عربي
Thursday 30th of June 2022
1898
0
نفر 0

الآيات النافية لاِمكان الرؤية

الآيات المحكمة ذلكم الله ربكم لا إلَه إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل . لا تدركه الاَبصار وهو يدرك الاَبصار وهو اللطيف الخبير . الاَنعام 102 ـ 103 فاطر السماوات والاَرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الاَنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . الشورى ـ 11 يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما . طه ـ 110 الذي جعل لكم الاَرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ، فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون . البقرة ـ 22
الآيات النافية لاِمكان الرؤية

الآيات المحكمة
ذلكم الله ربكم لا إلَه إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل . لا تدركه الاَبصار وهو يدرك الاَبصار وهو اللطيف الخبير . الاَنعام 102 ـ 103
فاطر السماوات والاَرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الاَنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . الشورى ـ 11
يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما . طه ـ 110
الذي جعل لكم الاَرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ، فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون . البقرة ـ 22
ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك ، قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقا ، فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين . الاَعراف ـ 143
وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون .. البقرة ـ 55
يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ، ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطاناً مبينا . النساء ـ 153
وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ، لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتواً كبيرا . يوم يرون الملائكة لابشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجراً محجورا . الفرقان 21 ـ 22
قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد . الاِخلاص 1 ـ 4
الآيات المتشابهة التي استدلوا بها على الرؤية
كلا بل تحبون العاجلة . وتذرون الآخرة . وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ناظرة . ووجوه يومئذ باسرة . تظن أن يفعل بها فاقرة . القيامة 20 ـ 25
والنجم إذا هوى . ما ضل صاحبكم وما غوى . وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى . علمه شديد القوى . ذو مرة فاستوى . وهو بالاَفق الاَعلى . ثم دنا فتدلى . فكان قاب قوسين أو أدنى . فأوحى إلى عبده ما أوحى . ما كذب الفؤاد ما رأى . أفتمارونه على ما يرى . ولقد رآه نزلة أخرى . عند سدرة المنتهى . عندها جنة المأوى . إذ يغشى السدرة ما يغشى . ما زاغ البصر وما طغى . لقد رأى من آيات ربه الكبرى . النجم 1 ـ 18
أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون . سلهم أيهم بذلك زعيم . أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين . يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون . خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون . القلم 39 ـ 43
آيات : استوى على العرش
إن ربكم الله الذي خلق السماوات والاَرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ، ألا له الخلق والاَمر تبارك الله رب العالمين . الاَعراف ـ 54
إن ربكم الله الذي خلق السماوات والاَرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الاَمر ، ما من شفيع إلا من بعد إذنه ، ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون . يونس ـ 3
الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لاَجل مسمى ، يدبر الاَمر ، يفصل الآيات ، لعلكم بلقاء ربكم توقنون . الرعد ـ 2
طه . ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى . إلا تذكرة لمن يخشى . تنزيلاً ممن خلق الاَرض والسماوات العلى . الرحمن على العرش استوى . له ما في السماوات وما في الاَرض وما بينهما وما تحت الثرى . طه 1 ـ 6
الذي خلق السماوات والاَرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا . الفرقان ـ 59
الله الذي خلق السماوات والاَرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون . السجدة ـ 4
هو الذي خلق السماوات والاَرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ، يعلم ما يلج في الاَرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ، وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير . له ملك السماوات والاَرض وإلى الله ترجع الاَمور . الحديد ـ 4 ـ 5
تفسير آية : لا تدركه الاَبصار
ذلكم الله ربكم لا إلَه إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل. لا تدركه الاَبصار وهو يدرك الاَبصار وهو اللطيف الخبير.الاَنعام. 102 ـ 103
النبي وآله يقولون : لا تدركه الاَبصار ولا .. الاَوهام
ـ روى الصدوق في التوحيد
حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه قال حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، قال حدثني محمد بن أبي بشير ، قال حدثني الحسين بن أبي الهيثم ، قال حدثنا سليمان بن داود ، عن حفص بن غياث ، قال حدثني خير الجعافر جعفر بن محمد ، قال حدثني باقر علوم الاَولين والآخرين محمد بن علي ، قال حدثني سيد العابدين علي بن الحسين ، قال حدثني سيد الشهداء الحسين بن علي ، قال حدثني سيد الاَوصياء علي بن أبي طالب عليهم السلام قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم جالساً في مسجده إذ دخل عليه رجل من اليهود فقال : يا محمد إلى ما تدعو ؟
قال : إلى شهادة أن لا إلَه إلا الله ، وأني رسول الله .
قال : يا محمد أخبرني عن هذا الرب الذي تدعو إلى وحدانيته وتزعم أنك رسوله ، كيف هو ؟
قال : يا يهودي إن ربي لا يوصف بالكيف ، لاَن الكيف مخلوق وهو مكيفه .
