عربي
Monday 30th of November 2020
  955
  0
  0

محاولات ابليس

محاولات ابليس


الأمور التي حاول إبليس أن يغري آدم عليه السلام بها {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} هي:
 [أن الأكل من الشجرة يحقق له أموراً ثلاثة، تهمه جداً.. أشار إليها تعالى بقوله: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى}..
وبقوله: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}..
وهذه الأمور الثلاثة هي التي تحل المشكلات الثمانية التي كنا قد أشرنا سابقاً إلى أن إبليس كان بحاجة للتغلب عليها، وتجاوزها..
فالأمور التي ركز عليها إبليس هي التالية:
1 ـ النبي آدم (عليه السلام).. والملك:
فأما بالنسبة للملك، فنقول: كأن إبليس لعنه الله قد قال لآدم: لو أكلت من هذه الشجرة سواء أكلت من شخصها أو من جنسها، فإن ذلك لا يضرك، بل إن الله سيؤتيك ملكاً، ولكن لا لأجل إرضاء شهوة السلطة، والقوة، والنفوذ عندك.. لأنه يعلم أنك لا تعيش هذا الجو، ولا تهتم لمثل هذه الامور، بل لكي تتهيأ لك الفرص المتنوعة، وتنفتح لك أبواب الطاعات المختلفة، حيث تملك الكثير من وسائل القربات التي تمكنك من الحصول على المزيد من درجات القرب والرضا، فإن لكل طاعة درجاتها التي تناسبها، ومقاماتها التي تلائمها.
ولا تحتاج في حصولك على هذه الوسائل الى بذل أي جهد يصرفك عن الاستغراق في الله والانهماك فيما يرضيه.
فالمال الكثير يمكن أن يفتح لك أبواباً كثيرة من القربات المتنوعة التي قد لا تتيسر لك بدونه فإنه: نعم المال الصالح للرجل الصالح (1)، كالصدقات، وبناء المدارس وتمهيد المسالك، وإنشاء المعابر والجسور، وتشييد المساجد، وطبابة المرضى، وغير ذلك مما يتعذر عدّه وحصره..
والجاه العريض يسهل لك الحصول على طاعات وقربات متنوعة أخرى، فإنك بواسطة نفوذك، وموقعك، وجاهك، تستطيع أن تقضي حاجات كثيرة جداً للمؤمنين لدى أهل الجاه والقوة والنفوذ، وتأمر بمعونتهم، وتعمل على إيجاد المرافق التي تحفظ لهم بها عزتهم، وكرامتهم، وسؤددهم..
وبواسطة قوتك، وجندك، وأعوانك، تتمكن من أن تحفظ للناس أمنهم، وتدفع عنهم الأسواء، وتكبت عدوّهم، وتقيم العدل فيما استخلفك الله تعالى فيه.
فالملك إذن يفتح أمامك الكثير من الأبواب، ويهييء لك الكثير من الوسائل، وبدونه، فإنك لا تستطيع أن تمارس إلا أنواعاً محدودة من الطاعات، كالصلاة، والصوم، والاستغفار، ونحو ذلك..
2 ـ لا يبلى:
وهل يستطيع إنسان هو في مستوى نبي أن يتجاهل هذه الحقيقة، فيؤثر لذّة عارضة على هذه النعمة العظيمة الباقية، أم أن عليه أن يندفع لنيل أمر كهذا، ويعمل ما بوسعه للحصول على مثل هذه الوسائل والقدرات؟ خصوصاً إذا عرف أنها ليست مما يضعف أو يتلاشى، ولا هي من الأمور العارضة، بل هي سوف تبقى وتستمر بنفس القوة، وبنفس الفاعلية والتأثير..
وهو ما أشير إليه في قوله تعالى: {لا يَبْلَى}.. أي لا يتأثر بتقادم الزمن، ومر الدهور، فلا يصاب بالوهن، ولا يتعرض للتلاشي..
نعم.. إن من يؤثر لذة عارضة على نيل مقامات القرب والزلفى من الله:
إما أنه يعاني من خلل في إدراكه!.
أو من نقص في حكمته وتدبيره!.
أو من عدم وضوح في الرؤية لديه!.
أو من نقص في إيمانه!.
وبكلمة واحدة: إنه يعاني من اختلال في حالة التوازن في شخصيته.
