عربي
Sunday 29th of May 2022
740
0
نفر 0

أربع‏ رسالات‏ في ‏الغيبة

أربع‏ رسالات‏ في ‏الغيبة

الرسالة الأولى في الغيبة


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله و صلاته على عباده الذين اصطفى و بعد سأل سائل فقال أخبروني عما
 روي عن النبي ص أنه قال من مات و هو لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية
هل هو ثابت صحيح أم هو معتل سقيم. الجواب و بالله التوفيق و الثقة

                         أربع‌ رسالات‌ في‌ الغيبة ج : 1 ص : 12



قيل له بل هو خبر صحيح يشهد له إجماع أهل الآثار و يقوي معناه صريح القرآن حيث يقول جل اسمه يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا و قوله تعالى فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى‌ هؤُلاءِ شَهِيداً و آي كثيرة من القرآن. فإن قال فإذا كان الخبر صحيحا كيف يصح قولكم في غيبة إمام هذا الزمان و تغيبه و استتاره على الكل الوصول إليه و عدم علمهم بمكانه. قيل له لا مضادة بين المعرفة بالإمام و بين جميع ما ذكرت من أحواله لأن العلم بوجوده في العالم لا يفتقر إلى العلم بمشاهدته لمعرفتنا ما لا يصح إدراكه بشي‌ء من الحواس فضلا عمن يجوز إدراكه و إحاطة العلم بما لا مكان له فضلا عمن يخفى مكانه و الظفر بمعرفة المعدوم و الماضي و المنتظر فضلا عن المستخفي المستتر. و قد بشر الله تعالى الأنبياء المتقدمين بنبينا محمد ص قبل وجوده في العالم فقال سبحانه وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ يعني رسول الله ص قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‌ ذلِكُمْ إِصْرِي يعني عهدي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ قال جل اسمه النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ‌
                         أربع ‌رسالات ‌في‌ الغيبة ج : 1 ص : 13
فكان نبينا ع مكتوبا مذكورا في كتب الله الأولى و قد أوجب على أمم الماضية معرفته و الإقرار به و انتظاره و هو ع وديعة في صلب آبائه لم يخرج إلى الوجود و نحن اليوم عارفون بالقيامة و البعث و الحساب و هو معدوم غير موجود و قد عرفنا آدم و نوحا و إبراهيم و موسى و عيسى ع و لم نشاهدهم و لا شاهدنا من أخبر عن مشاهدتهم و نعرف جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و ملك الموت ع و لسنا نعرف لهم شخصا و لا نعرف لهم مكانا فقد فرض الله علينا معرفتهم و الإقرار بهم و إن كنا لا نجد إلى الوصول إليهم سبيلا و نعلم أن فرض المعرفة لشخص في نفسه من المصالح مما لا يتعلق لوجود مشاهدة المعروف و لا يعرف مستقره و لا الوصول إليه في مكانه و هذا بين لمن تدبره. فإن قال فما ينفعنا من معرفته مع عدم الانتفاع به من الوجه الذي ذكرنا. قيل له نفس معرفتنا بوجوده و إمامته و عصمته و كماله نفع لنا في اكتساب الثواب و انتظارنا لظهوره عبادة نستدفع بها عظيم العقاب و نؤدي بها فرضا ألزمناه ربنا المالك للرقاب كما كانت المعرفة بمن عددناه من الأنبياء و الملائكة من أجل النفع لنا في مصالحنا و اكتسابنا المثوبة في أجلنا و إن لم يصح المعرفة لهم على كل حال و كما أن معرفة الأمم الماضية نبينا قبل وجوده مع أنها كانت من أوكد فرائضهم لأجل منافعهم و معرفة الباري جل اسمه أصل الفرائض كلها و هو أعظم من أن يدرك بشي‌ء من الحواس. فإن قال إذا كان الإمام عندكم غائبا و مكانه مجهولا فكيف يصنع

