عربي
Thursday 2nd of July 2020
  2258
  0
  0

صفات أهل البيت عليهم‌السلام

يمكن أن نتعرف علی اهل البيت عليهم السلام من خلال التعرف على سماتهم وخصوصيّاتهم الّتي تشبه التعريف بالرّسم والتعريف بالعرضي.وسماتهم وخصوصيّاتهم كثيرة مبثوثة في ثنايا الآيات والأحاديث النبويَّة ، ولكن نقتصر في المقام على ما ورد من السمات في الذكر الحكيم. من سمات أهل البيت عليهم‌السلام
صفات أهل البيت عليهم‌السلام

يمكن أن نتعرف علی اهل البيت عليهم السلام من خلال التعرف على سماتهم وخصوصيّاتهم الّتي تشبه التعريف بالرّسم والتعريف بالعرضي.وسماتهم وخصوصيّاتهم كثيرة مبثوثة في ثنايا الآيات والأحاديث النبويَّة ، ولكن نقتصر في المقام على ما ورد من السمات في الذكر الحكيم.
من سمات أهل البيت عليهم‌السلام

1- العصمة

ما هو المراد من أهل البيت في آية التطهير المباركة على وجه لم يدع لقائل كلمة ، ولا لمجادل شبهة ، في أنّ المقصود منه هو العترة الطاهرة قرناء الكتاب في كلام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :
فحان البحث للتطرق إلى سماتهم وخصوصياتهم ، وهي على قسمين :
1. ما يستفاد من الآية الشريفة.
2. ما يستفاد من سائر الآيات.
أمّا الأوّل ، فالآية ـ بعد الإمعان فيها ـ تدلّ على عصمتهم وطهارتهم من الذنوب ، ويعلم ذلك من خلال دراسة أمرين :
1. ما هو المراد من الرجس ؟
2. هل الارادة في الآية المباركة إرادة تكوينية أو تشريعية ؟
1. ما هو المراد من الرجس ؟
المراد من الرجس : هو القذارة الأعم من المادية والمعنوية ، وقد اتفق على ذلك أئمّة اللغة.
قال ابن فارس : الرجس : أصل يدل على اختلاط ، ومن هذا الباب : الرجس : القذر لأنّه لطخ وخلط. (1)
وقال ابن منظور : الرجس : القذر ، وكل قذر رجس ، وفي الحديث : أعوذ بك من الرجس النجس. وقد يعبر به عن الحرام والفعل القبيح والعذاب واللعن والكفر. قال الزجّاج : الرجس في اللغة كل ما استقذر من عمل ... فبالغ الله في ذم أشياء وسمّاها رجساً ، وقال ابن الكلبي : رجس من عمل الشيطان أي مأثم. (2)
وقد استعملت هذه اللفظة في الذكر الحكيم ثمانية مرات : ووصف به الخمر والميسر والأنصاب والأزلام والكافر غير المؤمن بالله والميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير والأوثان وقول الزور ... إلى غير ذلك من الموارد التي وصفت به في الذكر الحكيم.
ونكتفي بنقل بعض الآيات قال سبحانه : ( إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ). (3)
وقال سبحانه : ( إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ). (4)
وقال سبحانه : ( كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ )(5) ، إلى غير ذلك من الآيات.
والمتفحص في كلمات أئمّة أهل اللغة ، والآيات الواردة فيها تلك اللفظة ، يصل إلى أنّها موضوعة بمعنى القذارة التي تستنفر منها النفوس ، سواءً أكانت مادية ، كما وردت في الآيات ، أم معنوية كما هو الحال في الكافر وعابد الوثن ووثنه.
فلو وصف به العمل القبيح عرفاً أو شرعاً ، فلأجل انّ العمل القبيح يوصف بالقذارة التي تستنفرها الطباع السليمة ، وعلى هذا فالمراد من الرجس في الآية هي الأعمال القبيحة عرفاً أو شرعاً ، ويدل عليه قوله سبحانه بعد تلك اللفظة : ( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ، فليس المراد من هذا التطهير إلاّ تطهيرهم من الرجس المعنوي الذي لا تقبله النفوس السليمة.
وقد ورد نظير قوله : ( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) في حق السيدة مريم عليها‌السلام ، قال سبحانه : ( إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ). (6)
نعم : انّ لتطهير النفوس وطهارتها مراتب ودرجات ، ولا تكون جميعها مستلزمة للعصمة ، وانّما الملازم لها هو الدرجة العليا ، قال سبحانه : ( فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ).(7)
قال العلاّمة الطباطبائي : الرجس ـ بالكسر والسكون ـ صفة من الرجاسة وهي القذارة ، والقذارة هيئة في النفس توجب التجنّب والتنفّر منها ، وهي تكون تارة بحسب ظاهر الشيء كرجاسة الخنزير ، قال تعالى : ( أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ) وبحسب باطنه ، أُخرى ، وهي الرجاسة والقذارة المعنوية كالشرك والكفر وأثر العمل السيّء ، قال تعالى : ( وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ) (8) ، وقال : ( وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًاحَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ). (9)
وأيّاً ما كان فهو إدراك نفساني وأثر شعوري يحدث من تعلّق القلب بالاعتقاد الباطل أو العمل السيّء وإذهاب الرجس عبارة عن إزالة كل هيئة خبيثة في النفس تضاد حق الاعتقاد والعمل ، وعند ذلك يكون إذهاب الرجس معادلاً للعصمة الإلهية التي هي صورة علمية نفسانية ، تحفظ الإنسان من رجس باطني الاعتقاد وسيّء العمل. (10)
إذا كان المراد من الرجس في الآية الكريمة هو الأفعال القبيحة عرفاً أو شرعاً والمعاصي صغيرها وكبيرها ، فيجب أن يقال : إنّ المنفي في الآية هو عموم الرجس ، وذلك لأنّ المنفي هو جنس الرجس لا نوعه ولا صنفه ، ونفي الجنس يلازم نفي الطبيعة بعامة مراتبها ، ولأجل ذلك لم يكتف سبحانه بقوله : ( لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ ) بل أكّده بقوله : ( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ، فلو كان المراد نفي قسم خاص من الرجس ـ أعني : الشرك ، أو الأوسع منه كالمعاصي الكبيرة ـ لما كان لهذه العناية وجه.
والحاصل : انّ المفهوم من قول القائل لا خير في الحياة ، أو لا رجل في الدار ، هو المفهوم من قوله : ليذهب عنكم الرجس ، والتفكيك بين المقامين غير مقبول.هذا هو الأمر الأوّل وإليك الكلام في الأمر الثاني :

