عربي
Tuesday 24th of November 2020
  1033
  0
  0

خير العمل

خير العمل

هل يصح ما قاله الآخرون عن الشيعة من أن أذانهم مبتدع؟ أم أنّه شرعي.
تساؤل يطرح نفسه بين الحين والآخر وهو : ما هذا الاختلاف في الأذان؟ وهل الذي تؤذّن به الشيعة الإمامية هو الصحيح أم ما يؤذّن به الآخرون؟ ولماذا نرى أذان الآخرين يختلف عن أذان الشيعة الإمامية؟ وأيّهما هو المشروع وأيّهما المبتدع؟
وإذا كان أذان الإمامية شـرعيا ، فهل أذّن به رسول اللّه‌ والإمام علي والأئمّة من ولده أم لا؟
وإذا كانوا قد أذّنـوا به ، فهل قالوا : « أشهد أن عليّا ولي اللّه‌ » تحديدا بهذه الصيغة ، أم قالوها بصيغ أُخرى؟

إنه تساؤل مطروح يبحث عن جواب.

ولا يخفى عليك أنّ هذا التسـاؤل يردُ أيضا على المذاهب الأربعة وغيرها ، فلماذا اختلفت المذاهب الأربعة في صيغ الأذان وعدد فصوله مع اعتقادهم بأنّ الأذان منقول نقلَ كافَّةٍ بمكّة والمدينة والكوفة؟
وإذا كان منقولاً ومنذ عهد الرسول الأعظم ، فلماذا تربّع الشافعية التكبير (1) بخلاف المالكيّة القائلة بالتثنية (2)؟
بل لماذا لا ترى الحنفية التثو يب = « الصلاة خير من النوم » إلاّ بعد اذان الفجر (3) ، في حين تراه المذاهب الأُخرى مشروعا في اذان الفجر؟ وهكذا الحال بالنسبة إلى إفراد أو تثنية الإقامة عند المذاهب الأربعة ، فهم مختلفون في ذلك!!
نعم ، قد جمع ابن حزم بين تلك الوجـوه بقوله : « ... كلُّ هذه الوجوه قد كان يُؤذَّنُ بها على عهد رسول اللّه‌ بلا شكّ ، وكان الأذان بمكّة على عهد رسول اللّه‌ يسمعه إذا حجّ ، ثم يسمعه أبو بكر وعمر ، ثمّ عثمان بعده .. فمن الباطل ... ». إلى اخر كلامه المار ذكره سابقا (4).
هذا بعض الاختلاف في الأذان عند المذاهب الأربعة ، وهم ليسـوا من الشيعة الإماميّة ، فما هو السرّ في هذا الاختلاف في شعار كان يتكرّر بمرأى ومسمع النبي (صلی الله عليه وآله وسلم)والصحابة مرارا عديدة كلّ يوم؟!
والآن فلنقرر السـؤال السابق بطرح سؤال آخر وهو : هل الإمام علي بن أبي طالب ذُكر اسمه في القرآن أم لا؟ فإذا كان الجواب بالإيجاب ، فأين ذُكِرَ؟ وإن كان بالنفي ، فكيف يمكن الاستدلال على إمامته في حين لم ينصّ القرآن على هذا الموضوع المهم؟
لقد نزلت في علي أكثر من خمسمائة آية ، وروي عن ابن عباس أنّه قال : ما نزل في أحد من كتاب اللّه‌ ما نزل في علي (5)
وفي آخر عنه (عليه السلام)أنه قال : نزلت في علي ثلاث مائة آية (6)
وعن مجاهد ، قال : نزلت في علي سبعون آية لم يشركه فيها أحد (7)
إنّ البحث في خصائص علي وما نزل فيه من الذكر الحكـيم كانت من البحوث الشائعة في القرون الثلاثة الحسّاسة : الثالث والرابع والخامس الهجري.
فقد الف الحسين بن الحكم بن مسلم الحبري المتوفى 281 ه‍ كتابا باسم « ما نزل في القرآن في علي » (8)
وكذا الف إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي الكوفي المتوفى 283 ه‍ كتابا سماه « ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين »(9)
ولابن أبي الثلج البغدادي المتوفى 325 كتاب بعنوان « اسماء أمير المؤمنين في كتاب اللّه‌ عزّ وجلّ » (10)
وكتب عبدالعزيز بن يحيى الجلودي المتوفى 332 ه‍ « ما نزل في علي من القرآن »(11)
ولأبي الفرج الاصفهاني المتوفّى 356 ه‍ « التنز يل في أمير المؤمنين واله : »(12)
ولمحمد بن عمران المرزباني الخراساني المتوفى 378 ه‍ « ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين » (13)
ولأبي نُعَيْمٍ الأصفهاني المتوفى 430 ه‍ « ما نزل من القرآن في أميرالمؤمنين » (14)
ولابن الفحّام النيسابوري المتوفى 458 ه‍ « الآيات النازلة في أهل البيت : » (15)
وقد نوّه النجاشي في رجاله عند ترجمته لبعض الأعلام إلى أسماء بعض تلك المصنّفات ، ففي ترجمة ابن الجُحام محمد بن العَبّاس بن علي البزاز ذكر أن له كتابا بعنوان « ما نزل من القرآن في أهل البيت » (16)
وفي ترجمة الحسن بن أحمد بن القاسم ذكر أن له كتابا بعنوان « خصائص أمير المؤمنين من القرآن » (17)
وفي ترجمة محمد بن أورمة القمّي نسب إِليهِ كتاب « ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين » له(18)
وفي ترجمة أبي موسى المجاشعي ذكر أنّ له كتابا بعنوان « ما نزل من القرآن في علي » (19)
وفي ترجمة أبي العباس الإسفرائيني « المصابيح في ذكر ما نزل من القرآن في أهل البيت »(20)
ونحن لا نريد التفصيل في الجواب عن السؤال الثاني بقدر ما نريد الإشارة إلى تأذين الرسول والأئمّة بالولاية ، إذ لم ينكر أحد صلة الإمام علي بالقرآن والقرآن بعلي ، فعليّ مع القرآن والقرآن مع علي (21) ، لأ نّه الوحيد الذي علم بتنزيل القرآن وتأو يله (22). وعلم بنزول الآيات في ليل أو نهار ، وفي سهل أو جبل (23). وقد ذكره رسول اللّه‌ عدلاً للقرآن ، وأحد الثقلين اللذين تصان بهما الأمة وتُحفظ من الضلال.