وليس ذلك هو النبي آدم عليه السلام، بل النبي آدم هو الإنسان الكامل في مختلف مزاياه، فلا يمكن أن يختار إلا ما يسانخ كماله هذا..
وإلا لأصبح الناس العاديون جداً أقرب إلى رضا الله منه عليه السلام، إذ ما أكثر الذين يندفعون للتضحية بكل ما يملكون، وحتى بأنفسهم ـ فضلاً عن التخلي عن ملذاتهم، في سبيل مبادئهم العليا، وأهدافهم السامية.
3 ـ الملائكة:
وقال إبليس لعنه الله: للنبي آدم عليه السلام أيضاً: إن فائدة الأكل من الشجرة هي أن يصبح تكوينك يا آدم مسانخاً لتكوين الملائكة، حيث تُسْتَأصَل من داخلك ميولك وغرائزك، ليكون الخير طبيعتك وسجيتك، فلا شهوات لديك، ولا غرائز عندك، تعيقك عن السعي نحو ما تطمح إليه من حيث أنها تخلق لك حاجات تحتاج معها إلى بذل جهد للحصول على ما يلبّيها من الحلال الطيب..
بل إنك حين تصبح من سنخ الملائكة، لا يبقى لديك حاجة إلى طعام أو شراب، ولا إلى ما يكنّك من الحر والبرد، وما إلى ذلك.. فليس لديك ما له أدنى أثر في صرفك عن اهتماماتك، أو يؤثر في وهن عزيمتك، فتكون خالصة لله سبحانه، ولله وحده.
4 ـ الخلود في طاعة الله:
وكان قد قال لآدم عليه السلام أيضاً: إن طموحك يا آدم (عليه السلام) هو أن يكون عمرك مديداً ومديداً جداً، ولكن لا لتستفيد من لذائذ الحياة الدنيا ونعمها، بل أنت تفكر بخلد يتناسب مع طموحاتك كإنسان طاهر ونبيل، ومن حيث إنك صفوة الله، ليس فيك أية شائبة لسواه، فأنت تطمح لخلد يهيء لك الفرصة لطاعة الله، والتقرب إليه، وتصرف عمرك كله في الطاعة وفي العبادة..
إنك لا تريد الخلود كراهة منك للموت، أو استجابة لشهوة حب البقاء، أو نحو ذلك، وإنما تريد الخلود ليمكنك الاستمرار والبقاء في طاعة الله سبحانه من موقع القوة والاقتدار على صنوف الطاعات، ومن موقع الغنى، فتصل بعبادتك وجهادك إلى مقام بعد مقام، فلا يدفعك جوع، أو عطش، أو حر، أو برد، أو عدو، أو مرض، أو نحو ذلك إلى تلمُّس ما يدفع ذلك عنك، مما قد يبطىء حركتك باتجاه هدفك السامي.
والشاهد على أن هذا هو طموح النبي آدم عليه السلام هو سعيه لنيل صفة الملائكية التي تعني التخلص من الغرائز والمؤثرات، والشهوات، والصوارف، التي يحتاج إلى بذل جهد في مدافعتها، وإبطال تأثيرها..
وهذه هي أمنية كل مؤمن حسب ما جاء في الأدعية الشريفة الواردة عن الأئمة (عليهم السلام).
فهذه العروض التي وضعها إبليس أمام النبي آدم عليه السلام، تنسجم مع أهدافه التي يرى نفسه ملزماً بالسعي إليها، والحصول عليها..
فإنها كما قد يقال: لكن قوله: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ}.. إشارة إلى أن الله لا يريد لكما ذلك، فكيف يطلب النبي آدم عليه السلام ويسعى وراء أمر لا يريده الله له؟!
وقد يجاب: أن عدم إرادة الله له ذلك، ليس لحرمته عليه، بل لأنه لا يريد له ذلك. لما فيه من الشقاء والتعب، والعيش الضنك، ولكن إذا اختار هو تحمل ذلك، فسيكون من المفلحين..
الترديد في عروض إبليس، لماذا؟.
أما الترديد الذي ظهر في كلام إبليس، حين قال: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}..
فإنه لم يرد في سياق التشكيك فيما سيحصل عليه، بل جاء على سبيل منع الخلو، ليكون المعنى: أنه إذا أكل من الشجرة فسيحصل على شيء هام جداً، بحيث لا يخلو من أحد هذين الأمرين على أقل تقدير، هذا إن لم يحصل عليهما معاً.
