعة، ولكن البعض لم يرغبوا أو لم يحالفهم الحظ في تصوير الفاجعة كما هي، أي الهجوم على البيت و... ولكنّهم ازاحوا الستار قليلاً عن وجه الحقيقة، ونشير هنا إلى الوثائق التي تشير إلى تلك الغارة الشنيعة (وفي هذا القسم أيضاً ننقل الحوادث التاريخية التي واكبت الغارة من مصادرها بالترتيب الزماني).

 

6 ـ ابو عبيد في كتابه «الاموال»

نقل أبو عبيد قاسم بن سلام (المتوفي 224) في كتابه المسمى بـ «الاموال» الذي يعتبر مورد اعتماد فقهاء الاسلام:

عن عبد الرحمن بن عوف قال: دخلت على أبي بكر في مرضه عائداً... فقال بعد كلام طويل:

«أجل إنّي لا آسى عن شيء من الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهنّ وددت أنّي تركتهن، وثلاث تركتهنّ وددت أنّي فعلتهنّ ـ إلى أن قال ـ: فأمّا الثلاث التي فعلتهنّ وددت إنّى تركتهنّ.. ـ منها ـ:

«فوددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة وتركته وأن أغلق على الحرب».(17)

عندما يصل أبو عبيد إلى هذا الكلام يقول بدل جملة:

«لم أكشف بيت فاطمة وتركته» ثمّ يقول: كذا وكذا ويضيف بأنّه لا يرغب في التصريح!

ومع ذلك فكلما سعى «أبو عبيد» إلى طمس الحقيقة بسبب التعصب المذهبي أو لسبب آخر، فان المحققين لكتاب «الاموال» يذكرون في هامش الكتاب أن الجمل المحذوفة وردت في كتاب «ميزان الاعتدال» بالنحو المذكور آنفاً ومضافاً إلى ذلك فان «الطبراني» في معجمه و«ابن عبد ربه» في «العقد الفريد» وآخرين قد ذكروا تلك الجمل المحذوفة. (فتدبر)

 

7 ـ الطبراني والمعجم الكبير

نقل ابو القاسم سليمان بن احمد الطبراني (260 ـ 360) ـ الذي يقول في حقّه الذهبي في «ميزان الاعتدال»: الحافظ
الثبت المُعَمَّر(18) ـ في كتاب «المعجم الكبير» ـ والذي طبع كراراً ـ كلاماً حول أبي بكر وخطبه ووفاته:

ودّ ابو بكر عند موته اموراً:

«ثلاث فعلتهنّ وددت أنّي تركته

ثلاث تركتهنّ وددت أنّي فعلته

أمّا الثلاث اللائي وددت أني لم أفعلهنّ

فوددت إنّي لم أكن أكشف بيت فاطمة وتركته ...».(19)

هذه الكلمات تكشف لنا بوضوح أن تهديدات عمر قد تحققت عملياً، ولو كان هذا أمراً بسيطاً لما تأسف عليه الخليفة في آخر عمره.

 

8 ـ ابن عبد ربه و«العقد الفريد»

نقل ابن عبد ربه الاندلسي مؤلف كتاب «العقد الفريد» (المتوفي 463 هـ) في كتابه عن عبد الرحمن بن عوف:

«دخلت على أبي بكر في مرضه الذي توفي فيه... قال: أمّا الثلاث التي فعلتهنّ وددت أني تركتهن ـ منها ـ:

وددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شىء و ان كانوا اغلقوه على الحرب ووددت انّى لم أكن حرقت الفجاءة السّلمي... ووددت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة قَدْ رَميْتُ الأمر في عنق اَحَدِ رجلين - يريد عمر وأبا عبيدة».(20)

 

9 ـ كلام النظّام في كتابه «الوافي بالوفيات»

نقل ابراهيم بن سيار نظام المعتزلي (160 ـ 231) ـ الذي عرف بالنظّام لروعة كلامه في نظمه ونثره ـ ما وقع بعد حضورهم في دار فاطمة(عليها السلام)في كتب متعددة وقال:

«إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت المحسن من بطنها».(21)

ويا لها من مصيبة فادحة!