لكننا قد نواجه إشكالاً مفادُهُ : أننا لا نرى أنّ اسمه ورد صر يحا في القرآن الكريم ، لماذا؟
ليس من الضرورة أن يذكر القرآن كلّ شيء ، وقد اجاب عمران بن حصين لمن قاله له : تَحَدَّثْ بالقرآن واترك السنّة ، قال له : أرايت لو وكلت انت واصحابك إلى القران ، أكنت تجد فيه صلاة العصر أربعا وصلاة الظهر أربعا ، وأكنت تجد الطواف بالبيت سبعا والرمي سبعا (24)
فالقرآن يبين الكلّيات التي تقف عليها الشريعة أصولاً وفروعا ، فالصلاة مثلاً ذكرها اللّه‌ وترك تفاصيلها للرسول الأكرم (صلی الله عليه وآله وسلم)وهكذا الحال بالنسبة إلى غيرها من الامور الشرعية. (25)
إن القولَ بعدم ذكر الشهادة بالولاية صريحا في الأذان ، هو مساوق للقول بعدم ورود اسم الإمام علي صر يحا في القرآن ، مع أنّ في الأذان والقرآن الكريم ما يدل على الولاية والإمامة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب؟!
ونحن في دراستنا هذه لا نريد أن نذهب إلى جزئية الشهادة الثالثة في الأذان حتى يلزمنا القول بأن الرسول أو الإمام علي وأولاده المعصومين قد أذّنوا بهذا الأذان.
فجملة « حي على خير العمل » في الأذان دالة على الإمامة والرسول والصحابة كانوا يؤذنون بها ، وقد سمح الإمام الكاظم بفتحها والأخذ بتفسيرها معها بل دَعا إلى الحث عليها.
كما أن هناك آيات كثيرة دالة على الإمامة ، وكان من منهج بعض الصحابة أن يبيّنوا آيات الذكر الحكيم ويأتوا على تفسيرها السياقي وشأن نزولها وسرّ تشريعها معها ، كما هو المشاهد في قراءة ابن مسعود التفسيرية لآية البلاغ ( بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ) أنّ عليّا مولى المؤمنين ( وإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) (26)
وقرأ كذلك : ( وَكَفَى اللّه‌ُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ) بعلي بن أبي طالب (27)
وكان اُبيّ بن كعب يقرأ : ( النَّبِيُّ أَولَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) وهو أبٌ لهم (28)
وقرأ ابن عباس : ( مِنْ أَنفُسِهِمْ ) وهو أبٌ لهم ( وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) (29)
وجاء عن اُبي أنّه كان يقرأ : ( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ في قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ) ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام ( فَأَنزَلَ اللّه‌ُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ ) (30)
وعن عمرو ، وعبداللّه‌ بن مسعود ، وأُبيّ بن كعب ، أنهم قرأوا : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ورهطك المُخْلَصين (31)
وعن عبدالرحمن بن عوف ، قال : قال لي عمر : ألسنا كنا نقرأ فيما نقرأ ( وَجَاهِدُواْ فِي اللّه‌ِ حَقَّ جِهَادِهِ ) في آخر الزمان كما جاهدتم في أوّله (32)
قال ابن عطيّة الأندلسي ( ت 546 ه‍ ) في المحرر الوجيز : روي أنّ ابن مسعود كتب في مصحفه أشياء على جهة التفسير فظنّها قوم من التلاوة فتخلط الأمر فيه ، ولم يسقط فيما ترك معنى من معاني القران ؛ لأنّ المعنى جزء من الشريعة ، وإنّما تركت ألفاظ معانيها موجـودة في الذي أثبت ... (33)
وقال ابن السرّاج القاضي القونوي الحنفي ( ت 777 ه‍ ) في شرح المعتمد : ومن أسباب اختلاف الفقهاء اختلافهم في الاحتجاج بالرواية الشاذة من القران الكريم ، فقد كان بعض الصحابة يكتب في مصحفه كلمات على سبيل التفسير والبيان ، فرواها الناس عنه على أنها قراءة ، مثال ذلك زيادة ابن مسعود كلمة « متتابعات » عقب قوله تعالى ( فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ) في سورة المائدة (34)
وقال أبو حيّان الأندلسي ( ت 745 ه‍ ) في البحر المحيط عن الآية ( وَإِذِاعْتَزَلْتمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّه‌َ فَأْووا إِلَى الكَهْفِ ... ) : وفي مصحف عبداللّه‌ « وما يعبدون من دوننا » ... إنما أُريد به تفسير المعنى وأنّ هؤلاء الفتية اعتزلوا قومهم وما يعبدون من دون اللّه‌ وليس ذلك قرآنا ... (35)
وفي المحرّر الوجيز : وفي مصحف عبداللّه‌ « ملاقوها » مكان ( مُوَاقِعُوهَا ) الواردة في الآية 54 من سورة الكهف (36) ، فقال الاندلسي في تفسير البحر المحيط : الأَولى جعله تفسيرا لمخالفة سواد المصحف(37)
وبناءً على هذه التَقْدُمَة يمكننا أن نقول : إنّ الشـهادة بالولاية جاءت في الأذان كناية وتفسيرا ، وذلك لنفس الظروف التي ساقت إلى عدم ذكر اسم الإمام عليّ في القرآن.
إنّها جملة « حي على خير العمل » التي تعني الولاية والإمامة ، كما في روايات أهل البيت.
ونحن قد أثبتنا في الباب الأوّل من هذه الدراسة وجود هذا الفصل في الأذان على عهد رسول اللّه‌ ، وتأذين الصحابة وأهل البيت به ، ثمّ انفراد العامّة في العهود اللاحقة بدعوى النسخ فيه ، وذلك بعد إقرارهم بشرعيّته على عهد رسول اللّه‌ ، وقد تحدّاهم السيّد المرتضى بأن يأتوه بالناسخ ولم يفعلوا!.