2. هل الإرادة في الآية تكوينية أم تشريعية ؟

إنّ انقسام إرادته سبحانه إلى تكوينية وتشريعية من الانقسامات الواضحة التي لا تحتاج إلى بسط في القول ، ومجمل القول فيها هو انّه إذا تعلّقت إرادته سبحانه على إيجاد شيء وتكوينه في صحيفة الوجود ، فهي الإرادة التكوينية ولا تتخلّف تلك الإرادة عن مراده ، وربّما يعبّر عنها بالأمر التكويني قال سبحانه :
( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ). (11)
ففي هذا المجال يكون متعلّق الإرادة تكوّن الشيء وتحقّقه وتجسّده ، والله سبحانه لأجل سعة قدرته ونفوذ إرادته لا تنفك إرادته عن مراده ولا أمره التكويني عن متعلّقه.
وأمّا إذا تعلّقت إرادته سبحانه بتشريع الأحكام وتقنينها في المجتمع حتى يقوم المكلّف مختاراً بواجبه ، فهي إرادة تشريعية ، ففي هذا المجال يكون متعلّق الإرادة تحقيقاً هو التشريع والتقنين ، وأمّا قيام المكلّف فهو من غايات التكليف ، ولأجل ذلك ربّما تترتب عليه الغاية ، وربّما تنفك عنه ، ولا يوجب الانفكاك خللاً في إرادته سبحانه ، لأنّه ما أراد إلاّ التشريع وقد تحقق ، كما انّه ما أراد قيام المكلّف بواجبه إلاّ مختاراً ، فقيامه بواجبه أو عدم قيامه من شعب اختياره ، هذا هو إجمال القول في الإرادتين ، وللتفصيل محل آخر.
والقرائن التي ستمر عليك تدل على أنّ الإرادة في الآية تكوينية لا تشريعية بمعنى انّ إرادته التكوينية التي تعلّقت بتكوين الأشياء وإبداعها في عالم الوجود ، تعلّقت أيضاً بإذهاب الرجس عن أهل البيت ، وتطهيرهم من كل رجس وقذر ، ومن كل عمل يستنفر منه ، وإليك تلك القرائن :
1. انّ الظاهر من الآية هو تعلّق إرادة خاصة بإذهاب الرجس عن أهل البيت ، والخصوصية إنّما تتحقّق لو كانت الإرادة تكوينية ، إذ لو كانت تشريعية لما اختصت بطائفة دون طائفة ، لأنّ الهدف الأسمى من بعث الأنبياء هو إبلاغ تشريعاته ودساتيره إلى الناس عامة لا لأُناس معيّنين ، ولأجل ذلك ترى أنّه سبحانه عندما شرّع للمسلمين الوضوء والغسل بقوله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ... ) علّله بقوله : ( وَلَٰكِن يُرِيدُ
لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (12) خاطب سبحانه المؤمنين عامة بالوضوء والغسل وعلّل تشريعه العام بتطهيرهم وإتمام نعمته عليهم وهذا بخلاف الآية التي نحن بصددها ، فإنّها خصّصت إرادة تطهيره بجمع خاص تجمعهم كلمة « أهل البيت » وخصّهم بالخطاب وقال : « عنكم أهل البيت » أي لا غيركم.
وبالجملة فتخصيص تعلّق الإرادة بجمع خاص على الوجه الوارد في الآية ، يمنع من تفسير الإرادة بالإرادة التشريعية التي عمّت الأُمّة جميعاً.نعم لا يتوهم من ذلك انّ أهل البيت خارجون عن إطار التشريع ، بل التشريع في كل المجالات يعمّهم كما يعم غيرهم ، ولكن هنا إرادة تكوينية مختصة بهم.
2. انّ العناية البارزة في الآية المباركة أقوى شاهد على أنّ المقصود بالإرادة ، الإرادة التكوينية لا التشريعية ، لوضوح أنّ تعلّق الإرادة التشريعية بأهل البيت لا يحتاج إلى العناية في الآية ، وإليك بيان تلك العناية :
أ. ابتدأ سبحانه كلامه بلفظ الحصر ، ولا معنى له إذا كانت الإرادة تشريعية ، لأنّها غير محصورة بأُناس مخصوصين.
ب. عيّن تعالى متعلّق إرادته بصورة الاختصاص ، فقال : ( أَهْلَ الْبَيْتِ ) أي أخصّكم أهل البيت.
ج. قد بيّن متعلّق إرادته بالتأكيد ، وقال بعد قوله : ( لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ ... وَيُطَهِّرَكُمْ ).
د. قد أكّده أيضاً بالإتيان بمصدره بعد الفعل ، وقال : ( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ليكون أوفى في التأكيد.
ه‍. انّه سبحانه أتى بالمصدر نكرة ، ليدل على الإكبار والإعجاب ، أي تطهيراً عظيماً معجباً.
و. انّ الآية في مقام المدح والثناء ، فلو كانت الإرادة إرادة تشريعية لما ناسب الثناء والمدح.
وعلى الجملة : العناية البارزة في الآية تدل بوضوح على أنّ الإرادة هناك غير الإرادة العامة المتعلّقة لكل إنسان حاضر أو باد ، ولأجل ذلك فإنّ المحقّقين من المفسرين يفسرون الإرادة في المقام بالإرادة التكوينية ويجيبون عن كل سؤال يطرح عنها.
قال الشيخ الطبرسي : إنّ لفظة ( إِنَّمَا ) محقّقة لما أُثبت بعدها ، نافية لما لم يثبت ، فإنّ قول القائل : إنّما لك عندي درهم ، وإنّما في الدار زيد ، يقتضي انّه ليس عنده سوى الدرهم وليس في الدار سوى زيد ، وعلى هذا فلا تخلو الإرادة في الآية أن تكون هي الإرادة المحضة التشريعية ، أو الإرادة التي يتبعها التطهير وإذهاب الرجس ؛ ولا يجوز الوجه الأوّل ، لأنّ الله تعالى قد أراد من كل مكلّف هذه الإرادة المطلقة ، فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق ، ولأنّ هذا القول يقتضيالمدح والتعظيم لهم بغير شك وشبهة ولا مدح في الإرادة المجرّدة ، فثبت الوجه الثاني ، وفي ثبوته ثبوت عصمة المعنيين بالآية من جميع القبائح. (13)
وقال السيد ابن معصوم المدني في تقريب دلالة الآية على عصمة المعنيّين بالآية : إنّ لفظة ( إِنَّمَا ) محقّقة لما أُثبت بعدها ، نافية لما لم يثبت ، فإنّ قول القائل إنّما لك عندي درهم ، وإنّما في الدار زيد ، يقتضي انّه ليس له عنده سوى درهم وليس في الدار سوى زيد ، إذا تقرر هذا فلا تخلو الإرادة في الآية أن تكون هي الإرادة المطلقة أو الإرادة التي يتبعها التطهير وإذهاب الرجس ، فلا يجوز الوجه الأوّل ، لأنّ الله تعالى قد أراد من كل مكلّف هذه الإرادة المطلقة ، فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق. وهذا القول يقتضي المدح والتعظيم لهم بغير شك ولا شبهة ولا مدح في الإرادة المجرّدة ، فثبت الوجه الثاني ، وفي ثبوته ثبوت عصمة المعنيّين بالآية من جميع القبائح ، لأنّ اللام في الرجس للجنس ، ونفي الماهية نفي لكل جزئياتها ، وقد علمنا أنّ من عدا ما ذكرناه من أهل البيت حين نزول الآية غير مقطوع على عصمته ، فثبت أنّ الآية مختصة بهم ، لبطلان تعلّقها بغيرهم. وما اعتمدوا عليه من أنّ صدر الآية وما بعدها في الأزواج ، فجوابه انّ من عرف عادة العرب العرباء في كلامهم واسلوب البلغاء والفصحاء في خطابهم لا يذهب عليه انّ هذا من باب الاستطراد ، وهو خروج المتكلم من غرضه الأوّل إلى غرض آخر ثم عوده إلى غرضه الأوّل ، واتفقت كلمة أهل البيان على أنّ ذلك من محاسن البديع في الكلام نثراً ونظماً والقرآن المجيد وخطب البلغاء وأشعارهم مملوءة من ذلك. (14)
قد تعرفت على مفاد الآية : واتضح لديك انّ القرائن الداخلية في نفس الآية تدل بوضوح على أنّ الإرادة الواردة في الآية إرادة تكوينية تعلّقت بطهارة أهل البيت وإذهاب الرجس عنهم ، ويكون وزان الإرادة فيها وزان الإرادة الواردة في الآيات التالية ونظائرها :
1. ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ).
2. ( وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ).
3. ( وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
وعند ذلك تطرح في المقام أسئلة لا بد من الإجابة عليها :
* السؤال الأوّل : هل الإرادة التشريعيّة تتعلَّق بفعل الغير ؟
هل يصح تعريف الإرادة التشريعية بالإرادة المتعلّقة بفعل الغير ، كتكليفه سبحانه عباده بالصلاة والزكاة ، وتكليف الآمر البشري غيره بالسقي والرعي ؟
وإذا كانت الإرادة التشريعية عبارة عمّا ذكر ، فتكون الإرادة التكوينية عبارة عن تعلّقها بفعل نفس المريد كتعلّق إرادته سبحانه بخلق السماوات والأرض ، وإرادة غيره بالأكل والشرب ؟
الجواب : انّ تعريف الإرادة التكوينية بما ذكر وإن كان صحيحاً ، لكنتعريف التشريعية منها بتعلّقها بفعل الغير غير صحيح قطعاً ، وذلك لأنّ الإرادة لا تتعلّق إلاّ بأمر اختياري وهو فعل المريد ، وأمّا فعل الشخص الآخر ، فهو بما انّه خارج عن اختيار المريد ، لا تتعلّق به إرادته ، وكيف يصح لشخص أن يريد صدور فعل من الغير مع أنّ صدوره منه تابع لإرادة ذلك الغير وليس تابعاً لإرادة المريد الآخر ؟
وإن شئت قلت : إنّ زمام فعل الفاعل المختار بيد الفاعل المباشر ، فلو أراده لقام به. ولو لم يرده لما قام به وليس زمامه بيد الآمر ، حتى يريده منه جداً ولا تصيّره إرادة الآمر مسلوب الاختيار ولا تجعله مضطراً مقهوراً مسخراً في مقابل إرادة الآمر ، لأنّ المفروض انّ الفاعل بعد ، فاعل مختار ، ومن هذا شأنه لا تتعلّق بفعله ، إرادة الغير الجدية ، لأنّ معنى تعلّقها بفعل الغير أنّه في اختيار المريد ومتناوله ، ويوجد بإرادته وينتفي بانتفائه ، مع أنّه ليس كذلك وإنّما يوجد بإرادة الفاعل المباشر وينتفي بانتفاء إرادته ، ولا ملازمة بين إرادة الآمر وإرادة المأمور ولأجل ذلك كثيراً ما يعصى ويخالف.
وفي الجملة : ليست ماهية الإرادة التشريعية أمراً يخالف ماهية الإرادة التكوينية ، بل الكل من واد واحد تختلفان في الاسم وتتحدان في الماهية ، والجميع يتعلّق بفعل نفس المريد ، غير انّ المراد فيهما مختلف حسب الاعتبار ، وهو في التكوينية ، عبارة عن الفعل الخارجي الصادر عنه مباشرة ، كالتكوين والتصنيع ، سواء كان المريد هو الله سبحانه أم أحد عباده القادرين على الأفعال الخارجية باقداره ، ولكنّه في التشريعية عبارة عن نفس الطلب والإنشاء بالإيماء والإشارة واللفظ والكتابة ، وهو أيضاً فعل المريد الواقع في اختياره ، وأمّا قيام الغير بالمطلوب فهو من غايات إرادة المريد ومقاصده وأغراضه ، وهي تترتب تارة ، وتنفك أُخرى ، فلو تكونت في نفسه مبادئ الخوف والرجال لقام به وإلاّ فلا يقوم به ولا تتحقّق الغاية لكن تتم عليه الحجة.
