عربي
Sunday 12th of July 2020
  1225
  0
  0

مدينة كربلاء والمرقد الحسيني اطلالة تاريخية مدعمة بالرسوم والصور

مدينة كربلاء والمرقد الحسيني إطلالة تاريخية مدعمة بالرسوم والصور * إعداد : قسم المقالات في شبكة الإمامين الحسنين ( عليهما السلام ) تمهيد : كربلاء مدينة تقع في وسط العراق .
مدينة كربلاء والمرقد الحسيني اطلالة تاريخية مدعمة بالرسوم والصور



مدينة كربلاء والمرقد الحسيني

        إطلالة تاريخية مدعمة بالرسوم والصور *
 

إعداد :
قسم المقالات في شبكة الإمامين الحسنين ( عليهما السلام )

تمهيد :

كربلاء مدينة تقع في وسط العراق .



تعتبر أحد المدن المقدّسة لدى المسلمين الشيعة ، حيث يرقد فيه حفيد رسول الله ( صلَّى الله عليه واله ) ، الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهما السلام ) , وحدثت فيها واقعة الطّف الشهيرة .

وسنستعرض تاريخ المدينة وأهم ملامحها ، وتاريخ المرقد الحسيني ، من خلال النقاط التالية :

1ـ الموقع .
2ـ التأسيس والتسمية .
3ـ التوسعة والإعمار .
4ـ المعالم .
5ـ  تاريخ تشييد المرقد الحسيني .
 

1 ـ  الموقع :

تقع المدينة على بعد 105 كم إلى الجنوب الغربي من العاصمة العراقية بغداد ، على حافة الصحراء في غربي الفرات ، وعلى الجهة اليسرى لجدول الحسينية . و تقع المدينة على خط طول 44 درجة و40 دقيقة وعلى خط عرض 33 درجة و31 دقيقة . ويحدُّها من الشمال محافظة الأنبار ، ومن الجنوب محافظة النجف ، ومن الشرق محافظة الحلّة وقسم من محافظة بغداد ، ومن الغرب بادية الشام وأراضي المملكة العربية السعودية .



 

2 ـ  التأسيس والتسمية :

يعود تاريخ المدينة إلى العهد البابلي ، وكانت هذه المنطقة مقبرة للنصارى قبل الفتح الإسلامي ، ويرى بعض الباحثين أنَّ كلمة كربلاء تعني ( قرب الإله ) ، وهي كلمة أصلها من البابلية القديمة .

 ورأى بعضهم أن التوصُّل إلى معرفة تاريخ ( كربلاء ) القديم ، قد يأتي من معرفة نحت الكلمة وتحليلها اللغوي ، فقيل : إنَّها منحوتة من كلمة ( كور بابل ) العربية ، بمعنى مجموعة قرى بابلية قديمة ، منها : نينوى القريبة من سدَّة الهندية ، ومنها : الغاضرية ، وتسمَّى اليوم ( أراضي الحسينية ) ، ثمَّ كربلاء أو عقر بابل ، ثم النواويس ، ثمَّ الحير الذي يعرف اليوم بالحائر ؛ إذ حار الماء حول موضع قبر الإمام الحسين ( ع ) عندما أمر المتوكِّل العبَّاسي بهدم وسقي القبر الشريف .

ويرى آخرون أنَّ تاريخ كربلاء يعود إلى تاريخ مدن طسوح النهرين ، الواقعة على ضفاف نهر بالأكوباس ( الفرات القديم ) ، وعلى أرضها معبد قديم للصلاة . إنَّ لفظ كربلاء مركَّب من الكلمتين الأشوريتين : ( كرب ) أي حرم ، و(أيل ) أي الله ؛ ومعناهما : ( حرم الله ) .

وذهب آخرون إلى أنَّها كلمة فارسية المصدر ، مركَّبة من كلمتين هما : ( كار ) أي عمل ، و(بالا ) أي الأعلى ؛ فيكون معناهما ( العمل الأعلى ) . ومن أسمائها ( الطف ) .