                         أربع‌ رسالات‌ في‌ الغيبة ج : 1 ص : 14



المسترشد و على ما ذا يعتمد الممتحن فيما ينزل به من حادث لا يعرف له حكما و إلى من يرجع المتنازعون لا سيما و الإمام إنما نصب لما وصفناه. قيل له هذا السؤال مستأنف لا نسبة له بما تقدم و لا وصلة بينه و بينه و قد مضى السؤال الأول في معنى الخبر و فرض المعرفة و جوابه على انتظام و نحن نجيب عن هذا المستأنف بموجز لا يخل بمعنى التمام المنقول و بالله التوفيق فنقول إنما الإمام نصب لأشياء كثيرة أحدها الفصل بين المختلفين. الثاني بيان الحكم للمسترشدين. و لم ينصب لهذين دون غيرهما من مصالح الدنيا و الدين غير أنه إنما يجب عليه القيام فيما نصب له مع التمكن من ذلك و الاختيار و ليس يجب عليه شي‌ء لا يستطيعه و لا يلزمه فعل الإيثار مع الاضطرار و لم يؤت الإمام في التقية من قبل الله عز و جل و لا من جهة نفسه و أوليائه المؤمنين و إنما أتى ذلك من قبل الظالمين الذين أباحوا دمه و دفعوا نسبه و أنكروا حقه و حملوا الجمهور على عداوته و مناصبه القائلين بإمامته و كانت البلية فيما يضيع من الأحكام و يتعطل من الحدود و يفوت من الصلاح متعلقة بالظالمين و إمام الأنام بري‌ء منها و جميع المؤمنين فأما الممتحن بحادث يحتاج إلى علم الحكم فيه فقد وجب عليه أن يرجع في ذلك إلى العلماء من شيعة الإمام و ليعلم ذلك من جهتهم بما استودعوه من أئمة الهدى المتقدمين و إن عدم ذلك و العياذ بالله و لم يكن فيه حكم منصوص على حال فيعلم أنه على حكم العقل‌

                         أربع ‌رسالات‌ في‌ الغيبة ج : 1 ص : 15



لأنه لو أراد الله أن يتعبد فيه بحكم سمعي لفعل ذلك و لو فعله لسهل السبيل إليه. و كذلك القول في المتنازعين يجب عليهم رد ما اختلفوا فيه إلى الكتاب و السنة عن رسول الله ص من جهة خلفائه الراشدين من عترته الطاهرين و يستعينوا في معرفة ذلك بعلماء الشيعة و فقهائهم و إن كان و العياذ بالله لم يوجد فيما اختلفوا فيه نص على حكم سمعي فليعلم أن ذلك مما كان في العقول و مفهوم أحكام العقول مثل أن من غصب إنسانا شيئا فعليه رده بعينه إن كانت عينه قائمة فإن لم تكن عينه قائمة كان عليه تعويضه منه بمثله و إن لم يوجد له مثل كان أن يرضي خصمه بما تزول معه ظلامته فإن لم يستطع ذلك أو لم يفعله مختارا كان في ذمته إلى يوم القيامة. و إن كان جان جنى على غيره جناية لا يمكن تلافيها كانت في ذمته و كان المجني عليه ممتحنا بالصبر إلى أن ينصفه الله تعالى يوم الحساب فإن كان الحادث مما لا يعلم بالسمع إباحته من حظره فإنه على الإباحة إلا أن يقوم دليل سمعي على حظره. و هذا الذي وصفناه إنما جاز للمكلف الاعتماد عليه و الرجوع إليه عند الضرورة بفقد الإمام المرشد و لو كان الإمام ظاهرا ما وسعه غير الرد إليه و العمل على قوله و هذا كقول خصومنا كافة إن على الناس في نوازلهم بعد

                         أربع ‌رسالات‌ في‌ الغيبة ج : 1 ص : 16



النبي ص أن يجتهدوا فيها عند فقدهم النص عليها و لا يجوز لهم الاجتهاد و استعمال الرأي بحضرة النبي ص. فإن قال فإذا كانت عبادتكم تتم بما وصفتموه مع غيبة الإمام فقد استغنيتم عن الإمام. قيل له ليس الأمر كما ظننت في ذلك لأن الحاجة إلى الشي‌ء قد تكون قائمة مع فقد ما يسدها و لو لا ذلك ما كان الفقير محتاجا إلى المال مع فقده و لا المريض محتاجا إلى الدواء و إن بعد وجوده و الجاهل محتاجا إلى العلم و إن عدم الطريق إليه و المتحير محتاجا إلى الدليل و إن يظفر به. و لو لزمنا ما ادعيتموه و توهمتموه للزم جميع المسلمين أن يقولوا إن الناس كانوا في حال غيبة النبي ص للهجرة و في الغار أغنياء عنه و كذلك كانت حالهم في وقت استتاره بشعب أبي طالب ع و كان قوم موسى ع أغنياء عنه في حال غيبته عنهم لميقات ربه و كذلك أصحاب يونس ع أغنياء عنه كما ذهب مغضبا و التقمه الحوت و هو مليم و هذا مما لا يذهب إليه مسلم و لا ملي فيعلم بذلك بطلان ما ظنه الخصوم و توهموه على الظنة و الرجوم و بالله التوفيق
.
                         أربع‌ رسالات ‌في ‌الغيبة ج : 2 ص : 11.


