عربي
Friday 28th of January 2022
99
0
نفر 0

الابتعاد عن الفطرة

الابتعاد عن الفطرة

يبعث الله تعالى الأنبياء والرسل ليذكروا الناس بالمخزون الفطري الذي وضعه الله في النفس البشرية عند بدأ الخلق، وهذا المخزون هو توحيده تعالى، ويقوم الأنبياء والرسل على امتداد عهد البعثة بسوق الناس إلى طريق الهدى ببيانهم للناس ما أنزل إليهم من ربهم، وبعد أن يقيم رسل الله الحجة على الناس. ينسى بعض الناس ما ذكروا به، ويقومون بأعمال تعارض الفطرة ووصايا الله، وأخبرت الدعوة الخاتمة أن الله تعالى يستدرج هذه المسيرات الانحرافية على امتداد المسيرة البشرية، وعلى امتداد الاستدراج ينال الذين ظلموا عذاب الخزي في الحياة الدنيا، قال تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) (1).
وعذاب الاستدراج في الحياة الدنيا أبوابه مفتوحة، يدخل فيها الحاضر إذا أخذ بأسباب الانحراف من الماضي، وإذا انطلق الحاضر إلى المستقبل ولم تحدثه نفسه بتوبة، انتهت أقدامه إلى المسيح الدجال، وفي دائرة الدجال تنال جميع رايات الانحراف والشذوذ عذاب الخزي
ويقطع الله دابرهم بعذاب الاستئصال. والنبي الخاتم (صلی الله عليه وآله وسلم) أخبر بأن جميع الأنبياء حذروا أممهم من الدجال، وقال " إن الله لم يبعث نبيا إلا حذر أمته الدجال " (2)، وحذر النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) من الدجال ومن كل عمل ينتهي إليه.
ومن ذلك قوله " وما صنعت فتنة منذ كانت الدنيا صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجال " (3).
وطريق الدجال يبدأ بانحراف دقيق عند المقدمة. ثم يتسع شيئا فشيئا على امتداد المسيرة. وفي مناطق الاتساع ترفع للشذوذ رايات بعد أن ألفه الناس. وهذه الرايات بينها النبي الخاتم (صلی الله عليه وآله وسلم) وهو يخبر بأشراط الساعة، ومن ذلك قوله " من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا ". وقال " إن بين يدي الساعة أياما يرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل ويكثر فيها الهرج والهرج القتل " (4)، فهذه العلامات تظهر على طريق الفتن والانحراف. وبينها النبي الخاتم ليراجع الناس أنفسهم على امتداد المسيرة، ويشهدوا له بالنبوة بعد أن رأوا أحداثا أخبر بها يوم أن كانت غيبا، فالأحداث في عالم المشاهدة المنظور دعوة للتوبة وتحذيرا من العقاب الذي يحمله طريق الاستدراج.
وآخر الزمان يقف تحت أعلام الدجال جميع المسيرات التي انحرفت عن ميثاق الفطرة وأشركت بالله، ويقف تحتها صناع الفتن وأصحاب الأهواء وتجار الشذوذ وجلادي الشعوب، وجميع الذين ظلموا وصدوا عن سبيل الله العزيز الحكيم، فهؤلاء وغيرهم سينتظمون وراء قيادة الدجال آخر الزمان ويطيعون أوامره، وسيدخلون معه لقتال المهدي المنتظر والمسيح عيسى بن مريم عليهما السلام (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (5).
كما أن لطريق الشذوذ علامات، فإن لطائفة الحق علامات. وكما أن الله تعالى حذر من شر مخبوء في بطن الغيب. ومنه الدجال، فإنه تعالى بشر بخير مخبوء في بطن الغيب ومنه المهدي المنتظر ونزول عيسى بن مريم آخر الزمان.

