عربي
Wednesday 8th of July 2020
  1034
  0
  0

التباكي على سيِّد الشهداء (عليه السلام)

التباكي على سيِّد الشهداء (عليه السلام)

التباكي غير البكاء، وهو شعيرة أُخرى ضمن الشعائر الحسينية؛ وتمثيل واقعي له أثر الحزن في النفس والقلب يشبه البكاء وتعبيره، إمّا أن يكون بأنين يخرج من آخل البلعوم ويشابه البكاء، وإمّا أن يكون تمثيلاً يظهره أمام الناس بأن يحني رأسه إلى الأرض، أو تتردّد أنفاس تلاحقها شجوة حنين وأنين يحسّس الآخرين بأنّه حزين وغاضب على الموقف حيال السبط (عليه السلام)، وهذا يتقرب بكلام الإمام زين العابدين( عليه السلام) في الصحيفة السجّادية، وضمن دعائه عليه السلام في ذكر التوبة وطلبها : فمثل بين يديك متضرّعاً وغمضت بصره إلى الأرض متخشّعاً وطأطأ رأسه لعزّتك متذلّلاً وأبثّك من سرّه ما أنت أعلم به خضوعاً)([1]) .

والشاهد من كلام الإمام زين العابدين عليه السلام، أنه مجرّد أن ينوي العبد فيتهيّأ ويستعدّ للتوبة والإنابة وتظهر عليه علائم ذلك بصدق وإخلاص يحصل على أجر وثواب الندم والتوبة ، وذلك لأنّ النظر إلى الأرض وطأطأة الرأس والحياء واستشعار الندم مقدّمات تستجلب آثاراً معنوية وألطافاً إلهية، وكذلك المتباكي فإنّه يحاول البكاء ويستظهر علاماته ويهيئ مقدّماته فيحصل على أجر وثواب الباكي. فمن يحاول البكاء فلا تصدر منه عبرات البكاء، فيقوم بالتباكي بنيّة البكاء، يؤجر وإن لم يحصل له البكاء، فالله أعلم بالنيّة والحركة والعمل والتمثيل وما إذا رافقته نيّة الإخلاص.

حين يتباكى المرء على سيّد الثوّار الحسين بن علي عليه السلام متمثِّلاً قاصداً البكاء يحصل على ثواب أو أجر الباكي ، ويكون أحياناً البكاء بلا صوت أو أحياناً قد يكون بدون ذرف دموع لاستعصاء جريان الدموع، لنفاد الدمع الذي هو ينبع من رقّة القلب أو حنانه، ولا يوجد في بعض الأحيان عند بعض الأشخاص انطباع للصورة الحقيقية لمعركة  ‌الطف في الذهن ولهذا يكون التباكي مقدّمة لحصول هذا الانطباع وعند حصوله تدريجياً تتكامل عناصر التأثير الروحي فيحدث البكاء.

وهنا إشارة من المعصومين عليهم السلام إلى ثواب التباكي . وجاءت التوجيهات في التباكي بنفس الطريقة التي دعوا بها إلى البكاء.

* عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : (إنّي قارئ عليكم {ألهاكم التكاثر} من بكى فله الجنّة ومن تباكى فله الجنّة)([2]) .

* وروي عن أصحاب الإمام زين العابدين عندما كان يشرب الماء يطيل النظر إليه فيتباكى أوّلاً ثمّ يبكي ثانياً.

ونرى من التباكي لدى من يحاول فرض البكاء على نفسه في كارثة ولو من دون أن تستجيب طبيعته يكون مؤمناً بوجوب النصرة إلى جانب المظلوم والتظاهر بوقوفه ضد الظالم، وإن لم يتجاوب عملياً فيعتبر في طريق التجاوب غير أن عدم استجابة طبيعته يكشف عن أنّه يعمل لإزالته.

وكلّ من يعمل لإصلاح نفسه لابدّ أن يفوز ؛ لأنّ من سار على الدرب وصل، ومن عرف نقطة ضعفه وجاهد لتحويلها إلى نقطة قوّة نجح أيضاً .

بهذا يسوغ أن نقول إن للمتباكي ثواب الباكي، لاشتراكهما في أداء واجبهما تجاه مأساة يحاولان استخلاص عبرها.

ترى الأمر واضحاً في الحديث الوارد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (من بكى فله الجنّة ومن تباكى فله الجنّة) فهما شريكان في الأجر والثواب.

وفي كنز العمّال: أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قرأ على جماعة من الأنصار قوله تعالى : {فسيق الذين كفروا إلى جهنّم زمراً} فبكوا إلاّ شابّاً منهم قال: لم تقطر من عيني قطرة وإنّي تباكيت، فقال (صلّى الله عليه وآله) : (من تباكى فله الجنّة). ([3])

* وجاء في مجموعة ورام : أنّ أباذرّ حدّث عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: (إذا استطاع أحدكم أن يبكي فليبك ومن لم يستطع فليستشعر قلبه الحزن وليتباكَ فإنّ القلب القاسي بعيد عن الله).