قال : فأين هو ؟
قال : إن ربي لا يوصف بالاَين ، لاَن الاَين مخلوق وهو أينه .
قال : فهل رأيته يا محمد ؟
قال : إنه لا يرى بالاَبصار ولا يدرك بالاَوهام .
قال : فبأي شيَ نعلم أنه موجود ؟
قال : بآياته وأعلامه .
قال : فهل يحمل العرش أم العرش يحمله ؟
فقال : يا يهودي إن ربي ليس بحال ولا محل .
قال : فكيف خروج الاَمر منه ؟
قال : بإحداث الخطاب في المحال .
قال : يا محمد أليس الخلق كله له ؟
قال : بلى .
قال : فبأي شيء اصطفى منهم قوماً لرسالته ؟
قال : بسبقهم إلى الاِقرار بربوبيته .
قال : فلم زعمت أنك أفضلهم
قال : لاَني أسبقهم إلى الاِقرار بربي عز وجل ؟
قال : فأخبرني عن ربك هل يفعل الظلم ؟
قال : لا .
قال : ولم ؟
قال : لعلمه بقبحه واستغنائه عنه .
قال : فهل أنزل عليك في ذلك قرآناً يتلى ؟
قال : نعم إنه يقول عز وجل : وما ربك بظلام للعبيد ، ويقول : إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون ، ويقول : وما الله يريد ظلماً للعالمين ، ويقول : وما الله يريد ظلماً للعباد .
قال اليهودي : يا محمد فإن زعمت أن ربك لا يظلم فكيف أغرق قوم نوح عليه السلام وفيهم الاَطفال ؟
فقال : يا يهودي إن الله عز وجل أعقم أرحام نساء قوم نوح أربعين عاماً فأغرقهم حين أغرقهم ولا طفل فيهم ، وما كان الله ليهلك الذرية بذنوب آبائهم ، تعالى عن الظلم والجور علواً كبيراً .
قال اليهودي : فإن كان ربك لا يظلم فكيف يخلد في النار أبد الآبدين من لم يعصه إلا أياماً معدودة ؟
قال : يخلده على نيته ، فمن علم الله نيته أنه لو بقي في الدنيا إلى انقضائها كان يعصي الله عز وجل خلده في ناره على نيته ، ونيته في ذلك شر من عمله ، وكذلك يخلد من يخلد في الجنة بأنه ينوي أنه لو بقي في الدنيا أيامها لاَطاع الله أبداً ، ونيته خير من عمله ، فبالنيات يخلد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ، والله عز وجل يقول : قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا.
قال اليهودي : يا محمد إني أجد في التوراة أنه لم يكن لله عز وجل نبي إلا كان له وصي من أمته فمن وصيك ؟
قال : يا يهودي وصيي علي بن أبي طالب ، واسمه في التوراة إليا وفي الاِنجيل حيدار ، وهو أفضل أمتي وأعلمهم بربي ، وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ، وإنه لسيد الاَوصياء كما أني سيد الاَنبياء .
فقال اليهودي : أشهد أن لا إلَه إلا الله وأنك رسول الله وأن علي بن أبي طالب وصيك حقاً ، والله إني لاَجد في التوراة كل ما ذكرت في جواب مسائلي ، وإني لاَجد فيها صفتك وصفة وصيك ، وإنه المظلوم ومحتوم له بالشهادة ، وإنه أبو سبطيك وولديك شبراً وشبيراً سيدي شباب أهل الجنة .(1)
ـ وروى الكليني في الكافي
محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن أبي نجران ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله : لا تدركه الاَبصار ، قال : إحاطة الوهم ، ألا ترى إلى قوله : قد جاءكم بصائر من ربكم ، ليس يعني بصر العيون . فمن أبصر فلنفسه ، ليس يعني من البصر بعينه . ومن عمي فعليها ، ليس يعني عمى العيون إنما عنى إحاطة الوهم ، كما يقال فلان بصير بالشعر ، وفلان بصير بالفقه ، وفلان بصير بالدراهم ، وفلان بصير بالثياب . الله أعظم من أن يرى بالعين . . . .
محمد بن أبي عبدالله ، عمن ذكره ، عن محمد بن عيسى ، عن داود بن القاسم أبي هاشم الجعفري قال : قلت لاَبي جعفر عليه السلام : لا تدركه الاَبصار وهو يدرك الاَبصار فقال : يا أبا هاشم أوهام القلوب أدق من أبصار العيون ، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدان التي لم تدخلها ، ولا تدركها ببصرك وأوهام القلوب لا تدركه فكيف أبصار العيون !