أي أن يكون الترديد هو في متعلق النهي، بمعنى أن الشجرة جامعة للوصفين معاً، لكن إبليس يزعم أنه لا يدري أي الوصفين كان سبب نهي الله له عنها، هل هو هذا الوصف؟ أو ذاك الوصف؟.
أو أنه لا يدري: هل الوصفان معاً موجودان في الشجرة؟!، أو الموجود هو أحدهما؟!..

اندفاع آدم (عليه السلام) طبيعي:
وقد عبر الله سبحانه عن هذه الطريقة الالتفافية، وهذا التمويه للأمور، بأنه تدلية تارة. أي تقريب وإيصال، وبأنه وسوسة أخرى. وهي إلقاء الكلام من طرف خفي.. وكلا الأمرين حاصل في المورد..
وقد حاول إبليس أن يخبر آدم عليه السلام بأمور تفرض عليه أن يندفع للأكل من الشجرة، وكأنه لا يشعر بأن أحداً يطلب منه ذلك أو يدفعه إليه، خصوصاً إذا لاحظنا الرواية التي تحدثت عن تخفي إبليس بين لحيي حية، وما أخبره به من عدم منع الملائكة له، فيما لو اقترب إليها، كما تقدم.
لو لم يأكل من الشجرة لاستحق الطرد الإلهي:
وبعد هذا الذي قدمناه، فإنه لا يمكن للنبي آدم عليه السلام أن يقف من هذا الأمر موقف اللامبالاة، فضلاً عن أن يرفضه وينأى بنفسه عنه، ما دام أن ذلك يدخل في سياق أهدافه، ويجسد له طموحاته النبيلة والصالحة، كأفضل وأتم وأعلى ما يكون التجسيد. فقد أصبح ملزماً بملاحقة حتى الاحتمال مهما كان ضعيفاً وموهوناً.. لأنه كان على استعداد للتضحية بكل غال ونفيس من أجل الوصول إلى تلك الأهداف السامية..
ولو أنه قصر في طلب هذا الأمر، وفي التحقق منه، لزال استحقاقه لمقام النبوة، ولم يعد أهلاً لمواقع القرب والرضا والزلفى.. بل كان مستحقاً للطرد والإبعاد عن رحمة الله سبحانه، ومن الجنة بصورة قاسية ومهينة، لأن ذلك معناه أنه يؤثر الخلود إلى الأرض، والاستجابة إلى شهواته وغرائزه على رضا الله تعالى، وعلى مواقع الكرامة والزلفى منه جلّ وعلا..

إحتياطات ضرورية:
ولكن كان على النبي آدم أن يحتاط لنفسه، فيختار الأكل من سنخ الشجرة، لا من شخص المنهي عنه، ليكون بذلك قد امتثل النهي الإلهي تأدباً مع الله سبحانه، ثم احتاط لنفسه بمقاسمة إبليس على صحة ما يدعيه..
المقاسمة تفرض الأكل من الشجرة
 فقد كان من الطبيعي: أن يلاحق النبي آدم عليه السلام هذه الاحتمالات، ويسعى لتأكيدها، ولو عن طريق فرض القسم على إبليس لعنه الله. وإخراج الأمر من يده ليصبح في عهدة الله تعالى، ليكون هو الكافل والضامن..
هذا وقد أشارت كلمة [قاسمهما] التي هي مثل ضارب في الدلالة على صدور الفعل من الطرفين، إلى وجود قسَمين: أحدهما، من آدم عليه السلام وزوجه. والآخر، من إبليس لعنه الله.
لقد كان على آدم عليه السلام الإنسان الكامل أن يسعى للتأكد من صحة الاحتمال الذي ذكره له مخاطبه، لأنه مهم جداً ومصيري بالنسبة إليه، لانسجامه مع حبه لله تعالى، ومع سعيه لنيل مقامات القرب والكرامة منه عز وجل. وإن أي تقصير في هذا الأمر سوف يلحق به أعظم الضرر، ويوقعه في أشد خطر..