 

10 ـ المبرد في كتاب «الكامل»

كتب محمّد بن يزيد بن عبد الأكبر البغدادي (210 ـ 285) الاديب والكاتب الشهير وصاحب المؤلفات القيمة، في كتابه «الكامل» عن عبد الرحمن بن عوف قضيّة تمنيات الخليفة:

«وددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة وتركته ولو أغلق على الحرب».(22)

 

11 ـ المسعودي و«مروج الذهب»

كتب المسعودي (المتوفي 325) في «مروج الذهب»:

«لمّا احتُضِرَ ـ أي أبو بكر ـ قال: أجل إنّي لا آسى عن شيء من الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهنّ وددت أنّي تركتهن ـ منها ـ وددت أنّي لم أكن فتشت بيت فاطمة وذكر في ذلك كلاماً كثيراً».(23)

إنّ المسعودي رغم أنّه يميل عاطفياً إلى أهل البيت(عليهم السلام)ولكنه احترز هنا عن تقرير كلام الخليفة واكتفى بالكناية: ولكنّ الله يعلم وكذلك يعلم عباده بذلك.

 

 12 ـ ابن أبي دارم في كتاب «ميزان الاعتدال»

نقل «احمد بن محمّد» المعروف بـ «ابن أبي دارم» المحدّث الكوفي (المتوفي 357) إذ يقول محمّد بن أحمد بن حماد الكوفي في مدحه «كان مستقيم الأمر، عامة دهره»، نظراً إلى مكانته هذه يقول، قُرأ هذا الحديث في محضره:

.
«إنّ عمر رفس فاطمة حتى اسقطت بمحسن!».(24)

أجل! ما عشت اراك الدهر عجباً!

 

13 ـ عبد الفتاح عبد المقصود في كتابه «الإمام علي»

نقل الغارة على دار الوحي في موردين ونحن نكتفي بواحد منهما، قال عمر:

«والذي نفس عمر بيده، ليخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها»!

قالت له طائفة خافت الله، ورعت الرسول في عقبه: يا أبا حفص، إنّ فيها فاطمة....»!

فصاح لا يبالي «وإن...»

واقترب وقرع الباب، ثم ضربه واقتحمه...

وبدا له علي...

ورنّ حينذاك صوت فاطمة عند مدخل الدار... فان هي إلاّ طنين استغاثة...(25)

الاستغاثة ممن؟ ومن أيّ شيء؟!

 

14 - كتاب مقاتل بن عطية

نختم هذا البحث بحديث آخر من كتاب «مقاتل ابن عطية» في كتاب الامامة والسياسة (رغم أنّ ما لم يقل أكثر مما قال).

كتب في هذا الكتاب:

«إن أبا بكر بعد أخذ البيعة لنفسه من الناس بالارهاب والسيف والقوة أرسل عمر، وقنفذاً وجماعة إلى دار علي وفاطمة(عليهم السلام) وجمع عمر الحطب على دار فاطمة واحرق باب الدار...».(26)

فلم يكن هذا مجرّد تهديد وارهاب! 

 

النتيجة:

هل يصحّ أن يقال مع كلّ هذه الوثائق التاريخية الصريحة المأخوذة بصورة عامة من كتب أهل السنّة المشهورة أنّ استشهادها كان «اسطورة»؟

اين الإنصاف؟

ومن البديهي أنّ كلّ من يقرأ هذا البحث الموجز والذي يقوم على اساس الوثائق والمصادر المعتبرة سوف يدرك جيداً ما حصل من شدة الفتنة بعد رحيل الرسول الاعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) وما ارتكب من أعمال من أجل نيل الحكومة والخلافة وهذه هي الحجّة التامة الدامغة على جميع من يتحرك في فهم الاحداث التاريخية من موقع العقل والانصاف وبعيد عن التعصب والعناد لاننا لا نكتب شيئاً سوى ما ورد في المصادر المعتمدة المعروفة، ولو فرض فرضاً غير مقبول، المناقشة في بعضها ففي الباقي غنى وكفاية والله الهادي إلى سواء السبيل.