يد : ابن الوليد ، عن الصفار ، عن أحمد بن محمد ، عن أبي هاشم الجعفري ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : سألته عن الله عز وجل هل يوصف ؟ فقال : أما تقرأ القرآن قلت بلى ، قال أما تقرأ قوله عز وجل : لا تدركه الاَبصار وهو يدرك الاَبصار قلت بلى ، قال : فتعرفون الاَبصار قلت : بلى ، قال : وما هي قلت : أبصار العيون فقال : إن أوهام القلوب أكثر من أبصار العيون فهو لا تدركه الاَوهام ، وهو يدرك الاَوهام .(2)
ـ وروى النيسابوري في روضة الواعظين
عن الاِمام الرضا عليه السلام في قول الله عز وجل : لا تدركه الاَبصار وهو يدرك الاَبصار ، قال : لا تدركه أوهام القلوب ، فكيف تدركه أبصار العيون .
وسئل الصادق عليه السلام هل يرى الله في المعاد ؟ فقال : سبحان الله تبارك وتعالى عن ذلك علواً كبيرا ، إن الاَبصار لا تدرك إلا ماله لون وكيفية ، والله خالق الاَلوان والكيفية .
وقال محمد بن أبي عمير : دخلت على سيدي موسى بن جعفر عليهما السلام فقلت له : يابن رسول الله علمني التوحيد فقال : يا أبا أحمد لا تتجاوز في التوحيد ما ذكره الله تبارك وتعالى في كتابه فتهلك ، واعلم أن الله تعالى واحد أحد صمد لم يلد فيورث ولم يولد فيشارك ، ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً ولا شريكاً ، وأنه الحي الذي لا يموت، والقادر الذي لا يعجز ، والقاهر الذي لا يغلب ، والحليم الذي لا يعجل ، والدائم الذي لا يبيد ، والباقي الذي لا يفنى ، والثابت الذي لا يزول ، والغني الذي لا يفتقر ، والعزيز الذي لا يذل ، والعالم الذي لا يجهل ، والعدل الذي لا يجور ، والجواد الذي لا يبخل . وأنه لا تقدره العقول ، ولا تقع عليه الاَوهام ، ولا تحيط به الاَقطار ، ولا يحويه مكان ، ولا تدركه الاَبصار وهو يدرك الاَبصار وهو اللطيف الخبير ، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ، ولا خمسة إلا وهو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ، وهو الاَول الذي لا شيء قبله ، والآخر الذي لا شيء بعده ، وهو القديم وما سواه محدث ، تعالى عن صفات المخلوقين علواً كبيرا .
وسئل الصادق عليه السلام هل لله تعالى رضى وسخط ؟ فقال : نعم ، وليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين ، ولكن غضب الله عقابه ورضاه ثوابه .
وقال أيضاً عليه السلام : إن الله تعالى لا يوصف بزمان ولا مكان ولا حركة ولا انتقال ولا سكون ، بل هو خالق الزمان والمكان ، والحركة والسكون والاِنتقال ، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيرا .(3)
ـ وروى المجلسي في بحار الاَنوار :
نص : الحسين بن علي ، عن هارون بن موسى ، عن محمد بن الحسن ، عن الصفار ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام قال : كنت عند الصادق جعفر بن محمد عليه السلام إذ دخل عليه معاوية بن وهب و عبدالملك بن أعين ، فقال له معاوية بن وهب : يابن رسول الله ما تقول في الخبر الذي روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله رأى ربه ، على أي صورة رآه ، وعن الحديث الذي رووه أن المؤمنين يرون ربهم في الجنة، على أي صورة يرونه ؟ فتبسم عليه السلام ثم قال : يا معاوية ما أقبح بالرجل يأتي عليه سبعون سنة أو ثمانون سنة يعيش في ملك الله ويأكل من نعمه ، ثم لا يعرف الله حق معرفته .
ثم قال عليه السلام : يا معاوية إن محمداً صلى الله عليه وآله لم ير الرب تبارك وتعالى بمشاهدة العيان ، وإن الرؤية على وجهين : رؤية القلب ، ورؤية البصر ، فمن عني برؤية القلب فهومصيب ومن عنى برؤية البصر فقد كفر بالله وبآياته ، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله : من شبه الله بخلقه فقد كفر . ولقد حدثني أبي ، عن أبيه ، عن الحسين بن علي قال : سئل أمير المؤمنين عليه السلام فقيل : يا أخا رسول الله هل رأيت ربك فقال : وكيف أعبد من لم أره لم تره العيون بمشاهدة العيان ، ولكن رأته القلوب بحقائق الاِيمان . فإذا كان المؤمن يرى ربه بمشاهدة البصر فإن كل من جاز عليه البصر والرؤية فهو مخلوق ، ولابد للمخلوق من الخالق ، فقد جعلته إذا محدثاً مخلوقاً ، ومن شبهه بخلقه فقد اتخذ مع الله شريكاً ، ويلهم أولم يسمعوا يقول الله تعالى : لا تدركه الاَبصار وهو يدرك الاَبصار وهو اللطيف الخبير .
وقوله : لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً ، وإنما طلع من نوره على الجبل كضوء يخرج من سم الخياط فدكدكت الاَرض وصعقت الجبال فخر موسى صعقاً ، أي ميتاً ، فلما أفاق ورد عليه روحه ، قال سبحانك تبت إليك من قول من زعم أنك ترى ، ورجعت إلى معرفتي بك أن الاَبصار لا تدركك ، وأنا أول المؤمنين ، وأول المقرين بأنك ترى ولا ترى ، وأنت بالمنظر الاَعلى .