* كما جاء عن الشيخ الصدوق في الأمالي ، عن أبي عمارة عن الإمام الصادق عليه السلام: يا أبا عمارة من أنشد في الحسين شعراً فأبكى خمسين فله الجنّة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى أربعين فله الجنّة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى ثلاثين فله الجنّة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى عشرين فله الجنّة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى عشرة فله الجنّة، ومن أنشد في الحسين شعراً فبكى فله الجنّة، ومن أنشد في الحسين شعراً فتباكى فله الجنّة. ([4])

وهنا تشير الأحاديث والروايات بأنّ ثواب التباكي نفس ثواب البكاء، فالبكاء والتباكي عملية واحدة ولها أثر واحد وثواب واحد. والتباكي والبكاء يكونان أمراً واحداً في حالة واحدة وهي أنّهما يصدران عن انفعال موحّد وحالة شعورية ونفسية متوافقة ، فيكون في هذه الحالة نفس التباكي بكاءً وله ثواب وأجر البكاء.

وهنا نذكّر أنّ أهل البيت عليهم السلام كلّهم بكوا على الحسين (عليه السلام) ونحن نعرف أنّ فعل المعصوم يكون حجّة علينا ويجب أتّباعه وامتثاله كما في قوله تعالى {ما آتاكم الرسول فخذوه}.

واليوم أصبح البكاء على سيِّد الأحرار الإمام الحسين له صورته الخاصّة ، وله عدّة جوانب إيجابية وأبرزها هذا الجانب التربوي لأنّ البكاء غايته شيء وهذا لا يحدث إلاّ عن انفعال بالحادث المؤلم الذي اكتنف ذلك الشيء فكون البكاء عليه أمراً حاصلاً بعد معرفة الحادثة وبعد الانفعال بها ومعرفة المظلومية هل هي مثل مظلومية الأنبياء الذين سبقوا الإمام الحسين بالجهاد، أم فريدة من نوعها أو أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) حجّة وخليفة نصبه الله سبحانه وتعالى، ولهذا كانت مظلوميّته مظلومية الأنبياء جميعاً وشهادته تمثِّل شهادة الخط الرسالي متمثِّلاً بصفوته وخلاصته حيث توحّدت فيه وتجمّعت جميع معاناة وآلام وتضحيات الأنبياء وبه تحقّقت طموحاتهم وأهدافهم ، وقد وردت أحاديث قدسية تنصّ بأنّه سوف يقتل مظلوماً مهضوماً في سبيل الله ومن أجل إرشاد وإصلاح الاُمّة.

إذن ما على الاُمّة إلاّ أن تستوعب بواعث هذه الثورة العملاقة لكي يبقى ما تركه الرسول العظيم (صلّى الله عليه وآله) من إرث رسالي محفوظاً مصوناً لا يطرأ عليه التبديل والتغيير.

إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) يستحقّ هذا البكاء قبل استشهاده، نعم نحن نبكي على الإمام الحسين قبل شهادته وبعد شهادته لأنّ الرسول العظيم (صلّى الله عليه وآله) فداه بانه إبراهيم يوم خيّره الله تعالى فاختار حسيناً على إبراهيم حيث رأى فيه امتداد شخصيّته ورسالته وكفاه نبوغاً قوله عليه السلام: (الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم فإذا محّصوا بالبلاء قلَّ الديانون).

 

روي في البحار عن الإمام الحسن أنه قال:

إنّ الذي يؤتي إلي سمّ يدبّر إليّ فأقتل به ولكن لا يوم كيومك يا أباعبدالله يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل يدعون أنّهم من اُمّة جدّنا وينتحلون دين الإسلام فيجتمعون في قتلك وسفك دمك وانتهاك حرمتك وسبي ذراريك ونسائك وأخذ ثقلك فعندها تحلّ ببني اُميّة اللعنة وتمطر السماء رماداً ودماً ويبكي عليك كلّ شيء حتّى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار. ([5])

* وجاء عن الإمام الرضا عليه لاسلام في حديث : (فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإنّ البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام). ثمّ قال: كان أبي عليه السلام إذا دخل شهر المحرّم لا يُرى ضاحكاً وكانت الكآبة تغلب عليه حتّى تمضي عشرة أيّام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه ويقول: هو اليوم الذي قُتل فيه الحسين عليه السلام.

* وعن علقمة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث زيارة الحسين عليه السلام يوم عاشوراء من قرب وبُعد) قال:

ثمّ ليندب الحسين ويبكيه ويأمر من في داره ممّن لا يتّقيه بالبكاء عليه.. ليعزِّ بعضهم بعضاً بمصابهم بالحسين عليه السلام.

قلت: وكيف يعزّي بعضنا بعضاً؟ قال: تقول: عظَّم الله أجورنا بمصابنا بالحسين عليه السلام وجعلنا وإيّاكم من الطالبين بثأره مع وليّه الإمام المهدي من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) ([6]).

