عربي
Monday 6th of July 2020
  908
  0
  0

لبس السواد على أبي الثوار وسيد الاحرار أبي عبدالله الحسين عليه السلام

لبس السواد على أبي الثوار وسيد الاحرار أبي عبدالله الحسين عليه السلام

لبس السواد: الحزن والكآبة والشجى واللوعة والأسى أمور معزية وهي نوع من المشاعر الباطنية، تتأتّى من خلال الانفعال العاطفي والأحاسيس القلبية المتأثّرة بمواقف وأحداث مأساوية وتأثيرات واخزة مهيّجة للبواطن الروحية للإنسان.

أي أنّ عواطف الحزن تلبّي حاجات اجتماعية وفي نفس الوقت تبلّي حاجات فردية وضرورات حياتية وأخلاقية.

وعند انسجام وتوافق العواطف الحزينة مع الأفكار الدينية والآراء العقائدية يكون هذا الانسجام العاطفي عنواناً للتعبير عن ظاهرة انفعالية حزينة لها ارتباط واندماج وعلاقة وثيقة وأصيلة بالإحساس المذهبي والشعور الديني تتكامل التأثيرات ويبلغ مداها عمقاً داخلياً كبيراً وتاثيراً حاسماً وبليغاً في البواطن الدفينة والمشاعر المدفونة في أعماق النفس الإنسانية ، ويكون الإظهار العاطفي للأحزان واعلانها أمراً ضرورياً يلبّي حاجة حينية وشعوراً مقدّساً يستبطنه الإنسان الحزين ويكشف عنه في حالات الانفعال الصادق مع المأساة الدينية المؤثِّرة على مشاعره وأحاسيسه تأثيراً دائمياً وتكون درجات التعبير متنوّعة ومتعدّدة وتتّسع درجات هذا التعبير باتساع آفاق المأساة الدينية وعظمتها وقدسيتها.

ولمّا كانت المأساة الكبرى للإمام الحسين (عليه السلام) من أعظم وأكبر أبلغ المآسي فهي المأساة الشعورية التي تتطلّب درجة أعلى من درجات التعبير فقد يكون البكاء ظاهرة تعبيرية بمستوى التعبير الذاتي والفردي حتّى وإن أضحى البكاء ظاهرة اجتماعية وقد تتعالى أصوات البكاء عالية من تظاهرات ومسيرات ومواكب مجتمعة ومتّحدة تآلفت أحزانها وتناغمت مشاعرها الكئيبة على صورة البكاء والصراخ إظهاراً للآلام الداخلية والأحزان القلبية الدفينة والراسخة في أعماق الشعور القلبي.

وتبقى درجات الانفعال الحزين تتوالى وتتّسع وتتنوّع لتكون متوائمة ومتوازنة مع درجات المأساة وذروتها المتصاعدة دينياً ومذهبياً وعقيدياً فلا يكون البكاء بديلاً أوحد وتعبيراً كاملاً وإعلاناً تامّاً عن ضخامة وعمق المأساة فتبدو ضرورة إظهار البدائل الاُخرى عن البكاء لتكون متوائمة مع درجة المأساة وتصاعد ذروتها وتكامل أوجها وحرارة توهّجها العظيم، ومن أبهى وأنقى التعابير عن أوج وذروة المأساة الحسينية هو لبس السواد والتوشّح بعلاماته ودلائله الظاهرية.

ولا شكّ أنّ ظاهرة لبس السواد والتوشّح بوشاح الحزن الظاهري واعتباره ظاهرة اجتماعية وتظاهرة جماهيرية كبيرة من قبل الاُمّة المؤمنة تتباهى وتفتخر وتعلن حزنها المذهبي واستشعارها الديني بصورة أكمل ودرجة أعلى ليكون لهذا الحزن بعده السياسي وبُعده الثوري وليكون لهذا الحزن اُصول وجذور اجتماعية متوافقة ومتوازنة مع درجات التعبير الأخرى لتشكّل جميعها بعداً جماهيرياً وإعلاناً ثورياً وإحساساً متوحِّداً وشعوراً متوافقاً وصرخة علنية تحكي عن توحّد الإرادات والمشاعر الفردية والأحاسيس الذاتية ليكون التأثير أبلغ وأعمق من الناحية الاجتماعية والسياسية والروحية.

ظاهرة لبس السواد أضحت شعيرة من الشعائر الحسينية في عموم البلدان الإسلامية، ونذكر منها بلاد العراق إذ تعوّدنا في الأيّام العشرة الأولى من محرّم الحرام أن نرتدي لبس السواد لكي نتظاهر بالحزن لنعلن للناس نحن نحيي هذه الشعيرة تعاطفاً مع عوائل أهل البيت في زمن المصيبة. ولقد نمت هذه العادة في أجواء مدن العراق منذ اندلاع ثورة الإمام الحسين عليه السلام إلى يومنا هذا وتوارثها المواطن الشيعي والأخ الصابئي والأخ المسيحي (أقصد اخوتنا في الخلقة) وكانوا يرتدون اللباس الأسود في عموم المدن العراقية وخاصّة النجف وكربلاء.