وعلى ذلك فما اشتهر على الألسن من أنّ الإرادة التشريعية عبارة عن تعلّق إرادة الآمر بفعل الغير تسامح في التعبير ومن باب إقامة الغاية مكان ذيها.
والذي يوضح ذلك : انّ إرادته سبحانه لا تنفك عن مراده ، ومن المستحيل أن يخاطب شيئاً ب‍ « كن » ولا يتحقّق ، ولسعة قدرته وعموميتها ، قال سبحانه :
( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) ، فلو تعلّقت إرادته بفعل العباد كالصلاة والصوم لما انفك عنهم ولو تعلّقت على إيمانهم وهدايتهم ، لما وجد على أديم الأرض عاص ومتمرد ، قال سبحانه : ( وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهُدَىٰ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجَاهِلِينَ ) ، وتكون نتيجة ذلك كونهم مجبورين في قبول الهداية ، ومضطرين إلى الطاعة ، فلا يقام لمثلها وزن ولا قيمة ، وهذا يعرب بوضوح عن أنّ متعلّق إرادته في مجال التشريع هو فعل نفس المشرع وهو التشريع ، وهو بعد غير منفك عن إرادته ، موجود معها.
السؤال الثاني : هل الإرادة التكوينيّة توجب سلب الاختيار ؟
لو كانت الإرادة في المقام إرادة تكوينية فبما انّ إرادته سبحانه لا تتخلّف عن المراد فلازمها هنا كون طهارتهم وابتعادهم عن الرجس أمراً جبرياً لا يتخلّف ، وهذا لا يعد فضيلة وثناء لأهل البيت مع أنّ الآية بصدد الثناء عليهم.
وقد أجاب عنه المحقّقون على وجه الإجمال وقالوا : إنّ القدرة والتمكّن من فعل المعصية ثابت للمعصوم ، والعصمة مانع شرعي ، ولا منافاة بين عدم القدرة الشرعية والقدرة الذاتية ، وهذا الجواب بإجماله كاف لأهل التحقيق ولكن يحتاج إلى إيضاح ، فنقول :
إنّ مشكلة الجبر تنحل بالتعرّف على كيفية تعلّق إرادته سبحانه بأفعال العباد ، والإمعان في هذا الموضوع يكفي لحل بعض المشاكل المطروحة في مسألة الجبر والاختيار.
وبعبارة أُخرى : هل تعلّقت إرادته سبحانه بصدور أفعال العباد عنهم باختيارهم وإرادتهم ، أم تعلّقت بصدورها منهم مطلقاً وإن لم تكن مسبوقة باختيارهم وإرادتهم ، فالجبر لازم القول الثاني ، والاختيار نتيجة القول الأوّل ، والحق هو القول الأوّل فنقول في توضيحه :
إنَّ لازم التوحيد في الفاعلية والخالقية ـ كما هو منصوص الآيات ومقتضى البراهين ـ هو انّ كل ما يقع في صفحة الوجود سواء كان فعلاً للعباد أم لغيرهم لا يخرج عن إطار الإرادة التكوينية لله سبحانه ، ولا يقع شيء في الكون إلاّ بإرادته وإذنه سبحانه ، قال تعالى : ( مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ ) ، وهذه الآية وغيرها تدلّ بصراحة على أنّ أفعال العباد حلالها وحرامها غير خارجة عن إطار الإرادة التكوينية لله وإلاّ لزم أن يكون الإنسان أو الفواعل الأُخر مستقلة في الفعل والتأثير ، وهو يستلزم الاستقلال في الذات ، وهو عين الشرك ونفي التوحيد في الأفعال والخالقية.
ومع ذلك فليس العباد مجبورين في أفعالهم وتصرفاتهم ، لأنّ إرادته سبحانه وإن تعلّقت بأفعالهم لكن إرادته سبحانه متعلّقة بأفعالهم بتوسط إرادتهم الخاصة وفي طول مشيئتهم ، وبذلك صح أن يقال لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين.
وعلى ذلك فالله سبحانه وإن أراد طهارتهم عن الذنوب بالإرادة التكوينية ولكن تلك الإرادة تعلّقت بها ، لما علم سبحانه انّهم بما زودوا من إمكانات ذاتية ومواهب مكتسبة نتيجة تربيتهم وفق مبادئ الإسلام ، لا يريدون إلاّ ما شرّع لهم سبحانه من أحكام ، فهم لا يشاءون إلاّ ما يشاء الله ، وعند ذلك صح له سبحانه أن يخبر بأنّه أراد تكويناً إذهاب الرجس عنهم ، لأنّهم عليهم‌السلام ما داموا لا يريدون لأنفسهم إلاّ الجري على وفق الشرع لا يفاض عليهم إلاّ هذا النوع من الوصف.
وحصيلة الكلام : انّ مبنى الإشكال هو الغفلة عن كيفية تعلّق إرادته سبحانه بأفعال العباد حيث توهّم المستشكل :
أوّلاً : انّ أفعال العباد خارجة عن إطار الإرادة التكوينية لله سبحانه ، وغفل عن أنّ هذا النوع من الاعتقاد يساوق الشرك ويصادم التوحيد.
وثانياً : انّ سبق الإرادة التكوينية على أفعال العباد يستلزم سلب الاختيار عنهم ، وغفل عن أنّ إرادته سبحانه انّما تتعلّق بتوسط إرادة العباد واختيارهم ، فهم إذا أرادوا لأنفسهم شيئاً ، فالله سبحانه يريد ذلك الشيء لهم تكويناً ، وليس في ذلك أيّة رائحة للجبر ، بل هو الأمر بين الأمرين.
وعندئذ يكون المراد من تطهيرهم ـ بعد تجهيزهم بإدراك الحق في الاعتقاد والعمل ، وإعطائهم البصيرة الكاملة لمعرفة الحق في مجال الاعتقاد والعمل ـ تعلّق إرادته التكوينية بطهارتهم من الذنوب ، لأجل تعلّق إرادتهم بذلك ، فقد تعلّقت إرادته سبحانه بتنزيههم عن طريق إرادتهم واختيارهم ، وأين هذا من الجبر ؟
تفسير آخر للإرادة التكوينية
ما ذكرناه في كيفية تعلّق إرادته سبحانه بأفعال العباد ، جواب عام سار في جميع الموارد ورافع للإشكال في مجال الجبر ، وانّ من أعضل الموارد في الجبر والاختيار ، هي تحليل كيفية تعلّق إرادته بأفعال العباد وانّه : هل يوجب الجبر ويسلب الاختيار ، باعتبار انّ إرادته لا تنفك عن المراد ، أم لا ؟ لأنّ إرادته تعلّقت بصدور أفعالهم عن أنفسهم عن مبادئها المكونة فيهم وهي إرادتهم واختيارهم ، فلو صدرت عنهم بلا هذه الخصوصية لزم انفكاك إرادته عن مراده.ولمّا استشكل هذا المطلب على بعضهم انصرفوا إلى إخراج أفعال العباد عن إطار إرادته سبحانه ، وانّما تتعلّق بالكائنات دون أفعالهم ، وهو كما ترى ، لأنّه يستلزم تحقّق شيء في صحيفة الوجود بغير إذنه وإرادته ، مع أنّ مقتضى التوحيد في الخالقية انتهاء كل ما في عالم الإمكان إلى وجوده وخالقيته ، وبالتالي إلى إرادته ، فإخراج أفعال العباد عن مجال إرادة الله ، يخالف الأُسس التوحيدية التي جاء بها القرآن ودعمها العقل.إلاّ أنّ في مسألة العصمة وكيفية تعلّق إرادته تعالى بعصمة المعصوم تحليلاً آخر يختص بهذا المقام ولا يتعدّاه.وحاصل هذا التحليل يتوقف على معرفة كيفية العصمة وحقيقتها ، فنقول : إنّ حقيقة العصمة ترجع إلى الدرجة العليا من التقوى ، بمعنى انّ التقوى إذا بلغت قمتها تعصم الإنسان عن اقتراف الذنب وجميع القبائح.وإن شئت قلت : العصمة نتيجة العلم القطعي الثابت والعرفان بعواقب المعصية علماً يصد الإنسان عن اجتراح المعاصي واقتراف المآثم ، كالإنسان الواقف أمام الأسلاك التي يجري فيها التيار الكهربائي ، فانّه لا يقدم بنفسه على إمساكها.
وبعبارة ثالثة : العصمة : الاستشعار بعظمة الرب وكماله وجلاله استشعاراً منقطع النظير حيث يحدث في المستشعر التفاني في الحق ، والعشق لجماله ، وكماله ، بحيث لا يستبدل برضاه شيئاً.
فإذا كانت حقيقة العصمة نفس هذه الحقائق أو قريباً منها ، فليس اتصاف الإنسان بهذه الحقائق موجباً للجبر وسالباً للاختيار ، بل المعصوم مع هذه المواهب الإلهية قادر على اقتراف المعاصي وارتكاب الخطايا غير انّه لأجل حصوله على الدرجة العليا من التقوى ، والعلم القطعي بآثار المعاصي والاستشعار المنقطع النظير بعظمة الخالق ، يختار الطاعة وترك المعصية مع القدرة على خلاف ذلك ، فحاله كالوالد العطوف لا يقدم على قتل ولده ولو أُعطيت له الكنوز الكثيرة.إنّ هذه الحقائق الموهوبة للمعصوم أشبه بحبل يلقى إلى الغارق في البحر والساقط في البئر حتى يتمسك به وينجي نفسه ، فلا شك انّ العاقل يتمسّك به دائماً وينجي نفسه ، ولكن هذا العمل لا يخالف قدرته على ترك التمسك به وإلقاء نفسه في مهاوي الهلكة.
فهذه الحقائق النفسانية الموهوبة ليست إلاّ أسباباً لترك العصيان ومقتضيات للطاعات ، ومعدّات لقرب العبد من ربّه ، ومع ذلك تتوسط بينها وبين فعل العبد من طاعة أو عصيان ، إرادته واختياره ، فليست هذه المواهب عللاً تامة لتوجه العبد إلى جانب واحد وانحيازه عن جانب آخر ، بل هي أسباب مقربة ومعدات للإرادة ، ومع ذلك كله فاختيار المعصوم وإرادته باقيان على حالهما.
فمعنى تعلّق إرادته سبحانه بعصمتهم ليس تعلّقها بالطاعة وترك العصيان ، بل معناه تعلّق إرادته التكوينية بإفاضة هذه المواهب عليهم وجعلها في مكامن نفوسهم وتحليتهم بهذه الحلية الإلهية ، ولكن هذا الجعل والتحلية لا يهدف إلى كونهم مكتوفي الأيدي أمام التكاليف ومسوقين إلى جانب واحد ، فالاشتباه في المقام حصل في تعيين ما هو المفاض من الله سبحانه على هذه الشخصيات فتخيل : « انّ المفاض هو العصمة المفسرة بترك المعصية ونفس الطاعة » غفلة عن أنّ المفاض هو هذه الكيفيات والصفات العليا النفسانية عليهم ، وهي توجد استعداداً في النفس بترك العصيان واختيار الطاعة مع القدرة على الخلاف.
نعم : لو كان هناك جبر ، فالجبر في تحليتهم بهذه المواهب والعطايا الإلهية ، ولكنّهم معها مختارون في التوجه ، لأي طرف أرادوا ، وإن كانوا لا يشاءون إلاّ الطاعة وترك المعصية.
ما هو الوجه لتفسير الإرادة بالتشريعية ؟
ثمّ إنّ الجمهور لمّا ذهبوا إلى كون الإرادة تشريعية احتالوا في توجيهها يقول المفسر المعاصر سيد قطب في هذا الصدد : إنّه سبحانه يجعل تلك الأوامر ـ الأوامر الواقعة قبل الآية من قوله : ( وَقَرْنَ ... وَلا تَبَرَّجْنَ ) ـ وسيلة لإذهاب الرجس وتطهير البيت ، فالتطهير وإذهاب الرجس يتم بوسائل يأخذ الناس بها أنفسهم ويحقّقونها في واقع الحياة العملي ... ويختم هذه التوجيهات لنساء النبي بمثل ما بداها ، بتذكيرهنّ بعلو مكانتهنّ وامتيازهنّ على النساء بمكانتهنّ من رسول الله وبما أنعم الله عليهنّ فجعل بيوتهنّ مهبط القرآن ومنزل الحكمة وتشرف النور والهدى والإيمان ، وانّه لحظ عظيم يكفي التذكّر به لتحس النفس جلالة قدره ولطيف صنع الله فيه وجزالة النعمة التي لا يعد لها نعيم. (15)