وهذا يعرّفنا بأنّ من يقول بالحيعلة الثالثة « حيّ على خير العمل » يمكنه الاعتقاد برجحان الشهادة بالولاية في الأذان ، لأ نّها جاءت مفسَّرة من قبل المعصومين بذلك ، فالنبيُّ والإمامُ عليٌّ والأئمّة من ولده كانوا يؤذّنون بحيّ علي خير العمل بلا أدنى ريب ، فلا يستبعد اعتقادهم بجواز الإتيان بتفسيرها معها لا على الشطرية ، وهو الملاحظ اليوم عند المسلمين ، فالذي يعتقد بشرعية الحيعلة الثالثة يمكنه أن يُخرج الشهادة الثالثة مخرجا شرعيّا ، والذي لا يقول بالحيعلة الثالثة فهو لا يقبل الشهادة بالولاية من باب الأَوْلى.
نعم ، نحن لو قلنا بتاذين الرسول وأهل البيت بها لصارت جزءا ، وهذا ما لا نريد قوله ، وان عدم ورودها في الروايات البيانية الصادرة عن المعصومين في الأذان أو عدم فعلهم : لها يوكد عدم جزئيتها لا عدم محبوبيتها ، وان الأئمة : قد يكونوا تركوا امورا جائزة أو مستحبة تقية ، فالذي نريد أن نقوله أنّه قد ثبت بالقطع واليقين أن الأئمّة كانوا يقولون « حيّ على خير العمل » في اذانهم ، وثبت عنهم أيضا بما لا يقبل الترديد أنّهم فسّروها بمعنى الولاية كما في كلام الأئمّة المعصومين كالباقر (38) والصادق (39) والكاظم (40) : والإمام الكاظم قد اجاز قال الشيخ يوسف البحراني في رسالته (الصوارم القاصمة لظهور الجامعين بين ولد فاطمة) المطبوعة في الدرر النجفية ، قال «ولا يخفى على العارف بطريقة الصدوق في جملة كتبه ومصنّفاته أنّه لا يذكر من الاخبار إلاّ ما يعتمده ، ويحكم بصحته متنا وسندا ويفتي به ، وإذا اورد خبرا بخلاف ذلك ذيّله بما يشعر بالطعن في سنده أو دلالته ونبه على عدم قوله الاتيان بتفسيرها وبيان معـناها معها ، وهو دليل على محبوبيتها عندهم : ، ونحن نأتي بها بهذا العنوان لا غير.
بل في كلام الإمام علي بن الحسين « إنّه كان في الأذان الأولّ » (41) ما يؤكد تشريع « حيّ على خير العمل » في الإسراء والمعراج ، ودلالته على وجود عنوان الولاية في السماء وعلى ساق العرش ، لكنّ الآخَرين حرّفوه وغيّروه. ومن هنا حدثت المشكلة بين نهج علي ونهج الصحابة في الأذان.
هذا ، وإنّ في ما رواه الفضل بن شاذان ـ باسناد معتبر عند جملة من الاعلام (42) ، ما يؤكد وجود عنوان الولاية في الأذان ، إذ جاء فيه : ... « ويكون المؤذّن بذلك داعيا إلى عبادة الخالق ومرغبا فيها ، مقرا بالتوحيد ، مجاهرا بالايمان ، معلنا بالإسلام ... » (43)
وحين سأل إبراهيم بن طلحة بن عبيداللّه‌ الإمام السجادَ ، لما قدم وقد قتل الحسين بن علي صلوات اللّه‌ عليه ، قائلاً : يا علي بن الحسين من غَلَب؟ اجابه الإمام (ع): إذا اردت ان تعلم من غَلَبَ ، ودَخَلَ وقت الصلاة ، فأذِّنْ ثمَّ أقِمْ (44)
وهذا يعني أَنَّ الإمام السجاد اراد أن يقول لإبراهيم إِنَّ الأئمّة هم امتداد للشهادة بالرسالة وكما قال رسول اللّه‌ حسين مني وانا من حسين (45)
وكذا في كلام الإمام الهادي الآتي ، وبيانه لمعنى ( نداء الصوامع ) المذكور في شعر الحِمّاني ، للمتوكل العباسي (46)
وقد يكون قبل ذلك في مرسلة القاسم بن معاو ية في الاحتجاج عن الصادق (عليه السلام)ما يدل على ذلك ، لأنّ العارف بلسان وظروف الأئمّة وما كانوا يعيشون فيه من التقيّة ، يعرف بأنّ الإمام قد يأتي بالعموم ويريد الخصوص ، والأذان هو الأهم إن سنحت الظروف للجَهْر به.
إن مبحث « حيّ على خير العمل » هو النافذة التي نريد الإطلالة من خلالها على الشهادة الثالثة ، وهو الميدان الأساسيّ الذي كتبنا عنه سابقا (47) ، كما أنّه الانطلاقة العلمية والتأسيسية التي نريد الدخول عبرها إلى الشهادة الثالثه ؛ لنُشيد به هذا الصرح العقائدي والفقهي ، وذلك للتقارب والتجانس الملحوظ بينهما ـ حسبما سيتّضح لاحقا ـ لأنّ الكلام في الحيعلة الثالثة يوصلنا إلى رجحان الشهادة الثالثة ، والذي جئنا به تقو ية لما استدلّ به الفقهاء من مرسلة الاحتجاج ، والعمومات ، وقاعدة التسامح في أدلة السنن ، وما يماثلها.