ثم قال عليه السلام : إن أفضل الفرائض وأوجبها على الاِنسان معرفة الرب والاِقرار له بالعبودية ، وحد المعرفة أن يعرف أنه لا إلَه غيره ، ولا شبيه له ولا نظير ، وأن يعرف أنه قديم مثبت موجود غير فقيد ، موصوف من غير شبيه ولا مبطل ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .
وبعده معرفة الرسول والشهادة بالنبوة .
وأدنى معرفة الرسول الاِقرار بنبوته ، وأن ما أتى به من كتاب أو أمر أو نهي فذلك من الله عز وجل ، وبعده معرفة الاِمام الذي به تأتم بنعته وصفته واسمه في حال العسر واليسر ثم قال : يا معاوية جعلت لك أصلاً في هذا فاعمل عليه ، فلو كنت تموت على ما كنت عليه لكان حالك أسوأ الاَحوال ، فلا يغرنك قول من زعم أن الله تعالى يرى بالبصر .
قال : وقد قالوا أعجب من هذا ، أولم ينسبوا آدم عليه السلام إلى المكروه !
أو لم ينسبوا إبراهيم عليه السلام إلى ما نسبوه !
أو لم ينسبوا داود عليه السلام إلى ما نسبوه من حديث الطير !
أو لم ينسبوا يوسف الصديق إلى ما نسبوه من حديث زليخا !
أو لم ينسبوا موسى عليه السلام إلى ما نسبوه من القتل !
أو لم ينسبوا رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ما نسبوه من حديث زيد !
أولم ينسبوا علي بن أبي طالب عليه السلام إلى ما نسبوه من حديث القطيفة !
إنهم أرادوا بذلك توبيخ الاِسلام ليرجعوا على أعقابهم ، أعمى الله أبصارهم كما أعمى قلوبهم ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا .
ـ وروى نحوه في بحار الاَنوار وفيه ( إن أوهام القلوب أكثر من أبصار العيون فهي لا تدركه ، وهو يدرك الاَوهام) .
ـ وروى نحوه في بحار الاَنوار وفيه ( لا تدركه أوهام القلوب فكيف تدركه أبصار العيون ! وقال المجلسي رحمه الله :
بيان : هذه الآية إحدى الدلالات التي استدل بها النافون للرؤية وقرروها بوجهين :
أحدهما : أن إدراك البصر عبارة شائعة في الاِدراك بالبصر إسناداً للفعل إلى الآلة، والاِدراك بالبصر هو الرؤية بمعنى اتحاد المفهومين أو تلازمهما ، والجمع المعرف باللام عند عدم قرينة العهدية والبعضية للعموم والاِستغراق بإجماع أهل العربية والاَصول وأئمة التفسير ، وبشهادة استعمال الفصحاء ، وصحة الاِستثناء ، فالله سبحانه قد أخبر بأنه لا يراه أحد في المستقبل ، فلو رآه المؤمنون في الجنة لزم كذبه تعالى وهو محال .
واعترض عليه : بأن اللام في الجمع لو كان للعموم والاِستغراق كما ذكرتم كان قوله تدركه الاَبصار موجبة كلية ، وقد دخل عليها النفي ، فرفعها وهو رفع الاِيجاب الكلي، ورفع الاِيجاب الكلي سلب جزئي . ولو لم يكن للعموم كان قوله لا تدركه الاَبصارسالبة مهملة في قوة الجزئية ، فكان المعنى لا تدركه بعض الاَبصار ، ونحن نقول بموجبه حيث لا يراه الكافرون ، ولو سلم فلا نسلم عمومه في الاَحوال والاَوقات فيحمل على نفي الرؤية في الدنيا جمعاً بين الاَدلة .
والجواب : أنه قد تقرر في موضعه أن الجمع المحلى باللام عام نفياً وإثباتاً في المنفي والمثبت كقوله تعالى : وما الله يريد ظلماً للعباد ، وما على المحسنين من سبيل ، حتى أنه لم يرد في سياق النفي في شيء من الكتاب الكريم إلا بمعنى عموم النفي ، ولم يرد لنفي العموم أصلاً ، نعم قد اختلف في النفي الداخل على لفظة كل لكنه في القرآن المجيد أيضاً بالمعنى الذي ذكرنا كقوله تعالى : والله لا يحب كل مختال فخور ، إلى غير ذلك ، وقد اعترف بما ذكرنا في شرح المقاصد وبالغ فيه .
وأما منع عموم الاَحوال والاَوقات فلا يخفى فساده ، فإن النفي المطلق الغير المقيد لا وجه لتخصيصه ببعض الاَوقات إذ لا ترجيح لبعضها على بعض ، وهو أحد الاَدلة على العموم عند علماء الاَصول .