أقوال العلماء في ظهور المهدي ونزول عيسى آخر الزمان

قال الشوكاني: إن الأحاديث الواردة في المهدي متواترة.
والأحاديث الواردة في الدجال متواترة. والأحاديث الواردة في نزول عيسى متواترة (6). وقال صاحب عون المعبود شرح سنن أبو داوود:
إعلم أن المشهود بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار. أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت. يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال بعده وإن عيسى عليه السلام ينزل بعد المهدي أو ينزل معه فيساعده على قتل الدجال، ويأتم بالمهدي في صلاته، وخرج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة منهم: أبو داوود والترمذي وابن ماجة والبراز والحاكم والطبراني وأبو يعلى، وإسناد أحاديث هؤلاء بين الصحيح والحسن والضعيف. وقد بالغ المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون في تاريخه في تضعيف أحاديث المهدي كلها. فلم يصب بل أخطأ (7) وقال صاحب التاج الجامع للأصول: إشتهر بين العلماء سلفا وخلفا أنه في آخر الزمان لا بد من ظهور رجل من أهل البيت يسمى بالمهدي، يستولي على الممالك الإسلامية ويتبعه المسلمون ويعدل بينهم ويؤيد الدين، ولقد أخطأ من ضعف أحاديث المهدي كلها، وما روي من حديث لا مهدي إلا عيسى. فضعيف كما قال البيهقي والحاكم وغيرهما (8).
وقال ابن كثير في البداية والنهاية: لا شك أن المهدي الذي هو ابن المنصور ثالث خلفاء بني العباس ليس هو المهدي الذي وردت الأحاديث المستفيضة بذكره. وإنه يكون في آخر الزمان يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، وقد أفردنا للأحاديث الواردة فيه جزءا على حدة، كما أفرد له أبو داوود كتابا في سننه (9).
وقال الحافظ الكتاني: الأحاديث الواردة في المهدي على اختلاف رواياتها كثيرة جدا، تبلغ حد التواتر، وهي عند الإمام أحمد والترمذي وأبي داوود وابن ماجة والحاكم والطبراني وأبو يعلى والبزار وغيرهم.
من دواوين الإسلام من السفن والمعاجم والمسانيد، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة، وبعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف، والأحاديث تشد بعضها بعضا، وأمر المهدي مشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار، وأنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت النبوي يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون، ويسمى بالمهدي (10) وقال الكتاني: وفي شرح عقيدة السفاريني الحنبلي ما نصه: وقد كثرت بخروج المهدي الروايات حتى بلغت حد التواتر، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم، وقد رويت أحاديث المهدي عن الصحابة بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم، مما يفيد مجموعه العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة (11).
قال النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) بعد أن أقام الحجة على المسيرة " وأيم الله. لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها " (12) وزاد في رواية: لا يزيغ عنها إلا هالك " (13) فالطريق واضح وضوح النهار، والله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون، وأخبر النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) بأن المسيرة ستشهد أنماطا بشرية يترتب على حركتها غربة الدين، وهذه النتيجة ترى في قوله (صلی الله عليه وآله وسلم) " إن الإسلام بدأ غريبا. وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء " (14) قال النووي: ظاهر الحديث، أن الإسلام بدأ في أحاد من الناس وقلة. ثم انتشر وظهر. ثم سيلحقه النقص والإخلال حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة أيضا كما بدأ " (15). وغربة الدين ترى في قول النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) " الإسلام والسلطان أخوان توأمان. لا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه. فالإسلام أسس (أي: أصل البناء) والسلطان حارث، وما لا حارث له يهدم. وما لا حارث له ضائع " (16)، ولذلك كان النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) يقول " إن رحى الإسلام دائرة. وإن الكتاب والسلطان سيفترقان. فدوروا مع الكتاب حيث دار " (17).
والنجاة في عالم الغربة بين النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) دائرتها، عن أبي هريرة قال. قالوا: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: أنا ومن معي، قالوا: ثم من؟ قال: الذي على الأثر، قالوا: ثم من؟، فرفضهم رسول الله (18).
وطائفة الحق على امتداد المسيرة لها أعلامها، ولا يضرها من خذلها أو عاداها، لأنها حجة بمنهجها وحركتها على الناس، وأخبر النبي (صلی الله عليه وآله وسلم). بأن هذه الطائفة تستقر أعلامها آخر الزمان. تحت قيادة المهدي المنتظر وعيسى بن مريم عليهما السلام، يقول النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك " (19)، وقال " لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله. لا يضرهم من خذلهم. أو خالفهم. حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس " (20) وقال " لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم الدجال " (21). وقال " لا تزال طائفة من أمتي تقاتل على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم عند طلوع الفجر ببيت المقدس ينزل على المهدي " (22)، وفي رواية " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على من ناوأهم حتى يأتي أمر الله. وينزل عيسى عليه السلام " (23).
فمن هذه الأحاديث نرى أن طائفة الحق على امتداد المسيرة.
تأخذ بأسباب الهدى. وتنطلق من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل.