إنّ موضوع الشهادة الثالثة في الأذان من المواضيع الحسّاسة والهامّة التي لم تحظ بعناية الباحثين والمحقّقين بالشكل المطلوب ، وهي لم تكن من المواضيع المُحْدَثة والوليدة في العصور اللاّحقة حسب ما صوّره بعض الكتّاب ، بل هي قديمة بقدم تاريخ التشيّع ، سارت معه جنبا إلى جنب ، فما قاله البعض من أنّها قد شرعت في عهد الشاه إسماعيل الصفوي المتوفى 930 هـ وكذا قول الاخر أنّها بدعة محدثة هو جُرأةٌ على العلم وتجاوز على الحقائق التاريخية (48) ، خصوصا وأنّ نصوص هذه المسألة مذكورة وموجودة في كتب القدماء والمتأخّرين ، لكنّها متناثرة بين طـيات كتب الحديث ، والفقه ، والتاريخ ، تحتاج إلى بحث وتتبّع ومثابرة واسعة ، والسابرُ لكلمات الفقهاء ، وأخبار المؤرّخين ، وروايات المحدّثين ، يقف على هذا الكمّ الهائل الدال على هذه الشهادة ، إمّا تصر يحا ، أو تلميحا ، أو إيماءً أو إشارة.
وان ما حكاه الشيخ الطوسي بورود شواذ الأخبار فيها كافية لاثبات المحبوبية والمشروعية ، لان صحّة عملٍ ما ، لا يتوقف على فعلهم : له ، بل يكفي تصريحهم بجوازه وصحته ، أو تقريرهم لفاعله.
ان دعوى كونها بدعة لترك المعصوم لها كلام غير واقعي وغير صحيح فكما ان الاثبات يحتاج إلى دليل فالنفي هو الاخر يحتاج إلى دليل ، فليأتِنا القائل بالحرمة على ان النبي أو الأئمة لم يفعلوها على نحو الجزم واليقين ، أو ليأتونا بدليل عن نهي الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم)في القول بالشهادة الثالثة في حين ان الأمر عكس ذلك ، فهناك ادلة كثيرة صدرت عن النبي والأئمة من ولده على محبوبية الشهادة بالولاية في الأذان وفي غيره ، لكن ظروف التقية لم تسمح لهم بالاجهار بها مما جعلتها اخبارا شاذة في الأذان لا يعمل بها.
نعم ، إنّ تلك النصوص مذكورة في كتبنا وكتب الآخرين ، لكن لا يستدلّ بها الفقهاء على الشهادة الثالثة ، لكونها نصوصا غير صريحة ، بل مذكورة بصورة كنائية أو تفسيرية ، وذلك في مثل « حيّ على خير العمل » الدالة على الإمامة ، كما جاء في روايات أهل البيت ، والتي ذكرها الشيخ الصدوق ; في معاني الاخبار (49) والتوحيد (50) .
كما أن هناك نصوصا صريحة في اقرار الإمام ، وأنّه (عليه السلام)لا يترك الأمة سدى ، بل يقف أمام ما يزيده الناس أو ينقصونه ، قد يمكن التمسك به عند البعض كدليل لإثبات القول بجواز الشهادة الثالثة ، وهذا ما لم يوظف من قبل فقهاءنا في مبحث الشهادة الثالثة ، فقد جاء في العلل بسند صحيح عن أبي بصير عن أبي عبداللّه‌ قال : إن اللّه‌ لم يدع الأرض إلاّ وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان في الأرض ، وإذا زاد المؤمنون شيئا ردهم ، وإذا نقصوا أكمله لهم فقال : خذوه كاملاً ، ولولا ذلك لالتبس على المؤمنين امورهم ، ولم يفرقوا بين الحق والباطل (51)
وهناك نصوص صريحة ذكرت متنا دون إسناد ، كما هو المشاهد في كلام الشيخ الصدوق ; في «الفقيه» (52) ، والسيّد المرتضى في «المسائل الميافارقيات» ، وابن البرّاج في « المهذَّب » ، والشيخ الطوسي في « النّهاية » و « المبسوط » ، وهي متون معتمدة ، لأنّ كتب القدماء ـ وحسب تعبير السيّد البروجردي ; وغيره ـ هي متونُ رواياتٍ وبمنزلة الأُصول المتلقّاة عن المعصومين .
واخری هي عمومات بعض الأخبار ، وقواعد في الرواية والحديث ، يستعين بها الفقيه في الاستنباط ، كرواية الاحتجاج : « فإذا قال أحدكم لا إله إلاّ اللّه‌ ، محمد رسول اللّه‌ ، فليقل علي أمير المؤمنين » (53) ، أو قاعدة التسامح في أدّلة السنن ، أو استدلالهم ببيان الحيثيات الثلاث للأذان ( الذكر + الشعار + الدعاء ) ، أو أنّه استحباب ضمن استحباب إلى غيرها من المؤ يّدات التعضيدية الموجودة في الآيات والأخبار وهو ما يبحث في ضمن كلمات الفقهاء.
واخری بيان سيرة المتشرّعة ، وربط هذه السيرة بسيرة الشارع المقدّس ، إلى غير ذلك من التقسيمات والوجوه التي يمكن أن تلحظ ويستدل بها للشهادة الثالثة.
نحن لا نريد أن نُفَصِّل هذه المحاور كلَّ محور على حدة ، بل نريد أن ندرسها متمازجة بشكل لا يحس المطـالع بالضجر والملل إن شاء اللّه‌.
وبهذا سيأخذ البحث تارة بعدا تاريخيا ، واُخرى فقهيا ، وثالثةً درائيا وحديثيا ، وهكذا يتغيّر من شكل إلى آخر حَسَب الحاجة العلمية ، وبذلك تكون هذه الدراسة مترابطة ومتجانسة بين أجزائها ، للخروج بوجه فقهي يقبله الجميع ، أو يحدّ من استقباحه عند من يراه بدعة ، بدعوى أنّها لم تكن في النصوص الصادرة عن المعصومين ، أو أنَّها زُجَّتْ في الدين لظروف خاصة.
ومن المؤسف ان غالب الشبهات المطروحة حول الشهادة الثالثة تدور مدار الجزئية وبتصور أنّا نأتي بها على أنّها جزء الأذان ، في حين أن فقهاء الطائفة ومنذ عصر السيّد المرتضى والشيخ الطوسي إلى يومنا هذا يؤكدون على عدم جزئيتها بل يأتون بها لمحبوبيتها ، وقالوا عن الآتي بها للمحبوبية غير مأثوم ، وأن فعلهم لم يكن بدعة كما يريد الاخرون تصويره ، لكن الاخرين لا يريدون أن يقبلوا هذا الامر أو تراهم يتناسونه في كلامهم ، وإني في هذه الدراسة اُريد أن أوكد على وجه محبوبية هذا الأمر عندنا لا جزئيته ، عسى أن أكون قد ساهمت في رفع بعض الشبهات المطروحة في هذا الصدد وسعيت في تحكيم هذا الصرح وتثبيت العقيدة.
