عربي
Sunday 17th of January 2021
1963
0
0%

في الحزن و فضله

 في الحزن و فضله

قال الله تعالى وَ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ و ما كان حزنه إلا عبادة الله تعالى لا جزعا
 و روي أن النبي ص كان دائم الفكر متواصل الحزن من أوصاف الصالحين
و أن الله تعالى يحب كل قلب حزين و إذا أحب الله قلبا فصب فيه نائحة من الحزن و لا يسكن الحزن إلا قلبا سليما و قلب ليس فيه الحزن خراب و لو أن محزونا كان في أمة لرحم الله تلك الأمة فقال مصنف هذا الكتاب ليس العجب من أن يكون الإنسان حزينا بل العجب أن يخلو من الحزن ساعة واحدة و كيف لا يكون كذلك و هو يصبح و يمسي على جناح سفر بعيد أول منازله الموت و مورده القبر و مصدره القيامة و موقفه بين يدي الله تعالى أعضاؤه شهوده و جوارحه جنوده و ضمائره عيونه و خلواته عيانه يمسي و يصبح بين نعمة يخاف زوالها و ميتة يخاف حلولها و بلية لا يأمن نزولها مكتوم الأجل مكنون العلل محفوظ العمل صريع بطنته و عبد شهوته و عريف زوجته متعب في كل أحواله حتى في أوقات لذته بين أعداء كثيرة نفسه و الشيطان و الأمل و العائل يطلبونه بالقوت و حاسد يحسده و جار يؤذيه و أهل يقطعونه و قرين سوء يريد حتفه و الموت متوجه إليه و العلل متقاطرة عليه و لقد جمع هذا كله مولانا أمير المؤمنين ع بقوله
عين الدهر تطرف بالمكاره و الناس بين أجفانه
و الله لقد أفضح الدنيا و نعيمها و لذاتها الموت و ما ترك لعاقل فيها

                         إرشادالقلوب ج : 1 ص : 113
فرحا و لا خلى القيام بالحق للمؤمن في الدنيا صديقا و لا أهلا و لا يكاد من يريد رضا الله تعالى و موالاته يسلم إلا بفراق الناس و لزوم الوحدة و التفرد منهم و البعد عنهم كما قال الله تعالى فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ أراد سبحانه بالفرار إليه اللجأ من الذنوب و الانقطاع عن الخلق و الاعتماد عليه في كل الأحوال و لا يكاد يعرف الناس من يقاربهم و الوحشة منهم يدل على المعرفة بهم و أوصى حكيم حكيما فقال له لا تتعرف لمن تعرف فقال له يا أخي أنا أزيدك في ذلك و أنكر من تعرف لأنه لا يؤذي الشخص من لا يعرفه و المعرفة بين الرجلين خطر عظيم لوجوه منها قيام الحق بينهما و حفظ كل واحد منهما جانب صاحبه في مواساته و موازاته و عيادته في مرضه و حفظه في غيبته برد غيبته و يخلفه في أهله بأحسن حفظه و خلقه و نصيحته له بغبطته و أن يريد له في كل أحواله كما يريد لنفسه و هذا ثقيل جسيم عظيم لا يكاد يقوم إلا من أيده الله بعصمته و الله لو لا الغفلة و الجهل ما التذ عاقل بعيش و لا مهد فراشا و لا توق له طعاما و لا طوي له ثوبا و كان لا يزال مستوفرا قلقا مقلقا متململا كالأسير في يد من يذبحه و كذلك نحن مع ملك الموت في الدنيا كالغنم و ملك الموت قصابها من المصنف شعر
         لا تنسوا الموت في غم و لا فرح            و الأرض ذئب و عزرائيل قصاب‌
            
و من عجب الدنيا أن يحثو المرء التراب على من يحب و يعلم أنه من قليل يحثا عليه كما حثاه على غيره و ينسى ذلك و أعجب من ذلك أنه يضحك و الله تعالى يقول أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَ تَضْحَكُونَ وَ لا تَبْكُونَ
 و روي أنه كان في الكنز الذي حفظه الله تعالى للغلامين مكتوب عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح و يضحك و عجبت لمن أيقن بالحساب كيف يذنب و عجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن و عجبت لمن عرف الدنيا و تقلبها بأهلها كيف يطمئن عليها و أعقل الناس و أفضلهم المحسن الخائف و أحمقهم و أجلهم مسي‌ء آمن
و قال المصنف كنت في شبيبتي إذا دعوت بالدعاء المقدم على صلاة الليل‌

                         إرشادالقلوب ج : 1 ص : 114
و وصلت إلى قوله اللهم إني ذكرت الموت و هول المطلع و الوقوف بين يديك تغصني مطعمي و مشربي و أغصني بريقي و أقلقني عن وسادي و منعني رقادي و أخجل حيث لا أجد هذا كله في نفسي فاستخرجت له وجها يخرجه عن الكذب فأضمرت في نفسي أني أكاد أن يحصل عندي ذلك فلما كبرت السن و ضعفت القوة و ترقب سرعة النقلة إلى دار الوحشة و الغربة ما بقي يندفع هذا عن الخاطر فصرت ربما أرجو حتى أصبح إذا أمسيت و لا أمسي إذا أصبحت و لا إذا مددت خطوة أن أتبعها أخرى و لا أن يكون في فمي لقمة أن أسيغها فصرت أقول إلهي إني إذا ذكرت الموت و هول المطلع و الوقوف بين يديك تغصني مطعمي و مشربي و غصني بريقي و أقلقني عن وسادي و منعني رقادي و نغص علي سهادي و ابتزني راحة فؤادي إلهي و سيدي و مولاي مخافتك أورثتني طول الحزن و نحول الجسد و ألزمتني عظيم الغم و الهم و دوام الكبد و أشغلتني عن الأهل و المال و الصفد و تركتني مسكينا غريبا وحيدا و إن كنت بفناء الأهل و الولد ما أحس بدمعة ترقى من آماقي و زفير يتردد بين صدري و التراقي يا سيدي فرو حزني ببرد عفوك و نفس غمي و همي ببسط رحمتك و مغفرتك فإني لا آمن إلا بالخوف منك و لا أعن إلا بالذل لك و لا أفوز إلا بالثقة بك و التوكل عليك يا أرحم الراحمين و خير الغافرين

1963
0
0%
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟

آخر المقالات

إمامة كل نبي اعظم من نبوته ورسالته (القسم الثالث)
الصحابة وتحريم متعة الحج
الشيعة عبر القرون
صبر يوسف (عليه السّلام)
إبن الخيرتين
فقه عدالة الصحابة
ولادة الإمام موسى الكاظم عليه السلام
إبراهيم فداءٌ للحسين (عليه السلام)
التاسع من ربيع الأول، عُرف بيوم تتويج الإمام المهدي ...
المدلول الاجتماعي واللفظي للنص

 
user comment