وحاصل ما ذكره مبني على نزول القرآن في مورد نساء النبي ، وانّه سبحانه علّل خطاباته لهنّ بأنّه يريد من هذه التكاليف إذهاب الرجس عنهنّ ، ويكون المعنى انّ التشديد في التكاليف وتضعيف الثواب والعقاب ليس لانتفاع الله سبحانه به ، بل لإذهاب الرجس عنكنّ وتطهيركنّ.
ولا يخفى انّ ما ورد في الآيات من الأحكام ليست أحكاماً خاصة بنساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهذا قوله سبحانه قبل آية التطهير : ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ ).
وهذا قوله سبحانه بعد الآية : ( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالحِكْمَةِ ... ) كلّها أحكام عامة لنساء المسلمين ، فالله سبحانه بهذه التكاليف يريد أن يطهر الكل وإذهاب الرجس عن عموم النساء ، لا عن زوجات النبي خاصة ، وعندئذ لا وجه لتخصيصهنّ بالخطاب بالعناية التي عرفت.وإنّما ذهب بعض الجمهور إلى ما ذهب ، لأجل انّهم تصوّروا نزول الآية في حق نساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فاحتالوا لتفسير الإرادة بما ذكره سيد قطب ونظراؤه ، وانّما ذهبوا إلى ذلك بزعمهم اتصال الآية بما قبلها من الآيات ، مع أنّه سيوافيك انّ الآية آية التطهير آية مستقلة لا صلة لها بما قبلها ولا ما بعدها ، وانّما وضعت في هذا الموضع لمصلحة خاصة سنشير إليها ، والأحاديث بكثرتها البالغة ناصة على نزول الآية وحدها ، ولم يرد نزولها في ضمن آيات نساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا ذكره أحد حتى أنّ القائل باختصاص الآية بأزواج النبي ينسب القول إلى عكرمة وعروة لا إلى الرواية.
فالآية لم تكن بحسب النزول من آيات النساء ، ولا متصلة بها ، وستوافيك الروايات الكثيرة الواردة في هذا المضمار.
السؤال الثالث : هل العصمة الموهوبة مفخرة ؟
وهذا سؤال ثالث يتردد في المقام وفي غيره ، وقد طرحناه عند البحث عن العصمة على وجه الإطلاق ونطرحه هنا بشكل آخر ، وهو انّ عصمة أهل البيت لو كانت أمراً موهوباً من الله سبحانه كيف يمكن أن تعد مفخرة لأهله ؟
والإجابة عن هذا السؤال واضحة بعد الوقوف على معنى العصمة الموهوبة لهم ، وقد عرفت أنّ المراد من هبتها لهم هو إعطاء المقتضيات والمعدات لهم التي لا تسلب الاختيار عنهم وهم بعد قادرون على الطاعة والعصيان والنقض والإبرام ، والسائل تخيل انّ العصمة الموهوبة هي نفس ترك العصيان والمخالفة ، فزعم أنّ شيئاً مثلها لا يعد فخراً ولا يوجب ثناءً ، وقد أوضحنا هذا في السؤال السابق ، فراجع.
السؤال الرابع : هل الآية تدل على فعلية التطهير ؟
وربّما يقال : إنّ أقصى ما تدل عليه الآية هو إخباره سبحانه عن أنّه يريد إذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم ، وليس في الآية ما يدل على تحقّق هذه الإرادة بالفعل ، وانّها صدرت منه سبحانه ، مع أنّ القائلين بعصمة أهل البيت يذهبون بدلالتها على اتصافهم بالعصمة ، وفي هذا الصدد ينقل الشيخ زين الدين البياضي العاملي إشكالاً عن المخالف ويقول : ( يُرِيدُ ) لفظ مستقبل ، فلا دليل على وقوعه. (16)
ولا يخفى أنّ هذا الإشكال نشأ من اتخاذ موقف خاص بالنسبة إلى أهل البيت بشهادة انّ هذه اللفظة وردت في كثير من الآيات مع أنّه ما خطر ببال أحد مثل هذا الإشكال قال سبحانه : ( يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ) ، وقال : ( وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) ، وقال : ( يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ) ، وقال : ( وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ) ، أضف إلى ذلك انّ هناك قرينة واضحة على تحقّق الإرادة بشهادة انّ الآية في مقام المدح والثناء.وأمّا الإتيان بصيغة المستقبل والعدول عن الماضي ، فهو لأجل ظهور فعل المستقبل في الدوام ، وهو سبحانه يريد إفادة دوام هذه الإرادة واستمرارها مدى الأيام والسنين.
السؤال الخامس : هل الإذهاب يستلزم الثبوت ؟
خلاصة هذا السؤال ترجع إلى أنّ الإذهاب يتعلّق بشيء موجود ، فعلى ذلك يستلزم أن يكون هناك رجس موجود أذهبه الله وطهرهم منه ، وهذا يضاد مقالة أهل العصمة ، ولكن السائل أو المعترض غفل عن أنّ هذه التراكيب كما تستعمل في إذهاب الشيء الموجود ، كذلك تستعمل فيما إذا لم يكن موجوداً ، ولكن كانت هناك مقتضيات ومعدات له حسب الطبيعة الإنسانية وإن لم يكن موجوداً بالفعل كقول الإنسان لغيره : أذهبَ الله عنك كل مرض ، ولم يكن حاصلاً له ، ولكن كانت بعض المعدات للمرض موجودة.
وفي المقام نزيد توضيحاً : انّ الإنسان حسب الطبيعة الأوّلية مجهّز بالغرائز والميول العادية المتجاوزة عن الحدود ، ولم يشذ أهل البيت عنها ولم تكن لهم في العالم الجسماني خلقة خاصة بهم ، فكانت هناك أرضية صالحة للتعدي والطغيان ، فلمّا جهّزوا بهذه الغرائز أوّلاً ، ثم بالعصمة ـ بالمعنى الذي عرفت ـ ثانياً صح أن يقال : إنّه سبحانه أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً من العصيان.
وهذه الأسئلة وأشباهُها لا تحتاج إلى البسط في المقال ، ولأجل ذلك نطوي الكلام عنها.
من سمات أهل البيت عليهم‌السلام
2 - المحبّة في قلوب المؤمنين
إنّ الإيمان بالله والعمل الصالح يُورث محبَّة في قلوب الناس ، إذ للإيمان أثر بالغ في القيام بحقوق الله أوّلاً ، وحقوق الناس ثانياً ، لا سيَّما إذا كان العمل الصالح نافعاً لهم ، ولذلك استقطب المؤمنون حُبَّ النّاس ، لدورهم الفعّال في إصلاح المجتمع الإنساني. وهذا أمر ملموس لكلّ النّاس ، وإليه يشير قوله سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا ).
وبما أنّ الأنبياء بلغوا قمَّة الإيمان كما بلغوا في العمل الصالح ذروته ، نرى أنّ لهم منزلة كبيرة في قلوب الناس لا يضاهيها شيء ، لأنّهم صرفوا أعمارهم في سبيل إصلاح أُمور الناس وإرشادهم إلى مافيه الخير والرشاد. هذا حال الأنبياء ويعقبهم الأوصياء والأولياء والصلحاء.
أخرج أبو إسحاق السعدوي في تفسيره باسناده عن البراء بن عازب ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي : « اللّهمَّ اجعل لي عندك عهداً ، واجعل لي في صدور المؤمنين مودَّة » ، فأنزل الله تعالى الآية المذكورة آنفاً.إنّ أهل البيت عليهم‌السلام لأجل انتسابهم إلى البيت النبوي الرفيع حازوا مودة الناس واحترامهم بكلّ وجودهم. وقد أُشير إلى ذلك في آثارهم وكلماتهم.
روى معاوية بن عمّار عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنّ حبّ علي عليه‌السلام قُذف في قلوب المؤمنين ، فلا يُحبّه إلاّ مؤمن ولا يبغضه إلا منافق ، وإنّ حبّ الحسن والحسين عليهما‌السلام قذف في قلوب المؤمنين والمنافقين والكافرين فلا ترى لهم ذامّاً ، ودعا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحسن والحسين عليهما‌السلام قرب موته فقبَّلهما وشمّهما وجعل يرشفهما وعيناه تهملان ». (17)
وقد تعلَّقت مشيئته سبحانه على إلقاء محبتهم في قلوب المؤمنين الصالحين ، حتى كانت الصحابة يميّزون المؤمن عن المنافق بحبّ علي أو بغضه.
روى أبو سعيد الخدري ، قال : إنّا كنّا لَنَعرف المنافقين نحن معشرَ الأنصار ببغضهم عليّ بن أبيطالب عليه‌السلام(18)
وقد تضافر عن علي أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه قال : « والَّذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، انّه لعهد النبي اللأُمّي إليّ : انّه لا يحبني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق ». (19)
ويروى عنه عليه‌السلام أيضاً أنَّه قال : والله إنّه ممّا عهد إليَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انَّه لا يبغضني إلاّ منافق ولا يُحبّني إلاّ مؤمن. (20)
وقد أعرب عن ذلك الإمام علي بن الحسين عليهما‌السلام في خطبته في جامع دمشق ، عند ما صعد المنبر وعرَّف نفسه فحمد الله وأثنىٰ عليه ، ثمّ خطب خطبة أبكى منها العيون ، وأوجل منها القلوب ، ثمّ قال :
« أيّها الناس أُعطينا ستّاً وفُضِّلنا بسبع ، أُعطينا : العلم ، والحلم ، والسماحة ، والفصاحة ، والشجاعة ، والمحبَّة في قلوب المؤمنين ». (21)
ولا عجب في أنّه تبارك وتعالى سمّاهم كوثراً أي الخير الكثير ، وقال : ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ... ) قال الرازي : الكوثر : أولاده ، لأنّ هذه السورة إنّما نزلت ردّاً على من عابه عليه‌السلام بعدم الأولاد ، فالمعنى أنّه يعطيه نسلاً يبقون على مرّ الزمان ، فانظر كم قتل من أهل البيت عليهم‌السلام ، ثم العالم ممتلئ منهم ولم يبق من بني أُمية في الدنيا أحد يُعبأ به ، ثمّ انظر كم كان فيها من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم‌السلام. (22)
إنّ محبة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للحسين عليه‌السلام لم تكن محبة نابعة من حبه لنسَبه بل كان واقفاً على ما يبلغ إليه ولده الحسين عليه‌السلام في الفضل والكمال والشهادة في سبيله ، ونجاة الأُمّة من مخالب الظلم ، والثورة على الظلم والطغيان ، وهناك كلام للعلاّمة
المجلسي يقول :إنّ محبة المقربين لأولادهم وأقربائهم وأحبّائهم ليست من جهة الدواعي النفسانية والشهوات البشرية ، بل تجرّدوا عن جميع ذلك وأخلصوا حُبَّهم ، ووُدَّهم لله. وحُبّهم لغير الله إنّما يرجع إلى حبهم له ، ولذا لم يحب يعقوب من سائر أولاده مثل ما أحب يوسف عليه‌السلام منهم ، ولجهلهم بسبب حبه له نسبوه إلى الضلال ، وقالوا : نحن عصبة ، ونحن أحقّ بأن نكون محبوبين له ، لأنّا أقوياء على تمشية ما يريده من أُمور الدنيا ، ففرط حبّه يوسف إنّما كان لحب الله تعالى له واصطفائه إيّاه فمحبوب المحبوب محبوب. (23)
من سمات أهل البيت :