وأيضاً صحة الاِستثناء دليل عليه ، وهل يمنع أحد صحة قولنا : ما كلمت زيداً إلا يوم الجمعة ، ولا أكلمه إلا يوم العيد ، وقال تعالى : ولا تعضلوهن ، إلى قوله : إلا أن يأتين . وقال : ولا تخرجوهن ، إلى قوله إلا أن يأتين .
وأيضاً كل نفي ورد في القرآن بالنسبة إلى ذاته تعالى فهو للتأبيد وعموم الاَوقات لا سيما فيما قبل هذه الآية .
وأيضاً عدم إدراك الاَبصار جميعاً لشيء لا يختص بشيء من الموجودات ، خصوصاً مع اعتبار شمول الاَحوال والاَوقات ، فلا يختص به تعالى ، فتعين أن يكون التمدح بعدم إدراك شيء من الاَبصار له في شيء من الاَوقات .
وثانيهما : أنه تعالى تمدح بكونه لا يرى فإنه ذكره في أثناء المدائح ، وما كان من الصفات عدمه مدحاً كان وجوده نقصاً يجب تنزيه الله تعالى عنه ، وإنما قلنا من الصفات احترازاً عن الاَفعال كالعفو والاِنتقام فإن الاَول تفضل ، والثاني عدل ، وكلاهما كمال .(4)
ـ الاِقتصاد للشيخ الطوسي ص 39
ولا يجوز عليه تعالى الرؤية بالبصر ، لاَن من شرط صحة الرؤية أن يكون المرئي نفسه أو محله مقابلاً للرائي بحاسة ، أو في حكم المقابل ، والمقابلة يستحيل عليه لاَنه ليس بجسم ، ومقابلة محله أيضاً يستحيل عليه لاَنه ليس بعرض على ما بيناه .
ولاَنه لو كان مرئياً لرأيناه مع صحة حواسنا وارتفاع الموانع المعقولة ووجوده ، لاَن المرئي إذا وجد وارتفعت الموانع المعقولة وجب أن نراه ، وإنما لا نراه إما لبعد مفرط أو قرب مفرط أو لحائل بيننا وبينه أو للطافة أو صغر ، وكل ذلك لا يجوز عليه تعالى لاَنه من صفات الاَجسام والجواهر .
وبمثل ذلك بعينه يعلم أنه لا يدرك بشيء من الحواس الباقية ، فلا وجه للتطويل بذكره ، والحاسة السادسة غير معقولة ، ولو كانت معقولة لكان حكمها حكم هذه الحواس مع اختلافها واتفاقها في هذا الحكم .
وأيضاً قوله تعالى : لا تدركه الاَبصار وهو يدرك الاَبصار ، دليل على استحالة رؤيته ، لاَنه تمدح بنفي الاِدراك عن نفسه ، وكل تمدح تعلق بنفي فإثباته لا يكون إلا نقصاً ، كقوله : لا تأخذه سنة ولا نوم ، وقوله تعالى : ما اتخذ الله من ولد ، وقوله تعالى: ولم تكن له صاحبة ولا ولداً ، وقوله تعالى : لا يظلم الناس شيئاً ، وغير ذلك مما تعلق المدح بالنفي ، فكان إثباته نقصاً . والآية فيها مدح بلا خلاف وإن اختلفوا في جهة المدح ، والاِدراك في الآية بمعنى الرؤية ، لاَنه نفى عن نفسه ما أثبته لنفسه بقوله : وهو يدرك الاَبصار .
وقوله : وجوه يومئذ ناضرة ، إلى ربها ناظرة ، لا يعارض هذه الآية ، لاَن النظر المذكور في الآية معناه الاِنتظار ، فكأنه قال : لثواب ربها منتظرة .
ومثله قوله : وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة ، أي منتظرة . وليس النظر بمعنى الرؤية في شيء من كلام العرب ، ألا ترى أنهم يقولون : نظرت إلى الهلال فلم أره ، فيثبتون النظر وينفون الرؤية ، ولو كان معناه الرؤية لكان ذلك مناقضة ، ويقولون : ما زلت أنظر إليه حتى رأيته ، ولا يقولون : ما زلت أراه حتى رأيته . ولو سلم أن النظر بمعنى الرؤية لجاز أن يكون معناه : إلى ثواب ربها رائية ، وثواب الله يصح رؤيته .
ويحتمل أن تكون إلى في الآية واحد الآلاء ، لاَنه يقال إلى وإلي وألي ، وإنما لم تنون لمكان الاِضافة ، فتكون إلى في الآية إسماً لا حرفاً ، فتسقط بذلك شبهة المخالف .
وقول موسى عليه السلام : رب أرني أنظر اليك ، يحتمل أن يكون سأل الرؤية لقومه على ما حكاه الله عز وجل في قوله : فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ، فسأل الله تعالى ذلك ليرد الجواب من جهته فيكون أبلغ .