ويحتمل أنَّ كلمة كربلاء مشتقَّة من الكربة بمعنى الرخاوة . فلمَّا كانت أرض هذا الموضع رخوة ، سمِّيت كربلا ... ، أو من النقاوة ، ويقال:  كربلت الحنطة إذا هززتها ونقيتها . وهذا ما ذهب إليه ياقوت الحموي ، وإليك نص ما ذكره في  معجمه :

( كَرْبَلاءُ : بالمدّ: وهو الموضع الذي قُتل فيه الحسين بن عليّ (رضي الله عنه) في طرف البرّية عند الكوفة . فأما اشتقاقه ، فالكربلة رخاوة في القدميّن ، يقال: جاء يمشي مُكَرْبِلاً . فيجوز على هذا أن تكون أرض هذا الموضع رَخْوة فسمِّيت بذلك ؛ ويقال: كَرْبَلْتُ الحنطة ، إذا هَذّبْتها ونقيتها [ ... ] فيجوز على هذا أن تكون هذه الأرض مُنْقاة من الحصى والدَّغَل فسميّت بذلك ) (1) .

3 ـ التوسعة والإعمار :
 

في 12 محرَّم عام 61 هـ بدأ تاريخ عمران مدينة كربلاء ، بعد واقعة الطف بيومين ، حيث دفن بنو أسد رفات الإمام الحسين ( ع ) وأخيه العبَّاس (ع) وصحبه الميامين ( عليهم السلام ) .

سنة 247 هـ أعاد المنتصر العبَّاسي بناء المشاهد في كربلاء ، وبنى الدور حولها بعد قتل أبيه المتوكِّل الذي عبث بالمدينة وهدم ما فيها ، ثمَّ استوطنها أوَّل علوي مع ولده ، وهو السيد إبراهيم المجاب الضرير الكوفي ، بن محمد العابد ، بن الإمام موسى الكاظم ( ع) .

سنة 372 هـ شُيِّد أوَّل سور للحائر ، وقد قُدِّرت مساحته 2400 م2 .

سنة 412 هـ أقام الوزير ( الحسن بن الفضل بن سهلان الرامهرمزي ) السور الثاني للمدينة ، ونصب في جوانبه أربعة أبواب من الحديد .

سنة 941 هـ زار الشاه إسماعيل الصفوي كربلاء ، وحفر نهراً دارساً وجدَّد وعمَّر المشهد الحسيني .

سنة 953 هـ أصلح سليمان القانوني الضريحين ، فأحال الحقول التي غطتها الرمال إلى جنائن .

في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي زار أحد ملوك الهند كربلاء ( بعد حادثة الوهَّابيين سنة 1216 هـ ) ، وبنى فيها أسواقاً جميلة وبيوتاً ، اسكنها بعض مَن نكبوا ، وبنى سوراً منيعاً للبلدة .

سنة 1217 هـ تصدَّى السيد علي الطباطبائي ( صاحب الرياض ) لبناء سور المدينة الثالث بعد غارة الوهَّابيين ، وجعل له ستة أبواب عرف كل باب باسم خاص .

سنة 1860م تمَّ إيصال خطوط التلغراف واتصال كربلاء بالعالم الخارجي .

في سنة 1285 هـ 1868م وفي عهد المصلح ( مدحت باشا ) بُنيت الدوائر الحكومية ، وتمَّ توسيع وإضافة العديد من الأسواق والمباني ، وهدَّم قسماً من سور المدينة من جهة باب النجف ، وأضاف طرفاً أخر إلى البلدة سمِّيت بمحلَّة : ( العبَّاسية ) .

سنة 1914م وبعد الحرب العالمية الأُولى أُنشئت المباني العصرية ، والشوارع العريضة ، وجُفِّفت أراضيها ، وذلك بإنشاء مبزل لسحب المياه المحيطة بها .
 

4 ـ  المعالم :

تبلغ مساحة مدينة كربلاء نحو 52856 كم مربعاً ، وأرضها رخوة نقيّة ( منقَّاة من الحصى والدغل ) ، تحيط بها البساتين الكثيفة ويسقيها ماء الفرات . وثَمَّة طريقان يُؤدِّيان إلى المدينة المقدَّسة ، طريق تربطها بالعاصمة بغداد مروراً بمدينة المُسيَّب ، وطولها 97 كم ، وطريق آخر تصلها بمدينة النجف الأشرف .

وأيَّا كان السبيل الذي يسلكه المسافر ، فإنَّه سيتَّجه إلى مرقد الإمام الحسين ( ع ) ومثوى شهداء الطف الكرام ، فلا بد له في كلتا الحالتين من المرور بطريق مَخْضَرَة ، تحفها بساتين الفاكهة ومزارع النخيل الكثيفة .