وفي سنوات الستينات عندما أتي الشهر المحرّم ترى الشارع وقد توشّح بالسواد وارتدت المساجد والحسينيات والبيوت حلل السواد وأشحى الحزن يغطّي كلّ شيء وبدا الكون حزيناً باكياً.

في العشرة الأولى من شهر محرّم الحرام لم يكن الشيعي وحده لابساً للسواد بل كانت هذه سنّة في بلادنا يتداولها عموم الشعب العراقي المسلم وباقي الأقلّيات الدينية الموجودة في العراق، وذهبت هذه الشعيرة إلى باقي البلدان الإسلامية الأخرى، وتتابعت معها المآتم الحسينية وباقي الشعائر الحسينية في كلّ حيِّ وزقاق من شوارع ومدن العراق حيث تنصب تلك المجالس وسط المدن والمساجد والحسينيات ويتجمهر الناس من الرجال والنساء كلّهم يرتدون اللباس الأسود لسماع السرد التاريخي لملاحم ثورة الإمام الحسين، ويقف المبلِّغ أو الرادود أمام المتدينين وغيرهم من سائر الأديان المشاركة في موكب هذا القائد العظيم ليكون لنا قدوة مشرقة يوضّح للإنسان كيف يتّخذ موقفاً ويصبح له رأي، وتنطلق من خلال هذه المجالس ثورة عارمة ترنّ في مسامع الناس لتتّجه نحو ضريح وقبر سيِّد الشهداء ويردّدون بألسنتهم نأتيك زحفاً سيِّدي يا حسين يحثّون السير إلى مدينة كربلاء منذ أوّل يوم من محرم الحرام وتستمر هذه المسيرة حتّى يوم العاشر.

وتتكرّر المسيرة الحسينية والتظاهرة الولائية لتجديد العهد وتبقى الكلمات المعطّرة تتردّد بالقرب من ضريحه، جئناك سيِّدي لنرتوي من عذب مائك فقد طال الصدى، جئنا سيِّدي لنقف معك يوم الطف ونتّخذ حديثك يا أبا الأحرار مصداقاً في حياتنا (خط الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة) وترى جموع الجماهير وقد ارتدت لوناً واحداً هو السواد علماً أنّ هذا اللون ورثوه عن أسلافهم ويظهر أنّ لبس السواد لا يختصّ بالشيعة فقط بل غير المسلمين كانوا يلبسون السواد ويتّخذونه شعاراً للحزن ، والظاهر أنّها عادة سبقت الإسلام وبقيت بعده بل جرت في غيرهم من الاُمم حيث كان الفرس والروم والروس والألمان يسودون رؤوس أعلامهم إذا نكبوا بكارثة من الكوارث الدنيوية وتشمل هذه الكوارث مثلاً زلزالاً.. خسارة معركة.. وغيرها من الكوارث، واستمرّ هذا الشعار إلى يومنا هذا.

وفي البلاد الإسلامية أخذت المساجد والحسينيات ترتدي حلل السواد، وهو شعار يوحي إلى جوٍّ حزين ليدخل إلى نفوس الناس الحزن لتظهر من خلال الأجواء الاجتماعية الحزينة مواكب وتظاهرات اجتماعية تحمل شعار الحزن قلباً وعاطفةً ليكون الشعور الحزين عاملاً للحركة والجهاد والثأر ومواصلة طريق الثورة والإصلاح والفداء الذي انتهجه الإمام الحسين (عليه السلام) وعندما لا تكون الدمعة ولا يكون البكاء مجدياً نافعاً في إعلان التظاهرة واعلان الثأر وتحديد معالم الولاء للإمام الحسين (عليه السلام) تبدأ مرحلة أخرى وهي مرحلة لبس السواد وبصورة جماعية وفي جميع أماكن العبادة لتكون إعلاناً ثورياً وتظاهرة دينية تعبّر عن قيم ثورية واستعدادات روحية للقيام والنهوض والاستنهاض واستثارة مشاعر الحميّة والثأر وإعلان الولاء للثورة الحسينية وكونها ثورة ذات أبعاد اجتماعية جاءت لتحرّك الاُمّة وتوعيها وتبعث فيها الأمل والحياة والاستعداد للتضحية والفداء.