3 - استجابة دعائهم :

الابتهال إلى الله وطلب الخير منه أو طلب دفع الشرِّ ومغفرة الذنوب ، أمر مرغوب ، يقوم به الإنسان تارة بنفسه ، وأُخرى يتوصل إليه بدعاء الغير.واستجابة الدعاء رهن خرق الحجب والوصول إليه سبحانه ، حتى يكون الدعاء مصداقاً لقوله سبحانه : ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) وليس كلّ دعاء مستجاباً وصاعداً إليه سبحانه ، فانّ لاستجابة الدعاء شروطاً مختلفة قلّما تجتمع في دعاء الإنسان العادي.
نعم هناك أُناس مطهرون من الذنوب يكون دعاؤهم صاعداً إلى الله سبحانه ومستجاباً قطعاً ، ولذلك حثَّ سبحانه المسلمين على التشرّف بحضرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وطلب الاستغفار منه ، قال سبحانه : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ).
وقال سبحانه : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ). ولذلك طلب أبناء يعقوب من أبيهم أن يستغفر لهم كما يحكيه قوله سبحانه : ( قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ).
ويظهر ممّا جرى بين النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووفد نجران من المحاجَّة والمباهلة انّ أهل البيت إذا أمَّنوا علىٰ دعاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُستجاب دعاءه ، فقد وفد نصارى نجران على الرسول وطلبوا منه المحاجَّة ، فحاجَّهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ببرهان عقلي تشير إليه الآية المباركة : ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ).
فقد قارعهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذا البيان البليغ الذي لا يرتاب فيه ذو مرية ، حيث كان نصارىٰ نجران يحتجون ببنوة المسيح بولادته بلا أب فوافاهم الجواب : « بأنّ مثل المسيح كمثل آدم ، إذ لم يكن للثاني أب ولا أُمّ مع أنّه لم يكن ابناً لله سبحانه » وأولى منه أن لا يكون المسيح ابناً له.
ولمّا أُفحموا في المحاجَّة التجأوا إلى المباهلة والملاعنة ، وهي وإن كانت دائرة بين الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورجال النصارى ، لكن عمَّت الدعوة للأبناء والنساء ، للدلالة على اطمئنان الداعي بصدق دعوته وكونه على الحقّ ، وذلك لما أودع الله سبحانه في قلب الإنسان من محبة الأولاد والشفقة عليهم ، فتراه يقيهم بنفسه ويركب الأهوال والاخطار دونهم ، ولذلك قدَّم سبحانه في الآية المباركة الأبناء على النساء ، وقال : ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ).
وإنَّ إتيانه سبحانه بلفظ الأبناء بصيغة الجمع يعرب عن أنّ طرف الدعوى لم يكن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحده بل أبناؤه ونساؤه ، ولذلك عدَّتهم الآية نفس النبي ونساء النبي وأبناءه من بين رجال الأُمة ونسائهم وأبنائهم.
ثمّ إنّ المفسرين قد ساقوا قصة المباهلة بشكل مبسوط منهم صاحب الكشاف ، قال : لماّ دعاهم إلى المباهلة ، قالوا : حتى نرجع وننظر.
فلّما تخالوا قالوا للعاقب ، وكان ذا رأيهم : يا عبد المسيح ما ترى ؟ فقال : والله لقد عرفتم يامعشر النصارى أنّ محمّداً نبيّ مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم ، والله ما باهل قوم نبياً قط ، فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لتهلكنّ ، فإن أبيتم إلاّ إِلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم.
فأتوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد غدا محتضناً الحسين ، آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه ، وعليّ خلفها ، وهو يقول : « إذا أنا دعوت فأمِّنوا ».
فقال أُسقف نجران : يا معشر النصارى ! إنّي لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يُزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتُهلكوا ، ولا يبقىٰ على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ، فقالوا : يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك ، وأن نقرّك على دينك ، ونثبت على ديننا. قال : «فإذا أبيتم المباهلة ، فأسلموا ، يكن لكم ما للمسلمين ، وعليكم ما عليهم ».
فأبوا. قال : « فإنّي أُناجزكم » ، فقالوا : ما لنا بحرب العرب طاقة ، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ، ولا تخيفنا ، ولا تردُّنا عن ديننا ، على أن نؤدّي إليك كلّ عام ألفي حلّة ، ألف في صفر ، وألف في رجب ، وثلاثين درعاً عادية من حديد ، فصالحهم على ذلك.
وقال : « والذي نفسي بيده انّ الهلاك قد تدلى على أهل نجران ، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً ، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر ، ولما حال الحول على النصارى كلّهم حتى يهلكوا ».
وعن عائشة انّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج وعليه مرط مرجل من شعر أسود ، فجاء الحسن فأدخله ، ثمّ جاء الحسين فأدخله ، ثمّ فاطمة ، ثمّ علي ، ثمّ قال : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ).
الشاهد على استجابة دعائهم أمران :
أ : قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أنا دعوت فأمّنوا ، فكان دعاء النبي يصعد بتأمينهم ، وأيُّ مقام أعلى وأنبل من أن يكون دعاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صاعداً بفضل دعائهم.
ب : قول أُسقف نجران : « إنّي لأرىٰ وجوهاً لو شاء الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها » والضمير يرجع إلى الوجوه ، أي لأزاله بدعائهم أو لأزاله بالقسم على الله بهم ، وقد أيَّد القول الثاني ابن البطريق في « العمدة » حيث قال : المباهلة بهم تصدق دعوى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد صار إبطال محاجَّة أهل نجران في القرآن الكريم بالقسم على الله بهم.
وقد تركت مباهلة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته أثراً بالغاً في نفوس المسلمين ، يشهد عليها ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه ، قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً ، فقال : ما يمنعك أن تسبَّ أباتراب ؟ فقال :
أما ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلن أسبَّه ، لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم.
سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول له وقد خلفه في بعض مغازيه ، فقال له علي : يا رسول الله ، خلّفتني مع النساء والصبيان ؟ فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي ؟
وسمعته يوم خيبر ، يقول : لأُعطينّ الراية رجلاً يحب الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله.
قال : فتطاولنا لها ، فقال : ادعوا لي عليّاً ، فأُتي به أرمد العين ، فبصق في عينيه ، ودفع الراية إليه ، ففتح الله على يديه.
ولما نزلت هذه الآية : ( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ) دعا رسول الله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً ، وقال : اللّهم هؤلاء أهل بيتي. (24)
من سمات أهل البيت عليهم‌السلام