وبما أنّ غالب البحوث المطروحـة حول الشهادة الثالثة لم تشف غليلي ولم تف بمطلوبي ـ لأنّ فقهاءنا الأقدمين وحتى المعاصرين منهم لم يُولوا البحث الأهمية القصوى ، ولم يفردوا له دراسة معمّقة مستقلة ، ولم يدرسوا الروايات فيه دراسة شاملة ، مكتفين ببعض التعليقات والتوضيحات ، مع أنّهم قد كتبوا رسائل مستقلّة وبحوثا مشبعة في مسائل دونها في الأهمية ـ رأيت أن أكتب دراسة مستقلّة وافية فيه ـ لأنّ بحثا بهذه الأهمية لا يمكن الاكتفاء فيه ببعض الأسطر والتعليقات المتناثرة بين ثنايا الكتب ، بل يجب أن يقف الواقف عنده وقفة فقيه متأمّل متدبّر ، فلا يأخذ نصوص السابقين على ظاهرها ، ويحكم بأنّ فلانا منع من الشهادة الثالثة ، أو أن فلانا لا يستسيغها ، أو أنّ ثالثا يقول ببدعيّتها ، دون دراسة للظروف التي كان يعيش فيها أولئك الفقهاء والمحدّثين ، والأماكن التي كانوا يسكنون فيها ، فإنّ مراعاة الزمان والمكان ، والشروط المحيطة بالراوي ، يساعد الفقيه على فهم شروط وظروف صدور النصّ عن الشيخ الصدوق والسيّد المرتضى ، والشيخ الطوسي ، وابن البراج ، وأمثالهم رضوان اللّه‌ تعالى عليهم اجمعين.
كما لابدّ من ملاحظة أنّ مبنى كلامهم هل هو صـدفة وأمر اجتهادي لا يجب اتّباعه ، أم أنّه نصّ تعبدي شرعي يجب الإيمان والأخذ به؟
فالفقهاء يأخذون بإطلاق مرسلة الاحتجاج للطبرسي : « من قال محمد رسول اللّه‌ فليقل عليٌ أمير المؤمنين » ـ مع أنّ الطبرسي متأخّر عن الشيخ الصدوق ; بعدّة قرون ـ ويتركون مرسلة الصدوق ; في الفقيه الخاصّة بالأذان ، والتي ذكر فيها الصيغ الثلاث للشهادة الثالثة ، وكذا تراهم يتركون ما يمكن أن يستند عليه في الاستنباط من اقرار الإمام المعصوم مقرونة بسيرة المتشرعة.
كما أنّهم يجهدون أنفسهم لتصحيح الشهادة الثالثة بالعمومات ، وقاعدة التسامح بأدلة السنن ، والشعارية ، ورجاء المطلوبية ، في حين أن في حيازتهم روايات صحيحة دالة ـ بنحو من انحاء الدلالة ـ على الولاية في الأذان بالخصوص كـ « حي على خير العمل » المصرَّح فيها من قبل الأئمّة على ذلك ، كما في رواية الصـدوق في « التوحـيد » ، و « معاني الاخبار ».
الم يكن فيما رواه ابن أبي عمير ـ في التوحيد ومعاني الأخبار ـ عن الإمام الكاظم ما يفيدنا للاستدلال في الشهادة الثالثة.
والم يكن نص الصدوق ـ في التوحيد ومعاني الأخبار ـ أقدم من نص الاحتجاج تاريخيا وأثبت منه روائيا.
فلماذا يترك هذا النص ويؤخذ بمرسلة الاحتجاج ، إن هذه الأمور لم تبحث بشكلها الدقيق في كتب القدماء فضلاً عن كتابات فقهائنا المتأخّرين. وحتى متاخّري المتأخرين.
وأمّا كتابات العقود الخمسة الماضية فهي الأُخرى لا تُسمن ولا تغني من جوع ؛ لأن أغلب أولئك المؤلّفين اكتفوا بنقل فتاوى الأعلام دون ذكر أدلتهم.
نحن لا ننكر بأنّ الفتاوى كافية للمكلّفين ، لكنّها لا تُرضي الباحثين والمحقّقين. نعم ، صدر أخيرا كتابان يمكن أن تصنفا ضمن الكتابات المقبولة ، لكنّ ذلك لا يدعو إلى وقف حركة البحث العلمي عند العلماء ، لان التوسّع في هكذا دراسات يَفتح آفاق البحث العلمي عندهم ، ويدعو الأساتذة والطلاب إلى الحركة والنشاط لكشف المجهول ، وإثراء المكتبة الإسلامية بما يُحتاج إليه من بحوث فكرية عقائدية فقهية قيّمة ، لأنّ هذا البحث مرتبط بموضوع حسّاس ومهم ، وشعار لمذهب يعتنقه مئات الملايين من المسلمين ، وفي الوقت نفسه هو سؤال لملايين المسلمين في جميع البلدان ، فإنّ موضوعا كهذا لَحَرِيٌّ أن يدرس من قبل العلماء وبكتابات حديثة معاصرة يفهمها الجميع.
كل هذا هو الذي دعاني لأن أدلو بدلوي معطيا رأيي في هذا المجال ، غير مدّعٍ بأني قد أوفيت البحث حقّه ، بل هو مبلغ وسعي وغاية جهدي ، ومن اللّه‌ أرجو التوفيق.
موكِّدا للقارئ العزيز بأنّ ما سأطرحه هنا هو عرض لوجهة نظر ـ جل أو كلّ ـ الإمامية وبيان لما قاله فقهائهم وأعلامهم.