وتقسم المدينة من حيث العمران إلى قسمين ، يُسمَّى الأوَّل ( كربلاء القديمة ) ، وهو الذي أُقيم على أنقاض كربلاء القديمة ، ويُدعى القسم الثاني ( كربلاء الجديدة ) . والبلدة الجديدة واسعة البناء ذات شوارع فسيحة ، وشُيِّدت فيها المؤسسات والأسواق والمباني العامرة والمدارس الدينية والحكومية الكثيرة ، ويصل المدينة الخط الحديدي الممتد بين بغداد والبصرة بفرع منه ينتهي بسدة الهندية طوله 36 كم ، وتربطها بالعاصمة وبسائر الأطراف طرق مبلَّطة حديثة .

ومن أشهر المعالم في المدينة هو مرقد الإمام الحسين ، وسنتعرض لتاريخ بناء المرقد مع الصور التوثيقية لذلك .

يُذكر أنَّ مرقد أبي الفضل العباس ( عليه السلام ) يقع بجانب مرقد أخيه الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وقد استشهد مع أخيه في نفس الواقعة ، ويُعتبر مرقده الطاهر من المعالم البارزة في المدينة أيضاً .


 


ـ المرقد الحسيني :

الحسين هو ابن علي وفاطمة ( عليهم السّلام ) ، وسبط محمّد ( صلّى الله عليه وآله ) وخديجة ( رضي الله عنها ) ، وأبو الأئمّة التسعة المعصومين ( عليهم السّلام ) ، ريحانة الرسول وقرّة عين البتول ، خامس أفضل مَن خلقه الجليل ، المولود في المدينة في الثالث من شعبان عام 4 هـ ، والمقتول بكربلاء في العاشر من محرم عام 61هـ . فضائله أكثر من أن تُحصى ، ولا يختلف اثنان على أنَّه أعلم أهل عصره وأفضلهم على الإطلاق . ومرقده هذا أشهر من أن يُشكّك فيه المشكّكون ، حيث توافد على زيارته أئمّة المسلمين وتبعهم الأصحاب والأعلام وأيَّدتهم كتب السيرة والتاريخ .

والحسين نسيج وحده ، لا يمكن وصفه بما يوصف به عباقرة التاريخ ولا أعلام الأُمم . إنَّه من المصطفى وهو منه ، وحبّه علامة للإيمان بالله وبرسوله  ، وإنَّه من نورٍ أبى الله إلاَّ أن يُتمّه ويشعّه ولو كره الكافرون والمنافقون .

لولا جهاد الحسين ، لَمَا بقيَ للإسلام باقية ، ولَمَا ظلّ للإنسانية مفهوم . لم يَتَوانَ عن دعم دين الإنسانية لمحة بصر وخفقة خافق ، حتّى أصبح يملك القلوب والعقول ، ويهواه كلُّ مَن يحمل حرفاً من الإنسانية ويتشبّث بكلمة الدين وتعاليمه القيِّمة .

إنَّه بَشر مَلِك ، بل مَلَكٌ بشر ، بل أعظم من أن يُوصف بهما وأجلّ مِن أن يُقرن بهما . إنَّه من طينة لا تُنعت بالنعوت البشرية ؛ فقد كرّمها خالقها فأحسن تكريمها ، حيث لم يخلق خلقاً إلاَّ تكريماً له ولجدِّه وأبيه وأمِّه وأخيه .

إنَّ مرقده الشريف ظل منذ أن احتضنته أرض كربلاء قِبلةً لملايين الأُباة والأحرار ، ومهوى لجميع المؤمنين والموالين باختلاف ألسنتهم وقوميَّاتهم على مر العصور . ورغم محاولات الطغاة لطمسه ، إلاّ أنَّه بقي مركز إشعاع للعالَم ، حيث مكروا ومكر اللهُ واللهُ خير الماكرين.

لقد أصبح المرقد الحسيني الشريف حربة ذات حدَّين ، يستخدمهما السلاطين والأمراء ، والرؤساء والوزراء ، كأداة داعمة من جهة ، ووسيلة دامغة من جهة أخرى . وعلى أثره صنع تاريخ مرقده الشريف ، الذي نحاول إلقاء الضوء عليه قدر المستطاع ، واستعراض ما يمكن استعراضه ولو بشكل موجز وسريع ، آملين أن يحوز رضى القارئ الكريم بعد أن يحوز رضى صاحبه الذي رِضاه من رضى جدِّه الأمين ورضى الله جلَّ وعلا.
 