وكان طريقه الوحيد لضمان الصدق, ولتحصيل الرجحان، هو أن يسوق من يخاطبه بهذه الأمور إلى القسم. ففعل ذلك، متشدداً معه غاية التشدد، حيث لم يكتف بطلب القسم منه، بل أقسم هو عليه أن يصدقه القول أيضاً، وكان المفروض بالطرف الآخر، أن يبرّ بقسمه؛ فكيف إذا زاد على ذلك بأن أكد قوله بقسم جديد على أنه ناصح وصادق؟! (وقد يقال: إن صيغة فاعل لا تقتضي صدور الفعل من الطرفين. بل هي تدل فقط على وجود طرفين لهما نوع ارتباط بالفعل، ولا يشترط صدور الفعل بتمامه من كل واحد منهما. وقد يؤيد ذلك مثال: عادى زيد عمراً، وسامى زيد بكراً، وخاتله وعامل زيد فلاناً معاملة حسنة ونحو ذلك.. وهو كلام صحيح في نفسه، ولكن الأمر بالنسبة لآدم (عليه السلام) كان يحتـاج إلى المزيد من التأكيد والتحرز والاحتياط. وما ذكرناه قد يكون هو الأولى والأنسب من هذه الناحية.. والله هو العالم..).
وبذلك يكون إبليس لعنه الله قد وقع في مخالفتين:
إحداهما: أنه لم يبرّ بقسم آدم عليه السلام، كما هو المفروض.
الثانية: أنه كذب عليه حين أقسم له أنه ناصح، وليس هو كذلك.
فكان من الصعب على آدم عليه السلام ـ والحالة هذه ـ تصور الإقدام على هتك حرمة العزة الإلهية مرتين: مرة حين لم يبر بقسمه. ومرة أخرى حين أقسم على ما ادعاه من النصح والصدق.
بل إنه حتى لو كانت المقاسمة من طرف إبليس، فإن نفس المبادرة إلى القسم تفيد هذا التأكيد المطلوب..
وذلك لأن معنى القسم منهما هو التجاء الطرفين إلى الله سبحانه ليكون هو الكفيل والضامن للصدق، بحيث يجعل الأمر في عهدة العزة الإلهية، ويكون التفريط فيه هتكاً لحرمته تعالى، وتعدياً عليه، وخروجاً عن زي العبودية والانقياد له سبحانه.
وسيكون الله عز وجل هو الذي يتولى معاقبة من يعتدي على مقام جلاله وعزته، ويهتك حجابه وحرمته.
ويشهد لذلك أن الحلف بيمين البراءة يستتبع معاجلة الله تعالى، الحالف الكاذب بالعقوبة، فلا يقدم المذنبون على هذا اليمين، بل هم يمتنعون منه، خشية من ذلك، بل يمتنع من الإقدام عليه حتى الذين يعرفون من أنفسهم البراءة والصدق.
وهذا ما يفسر لنا سبب القضاء بالأيمان، بعد فقدان البينات في الإسلام؛ فإن ذلك يعني إخراج الأمر من عهدة الحالف، ليجعله في عهدة الله وفي ضمانه، فإن كان ثمة من تعد وجرأة واغتصاب حق، فإن الله سبحانه. هو الذي يتولى قصاص من يفعل ذلك.
وعلى كل حال، فقد جاء عن الإمام الرضا عليه السلام ما يشير إلى ذلك، فقد روي أنه قال:
 [فأكلا منها ثقة بيمينه] (2).
الشيطان أم إبليس:
وحول سؤال: كيف يثق النبي آدم بقسم إبليس، مع أن الله تعالى قد حذره منه، نقول:
أولاً: إنه ليس بالضرورة أن يكون النبي آدم عليه السلام عارفاً بحقيقة إبليس، وبأنه هو الذي كان يخاطبه، خصوصاً مع محاولة التخفي التي مارسها إبليس، كما ألمحت إليه الروايات..
ثانياً: إنه يلاحظ: أن الآيات التي تحدثت عن تعريف الله تعالى للنبي آدم بعدوِّه قد ذكرت اسم [إبليس]، ولكن جميع الآيات التي تحدثت عن موضوع الأكل من الشجرة إنما ذكرت كلمة [الشيطان]، رغم أن بعض الآيات متصل بالبعض الآخر، كما في سورة طه. فراجعها..
وهذا يثير احتمال أن يكون إبليس قد توسل ببعض جنوده الذي ربما لم يكن قد رآه النبي آدم أصلاً. أو أن ذلك يشير إلى صحة ما قدمناه آنفاً من تخفي إبليس عن النبي آدم، لكي لا يعرفه..
ثالثاً: إن القَسَم يخرج الأمر من عهدة المقسم، ويجعله في عهدة غيره، فإذا كان الله هو الذي سوف يكون المطالب، وهو الذي يتولى الأمر، ويكون الكفيل والضامن، فإن النبي آدم يكون بريئاً من أي مسؤولية، وبعيداً عن أي مؤاخذة..