4 - ابتغاء مرضاة الله تعالىٰ

الإنسان الكامل ، هو الذي لا يفعل شيئاً ولا يتركه إلاّ لابتغاء مرضاة الله تبارك وتعالى ، فيصل في سلوكه ورياضاته الدينيَّة إلىٰ مكان تفنىٰ فيه كلّ الدوافع والحوافز إلاّ داع واحد وهو طلب رضا الله تبارك وتعالى ، فإذا بلغ هذه الدرجة فقد بلغ الذروة من الكمال الإنساني ، وربَّما يبلغ الإنسان في ظل الرضا درجة لا يتمنّى وقوع ما لم يقع ، أو عدم ما وقع ، وإلى ذلك المقام يشير الحكيم السبزواري بما
في منظومته :
وبهجة بما قضى الله رضا ***وذو الرضا بما قضى ما اعترضا
اعظم باب الله ، في الرضا وُعي *** وخازن الجنة رضواناً دُعي
فقرا على الغنى صبورٌ ارتضى *** وذان سيّان لصاحب الرضا
عن عارف عُمّر سبعين سنة *** إن لم يقل رأساً لأشيا كائنة
يا ليت لم تقع ولا لما ارتفع *** مما هو المرغوب ليته وقع (25)
وممَّن يمثل ذلك المقام في الأُمّة الإسلامية هو إمام العارفين وسيد المتّقين علي أمير المؤمنين عليه‌السلام فهو في عامَّة مواقفه ، في جهاده ونضاله ، وعزلته وقعوده في بيته ، وفي تسنّمه منصَّة الخلافة بإصرار من الأُمّة ، فهو في كلّ هذه الأحوال والمواقف ، لا همّ له إلاّ طلب رضوانه تعالى.
وقد صرح الإمام بذلك عندما طلب منه تسلّم مقاليد الخلافة ، فقال : « أما والذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجّة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على العلماء ألاّ يقارُّوا على كظّة ظالم ، ولا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز ». (26)
وقد تجلّت هذه الخصلة في علي عليه‌السلام حين مبيته في فراش النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.روى المحدّثون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا أراد الهجرة خلّف علي بن أبي طالب عليه‌السلام بمكة لقضاء ديونه وردّ الودائع التي كانت عنده ، وأمره ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له : يا علي اتَّشح ببردي الحضرمي الأخضر ، ثمّ نم على فراشي ، فانّه لا يخلص إليك منهم مكروه ، إن شاء الله عزّ وجلّ ، ففعل ذلك عليه‌السلام فأوحى الله عزّ وجلّ إلى جبرئيل وميكائيل عليهما‌السلام إنّي قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر ، فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ ، فاختار كلاهما الحياة ، فأوحى الله عزّ وجلّ إليهما : ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب ، آخيت بينه وبين محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنام على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة ، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه ، فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه.
فقال جبرئيل : بَخٍّ بَخٍّ مَن مثلك يابن أبي طالب ؟ يباهي الله بك الملائكة ، فأنزل الله تعالى على رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو متوجِّه إلى المدينة في شأن علي بن أبي طالب عليه‌السلام : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ ).
وقد نقل غير واحد نزول الآية في حقّ علي عليه‌السلام .وقال ابن عباس : أنشدني أمير المؤمنين شعراً قاله في تلك الليلة :
وقيت بنفسي من وطئ الحصا ***وأكرم خلق طاف بالبيت والحجر
وبتُّ أُراعي منهم ما يسوءني *** وقد‌صبَّرت نفسي على‌القتل والأسر
وبات رسول الله في الغار آمناً *** ومازال في حفظ الإله وفي الستر (27)
وإلى هذه الفضيلة الرابية وغيرها يشير حسان بن ثابت في شعره عند مدح
علي عليه‌السلام :
من ذا بخاتمه تصدَّق راكعا *** وأسرّها في نفسه إسرارا
من كان بات على فراش محمّد *** ومحمد اسرى يؤم الغارا
من كان في القرآن سمّي *** في تسع آيات تلين غزارا (28)
محاولة طمس الحقيقة لولا ...
إنّ عظمة هذه الفضيلة وأهمية هذا العمل التضحويّ العظيم ، دفعت بكبار علماء الإسلام إلى اعتبارها واحدة من أكبر فضائل الإمام علي عليه‌السلام ، وإلى أن يَصِفُوا بها علياً بالفداء والبذل والإيثار ، وإلى أن يعتبروا نزول الآية المذكورة في شأنه من المسلّمات ، كلّ ما بلغ الحديث في التفسير والتاريخ إليها. (29)
إنّ هذه الحقيقة لا تنسي أبداً ، فإنّه من الممكن إخفاء وجه الواقع والتعتيم عليه بعض الوقت إلاّ أنّه سرعان ما تمزّق أشعةُ الحقيقة الساطعة حجبَ الأوهام ، وتخرج شمس الحقيقة من وراء الغيوم.
إنّ معاداة معاوية لأهل بيت النبوة وبخاصة للإمام أمير المؤمنين علي عليه‌السلام ممّا لا يمكن النقاش فيه.فقد أراد هذا الطاغية من خلال تطميع بعض صحابة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يلوّث صفحات التاريخ اللامعة ويخفي حقائقه بوضع الأكاذيب ، ولكنّه لم يحرز في هذا السبيل نجاحاً.
فقد عمد « سمرة بن جندب » الذي أدرك عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ انضمّ بعد وفاته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى بلاط معاوية بالشام ، عمد إلى تحريف الحقائق مقابل أموال أخذها من الجهاز الأموي ، الحاقد على أهل البيت.
فقد طلب منه معاوية بإصرار أن يرقى المنبر ويكذّب نزول هذه الآية في شأن علي عليه‌السلام ، ويقول للناس أنّها نزلت في حقّ قاتل عليّ ( أي عبد الرحمٰن بن ملجم المرادي ) ، ويأخذ في مقابل هذه الأُُكذوبة الكبرى ، وهذا الاختلاق الفضيع ـ الذي أهلك به دينه ـ ، مائة ألف درهم.
فلم يقبل « سمرة » بهذا المقدار ولكن معاوية زاد له في المبلغ حتى بلغ أربعمائة ألف درهم ، فقبل الرجل بذلك ، فقام بتحريف الحقائق الثابتة ، مسوَّداًبذلك صفحته السوداء أكثر من ذي قبل ، وذلك عندما رقى المنبر وفعل ما طلب منه معاوية. (30)
وقبل السامعون البسطاء قوله ، ولم يخطر ببال أحد منهم أبداً أنّ ( عبد الرحمٰن بن ملجم ) اليمنيّ لم يكن يوم نزول الآية في الحجاز بل لعلّه لم يكن قد وُلِد بعد آنذاك. فكيف يصحّ ؟!
ولكن الحقيقة لا يمكن أن تخفى بمثل هذه الحجب الواهية ، ولا يمكن أن تُنسىٰ بمثل هذه المحاولات العنكبوتية الرخيصة.
فقد زالت حكومة معاوية وهلك أعوانها ، واندثرت آثار الاختلاق والافتعال الذي وقع في عهدها المشؤوم ، وطلعت شمس الحقيقة من وراء حُجبُ الجهل والافتراء مرة أُخرى ، واعترف أغلبُ المفسرين الأجلّة والمحدّثين الأفاضل ـ في العصور والأدوار المختلفة ـ بأنّ الآية المذكورة نزلت في « ليلة المبيت » في بذل علي عليه‌السلام ومفاداته النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنفسه.
من سمات أهل البيت عليهم‌السلام