5 ـ تشييد المرقد الحسيني :

 إن الحديث عن تأريخ تشييد الروضة الحسينية المطهَّرة وتطوُّرها بالشكل الذي عليها الآن ، يجرُّنا إلى الحديث عن تأريخ طويل يمتد إلى أربعة عشر قرناً ، فقد ذكر المؤرِّخون أنّ بناء الروضة الحسينية يبدأ منذ دفن الأجساد الطاهرة من قبل أفراد من عشيرة بني أسد .

قال الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) : ( أخذ الله ميثاق أُناس من هذه الأُمَّة ، لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض ، هم معروفون في أهل السماوات ، يجمعون هذه الأعضاء المتفرِّقة والجسوم المضّرجة ، وينصبون بهذا الطف علماً على قبر سيد الشهداء لا يُدرس أثره ، ولا يعفو رسمه على مرور الليالي والأيَّام ) (2).
 

العمارة الأولى :
لمَّا ولي المختار بن أبي عبيدة الثقفي الكوفة في عام (65 هـ) مطالباً بثأر الحسين بن علي (عليه السلام) ، وقام بتعقُّب قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) وصحبه الكرام ، وحاكمهم ومن ثمَّ قتلهم ، بعد ذلك بنى مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء ، وشيّد له قبَّة من الآجر والجص ، وهو أوَّل مَن بنى عليه بناءً أيَّام إمرته (3) .

وكانت على القبر سقيفة وبنى حوله مسجد ، ولهذا المسجد بابان ، أحدهما نحو الجنوب ، والآخر نحو الشرق . ويُؤيِّد ذلك القول الوارد عن الأمام الصادق (عليه السلام) في كيفية زيارة قبر الحسين (عليه السلام) ، فقد قال : ( إذا أتيت الباب الذي يلي الشرق ، فقف على الباب ، وقل : ... ) ، وقال كذلك : ( ثمَّ تخرج من السقيفة وتقف بإزاء قبور الشهداء ) . وما زال هذا المسير قائماً حتى الآن ، فالجهة المحاذية لقبور الشهداء حتى الشرق ، ومرقد الشهداء يقع في شرقي مرقد الإمام وابنه علي الأكبر (عليهما السلام) .

وبقيت تلك السقيفة والمسجد طيلة فترة العهد الأُموي وسقوط دولتهم (123هـ) وقيام دولة بني العبَّاس . وفي عهد هارون الرشيد العبَّاسي ـ الذي ناصب العداء للعلويين ـ سعى إلى هدم تلك القبور العلوية الطاهرة ، مؤمِّلاً أن يمحو ذكر آل محمد وعترته (عليهم السلام) التي كانت فضائلهم تسمو على المخلوقين في حياتهم وبعد وفاتهم ، فأرسل أناساً طبع الله على قلوبهم فنسوا ذكر الله العظيم ، فقدموا إلى المرقد الحسيني لتهديم منار الهدى ونبراس النجاة للأمَُّة ، فهدموا المسجد في حرم الحسين (عليه السلام) والمسجد المقام على قبر أخيه العباس (عليه السلام) ، كما دمّروا وخرّبوا كل ما فيهما من الأبنية والمعالم الأثرية ، وأمرهم الرشيد بقطع شجرة السدرة التي كانت نابتة عند القبر وخرَّبوا موضع القبر ، ثمَّ وضع رجالاً مسلَّحين يمنعون الناس من الوصول إلى المرقد المعظّم والمشهد المكرَّم حتى وفاة الرشيد عام (193 هـ) (4) .

انظر هذه الرسوم التوضيحية التي تبيِّن تطوُّر البناء على المرقد الشريف بحسب النقولات التاريخية :

العمارة الثانية :

لأسباب سياسية تقرَّب المأمون العبَّاسي للعلويين ، إذ عقد ولاية العهد للإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) ، فتظاهر بالتقرُّب والميل إلى العلويين باعتبارهم أصحاب حق بالخلافة ، فأسند ولاية العهد إلى الإمام الرضا (عليه السلام) واستبدل شعار العبَّاسيين بشعار العلويين وذلك (عام 193هـ) ، وأمر ببناء قبر الحسين (عليه السلام) وفسح المجال للعلويين وغيرهم بالتنقل وزيارة قبور الأئمة ، فتنفَّس الشيعة نسيم الحرية وعبير الكرامة وذاقوا طعم الاطمئنان .

ففي عهد المأمون أُعيد البناء على القبر الشريف ، وأقيم عليه بناء شامخ بقي على هذه الحال إلى سنة (232 هـ) ، حيث جاء دور المتوكِّل العبَّاسي الذي دفعه حقده وناصبـيته لأهل البيت (عليهم السلام) إلى تضييق الخناق على الشيعة وشدَّد عليهم الخناق .