 * وجاء عن زيد الشحّام في الحديث (أنّ أباعبدالله عليه السلام قال لجعفر بن عفان الطائي : بلغني أنّك تقول الشعر في الحسين عليه السلام وتجيد؟ قال : نعم فأنشده فبكى ومن حوله حتّى سالت الدموع على وجهه ولحيته.

* وقال من أنشد في الحسين بيتاً من الشعر فبكى وأبكى عشرة فله ولهم الجنّة. ([7])

 * عن معاوية بن وهب قال: دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) وهو في مصلاّه فجلست حتّى قضى صلاته فسمعته وهو يناجي ربّه ويقول: يا من خصّنا بالكرامة ووعدنا بالشفاعة .. اغفر لي ولإخواني وزوّار قبر أبي عبدالله الحسين بن علي صلوات الله عليهما. ([8])

 اللهم إنّ أعداءنا عابوا عليهم خروجهم فلم يثنِهم ذلك من النهوض والشخوص إلينا خلافاً عليهم فارحم تلك الوجوه التي غيّرتها الشمس وارحم تلك الخدود التي تتقلّب على قبر أبي عبدالله عليه السلام وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمةً لنا وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا وارحم الصرخة التي كانت لنا. اللهمّ إنّي أستودعك تلك الأنفس والأبدان حتّى ترويهم من الحوض يوم العطش. ([9])

* وعن علي بن الحين عليه السلام قال: أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين عليه السلام حتّى تسيل على خدّيه بوّاه الله غرفاً يسكنها أحقاباً.

* وعنه وعن الرسول (صلّى الله عليه وآله) قال: كلّ عين يوم القيامة باكية وكلّ عين يوم القيامة ساهرة إلاّ عين من اختصّه الله بكرامته وبكى على ما يُنتهك من الحسين وآل محمّد عليهم السلام.

* وعن عبدالله بن الفضيل الهاشمي قال: قلت لأبي عبدالله الصادق (عليه السلام) : يابن رسول الله كيف صار يوم عاشوراء يوم مصيبة وغمّ وحزن وبكاء دون اليوم الذي قبض فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) واليوم الذي ماتت فيه فاطمة واليوم الذي قُتل فيه أميرالمؤمنين واليوم الذي قُتل فيه الحسن بالسمّ؟ فقال : إنّ يوم الحسين أعظم مصيبة من جميع سائر الأيّام وذلك: أنّ أصحاب الكساء الذين كانوا أكرم الخلق على الله عزّوجلّ وكانوا خمسة فلمّا قتل الحسين لم يكن بقي من أصحاب الكساء أحد للناس فيه عزّ وسلوة فكان ذهاب جميعهم كما كان بقاؤه كبقاء جميعهم. ([10])

 * وعنه كما جاء في الحديث (عليه السلام) من كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه يجعل الله عزّوجلّ يوم القيامة يوم فرحه وسروره.

يستحقّ الإمام الحسين (عليه السلام) البكاء من الاُمّة كونه صورة أُخرى لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وهو الذي تكشف عظمته عن عظمة النبوّة في محمّد (صلّى الله عليه وآله) ونبوغه عن نبوغ الرجولة في عليّ (عليه السلام) وقداسته عن قداسة الفضيلة في فاطمة (عليها السلام) ، وكان عظيماً جمع في ذاته من الفضل ما تفرّق في عموم الناس.

--------------------------------------------------------------------------------

([1] ) الصحيفة السجّادية ص 196 دعاء (3),

([2] ) كنزالعمال، ج13.

([3] ) كنز العمال، ج13.

([4] ) كنز العمّال، ج13.

([5] ) لمّا سمّ الإمام الحسن (عليه السلام) جاءه الإمام الحسين فلمّا رأى ما به بكى فقال له الإمام الحسن (عليه السلام) ما يبكيك يا أبا عبدالله؟ قال له الحسين: أبكي على ما أراك فيه، فقال له الحسن: ... وسائل الشيعة ج10 ص 398.

([6] )فقه الإمام الرضا، وسائل الشيعة ج10 ص 393.

([7] ) وسائل الشيعة ، ج1، ص465.

([8] ) وسائل الشيعة ، ج10، ص466.

([9] ) بحارالأنوار، ج101، ص8.

([10] ) بحارالأنوار  ج101 ، ص8


source : شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام الثقافية
  1034
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

    دعاء ادریس
    خطبة عيد الأضحى الخطبة الأولى
    الخروج على القانون
    الأدب و الحث على الخير
    الإمام الحسين.. الشاهد والشهيد
    من علي إلى معاوية بن صخر
    هل تزوجت السيدة المعصومة ( عليها السلام ) ؟
    القدس
    الخصائص السجاديّة (2)
    الإعجاز العلمی فی القرآن

 
user comment