5 - الإيثار

إنّه سبحانه تبارك وتعالى وصف الإيثار في كتابه الكريم ، وهو من صفات الكرام حيث يقدِّمون الغير على أنفسهم ، يقول سبحانه في وصف الأنصار : ( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ).
كما أنّه سبحانه أمر بالوفاء بالنذر ، قال سبحانه : ( مَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ ) ، وقال سبحانه : ( ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ). وفي الوقت نفسه ندب إلى الخوف من عذابه ، يقول سبحانه : ( يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ... ) وقال سبحانه : ( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ ).
ما ذكرنا من الصفات الثلاث هي من أبرز الصفات التي يتحلّىٰ بها أولياؤه سبحانه ، ونجد هذه الصفات مجتمعة في أهل البيت عليهم‌السلام في سورة واحدة ، يقول سبحانه : ( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ
حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ).
فقوله سبحانه : ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ ) إشارة إلى إيثارهم الغير على أنفسهم ، والضمير في ( عَلَىٰ حُبِّهِ ) يرجع إلى الطعام أي انّهم مع حبّهم للطعام قدَّموا المسكين على أنفسهم ، كما أنّ قوله : ( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ... ) إشارة إلى صلابتهم في طريق إقامة الفرائض.
ثمّ قوله : ( وَيَخَافُونَ يَوْمًا ) إشارة إلى خوفهم من عذابه سبحانه يوم القيامة.وقد نقل أكثر المفسرين لو لم نقل كلّهم ، انّ الآيات نزلت في حقّ أهل البيت عليهم‌السلام.
روي عن ابن عباس ( رض ) انّ الحسن والحسين عليهما‌السلام مرضا فعادهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أُناس معه ، فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك ، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما ، إن شفاهما الله تعالى أن يصوموا ثلاثة أيام ، فشفيا وما معهم شيء ، فاستقرض علي عليه‌السلام من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير ، فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص علىٰ عددهم ووضعوها بين أيديهم ليفطروا ، فوقف عليهم سائل ، فقال : السلام عليكم أهل بيت محمّد مسكين من مساكين المسلمين ، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة ، فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلاّ الماء وأصبحوا صائمين.
فلمّا أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه ، وجاءهم أسير في الثالثة ، ففعلوا مثل ذلك فلما أصبحوا أخذ علي عليه‌السلام بيد الحسن والحسين عليهما‌السلام ودخلوا على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلمّا أبصرهم ، وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع ، قال : ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم ، وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق بطنها بظهرها وغارت عيناها فساءه ذلك.
فنزل جبرئيل عليه‌السلام وقال : خذها يا محمّد هنّأك الله في أهل بيتك ، فأقرأه السورة. (31)
روى السيوطي في الدر المنثور ، وقال : اخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله : ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ ) الآية ، قال : نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. (32)
ورواه الثعلبي في تفسيره ، وقال : نزلت في علي بن أبي طالب وفاطمة عليهما‌السلام وفي جاريتهما فضة ، ثمّ ذكر القصة على النحو الذي سردناه لكن بصورة مبسطة.
وقال : وذهب محمّد بن علي صاحب الغزالي على ما ذكره الثعلبي في كتابهالمعروف ب‍ « البلغة » انّهم عليهم‌السلام نزلت عليهم‌السلام مائدة من السماء فأكلوا منها سبعة أيّام ، وحديث المائدة ونزولها عليهم في جواب ذلك مذكور في سائر الكتب. (33)
وقد سرد سبب نزول هذه الآية في حقّ أهل البيت عليهم‌السلام غير واحد من أئمّة الحديث. (34)
من سمات أهل البيت عليهم‌السلام

6 - هم خير البريّة

إنّ خير الناس في منطق القرآن الكريم من آمن بالله ورسوله وعرف خالقه ومنعمه ، وقد قال سبحانه : ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ ).
وهذه الصفات المذكورة في الآية تجدها ، متمثلة في أهل البيت عليهم‌السلام شهد على ذلك سيرتهم ، ولذلك صاروا خير البرية.
أخرج الطبري في تفسير قوله سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ). باسناده عن أبي الجارود ، عن محمد بن علي ، قال : قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أنت يا علي وشيعتك ». (35)
روى الخوارزمي عن جابر قال : كنّا عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأقبل علي بن أبي طالب ، فقال رسول الله : « قد أتاكم أخي » ثمّ التفت إلى الكعبة فضربها بيده ، ثمّ قال :
« والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة » ، ثمّ قال : « إنّه أوّلكم إيماناً معي ، وأوفاكم بعهد الله ، وأقومكم بأمر الله ، وأعدلكم في الرعيّة ، وأقسمكم بالسويّة ، وأعظمكم عند الله مزيّة » ، قال : وفي ذلك الوقت نزلت فيه : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ، وكان أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أقبل عليّ ، قالوا : قد جاء خير البرية. (36)
وروى أيضاً من طريق الحافظ ابن مردويه ، عن يزيد بن شراحيل الأنصاري ، كاتب علي عليه‌السلام ، قال : سمعت عليّاً يقول : « حدَّثني رسول الله وأنا مُسْنده إلى صدري ، فقال أي عليّ ! ألم تسمع قول الله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ؟ أنت وشيعتك ، وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأُمم للحساب تُدعون غرّاً محجّلين ». (37)
وأرسل ابن الصباغ المالكي في فصوله عن ابن عباس ، قال : لمّا نزلت هذه الآية ، قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي عليه‌السلام : « أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة ، أنت وهم راضين مرضيين ، ويأتي أعداؤك غضاباً مقمحين ». (38)
من سمات أهل البيت عليهم‌السلام

7 - أهل البيت عليهم‌السلام ورثة الكتاب

اختلفت الأُمّة الإسلامية بعد رحيل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أمر الخلافة ـ وإن كان اللائق بها عدم الاختلاف فيها ، للنصوص الصحيحة الصادرة عنه في مختلف الموارد ـ وقد استقصينا البحث فيها في مبحث الإمامة من هذا الجزء.والذي نركِّز عليه في هذا البحث هو تبيين المرجع العلمي بعد رحيله ـ سواء أكانت الخلافة لمن نصَّ عليه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في يوم الغدير أو من اختاره بعض الصحابة في سقيفة بني ساعدة ـ.والمراد من المرجع العلمي مَن ترجع إليه الأُمّة في أُصول الدين وفروعه ، ويصدر عنهم في تفسير القرآن وتبيين غوامضه ، ويستفهم منه أسئلة الحوادث المستجدَّة.
يقول سبحانه : ( وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ).
المراد من الكتاب في قوله : ( أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ ) هو القرآن بلا شكّ وكونه حقّاً لأجل براهين قطعية تُثبت أنّه منزل من ربّه فانّ قوانينه تنسجم مع الفطرة الإنسانية ، والقصص الواردة فيها مصونة من الأساطير ، والمجموع خالٍ من التناقض إلى غير ذلك من القرائن الدالة على أنّه حقّ. ومع ذلك هو مصدِّق لما بين يدي الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الكتاب السماوي.هذا هو مفاد الآية الأُولى.
ثمّ إنّه سبحانه يقول : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ ) المراد من الكتاب هو القرآن : لأنَّ اللاّم للعهد الذكري أي الكتاب المذكور في الآية المتقدمة ، والوراثة عبارة عمّا يستحصله الإنسان بلا مشقة وجهد ، والوارث لهذا الكتاب هم الذين أُشير إليهم بقوله : ( الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) ، فلو قلنا بأنّ « من » للتبيين فيكون الوارث هو الأُمة الإسلامية جميعاً ، ولو قلنا : إنّ « مِن » للتبعيض فيكون الوارث جماعة خاصة ورثوا الكتاب.
والظاهر هو التبيين كما في قولنا : ( وَسَلامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ ).
ولكن الأُمة الإسلامية صاروا على أقسام ثلاثة :
أ : ظالم لنفسه : الَّذين قصَّروا في وظيفتهم في حفظ الكتاب والعمل بأحكامه ، وفي الحقيقة ظلموا أنفسهم ، فلذلك صاروا ظالمين لأنفسهم.
ب : مقتصد : الذين أدُّوا وظيفتهم في الحفظ والعمل لكن لا بنحو كامل بل قصَّروا شيئاً فيهما.
ج : سابق بالخيرات بإذن الله : هم الجماعة المثلىٰ أدّوا وظائفهم بالحفظ والعمل على النحو الأتم ، فلذلك سبقوا إلى الخيرات كما يقول سبحانه : ( سابِقٌ بالخَيرات بِإِذْنِ الله ).
وعلىٰ هذا فإنَّ ورثة الكتاب في الحقيقة هم الطائفة الثالثة أعني الذين سبقوا بالخيرات.
وأمّا ما هو المراد من الطائفة الثالثة ، فيتكفَّل الحديث لبيان ملامحها.
روى الكليني عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام في تفسير الآية انّه قال : « السابق بالخيرات الإمام ، والمقتصد العارف بالإمام ، والظالم لنفسه الذي لا يعرف الإمام ».
وروي نفس الحديث عن الإمام الرضا عليه‌السلام.وهناك روايات أُخرى تؤيد المضمون فمن أراد فليراجع. (39)
ثمّ إنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أوضح ورثة الكتاب في حديثه المعروف الذي اتّفق على نقله أصحاب الصحاح والمسانيد.
أخرج مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم رضي الله عنه ، قال : قام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوماً فينا خطيباً ، بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة ، فحمد الله تعالى ، وأثنىٰ عليه ووعظ وذكّر ، ثمّ قال :
« أمّا بعد : ألا أيّها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأُجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين : أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله استمسكوا به » ، فحثّ على كتاب الله ورغَّب فيه ؛ ثمّ قال : « وأهل بيتي ، أُذكِّركم الله في أهل بيتي ، أُذكِّركم الله في أهل بيتي ، أُذكِّركم الله في أهل بيتي ». (40)
هذا ما أخرجه مسلم ، ومن الواضح انّه لم ينقل علىٰ وجه دقيق ، وذلك لأنّ مقتضى قوله :
« أوّلهما » ، أن يقول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ثانيهما أهل بيتي ، مع أنّه لم يذكر كلمة
« ثانيهما ».وقد رواها الإمام أحمد بصورة أفضل ممّا سبق ، كما رواه النسائي في فضائل الصحابة كذلك.
أخرج أحمد في مسنده عن أبي الطفيل ، عن زيد بن الأرقم ، قال : لما رجع رسول الله من حَجّة الوداع ونزل غدير خم ، أمر بدوحات فقممن ، ثمّ قال : « كأنّي قد دعيت فأجبت : إنّي قد تركت فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما ، فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ».
ثمّ قال : « إنّ الله مولاي ، وأنا ولي كلّ مؤمن » ، ثمّ أخذ بيد عليّ ، فقال : « من كنت وليّه فهذا وليّه ، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه ». (41)
هذه إلمامة سريعة بحديث الثقلين ، ومن أراد أن يقف على أسانيده ومتونه فعليه أن يرجع إلى الكتب المؤلفة حوله ، وأبسط كتاب في هذا الموضوع ما ألفه السيد المجاهد « مير حامد حسين » حيث خصّ أجزاءً من كتابه « العبقات » لبيان تفاصيل أسانيده ومضمونه ، وقد طبع ما يخصَّ بالحديث في ستَّة أجزاء.
كما بسط الكلام في أسانيده وأسانيد غيره سيد مشايخنا البروجردي ( 1292 ـ 1380 ه‍ ) في كتابه « جامع أحاديث الشيعة » ، فقال بعد استيفاءنصوص الحديث وأسانيده : وقد ظهر ممّا ذكرنا انّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوجب على الأُمّة قاطبة التمسُّك بالعترة الطيبة في الأُمور الشرعية والتكاليف الإلهية ، وأكَّد وجوبه وشدَّده وأوثقه وكرَّره بكلمات عديدة وألفاظ مختلفة بحيث لا يمكن إنكاره ولا يجوزتأويله ، وقد اكتفينا بذلك وأنّ كثيراً من طرق الحديث قد ضمن مضافاً إلى المذكورات ، ما يدل على حجّية أقوالهم ووجوب اتّباعهم وحرمة مخالفتهم. (42)
والجدير بالمسلمين التركيز على مسألة تعيين المرجع العلمي بعد رحيل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذ لا يسوغ في منطق العقل أن يترك صاحب الرسالة ، الأُمّة المرحومة بلا راع ، وهو يعلم أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم برحيله سوف يواجه المسلمون حوادث مستجدة ووقائع جديدة تتطلب أحكاماً غير مبيّنة في الكتاب والسنَّة ، فلا محيص من وجود مرجع علمي يحُلُّ مشاكلها ويذلّل أمامها الصعاب ، وقد قام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ببيان من يتصدّىٰ لهذا المنصب بحديث الثقلين.
ومن العجب أنّ كثيراً من المسلمين يطرقون كلّ باب إلاّ باب أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام مع أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يذكر شيئاً ممّا يرجع إلى غير هؤلاء ، فلا أدري ما هو وجه الإقبال علىٰ غيرهم والإعراض عنهم ؟!
قال السيد شرف الدين العاملي : والصحاح الحاكمة بوجوب التمسك بالثقلين متواترة ، وطرقها عن بضع وعشرين صحابياً متضافرة. وقد صدع بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مواقف له شتىٰ.
تارة يوم غدير خم كما سمعت ، وتارة يوم عرفة في حجّة الوداع ، وتارة بعد انصرافه من الطائف ، ومرّة على منبره في المدينة ، وأُخرى في حجرته المباركة في مرضه ، والحجرة غاصَّة بأصحابه ، إذ قال : « أيّها الناس يوشك أن أُقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي ، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم ألا إنّي مخلّف فيكم كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي أهل بيتي » ، ثمّ أخذ بيد علي فرفعها ، فقال : « هذا علي مع القرآن ، والقرآن مع علي ، لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض ».
وقد اعترف بذلك جماعة من أعلام الجمهور ، حتى قال ابن حجر : ثم اعلم أنّ لحديث التمسك بهما طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً.
قال : ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه ، وفي بعض تلك الطرق انّه
قال : ذلك بحجّة الوداع بعرفة ، وفي أُخرى انّه قاله بالمدينة في مرضه ، وقد امتلأت الحجرة بأصحابه ، وفي أُخرى انّه قال : ذلك بغدير خم ، وفي أُخرى انّه قال : ذلك لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف.
قال : ولا تنافي إذ لا مانع من أنّه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة.
وحسب أئمّة أهل العترة الطاهرة أن يكونوا عند الله ورسوله بمنزلة الكتاب ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وكفى بذلك حجة تأخذ بالأعناق إلى التعبُّد بمذهبهم ، فانّ المسلم لا يرتضي بكتاب الله بدلاً ، فكيف يبتغي عن أعداله حولاً. (43)
من سمات أهل البيت عليهم‌السلام