 فقد أمر بتتبُّع الشيعة ومنعهم من زيارة قبر الحسين (عليه السلام) ، ولم يكتف بوضع المسالح ومراقبة الزائرين ومطاردتهم مطارده شديدة دامت طيلة خمس عشرة سنة من حكمه ، بل أمر بهدم قبر الحسين (عليه السلام) خلال تلك الفترة أربع مرات ، وكربه وخرّبه وحرثه وأجرى الماء على القبور.

أورد الطبري في حوادث (سنة 236 هـ) أنَّ المتوكِّّل أمر بهدم قبر الحسين (عليه السلام) وهدم ما حوله من المنازل والدور ، ومنع الناس من إتيانه ، فذكر أنَّ عامل الشرطة نادى في الناحية : من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة أيِّام بعثناه إلى المطبق (وهو سجن تحت الأرض) . وهرب الناس وأقلعوا من المسير إليه ، وحرث ذلك الموضع وزرع ما حواليه (5) .

وفي رواية أوردها الطوسي في الأمالي عن عبد الله بن دانية الطوري ، قال: حججتُ سنة 247هـ ، فلمَّا صدرتُ من الحج إلى العراق ، زرتُ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على حال خفية من السلطان ، ثمَّ توجَّهتُ إلى زيارة الحسين (عليه السلام) ، فإذا هو قد حَرَث أرضه وفجّر فيها الماء ، وأُرسلت الثيران والعوامل في الأرض ، فبعيني وبصري كنتُ أرى الثيران تساق إلى الأرض ، فتساق لهم ، حتى إذا حاذت القبر حادت عنه يميناً وشمالاً ، فتُضرب بالعصي الضرب الشديد ، فلا ينفع ذلك ، ولا تطأ القبر بوجه ، فما أمكنني الزيارة ، فتوجَّهت إلى بغداد وأنا أقول:


تالله إنْ كانت أُميَّة قد أتتْ = قتْلَ ابن بنتِ نبيِّها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثلِه   =  هذا لعَمرِك قبرُه مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا    =   في قتله فتتبَّعوه رميما



ولمَّا وصلتُ بغداد ، سمعت الهائعة ، فقلت: ما الخبر ؟ قالوا سقط الطائر بقتل المتوكِّل ، فعجبت لذلك ! وقلت : إلهي ليلة بليلة (6) .
 

العمارة الثالثة  :

وصل المنتصر إلى سدة الخلافة وتولَّى أمر السلطة في دولة العبَّاسيين في أواخر عام 247 هـ ، فأصاب العلويين الفرج وزالت عنهم الكربة ورفع عنهم المنع ، وأمر بتشييد قبة على قبر الحسين (عليه السلام) ، وركّز عليها ميلاً ليرشد الناس إلى القبر ، وعطف على العلويين ووزع عليهم الأموال ، ودعا إلى زيارة قبر الحسين (عليه السلام) ، فهاجر إلى كربلاء جماعة منهم من أولاد الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) ، وفي مقدِّمتهم السيد إبراهيم المجاب ابن محمد العابد ابن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) ، وذرية محمد الأفطس حفيد الحسين الأصغر ابن الإمام السجاد (عليه السلام) ، وأولاد عيسى بن زيد الشهيد ، واستوطنوا فيه (7) .

وبقي هذا البناء مشيداً حتى سقوطه سنة 273 هـ (8) على عهد الخليفة المعتضد العبَّاسي.
 

العمارة الرابعة :

سقطت العمارة التي شيدها المنتصر على القبر المطهر في 9 ذي الحجة سنة 273 هـ (9) ، ويذكر المؤرِّخون أنَّ البناية قد سقطت في زيارة عرفة ، وهي من الزيارات المخصوصة لحرم الحسين (عليه السلام) ويكثر فيها الناس ، فقد انهارت السقيفة فجأة ، فأصيب جرّاء ذلك جماعة ونجا آخرون ، كان من بينهم أبو عبد الله محمد بن عمران بن الحجاج ، وهو من وجوه أهل الكوفة ، وهو الذي نقل الخبر.

وسبب سقوط السقيفة مجهول لحد الآن ، هل كان الحادث قد وقع قضاءً وقدراً ؟ أم أنَّ هناك يداً خبيثة من قبل السلطة الحاكمة آنذاك كان لها الدور في هذه الفاجعة العظمى ؟ على كل حال ، فقد كان الحادث مؤلماً ومروِّعاً وفي الوقت نفسه ، أصيب القبر بالانهدام وصار مكشوفاً لمدة عشر سنين .