ويحتمل أن يكون سأل العلم الضروري الذي تزول معه الخواطر والشبهات ، أو إظهار آية من آيات الساعة التي يحصل عندها العلم الذي لا شك فيه ، وللاَنبياء أن يسألوا تخفيف البلوى في التكليف ، كما سأل ابراهيم عليه السلام فقال : رب أرني كيف تحيي الموتى ، قال أو لم تؤمن ، قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ، وكل ذلك لا ينافي الآية التي ذكرناها . انتهى . ويؤيد الوجه الاَخير الذى ذكره الشيخ الطوسي رحمه اللّه تركيب الآية : أرني أنظر اليك ، ولم يقل أنظرك ، فهو يريد أن يريه شيئاً يجعله كأنه يشاهد اللّه تعالى .
ـ تفسير التبيان ج 4 ص 223
قوله تعالى : لا تدركه الاَبصار وهو يدرك الاَبصار وهو اللطيف الخبير ـ
في هذه الآية دلالة واضحة على أنه تعالى لا يرى بالاَبصار ، لاَنه تمدح بنفي الاِدراك عن نفسه ، وكلما كان نفيه مدحاً غير متفضل به فإثباته لا يكون إلا نقصاً ، والنقص لا يليق به تعالى . فإذا ثبت أنه لا يجوز إدراكه ولا رؤيته .
وهذه الجملة تحتاج إلى بيان أشياء : أحدها ، أنه تعالى تمدح بالآية . والثاني أن الاِدراك هو الرؤية . والثالث أن كلما كان نفيه مدحاً لا يكون إثباته إلا نقصاً .
والذي يدل على تمدحه شيئان :
أحدهما ، إجماع الاَمة فإنه لا خلاف بينهم في أنه تعالى تمدح بهذه الآية ، فقولنا تمدح بنفي الاِدراك عن نفسه لاستحالته عليه ، وقال المخالف تمدح لاَنه قادر على منع الاَبصار من رؤيته . فالاِجماع حاصل على أن فيها مدحة .
والثاني ، أن جميع الاَوصاف التي وصف بها نفسه قبل هذه الآية وبعدها مدحة ، فلا يجوز أن يتخلل ذلك ما ليس بمدحة . والذي يدل على أن الاِدراك يفيد الرؤية أن أهل اللغة لا يفرقون بين قولهم : أدركت ببصري شخصاً ، وآنست ، وأحسست ببصري . وأنه يراد بذلك أجمع الرؤية . فلو جاز الخلاف في الاِدراك لجاز الخلاف فيما عداه من الاَقسام .
فأما الاِدراك في اللغة ، فقد يكون بمعنى اللحوق كقولهم : أدرك قتادة الحسن . ويكون بمعنى النضج ، كقولهم أدركت الثمرة ، وأدركت القدر ، وإدرك الغلام إذا بلغ حال الرجال وأيضاً فإن الاِدراك إذا أضيف إلى واحد من الحواس أفاد ما تلك الحاسة آلة فيه . ألا ترى أنهم يقولون : أدركته بأذني يريدون سمعته ، وأدركته بأنفي يريدون شممته ، وأدركته بفمي يريدون ذقته . وكذلك إذا قالوا : أدركته ببصري يريدون رأيته . وأما قولهم أدركت حرارة الميل ببصري فغير معروف ولا مسموع ، ومع هذا ليس بمطلق بل هو مقيد ، لاَن قولهم حرارة الميل تقييد لاَن الحرارة تدرك بكل محل فيه حياة ، ولو قال أدركت الميل ببصري لما استفيد به إلا الرؤية .
وقولهم إن الاِدراك هو الاِحاطة باطل ، لاَنه لو كان كذلك لقالوا : أدرك الجراب بالدقيق وأدرك الحب بالماء وأدرك السور بالمدينة لاِحاطة جميع ذلك بما فيه ، والاَمر بخلاف ذلك . وقوله : حتى إذا أدركه الغرق ، فليس المراد به الاِحاطة بل المعنى حتى إذا لحقه الغرق ، كما يقولون أدركت فلاناً إذا لحقته ، ومثله : فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون ، أي لملحوقون .
والذي يدل على أن المدح إذا كان متعلقاً بنفي فإثباته لا يكون إلا نقصاً ، قوله : لا تأخذه سنة ولا نوم ، وقوله : ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إلَه ، لما كان مدحاً متعلقاً بنفي فلو ثبت في حال لكان نقصاً .
فإن قيل : كيف يتمدح بنفي الرؤية ومع هذا يشاركه فيها ما ليس بممدوح من المعدومات والضمائر .
قلنا : إنما كان ذلك مدحاً بشرط كونه مدركاً للاَبصار ، وبذلك تميز من جميع الموجودات ، لاَنه ليس في الموجودات ما يدرك ولا يدرك .
فإن قيل : ولم إذا كان يدرك ولا يدرك يجب أن يكون ممدوحاً .