ولا أريد أن أُثبت شرعيّة الشهادة الثالثة للاخرين العامة ، لا لصعوبة الأمر ، بل لعدم الضرورة لبحث كهذا الآن ، إذ أنّ إثبات الشهادة الثالثة وما يماثلها سهل وفق أُصولهم الفقهية والأُصولية والروائية ؛ وذلك لأنّ غالبيّتهم يقولون بعدم توقيفيّة الأذان ، وأنّه شُرّع وفق منام رآه أحد الصحابة ، وفي آخر : أنّه شُرّع طبق استشارة من النبيّ مع أصحابه ، وقيل : بأنّ الأذان شرّع أَوّلاً بقول المؤذّن : « الصلاة الصلاة » ، ثم أُضيفت إليه الشهادة بالتوحيد ، وأن عمر بن الخطاب أضاف إليه الشهادة بالنبوّة.
ولهم اُصول اُخرى كالقول بأنّ الحَسَنَ هو ما حَسَّنه الناس (54) ، وكالقول بالمصلحة وأشباهها.
كلّ هذه الأُصول تسهّل الأمر للقول بشرعيّتها عندهم ، لكنّا الآن في غنىً عن ذلك ، بل الذي نريد الإشارة إليه هو عرض سريع لما جرى على الأذان بعد رسول اللّه‌ (صلی الله عليه وآله وسلم)من التغييرات والزيادات ، لأنّ بيان موضوع كهذا يحدّ من هجمة الآخرين علينا ، ويوقفهم عند حدودهم.
وقبل استعراض لما جرى بعد رسول اللّه‌ (صلی الله عليه وآله وسلم)لابدّ من نقل كلام الاستاذ خليل عزمي في كتابه « بين الشيعة والسنة » صفحة 90 طبعة بغداد ؛ إذ قال : « زيادتهم على الأذان جملة « وأشهد ان عليا ولي اللّه‌ » باعتبار أنّها لم تكن داخلة ضمن الأذان بعهد رسول اللّه‌ ، فأيّ ضرر يتأتّى من إضافة هذه الجملة طالما استحسنها جمهور من المسلمين كما استحسن جمهور آخر إدخال كلمات لم تكن ضمن الأذان في عهد رسول اللّه‌ مثل « الصلاة خير من النوم » في الأذان » (55)
وذكرت كتب السير والتاريخ خبر الأسود العنسي ـ عبهلة بن كعب ـ في اليمن ، وظهوره متزامنا مع مسيلمة الكذاب في اليمامة ، وادعائهما النبوّة ، وأنّ رسول اللّه‌ كتب إلى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين وأمرهم أن يحثّوا الناس على التمسّك بدينهم ، وعلى النهوض إلى حرب الأسود ، فقتله فيروز الديلمي على فراشه (56)
وفي التنبيه والاشراف : أنّ النبي كان كاتب الفرس أن يقتلوه ، فقتلوه ، فأَخبر النبيَّ أصحابَهُ : مقتله (57)
وفي غرر الخصائص الواضحة للوطواط المتوفّى 718 هـ : قال عبداللّه‌ بن عمر : أتانا الخبر من السماء إلى رسول اللّه‌ في الليلة التي قتل فيها ، فقال : قتل العنسي ، فقيل : من قتله؟ قال : رجل مبارك من أهل بيت مباركٍ ، قيل : من هو؟ قال : فيروز ، وفي صبيحة تلك الليلة قبض رسول اللّه ‌(58)
وفي تاريخ الطبري ، وتاريخ دمشق وغيرهما: فلمّا طلع الفجر نادوا بشعارهم الذي بينهم ثم بالأذان وقالوا فيه : « نشهد أنّ محمدا رسول اللّه‌ وأنّ عبهلة كذاب » ، وشنّوها غارة ، وتراجع أصحاب رسول اللّه‌ إلى أعمالهم ، وكتبوا إلى رسول اللّه‌ بالخبر ، فسبق خبر السماء إليه ، فخرج قبل موته بيوم أو ليلة ، فأخبر الناس بذلك ، ثمّ ورد الكتاب ورسولُ اللّه‌ قد مات (59)
وفي فتوح البلدان احتز قيس بن هبيرة رأس الأسود المتنبئ ، ثم علا سور المدينة حين اصبح فقال : « اللّه‌ اكبر! اللّه‌ اكبر!. أشهد ان لا إله إلاّ اللّه‌ ، وأشهد ان محمدا رسول اللّه‌ ، وإن الاسود العنسي عدو اللّه‌ » (60)
وهذه النصوص التاريخية جوّزت الزيادة في الأذان في عهد الرسول وأوائل رحلته (صلی الله عليه وآله وسلم)، بدعوى أنّها حالة نبعت من واقع المسلمين وإحساسهم بنشوة النصر على الكافرين ، وأنّ الأذان عندهم هو الإعلام ، فيمكن الإعلام عن عودة المُلك إلى المسلمين ودحر الكافرين والمتنبئين.
وبعد زمن النبيّ (صلی الله عليه وآله وسلم)رووا بأنّ التثويب الثاني ـ أي قول المؤذن بعد الانتهاء من الأذان : « السلام عليك يا أمير المؤمنين الصلاة الصلاة يرحمك اللّه‌ » ـ قد شرّع على عهد أبي بكر (61) ، وفي آخر : في عهد عمر بن الخطاب (62) ، وقال ثالث : في عهد عثمان (63) ، ورابع : في عهد معاوية (64)
ولا نرى خلافا بيّنا بين هذه النصوص ، وذلك لتبنّي اللاّحق ما جاء به السابق من التثويب الثاني ، وأنّهم كانوا لا يرون ضيرا في مثل هذه الزيادات في الأذان ، فيمكن أن يقال : إنّ معاو ية ، أو عثمان ، أو عمر قال به.
أنا لا أُريد أن أُثبت هذا التشريع لهذا أو أنفيه عن ذاك ، المهمّ عندي أنّهم جوّزوا هذا التثويب في العصور السابقة ، فلا يحقّ لأمثال هؤلاء الاعتراض على الآخرين بقولهم بالشهادة الثالثة في الأذان.