* * *

 

والسّـلام

جمادى الثانية 1422

 


1 . فتح الباري في شرح صحيح البخاري، ج 7، ص 63; ونقل البخاري أيضاً هذا الحديث في باب مناقب فاطمة، ج 4، ص 219; وأخرجه المغازي في أواخر، ج 8، ص 110.
2 . سورة التوبة، الآية 61.
3 . مستدرك الحاكم، ج3، ص154; مجمع الزوائد، ج9، ص203; وأورد الحاكم في كتابه المستدرك احاديث جامعة لشرائط الصحة التي يرى البخاري ومسلم لزوم توفرها في صحة الحديث.
4 . مستدرك الحاكم، ج3، ص156.

5 . سورة النور، الآية 36.
6 . الدر المنثور، ج 5، ص 50; تفسير سورة النور، روح المعاني، ج 18، ص 174.
7 . سورة الاحزاب، الآية 33.
8 . الدر المنثور، ج 5، ص 199.

9 . المصنّف ابن أبي شبية، ج 8، ص 572.

10 . انساب الاشراف، ج1، ص586 مطبعة دار المعارف، القاهرة.

11 . الإمامة والسياسة، ص12، طبعة المكتبة التجارية الكبرى، بمصر.

12 . الامامة والسياسة، ص13.
13 . الاعلام، ج 4، ص 137.
14 . معجم المطبوعات العربية، ج1، ص212.

15 . تاريخ الطبري، ج2، ص443، طبع بيروت.

16 . العقد الفريد، ج 4، ص 259، طبع مكتبة دارالكتب العربى، بيروت.

17 . الاموال، الهامش 4، طبع ونشر كليات الازهرية، الاموال، ص144، طبع بيروت وكذلك ابن عبد ربه في العقد الفريد، ج4، ص93، نقله كما سنشير اليه.

18 . ميزان الاعتدال، ج2، ص195.
19 . المعجم الكبير الطبراني، ج1، ص62، رقم الحديث 34، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي.

20 . العقد الفريد، ج 4، ص 268، طبع مكتبة دارالكتب العربى، بيروت.

21 . الوافي بالوفيات، ج6، ص17، الرقم 2444; الملل النحل للشهرستاني، ج1، ص57، مطبعة دار المعرفة، بيروت، وراجع ترجمة النظّام في كتاب «بحوث الملل والنحل» ج3، ص248 ـ 255.

22 . شرح نهج البلاغة، ج2، ص46 و 47، طبع مصر.

23 . مروج الذهب، ج3، ص301، طبع دار الاندلس، بيروت

24 . ميزان الاعتدال، ج 1، ص 139.

25 . عبد الفتاح عبد المقصود، علي بن أبي طالب ،ج4، ص276 ـ 277.

26 . كتاب الامامة والخلافة، ص160، ص161، تأليف مقاتل بن عطية طبع مع مقدمة الدكتور حامد داود استاذ جامعة عين الشمس بالقاهرة، طبع بيروت، ومؤسسة البلاغ.

 

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

نبذ من غريب كلام الإمام علي عليه السلام وشرحه ...
تعريف المال عند علماء الشريعة
مكانه فاطمه الزهراء عند ابيها الرسول
عهد الإمام المهدي المنتظر عهد الكفاية والرخاء ...
ولادة الإمام محمد الجواد(عليه السلام)
أسماء شهر رمضان
الإمام الباقر في رحاب العلم والعلماء
أين يقع غدير خُمّ؟
الإمام الحسن (ع)
الرمز في القرآن الكريم وتفسيره

 
user comment