حتى تولَّى الداعي الصغير ، جالب الحجارة ، محمد بن زيد بن الحسن ـ من أولاد الحسن السبط ـ إمارة طبرستان ، بعد وفاة أخيه الملقَّب بالداعي الكبير ، فحينئذ أمر ببناء المشهدين وإقامة العمارة المناسبة ، وهما مشهد أمير المؤمنين في النجف ومشهد سيد الشهداء في كربلاء ، فكان المعتضد وقتذاك خليفة العبَّاسيين سنة (283 هـ) .

وقد زار محمد بن زيد كربلاء والنجف وأرسل المواد والتحفيات ، فقد كانت علاقته مع المعتضد العبَّاسي حسنة ، وتربطه به رابطة متينة ، فتمكَّن بسببه أن يشيد البناء على الحرمين في الغري والحائر ، فشيّد على القبر في كربلاء قبة عالية لها بابان ومن حول القبة سقيفتين ، وعمّر السور حول الحائر وأمام المساكن ، وأجزى العطاء على سكنة كربلاء ومجاوري الروضة المقدسة (10) .

صورة توضيحية :

 

العمارة الخامسة :
حكم بغداد عضد الدولة البويهي في خلافة الطائع بن المطيع العبَّاسي ، وقد أمر ببناء الرواق المعروف برواق عمران بن شاهين في المرقدين الغروي والحائري ، وهو المعروف اليوم برواق السيد إبراهيم المجاب . وفي عام407 هـ شبَّ حريق هائل داخل الروضة المقدَّسة ، وذلك خلال الليل ، وحدث هذا الحريق من جرَّاء سقوط شمعتين كبيرتين على المفروشات ، فقد كانت الروضة تنار بواسطة الشموع ، فقد التهمت النار أوَّلاً التأزير والستائر ، ثم تعّدَّت إلى الأروقة فالقبَّة السامية ، ولم يسلم من النار سوى السور وقسم من الحرم ومسجد عمران بن شاهين (11) .

العمارة السادسة :

تولَّى الحسن بن المفضل بن سهلان تجديد بناء الحائر الحسيني بعد أن شبّت فيه النار واحترقت القبة والحرم . ففي عام 412 هـ شيَّد فيه قبة على قبر الحسين (عليه السلام) ، وأصلح ورمّم ما دمَّره الحريق ، وأمر ببناء السور ، وهو السور الذي ذكره ابن إدريس في كتابه (السرائر) عند تجديده للحائر (عام 588 هـ) ، فقد جدَّد ابن سهلان السور الخارجي ، وأقام العمارة من جديد على القبر المطهَّر بأحسن ممّا كان عليه .

ووصف الرحَّالة ابن بطُّوطة هذه العمارة في رحلته إلى كربلاء سنة 727 هـ ، وقال : وقد قُتل ابن سهلان سنة 414 هـ وبقي البناء الذي أمر بتشييده في الحائر الشريف حتى خلافة المسترشد بالله العبَّاسي سنة 526 هـ ، حيث عاد الإرهاب من جديد على الشيعة ، ورجع البطش والتضييق عليهم ، واستولى المسترشد العبَّاسي على ما في خزائن الحائر المقدَّس من أموال ونفائس وموقوفات ومجوهرات ، فأنفق قسماً منها على جيوشه ، وقال : (إنَّ القبر لا يحتاج إلى خزينة وأموال) . واكتفى بهذا السلب ولم يتعدَّ على الحائر والقبر الطاهر (12) .

وعندما تولَّى الوزارة في عهد الخليفة العبَّاسي الناصر مؤيد الدين محمد بن عبد الكريم الكندي ـ الذي يعود نسبه إلى المقداد بن الأسود الكندي ـ قام بترميم حرم الإمام الحسين (عليه السلام) في عام 620 هـ ، وأصلح ما تهدّم من عمارة الحائر . فقد أكسى الجدران والأروقة الأربعة المحيطة بالحرم بخشب الساج ، ووضع صندوقاً على القبر من الخشب نفسه ، وزيّنه بالديباج والطنافس الحريرية ، ووزَّع الخيرات الكثيرة على العلويين والمجاورين للحائر (13) .