ويضاف إلى ذلك ما ذكره التفتازاني والقوشجي وغيرهما من أنّ عمر ابن الخطاب منع من متعة النساء ، ومتعة الحج ، ورفع حي على خير العمل من الأذان (65)
وفي موطأ مالك : إنّ المؤذّن ، جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائما ، فقال : الصلاة خير من النوم ، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح (66)
ولا ينكر أحد من المسلمين بأن عثمان بن عفان هو الذي أضاف الأذان الثالث يوم الجمعة (67)
نعم ، إنّهم قالوا بشرعية الأذان الثالث يوم الجمعة وما يماثله من جهة المصالح المرسلة ، مع اعتقادهم بعدم شرعيته على عهد رسول اللّه‌ ، ونحن يمكننا إلزاما لهم إثبات الشهادة الثالثة وغيرها طبق المصالح المرسلة وما يماثلها عندهم.
هذا هو خلاصة ما يمكننا قوله مع القائلين بعدم توقيفية الأذان عند العامة وإلزامهم بما ألزموا به أنفسهم.
كما يمكننا أن نثبت لهم شرعية الشهادة بالولاية من جهة شرعية « حيّ على خير العمل » على عهد رسول اللّه‌ ، وأنّ الصحابة كانوا قد أذّنوا بها ، وأنّ عمر حذفها لأسباب معروفة عند مدرسة أهل البيت ، وقد أكّد الإمام الكاظم على هذه الحقيقة ، بقوله : إنّ « حيّ على خير العمل » دعوة للولاية ، وإنّ عمر كان لا يريد دعاءً إليها ولا حثّا عليها (68)
وهذا نص له قيمته التاريخية والشرعية ، لأ نّه صدر في القرن الثاني الهجري وعلى لسان أحد أئمّة أهل البيت : وقريب منه موجود في كتب الزيدية والإسماعيلية مما يؤكد اجماع مدرسة أهل البيت على هذا المعنى عندهم.
ومن المعلوم بأنّ جملة : « حيّ على خير العمل » ليس لها ظهور في الإمامة والولاية ، وإن فهمها بعض خُلّص الصحابة من خلال الآيِ الكريمِ والأحاديثِ المتواترةِ عن رسول اللّه‌.
وكلامُ الإمام « أنّ حيّ على خير العمل دعوة للولاية وإنّ عمر كان لا يريد دعاءً إليها ولا حثا عليها » يشير إلى أن بعض الصحابة كانوا يفتحونها بجمل دالة على الإمامة والولاية ، توضيحا وتفسيرا ، كقولهم بعد « حيّ على خير العمل » ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ : « محمد وعلي خير البشر » ، أو « محمد وآل محمد خير البرية » ، أو « علي وأولاده المعصومون حجج اللّه‌ » ، وغيرها من الصيغ الدالة على الإمامة والولاية ، وأنّ عيون عمر كانوا يخبرونه بفعل هذا النزر من الصحابة.
فعمر بن الخطاب أراد أن لا يكون حثٌ عليها ولا دعاءٌ إليها ، فمنعها تحت طائلة أنّ البعض من الصحابة سيتركون الجهاد بدعوى أنّهم يؤدّون خير العمل وهو الصلاة ، فلا صلاة مع احتياج الأ مّة إلى الجهاد ، إلى غير ذلك من الكلام الذي مرّ بعضه في الباب الأول من الدراسة « حي على خير العمل الشرعية والشعارية » .
ومما مرّ تعرف أن البحث مع الاخرين سهل ليس بالعسير المتعب كما يتصورّه البعض.
المصادر :
1- انظر المهذب لأبي إسحاق الشيرازي 1 : 54 ، والاقناع للشربيني 1 : 139 ، المجموع 3 : 100
2- انظر المدونة الكبرى 1 : 57 ، الكافي لابي عبدالبر 1 : 37 ، كفاية الطالب 1 : 318
3- المبسوط للسرخسي 1 : 130 ، تحفة الفقهاء 1 : 110 ، بدائع الصنائع 1 : 148
4- المحلى 3 : 154 ، /« حي على خير العمل الشرعية والشعارية » الباب الأول ص 19
5- تاريخ دمشق 42 : 363 شواهد التنزيل 1 : 52 ، السيرة الحلبية 2 : 474 ، تاريخ الخلفاء : 171 ، بحار الأنوار 36 : 117 ، عن كشف اليقين للعلاّمة الحلي : 356
6- البداية والنّهاية 7 : 359 ، الصواعق المحرقة 2 : 373
7- شرح الأخبار 2 : 570 ، 574 ، شواهد التنزيل 1 : 52
8- تاريخ الإسلام للذهبي 21 : 158
9- رجال النجاشي : 17 / ت 19 والذريعة 19 : 28
10- الذر يعة 11 : 75 وانظر ج 19 : 28 و 4 : 454
11- رجال النجاشي : 241 / ت 639 ، الذريعة 19 : 28
12- معالم العلماء : 141 ، وانظر الذر يعة 19 : 28
13- معالم العلماء : 118 ، الذريعة 19 : 29
14- معالم العلماء : 25 ، الذريعة 19 : 28
15- لسان الميزان 2 : 251 معجم المؤلفين 3 : 292
16- رجال النجاشي : 379 / ت 1030
17- رجال النجاشي : 65 / ت 152 وانظر الذريعة 2 : 65
18- رجال النجاشى : 330 ت 891 وانظر الذر يعة 19 : 29
19- رجال النجاشي : 439 ت 1182
20- رجال النجاشي : 93 ت 231
21- أمالي الطوسي : 479 / ح 1045 ، المعجم الصغير للطبراني 1 : 255 ، الجامع الصغير للسيوطي 2 : 177 / ح 5594
22- الكافي 1 : 213 / باب إن الراسخين في العلم هم الأئمّة : / ح 1 ، 2 ، 3. وانظر فيض القدير 4 : 369
23- تفسير الصنعاني 3 : 241 ، طبقات ابن سعد 2 : 338 ، التاريخ الكبير 8 : 165 ، تاريخ دمشق 27 : 100 ، 42 : 398 ، المواقف 3 : 627 ، منح الجليل 9 : 648 ، ينابيع المودة 1 : 223 ، وانظر تفسير أبي حمزة الثمالي : 104