لقد وردت روايات تجعل من لبس السواد أمراً مكروهاً، لكن هذه الروايات لا تطلق لبس السواد بل تحدّده في حالات خاصّة نستشف من خلالها أنّ لبس السواد مباح في الحالات الحزينة ومباح في الضرورات التي تستدعي لبس السواد، إذ أنّ هذا التخصيص في الروايات يحدّد الكراهية في مواطن وحالات خاصّة معيّنة، وتكون كراهية لبس السواد حين تكون مظهراً وشعاراً يرتبط بالطغاة ويصبح فعلاً تقليدياً لهم كما يفعل الفراعنة وكما يفعل الرهبان أو كما فعل بنو العبّاس على ما يشهد له ما روي في الوسائل عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) من أنّه قال : (لا تلبسوا السواد فإنّه لباس فرعون).

فاتّخاذ اللباس الأسود تقليداً ومحاكاة لفعل فرعون مكروه. ومن خلال وقوفنا على الأخبار رأينا أنّ اللون الأسود مكروه عندما يتعلّق بظاهرة طاغوتية وعندما يصبح شعاراً من شعائر أعداء الله ، ولكن لبس السواد يستثنى في حالات المصيبة ويستثنى أيضاً في الحالات الأخرى فهو ليس مكروهاً كما فعل الأئمّة المعصومون (عليهم السلام) حيث نرى أنّ المعصومين لبسوا اللباس الأسود في المصائب وفي غير المصائب ويكون فعل المعصوم (عليه السلام) وقوله وتقريره حجّة علينا ويكون فعله نموذجاً يحتذى به وقدوة نقتديها في حياتنا.

وقد وردت أخبار عن لبس السواد وهذه الأخبار ترفع الكراهية التي وردت على لبس السواد، فقد وردت هذه الأخبار عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).

ويذكر في مستدك الوسائل روى الصدوق في الأمالي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد لبس السواد: خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعليه خميصة قد اشتمل بها، فقيل له: يا رسول الله من كساك هذا؟ فقال : كساني حبيبي.

وفي مصباح الفقيه عن معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال سمعته يقول: (دخل رسول الله الحرم ـ يوم دخل مكّة ـ وعليه عمامة سوداء وعليه سلاح.

كان لرسول (صلّى الله عليه وآله) عمامة سوداء يعتمّ بها ويصلّي فيها.

وفي المستدرك عن غوالي اللئالي: قال : خرج علينا علي (عليه السلام) في إزار أصفر وخميصة سوداء.

وفي المستدرك ([1]) عن أبي ظبيان: أنّ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام قد لبس السواد حداداً على أبيه أميرالمؤمنين عليه السلام.

وفي ناسخ التواريخ ([2]) في المجلّد الخاصّ بحياة الإمام الحسن (عليه السلام) قال : لمّا دُفن أميرالمؤمنين (عليه السلام) وقُتل ابن ملجم خرج ابن عبّاس إلى الناس فقال: أميرالمؤمنين توفي وقد ترك لكم خلفاً فإن أحببتم خرج إليكم وإن كرهتم ... . فبكى الناس وقالوا: بل يخرج إلينا فخرج الإمام الحسن (عليه السلام) إلى المسجد بثوب أسود فعلا المنبر وقال...

وروي في الكافي: عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: (قتل الحسين عليه السلام وعليه جبّة خزّ دكناء) وهو الأسود.

وفي المستدرك عن مكارم الأخلاق للطبرسي عن عبدالله بن سلمان (أنّ علي بن الحسين دخل المسجد وعليه عمامة سوداء وقد أرسل طرفيها بين منكبيه).

وهناك الكثير من الأحاديث والروايات التي تخصّ اللباس الأسود ولكنا نكتفي بهذا القدر. وستبقى هذه الشعائر إن شاء الله تعالى إلى أن يخرج الله من ولد محمد (صلّى الله عليه وآله) من يملأ الأرض من مفاهيم وأبعاد وعقائد الإمام الحسين.

فهذا الإمام الرضا (عليه السلام) عندما استقبل دعبلاً (رض) يقول : أنشدني في الحسين يا دعبل. وينشد دعبل، ويبكي هو والإمام الرضا والمجلس، ويتوسّل بالحسين هو والإمام. ويجعل هذا سنّة لمن كان بعده. لذلك تبقى كلّ شعيرة لأجل الإمام الحسين هي شعيرة دائمية باقية ما بقي الدهر.

--------------------------------------------------------------------------------

([1] ) المستدرك ، ج4 ، ص399.

([2] ) ناسخ التواريخ في المجلّد الخاص بحياة الإمام الحسين عليه السلام.


source : شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام الثقافية
  908
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

    الإعجاز العلمی فی القرآن
    زكاة الفطرة
    الغيبة وآثارها
    زيارة الإمام المستتر الحجة بن الحسن صلوات الله عليهما ...
    الإمام الحسن كريم أهل البيت(ع)
    التزاور في الله
    زيارة وزوار الامام الحسين (عليه السلام )في الأحاديث ...
    المنهج اللغوي
    هل الدنيا آخر المطاف
    في مدح أميرالمؤمنين عليّ

 
user comment