لو لم يأكل آدم (عليه السلام) من الشجرة!!
وبعد تلك الأقوال التي أكدها إبليس لعنه الله بهذا القسم، وبعد مشاهدة النبي آدم آثاراً تدل على أن للشجرة خصوصية هامة جداً من حيث ارتباطها بموجودات عالية، كما سنشير إليه..
وأيضاً، بعد أن كانت الإشارة بكلمة [هَذِهِ] ترجح له:
أن المنهي عنه هو خصوص الشجرة التي أشير إليها إشارة حسية دون سواها، نعم، بعد ذلك كله، فإن النبي آدم عليه السلام يجد نفسه ـ بحكم مبادئه ـ ملزماً بالأكل من الشجرة، وبتصديق ما قيل له. حتى لو كان القائل هو عدوه، فإن الخصماء قد يكذب بعضهم بعضاً، ثم يلجأون للقسم ويرضون به، ويلتزمون هم، ويلزمهم الآخرون بمقتضاه..
ولو أن آدم عليه السلام لم يأكل من الشجرة بعد هذا القسم فسيجد نفسه:
إما مستهيناً بالله سبحانه، وبقدرته على ضمان ما جعل في عهدته.
وإما غير مبال بنيل ما يطمح إليه، ويسعى للحصول عليه من مقامات القرب والزلفى عنده سبحانه.
وكلاهما مرفوض جملة وتفصيلاً..
وقد قدمنا: أن ثمة رواية تقول: إن إبليس لعنه الله قد قال لآدم عليه السلام:
إن الله سبحانه قد أحل له تلك الشجرة بعد تحريمها عليه، وجعل له علامة على صحة قوله:
إن الملائكة الموكلين بالشجرة لا يدفعونه عنها كما يدفعون غيره، فأكلا منها، ولم تدفعهما الملائكة عنها؛ لأنهم كانوا موكلين بدفع من لا يملك اختياراً وعقلاً (3).
وقد قدمنا في بعض الهوامش السابقة أيضاً بعض ما يرتبط بهذه الرواية، فلا نعيد..
اللحظة الفاصلة:
وأكل آدم وزوجه عليهما السلام من الشجرة، فوجدا أنفسهما في الموقع الصعب، وبدت لهما سوءاتهما، وهي مزاياهما البشرية، التي كانت قد سترت عنهما، وكان لها فيهما نوع كمون، واختزان.
وكان ظهور السوءات يتمثل بظهور أعراض البشرية على آدم عليه السلام، حيث صار بحاجة إلى ما يحتاج إليه البشر، من الغذاء، والدواء، والساتر، وأصبح يخاف، ويحزن، ويعرق، ويمتخط، ويبول، ويمرض، ويتألم، ويحتاج إلى ما يقي من الحر والبرد، وما إلى ذلك..
ولن يجد في تلك الجنة ما يفيده في دفع ذلك كله، فكان لا بد له من الهبوط منها إلى مكان آخر، يوفر له ما يعيد هذه الخفايا إلى ما كانت عليه من حالة الكمون والخفاء والاختزان، ولو بمقدار ما.
وإذا به يرى رحمات ربه تفيض عليه، ويبادره الله بجائزة سنية عظيمة، قبل أن ينبس ببنت شفة .
المصادر :
1- تنبيه الخواطر ص128.
 2- تفسير البرهان ج3 ص46 وج1 ص83 و81 والبحار ج11 ص64 و161 و163 و188 و206 وفي هامشه عن عيون أخبار الرضا ص108 و109 وعلل الشرائع ص48 والكافي ج1 ص215.
 3- تفسير الإمام العسكري ص222 و223 وتفسير البرهان ج1 ص80 والبحار ج11 ص190 و191 وراجع: تعليق المجلسي ص193 ومستدرك الوسائل ج2 ص286.
 


source : راسخون
  955
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

التفویض المطلق
أهمية دراسة الشخصيات التاريخية
القاضي عبد الجبار وبلاغة القرآن
طبيبٌ دَوَّارٌ بطبه
أفأنت تکره الناس
تعيين المرجعية
موسسات الشیعه فی العالم فرانسه
القضاء و المشية و الإرادة
الدوافع الروحية للعبادة
روءى الإمام الخميني(قدس سره) في الحج الإبراهيمي

 
user comment