قلنا : قد ثبت أن الآية مدحة بما دللنا عليه ، ولابد فيها من وجه مدحة فلا يخلو من أحد وجهين : إما أن يكون وجه المدحة أنه يستحيل رؤيته مع كونه رائياً ، أو ما قالوه من أنه يقدر على منع الاَبصار من رؤيته بأن لا يفعل فيها الاِدراك ، وما قالوه باطل لقيام الدلالة على أن الاِدراك ليس بمعنى الاِحاطة ، فإذا بطل ذلك لم يبق إلا ما قلناه ، وإلا خرجت الآية من كونها مدحة . وقد قيل : إن وجه المدحة في ذلك أن من حق المرئي أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل ، وذلك يدل على مدحته ، وهذا دليل من أصل المسألة لا يمكن أن يكون جواباً في الآية .
فإن قيل : إنه تعالى نفى أن تكون الاَبصار تدركه فمن أين أن المبصرين لا يدركونه؟
قلنا : الاَبصار لا تدرك شيئاً البتة فلا اختصاص لها به دون غيره ، وأيضاً فإن العادة أن يضاف الاِدراك إلى الاَبصار ويراد به ذووا الاَبصار ، كما يقولون : بطشت يدي وسمعت أذني وتكلم لساني ، ويراد به أجمع ذووا الجارحة .
فإن قيل : إنه تعالى نفى أن جميع المبصرين لا يدركونه ، فمن أين أن البعض لا يدركونه وهم المؤمنون ؟
قلنا : إذا كان تمدحه في استحالة الرؤية عليه لما قدمناه ، فلا اختصاص لذلك براء دون رائي ، ولك أن تستدل بأن تقول : هو تعالى نفى الاِدراك عن نفسه نفياً عاماً كما أنه أثبت لنفسه ذلك عاماً ، فلو جاز أن يخص ذلك بوقت دون وقت لجاز مثله في كونه مدركاً . وإذا ثبت نفي إدراكه على كل حال ، فكل من قال بذلك قال الرؤية مستحيلة عليه . ومن أجاز الرؤية لم ينفها نفياً عاماً فالقول بنفيها عموماً ، مع جواز الرؤية عليه قول خارج عن الاِجماع .
فإن عورضت هذه الآية بقوله : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ، فإنا نبين أنه لا تعارض بينهما وأنه ليس في هذه الآية مايدل على جواز الرؤية إذا انتهينا إليها إنشاء الله.
ـ تفسير التبيان ج 1 ص 228
وقال قوم : إن النظر إذا كان معه إلى لا يحتمل إلا الرؤية . وحملوا قوله : إلى ربها ناظرة على ذلك وقالوا لا يحتمل التأمل . وذلك غلط لاَنهم يقولون : إنما أنظر إلى الله ثم إليك بمعنى أتوقع فضل الله ثم فضلك . وقال الطريح بن إسماعيل :
وإذا نظرت إليك من ملك * والبحر دونك جرتني نعماء
وقال جميل بن معمر :
إني إليك لما وعدت لناظر * نظر الفقير إلى الغني الموسر
وقال آخر :
وجوه يوم بدر ناظرات * إلى الرحمان تأتي بالفلاح
وأتوا بـ ( إلى ) على معنى نظر الاِنتظار .
والصحيح أن النظر لا يفيد الرؤية وإنما حقيقته تحديق الجارحة الصحيحة نحو المرئي طلباً لرؤيته ، ولو أفاد الرؤية لما جعل غاية لنفسه ، ألا تراهم يقولون : ما زلت أنظر إليه ( حتى رأيته ) ولا يقولون ما زلت أراه حتى رأيته ، ولاَنهم يثبتون النظر وينفون الرؤية فيقولون : نظرت إليه فلم أره ، ولا يقولون رأيته فلم أره .
ـ تفسير التبيان ج 10 ص 197
ثم قسم تعالى أهل الآخرة فقال ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) أي مشرقة مضيئة ، فالنضرة الصورة الحسنة التي تملاَ القلب سروراً عند الرؤية ، نضر وجهه ينضر نضرة ونضارة فهو ناضر . والنضرة مثل البهجة والطلاقة ، وضده العبوس والبسور ، فوجوه المؤمنين المستحقين للثواب بهذه الصفة بما جعل الله عليها من النور علامة للخلق ، والملائكة على أنهم مؤمنون مستحقون الثواب .
وقوله : إلى ربها ناظرة ، معناه منتظرة نعمة ربها وثوابه أن يصل إليهم .
وقيل ( ناضرة ) أي مشرفة ( إلى ) ثواب ربها ( ناظرة ) وليس في ذلك تنغيص ، لاَن الاِنتظار إنما يكون فيه تنغيص إذا كان لا يوثق بوصوله إلى المنتظر أو هو محتاج إليه في الحال ، والمؤمنون بخلاف ذلك ، لاَنهم في الحال مستغنون منعمون ، وهم أيضاً واثقون أنهم يصلون إلى الثواب المنتظر .