8 - حرمة الصدقة عليهم

اتّفق الفقهاء على أنّه لا تحل الصدقة المفروضة على بني هاشم الواردة في الآية المباركة ، أعني : قوله سبحانه : ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ). وذلك لأنّ التطهير والتزكية إنّما يتعلَّق بما فيه وسخ وأهل البيت أعلى من أن يعيشوا بأوساخ الناس.
قال ابن قدامة : « لا نعلم خلافاً في أنّ بني هاشم لا تحلُّ لهم الصدقة
المفروضة ». (44)
وقد تضافرت الروايات على ذلك وجمعها ابن حجر العسقلاني في بلوغ المرام ، نقتبس منها ما يلي :
1. عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنّ الصدقة لا تنبغي لآل محمّد ، إنّما هي أوساخ النّاس ». وفي رواية : « وانَّها لا تحلُّ لمحمد ولا لآل محمد » رواه مسلم. (45)
2. روى أبو هريرة ، قال : أخذ الحسن بن علي عليهما‌السلام تمرة من تمر الصدقة ، فجعلها في فيه ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « كخٍ ، كخٍ » ليطرحها ، ثمّ قال : « أما شعرت أنّا لا نأكل الصدقة » ، رواه الشيخان البخاري ومسلم. ولمسلم : أما علمت أنّا لا تحل لنا الصدقة.
3. عن أنس انّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّ بتمرة في الطريق ، وقال : « لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها ».رواه مسلم وأبو داود. 4. عن عائشة ، قالت : أُتي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلحم ، فقلت : هذا ما تصدّق به على بريرة ، فقال : « هو لها صدقة ، ولنا هديَّة».رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود.
5. كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أُتي بطعام سأل عنه ، فإن قيل : هدية أكل منها ، وإن قيل : صدقة ، لم يأكل منها.رواه الترمذي ومسلم.
6. عن عبد الله بن حرث الهاشمي ـ وساق حديثاً حتى قال ـ : إنّ هذه الصدقات إنّما هي أوساخ الناس وانّها لا تحل لمحمّد ولا لآل محمّد.رواه مسلم والنسائي.
7. عن أبي رافع أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث رجلاً على الصدقة من بني مخزوم ، فقال لأبي رافع : اصحبني فإنّك تصيب منها ،قال : حتى آتي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأسأله ، فأتاه فسأله ، فقال : مولى القوم من أنفسهم وإنّا لا تحلُّ لنا الصدقة.أخرجه أبو داود والترمذي وصححه.
المصادر :
1- معجم مقاييس اللغة : 2 / 490.
2- لسان العرب : 6 / 94 ـ 95 ، .
3- المائدة : 90.
4- الأنعام : 145.
5- الأنعام : 125.
6- آل عمران : 42.
7- التوبة : 108.
8- التوبة : 125.
9- الأنعام : 125.
10- الميزان : 16 / 330.
11- يس : 82.
12- المائدة : 6.
13- مجمع البيان : 4 / 357 تفسير سورة الأحزاب ؛ وقريب منه ما أفاده الشيخ الطوسي في تبيانه : 8 / 340.
14- رياض السالكين : 497 ، .
15- في ظلال القرآن ، في تفسير سورة الأحزاب.
16- الصراط المستقيم : 1 / 184.
17- المناقب لابن شهر آشوب : 3 / 383 ؛ سفينة البحار : مادة حبب : 1 / 492.
18- جامع الترمذي : 5 / 635 برقم 3717 ؛ حلية الأولياء : 6 / 295.
19- أسنى المطالب : 54 ، تحقيق محمد هادي الأميني.
20- مسند أحمد : 1 / 84 .
21- بحار الأنوار : 45 / 138.
22- تفسير الفخر الرازي : 32 / 124.
23- سفينة البحار : 1 / 496 ، مادة حبب.
24- صحيح مسلم : 7 / 120 ، باب فضائل علي بن أبي طالب عليه‌السلام.
25- شرح منظومة السبزواري : 352.
26- نهج البلاغة : الخطبة 3.
27- شواهد التنزيل : 1 / 130 ؛ أُسد الغابة : 4 / 25.
28- سبط ابن الجوزي : تذكرة الخواصّ : 25 ، ط عام 1401 ه‍.
29- الغدير : 2 / 48.
30- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 4 / 73.
31- الكشاف : 3 / 297 ؛ تفسير الفخر الرازي : 30 / 244.
32- الدر المنثور : 8 / 371 ، تفسير سورة الإنسان.
33- العُمدة : 2 / 407 ـ 410.
34- شواهد التنزيل : 2 / 405 ـ 408 ؛ أُسد الغابة : 5 / 530 ؛ مناقب ابن المغازلي : 272.
35- تفسير الطبري : 30 / 146.
36- المناقب للخوارزمي : 111 برقم 120.
37- المناقب للخوارزمي : 265 برقم 247.
38- الفصول : 122.
39- البرهان في تفسير القرآن : 3 / 363.
40- صحيح مسلم : 4 / 1873 برقم 2408 ، ط عبد الباقي.
41- المسند الجامع : 5 / 505 برقم 3828.
42- جامع أحاديث الشيعة : 1 / 131 ـ 132.
43- المراجعات : المراجعة رقم 8.
44- المغني : 2 / 547.
45- بلوغ المرام : 129 ، برقم 665.

source : rasekhoon
  2258
  0
  0
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات


 
user comment