لا يضرها من عاداها أو من خذلها. حتى تستقر نهاية المطاف أمام فسطاط المهدي المنتظر.
والمهدي من أهل البيت. من أولاد علي وفاطمة رضي الله عنهما، قال النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) " المهدي منا أهل البيت " (24)، وقال " المهدي من عترتي من ولد فاطمة " (25) واسمه يواطئ اسم النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) (26).
والمهدي يخوض معارك آخر الزمان، وسيفتح الصين والهند وجبل الديلم وسيقصم ظهر الروم ويفتح القسطنطينية ويقاتل اليهود وأميرهم الدجال حتى ينتهي أمرهم بالاستئصال، وقال النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) " يظهر على كل جبار وابن جبار ويظهر العدل ".وفي منهج المهدي يقول النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) " هو رجل من عترتي يقاتل على سنتي كما قاتلت أنا على الوحي " ، وقال " يعمل بسنتي " (27) وقال (صلی الله عليه وآله وسلم)
" يبعث على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما " (28) وقال " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لبعث الله عز وجل. رجل منا يملأها عدلا كما ملئت جورا " (29). وعن حذيفة قال.
قال النبي (صلی الله عليه وآله وسلم): ويح هذه الأمة من ملوك جبابرة، يقتلون ويخيفون المطيعين إلا من أظهر طاعتهم، فالمؤمن التقي يصانعهم بلسانه ويفر منهم بقلبه، فإذا أراد الله عز وجل أن يعيد الإسلام عزيزا، فصم كل جبار وهو القادر على ما يشاء. أن يصلح أمة بعد فسادها، ثم قال رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم): يا حذيفة. لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم، حتى يملك رجل من أهل بيتي تجري الملاحم على يديه، ويظهر الإسلام. لا يخلف الله وعده وهو سريع الحساب (30).
وعن ابن مسعود قال. قال رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم): إن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءا وتشريدا وتطريدا، حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود، فيسألون الخير فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه، حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطا كما ملؤوها جورا، فمن أدرك ذلك منكم، فليأتهم ولو حبوا على الثلج (31).
وآخر الزمان يلتقي ابن علي بن أبي طالب. مع ابن مريم أخت هارون، يلتقي آخر أهل البيت في المسيرة الإسلامية، مع المسيح عيسى بن مريم آخر نبي في المسيرة الإسرائيلية، وكلاهما ظلمته مسيرة قومه، ولكن للعدل رداء على الوجود كله، ومن حكمة الله تعالى أن لا تنهدم الدنيا قبل أن يهيمن العدل على المسيرة البشرية، ليعلم الناس وهم تحت سقف الامتحان والابتلاء. أن الحق يقف في النهاية، لأنه أصيل في الوجود، أما الباطل فطارئ لا أصالة فيه، الباطل زبد لا يمكث في الأرض، والباطل يطارده الله على امتداد المسيرة ولا بقاء لشئ يطارده الله. قال تعالى: (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (32) (ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين. قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون. فأعرض عنهم وانتظر. إنهم منتظرون) (33)
المصادر:
1- سورة الأنعام آية 44.
2- رواه الإمام أحمد (الفتح الرباني 69 / 24).
3- رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح (الفتح الرباني 69 / 24).
4- رواه مسلم (الصحيح 58 / 8).
5- سورة يوسف آية 21.
6- عون المعبود ص 458 / 11.
7- عون المعبود ص 362 / 11.
8- التاج الجامع للأصول ص 341 / 5.
9- البداية والنهاية 281 / 6.
10- نظم المتناثر في الحديث المتواتر ص 226.
11- نظم المتناثر ص 226.
12- رواه ابن ماجة (كنز العمال 370 / 11).
13- رواه ابن أبي عاصم (كتاب السنة 27 / 1).
14- رواه مسلم (الصحيح 177 / 2).
15- مسلم شرح النووي 177 / 2).
16- رواه الديلمي (كنز العمال 10 / 6).
17- رواه الطبراني وابن عساكر (كنز العمال 216 / 1).
18- رواه أحمد وقال في الفتح رواه مسلم (الفتح الرباني 219 / 23).
19- رواه مسلم (الصحيح 65 / 13).
20- رواه مسلم (الصحيح 97 / 13).
21- رواه الحاكم وصححه (المستدرك 450 / 4).
22- رواه أبو عمر الداني (عقد الدرر ص 220).
23- رواه أحمد والحاكم وصححه وأبو داوود (الفتح الرباني 210 / 23).
24- رواه أبو نعيم والحاكم وصححه (عقد الدرر ص 21) (المستدرك 557 / 4 (عون المعبود 375 / 11).
25- رواه أبو داوود (السنن 422 / 2) والحاكم وابن ماجة (المستدرك 557 / 4) (التاج الجامع للأصول 343 / 5) (كنز العمال 264 / 14) (الحاوي للسيوطي 224 / 2).
26- رواه أحمد والترمذي وأبو داوود والحاكم (الفتح الرباني 49 / 24) (جامع الترمذي 505 / 4).
27- عقد الدرر ص 17و211-224. التاج الجامع للأصول 325 / 5،. الطبراني (الزوائد 315 / 7) (الحاوي 218 / 2). نعيم بن حماد (الحاوي 233 / 2). رواه أبو نعيم (عقد الدرر 156).
28- قال الهيثمي رواه الترمذي وغيره وأحمد وأبو يعلى ورجالهما ثقات (الزوائد 314 / 7) (الفتح الرباني 50 / 24).
29- رواه أحمد وأبو داوود (الفتح الرباني 49 / 24) (عون المعبود 373 / 11).
30- رواه نعيم بن حماد وأبو نعيم (عقد الدرر ص 63) (الحاوي 221 / 2)
31- رواه ابن ماجة حديث 4082، والحاكم (المستدرك 464 / 4) (كنز العمال 268 / 14)
32- سورة يوسف آية 21.
33- سورة السجدة آية 28.


source : راسخون
99
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

قبور المؤمنين
الصلوات الكبيرة المروية مفصلا
اسرار مرقد أبي الفضل العباس بن أمير المؤمنين علي ...
العدل يوم العدل
دعاء ادریس
ليلة جرح الإمام (عليه السلام)
روّاد التشیّع فى عصر النبیّ صلى الله علیه و آله
الحرب العالمية في عصر الظهور
العلاقة بين الأحسائيين وأهل البيت (عليهم ...
نقض العهد

 
user comment