والنظر هو تقليب الحدقة الصحية نحو المرئي طلباً للرؤية ، ويكون النظر بمعنى الاِنتظار ، كما قال تعالى ( وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة ، أي منتظرة ، وقال الشاعر :
وجوه يوم بدر ناظرات * إلى الرحمن تأتي بالفلاح
أي منتظرة للرحمة التي تنزل عليهم .
وقد يقول القائل : إنما عيني ممدودة إلى الله وإلى فلان ، وأنظر إليه أي أنتظر خيره ونفعه وأؤمل ذلك من جهته ، وقوله : ولا ينظر إليهم يوم القيامة ، معناه لا ينيلهم رحمته .
ويكون النظر بمعنى المقابلة ، ومنه المناظرة في الجدل ، ومنه نظر الرحمة أي قابله بالرحمة ، ويقال : دور بني فلان تتناظر أي تتقابل ، وهو وينظر إلى فلان أي يؤمله وينتظر خيره ، وليس النظر بمعنى الرؤية أصلاً ، بدلالة أنهم يقولون : نظرت إلى الهلال فلم أره ، فلو كان بمعنى الرؤية لكان متناقضاً ، ولاَنهم يجعلون الرؤية غاية للنظر يقولون : ما زلت أنظر إليه حتى رأيته ، ولا يجعل الشيء غاية لنفسه لا يقال : بما زلت أراه حتى رأيته ، ويعلم الناظر ناظراً ضرورة ، ولا يعلم كونه رائياً بل يسأل بعد ذلك هل رأيت أم لا .
ودخول ( إلى ) في الآية لا يدل على أن المراد بالنظر الرؤية ، ولا تعليقه بالوجوه يدل على ذلك ، لاَنا أنشدنا البيت وفيه تعليق النظر بالوجه وتعديه بحرف ( إلى ) والمراد به الاِنتظار ، وقال جميل بن معمر :
وإذا نظرت إليك من ملك * والبحر دونك جدتني نعما
والمراد به الاِنتظار والتأميل .
وأيضاً ، فإنه في مقابلة قوله في صفة أهل النار : تظن أن يفعل بها فاقرة ، فالمؤمنون يؤمنون بتجديد الكرامة وينتظرون الثواب ، والكفار يظنون الفاقرة ، وكله راجع إلى فعل القلب ولو سلمنا أن النظر يعد الرؤية لجاز أن يكون المراد أنها رؤية ثواب ربها ، لاَن الثواب الذي هو أنواع اللذات من المأكول والمشروب والمنكوح تصح رؤيته .
ويجوز أيضاً أن يكون إلى واحد إلاء وفي واحدها لغات ( ألا ) مثل قفا و ( ألي ) مثل معي و ( ألي ) مثل حدي و ( أل ) مثل حسا ، فإذا أضيف إلى غيره سقط التنوين، ولا يكون ( إلى ) حرفاً في الآية . وكل ذلك يبطل قول من أجاز الرؤية على الله تعالى .
وليس لاَحد أن يقول : إن الوجه الاَخير يخالف الاِجماع ، أعني إجماع المفسرين، وذلك لاَنا لا نسلم لهم ذلك ، بل قد قال مجاهد وأبو صالح والحسن وسعيد بن جبير والضحاك : إن المراد نظر الثواب . وروي مثله عن علي عليه السلام .
وقد فرق أهل اللغة بين نظر الغضبان ونظر الراضي ، يقولون : نظر غضبان ، ونظر راض ، ونظر عداوة ونظر مودة ، قال الشاعر :
تخبرني العينان ما الصدر كاتم * ولا حن بالبعضاء والنظر الشزر
والرؤية ليست كذلك فإنهم لا يضيفونها ، فدل على أن النظر غير الرؤية ، والمرئي هو المدرك ، والرؤية هي الاِدراك بالبصر ، والرائي هو المدرك ، ولا تصح الرؤية وهي الاِدراك إلا على الاَجسام أو الجوهر أو الاَلوان . ومن شرط المرئي أن يكون هو أو محله مقابلاً أو في حكم المقابل، وذلك يستحيل عليه تعالى ، فكيف تجيز الرؤية عليه تعالى !
المصادر :
1- الصدوق في التوحيد ص 398
2- الكليني في الكافي ج 1 ص 98
3- النيسابوري في روضة الواعظين ص 33
4- المجلسي في بحار الاَنوار ج 4 ص 46 و ج 4 ص 33 وص 39 و ج 4 ص 29


source : rasekhoon
1898
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:
لینک کوتاه

آخر المقالات

فيما جاء في تفسير قوله تعالى: واعتصموا بحبل الله ...
تشريع صلاة التراويح
نشاة التشيع
سعة دائرة الحلال
هندسة القضاء والقدر
في صفات الأنبياء وكتبهم
التقية في الاسلام
الإمامة والخلافة بإختصار
ما أثر الشفاعة
ماهية الإمامة عند أهل السنّة

 
user comment