صورة توضيحية :


 

العمارة السابعة :

تعتبر هذه العمارة هي السابعة بالنسبة لصاحب كتاب مدينة الحسين (عليه السلام) للسيد حسن الكليدار (1/31) ، في حين يعتبرها الثامنة صاحب كتاب " تأريخ مرقد الحسين والعباس (عليه السلام) " للسيد هادي طعمة (ص83) ، باعتبار أنَّ الذي قام بتشييدها السلطان معز الدين أويس ابن الشيخ حسن الجلائري ابن حسين بن أيليعا بن سبط أرعون ابن الغابن هولاكو خان ، الذي تولَّى في عام 757 هـ سلطة العراق بعد أخيه السلطان حسين الصغير ، وبنى حرم الإمام الحسين (عليه السلام) وأقام عليه قبة على شكل نصف دائرة محاطة بأروقة كما هو عليه الحال اليوم .

وقد بوشر بالعمل في عام 767 هـ ، وأكمله ابنه أحمد بن أويس سنة 786 هـ . فقد كان الواقف عند مدخل باب القبلة من الخارج يشاهد الضريح والروضة بصورة واضحة وجليَّة ، كما شيّد البهو الأمامي للروضة الذي يعرف بإيوان الذهب ، ومسجد الصحن حول الروضة على شكل مربع . واعتنى عناية فائقة بزخرفة الحرم من الداخل والأروقة بالمرايا والفسيفساء والطابوق القاشاني . كما أمر السلطان أحمد الجلائري بزخرفة المئذنتين باللون الأصفر من الطابوق القاشاني ، وكتب عليها تأريخ التشييد وهو عام 793 هـ (14) .
 

وبقيت هذه العمارة على القبر الشريف حتى يومنا هذا .

صورة قديمة للمرقد الشريف :

 

 ولكن الترميمات مستمرة على الروضة الحسينية عبر السنين المتعاقبة ، لا سيَّما بعد الدمار الشامل الذي تعرضت له مدينة كربلاء المقدسة إبّان الانتفاضة الشعبانية عام 1991م ؛ إثر تعرضها للقصف العشوائي بالمدافع والدبابات والطائرات العمودية ، التابعة للحرس الجمهوري بقيادة صهر الرئيس العراقي المخلوع حسين كامل . وخلّف ذلك القصف فجوة في قبة سيدنا العبَّاس (عليه السلام) ، وانهيار سورَي الصحن الحسيني والعبَّاسي في بعض أجزاءه ، وتصدّع الجدران الداخلية للمرقدين الشريفين .

صور توثيقية :




 

وما أشبه اليوم بالبارحة ، فأنَّ التاريخ أثبت لنا بالدليل القاطع أنَّ كل مَن يشترك بقتل وظلم الإمام الحسين (عليه السلام) ، فأنَّ الله سبحانه ينتقم منه في الدنيا شر انتقام ، ناهيك عن خزي الآخرة وعذابها الذي لا يبور .

عمر بن سعد الذي اقترف جريمته النكراء بقتله الحسين (عليه السلام) طمعاً بملك الري ، لم يقف جرمه إلى ذلك الحد ، بل تعدَّاه إلى أن وصل به الحال أن يطلب من أصحابه قائلاً : عليّ بالنار لأحرق بيوت الظالمين على أهلها! . وهكذا أضرم النار في خيام أهل بيت النبوة . وبالرغم من كل تلك الانتهاكات والمآثم ، فإنَّه لم ولن يحصل على ضالته المنشودة ، بل إن الصحابي الجليل المختار بن يوسف الثقفي ، وبعد مرور أربع سنوات من الحادثة المؤلمة ، قد أذاقه وبال أمره ، إذ قتله وشلَّته المجرمة شر قتلة ، وألقى بهم جميعاً في مزبلة التاريخ .

كذلك حسين كامل عندما اقتحم جيشه كربلاء المقدَّسة بعد الانتفاضة الشعبانية المباركة ، وقف أمام باب قبلة الإمام الحسين (عليه السلام) ونادى بأعلى صوته ، مخاطباً الإمام بقوله : أنت حسين وأنا حسين ، لنرى أيَّاً منَّا قد انتصر على الآخر . كل ذلك حصل طمعاً بالجائزة والمناصب العليا من سيده صدام ، بَيْد أنَّ الذي حصل ، وبعد أن استفحل النزاع بينه وبين أزلام نظامه على السلطة ، وتفاقمت الأزمات عليه من كل حدب وصوب ، ما حدى به الهرب إلى الأردن طلباً للشهرة والأمان ، ولكنَّه انخدع بأمان سيده وقفَل راجعاً إلى العراق بعد أربعة أشهر عجاف قضاها في الغربة ، وما كان يدري أن سيف البغي الذي أسلطه على رقاب أتباع الحسين (عليه السلام) في العراق ، قد كان بانتظاره على الحدود العراقية الأردنية ، حيث فتك به بعد أن أوثقوه كتافاً إلى بغداد ، وبأيدي أسياده الظلمة الذين تمرَّد عليهم برهة من الزمن ، ولن تتشفَّع له ندامته على ذلك! وهكذا كان مصداقاً للمثل القائل : مَن سلَّ سيف البغي قُتلَ به .
 