24- الكفاية في علم الرواية : 15 ، المطالب العالية 12 : 734
25- الكافي 1 : 286 / ح 1
26- شواهد التنزيل 1 : 257 ، الدر المنثور 2 : 298 ، وعنه في بحار الأنوار 37 : 190
27- شواهد التنزيل 2 : 3 الاكمال 7 : 53 ورواه ابن عساكر في ترجمة أمير المؤمنين علي من تاريخ دمشق 42 : 360 الحديث 919 ، والدر المنثور 5 : 192 ، 6 : 590 ، كفاية الطالب : 234 ، غاية المرام : 420
28- الدر المنثور 6 : 567 ، مصنف عبدالرزاق 10 : 181 / ح 1874 / الكشاف 3 : 532
29- المحرر الوجيز 4 : 370
30- المستدرك للحاكم 2 : 225 ، كنز العمال 2 : 568 و 594 ، الدر المنثور 6 : 79 ، سير اعلام النبلاء 1 : 397
31- تفسير الطبري 19 : 121 / عيون اخبار الرضا 2 : 209
32- الدر المنثور 4 : 371 و 5 : 197 ، كنز العمال 2 : 480
33- المحرر الوجيز 1 : 48
34- شرح المعتمد ، لابن السراج القاضي / القول 119
35- البحر المحيط 6 : 103
36- المحرر الوجيز 3 : 524
37- البحر المحيط 6 : 131
38- علل الشرائع 2 : 368 الباب 89 / ح 5 ، معاني الاخبار : 42
39- التوحيد للصدوق:241 ، فلاح السائل:148 ـ 150 مناقب بن شهرآشوب 3 : 107
40- علل الشرائع 2 : 368 وعنه في وسائل الشيعة 5 : 420
41- لا يخفى عليك بأنّ ليس للشيعة اذانان كما هي للعامة في اذان الفجر ، وبذلك فلا معنى للأذان الاول في كلام الإمام (عليه السلام)
42- منهم السيد الحكيم في المستمسك 8 : 344 ـ 346 والسيد الخميني في المكاسب المحرمة 2 : 55 والشيخ حسين آل عصفور في تتمة الحدائق 2 : 143 ومستند الشيعة 5 : 435 مسالك الافهام 2 : 23 ، ذخيرة المعاد 1 : 510
43- علل الشرائع 1 : 258 ، وسائل الشيعة 5 : 418 ، الفقيه 1 : 295 / ح 914 ،
44- امالي الطوسي : 677 / ح 1432 ، وعنه في بحار الأنوار 45 : 177 / ح 27
45- سنن الترمذي 5 : 658 / ح 3775 /سنن ابن ماجه 1 : 51 / ح 143 ، مسند أحمد 4 : 172 / ح 1759.
46- الامالي ، للشيخ الطوسي 287 / ح 557 ، وانظر ديوان علي الحمّاني : 81 ، ومناقب ابن شهراشوب 3 : 510
47- تحت عنوان ( حي على خير العمل ، الشرعية والشعارية ) المطبوع في بيروت ، مؤسسة الاعلمي .
48- « تطور المباني الفكرية للتشيع في القرون الثلاثة الاول » صفحة 73 ، والسيّد موسى الموسوي في « الشيعة والتصحيح » : 105 ، و « المتآمرون على المسلمين الشيعة » : 170 ، والسيّد حسن الامين في « مستدركات أعيان الشيعة » 2 : 64
49- معاني الأخبار : 41 / باب معنى حروف الأذان والاقامة / ح 1 ، و 42 / ح 3
50- التوحيد ، للصدوق : 241 / باب تفسير حروف الأذان والاقامة / ح 2
51- بحار الأنوار 23 : 27 ، 21 ، 39
52- من لا يحضره الفقيه 1 : 290 / ح 897
53- الاحتجاج 1 : 231
54- الاثار ، لمحمد بن الحسن الشيباني : 81 كتاب الأذان / ح 59 ،
55- الاعمى في الميزان : 2 ، عن كتاب : بين الشيعة والسنة : 90 ، والقسطاس المستقيم في ولاية أمير المؤمنين للسيّد محمد على بن محمد باقر الموسوي الكاظمي : 135 ـ 136 طبع مطبعة المعارف / بغداد سنة 1376 ه‍
56- تاريخ الخميس 2 : 156
57- التنبيه والاشراف : 241
58- معارج القبول 3 : 146 ، المنتظم 4 : 20 ، احداث سنة إحدى عشر للهجرة
59- تاريخ الطبري 2 : 250 ، البداية والنِّهاية 6 : 310 ، تاريخ دمشق 49 : 488 ، تاريخ الإسلام 3 : 19
60- فتوح البلدان 1 : 114
61- تنوير الحوالك 1 : 71 ،
62- شرح الزرقاني 1 : 216 ، وفيه : كان المؤذن يقف على بابه ويقول : السلام عليك يا أمير المؤمنين ، ثم أن عمر أمر المؤذن فزاد فيها ( رحمك اللّه‌ ). ويقال : إن عثمان هو الذي زادها
63- شرح الزرقاني 1 : 216 ، وفيه : ويقال إن عثمان هو الذي زادها
64- مواهب الجليل 1 : 431 ، الذخيرة 2 : 47
65- شرح المقاصد في علم الكلام 2 : 294 ، وشرح التجريد / باب بحث الإمامة
66- موطأ مالك 1 : 72
67- صحيح البخاري 1 : 309 / ح 870 / باب الأذان يوم الجمعة
68- علل الشرائع 2 : 368 ، وعنه في وسائل الشيعة 5 : 420 / ح 6977

  1033
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

الدُرُوز
رأي إمام الحرم الجويني
المُناظرة السادسة/مناظرة الكراجكي مع أحد المعتزلة في ...
المُناظرة السابعة والستّون /مناظرة ابن طاووس مع بعضهم ...
السر في بقاء التشيع
الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف
نظام العبادات في مدرسه أَهل البيت عليه السلام
الخمس في عصر الحضور والغيبة
فصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لماذا الجحفة وغدير خم

 
user comment