العمارة الثامنة  :

البدء بإنشاء الطابق الثاني للسور الخارجي للصحن الحسيني المبارك ، الذي سيضم متحف النفائس ومركز الدراسات التابع للمكتبة ، وأقساماً هندسية وإدارية ، وقاعات دراسية وأخرى للمؤتمرات والندوات العلمية ، وهو مشروع مكمِّل لتسقيف الصحن وإلحاقه بالحرم المطهَّر ؛ بإمكانه أن يسع خمسة أضعاف أو أكثر من الوضع الذي كان يسعه الحرم في السابق . وهذا المشروع الضخم سيؤرِّخ لمرحلة جديدة في تاريخ الحرم الحسيني الشريف ، الذي بوشر العمل به في رجب عام 1426هـ ، ومن المؤمَّل أن يتم انجازه في غضون سنتين من تاريخ المباشرة .   

صور حديثة للمرقد الشريف :










ــــــــــــــــــــــــــــ

* المصدر : إعداد قسم المقالات في شبكة الإمامين الحسنين ( عليهما السلام ) للتراث والفكر الإسلامي ، بالاستفادة من :  موقع العتبة الحسينية المقدَّسة ، ومن : دائرة المعارف الحسينيّة ، محمّد صادق محمّد الكرباسي ، ج 106 ، ص 241 ـ 302 ، و من : تاريخ المراقد ـ الحسين وأهل بيته وأنصاره ، ج 1 ، إصدار المركز الحسيني للدراسات ـ لندن ، المملكة المتّحدة ، ط 1، سنة 1419 هـ / 1998 م .
 (1) انظر : موسوعة ويكبيديا الإلكترونية على الإنترنت .
(2) طعمة ، د . سلمان هادي ، تاريخ مرقد الحسين والعبَّاس (عليهما السلام) : 71 ، نقلاً عن تاريخ الطبري : ج2 .
(3) المصدر السابق ، نقلاً عن : الصدر ، السيد حسن ، نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين : 23 ، ط كربلاء ، وراجع أيضاً : آل طعمة ، السيد حسن الكليدار ، تاريخ مدينة الحسين (عليه السلام) : 1 /20 .
(4) المصدر السابق : 74 ، وراجع أيضاً :  مدينة الحسين (عليه السلام) ، مصدر سابق : 1 / 20 .
(5) المصدر السابق : 76 ، نقلاً عن تاريخ الطبري : 11 / 44 .
(6) المصدر السابق : 1 / 23 .
(7) المصدر السابق : 78 ، نقلاً عن مدينة الحسين (عليه السلام) ، مصدر سابق : 1 / 24 .
(8) المصدر السابق : 79 ؛ ومدينة الحسين (عليه السلام) ، مصدر سابق : 1 / 24 . يقول : إنَّ سقوط البناء تمَّ في سنة 270 هـ .
(9) تاريخ مدينة الحسين والعباس (عليهما السلام) : 79 ، نقلاً عن : آل طعمة ، د. عبد الجواد الكليدار ، تاريخ كربلاء وحائر الحسين : 215 .
(10) المصدر السابق : 79 .
(11) المصدر السابق : 81 ، نقلاً عن : ابن الأثير ، تاريخ الكامل : 9 / 122 .
(12) و(13)

  1225
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

    مكانة الشهيد
    فقه عدالة الصحابة
    في أعمالِ شهرِ شَوّال: اللّيلة الاولى
    درجات الصوم
    الأسرة وأهمية دورها التربوي في إعداد الأجيال
    أدلة التقية وأصولها التشريعية
    تعظيم العلماء للإمام الصادق عليه السلام
    آية الله الميرزا محمد علي الشاه آبادي قدس سره
    بكاء الإمام السجاد (ع) على أبيه الإمام الحسين (ع)
    شهداء الأعمال في الأخرة (3)

 
user comment