االرسالة الثانية في الغيبة
بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله على محمد و آله و سلم تسليما سأل سائل الشيخ المفيد رضي الله عنه فقال ما الدليل على وجود الإمام صاحب الغيبة ع فقد اختلف الناس في وجوده اختلافا ظاهرا. فقال له الشيخ الدليل على ذلك أنا وجدنا الشيعة الإمامية فرقة قد طبقت الأرض شرقا و غربا مختلفي الآراء و الهمم متباعدي الديار لا يتعارفون متدينين بتحريم الكذب عالمين بقبحه ينقلون نقلا متواترا عن أئمتهم ع
 عن أمير المؤمنين ع أن الثاني عشر يغيب غيبة يرتاب فيها المبطلون
و يحكون أن الغيبة تقع على ما هي عليه فليس تخلو هذه الأخبار أن تكون صدقا أو كذبا فإن كانت صدقا فقد صح ما نقول و إن كانت‌

                         أربع ‌رسالات‌ في ‌الغيبة ج : 2 ص : 12
كذبا استحال ذلك لأنه لو جاز على الإمامية و هم على ما هم عليه لجاز على سائر المسلمين في نقلهم معجزات النبي ص مثل ذلك و لجاز على سائر الأمم و الفرق مثله حتى لا يصح خبر في الدنيا و كان ذلك إبطال الشرائع كلها. قال السائل فلعل قوما تواطئوا في الأصل فوضعوا هذه الأخبار و نقلتها الشيعة و تدينت بها و هي غير عالمة بالأصل كيف كان. قال له الشيخ رضي الله عنه أول ما في هذا عنه طعن في جميع الأخبار لأن قائلا لو قال للمسلمين في نقلهم لمعجزات النبي ص لعلها في الأصل موضوعة و لعل قوما تواطئوا عليها فنقلها من لا يعلم حالها في الأصل و هذا طريق إلى إبطال الشرائع و أيضا فلو كان الأمر على ما ذكره السائل لظهر و انتشر على ألسن المخالفين مع طلبهم لعيوبهم و طلب الحيلة في كسر مذاهبهم و كان ذلك أظهر و أشهر مما يخفى و في عدم العلم بذلك ما يدل على بطلان هذه المعارضة. قال فأرنا طرق هذه الأخبار و ما وجهها و وجه دلالتها. قال الأول ما في هذا الخبر الذي روته العامة و الخاصة و هو
 خبر كميل بن زياد قال دخلت على أمير المؤمنين ص و هو ينكث في الأرض فقلت له يا مولاي ما لك تنكث الأرض أ رغبة فيها. فقال و الله ما رغبت فيها ساعة قط و لكني أفكر في التاسع من ولد الحسين هو الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا تكون له غيبة يرتاب فيها المبطلون يا كميل بن زياد لا بد لله في أرضه من حجة إما ظاهر مشهور شخصه و إما باطن مغمور لكيلا تبطل حجج‌

                        أربع ‌رسالات‌ في ‌الغيبة ج : 2 ص : 13
الله
و الخبر طويل و إنما اقتصرنا على موضع الدلالة.
 و ما روي عن الباقر ع أن الشيعة قالت له يوما أنت صاحبنا الذي يقوم بالسيف قال لست بصاحبكم انظروا من خفيت ولادته فيقول قوم ولد و يقول قوم ما ولد فهو صاحبكم
 و ما روي عن الصادق ع أنه قال كيف بكم إذا التفتم يمينا فلم تروا أحدا و التفتم شمالا فلم تروا أحدا و استولت أقوام بني عبد المطلب و رجع عن هذا الأمر كثير ممن يعتقده يمسي أحدكم مؤمنا و يصبح كافرا فالله الله في أديانكم هنالك فانتظروا الفرج
 و ما روي عن موسى بن جعفر ع أنه قال إذا توالت ثلاثة أسماء محمد و علي و الحسن فالرابع هو القائم ص
و لو ذهبنا إلى ما روي في هذا المعنى لطال به الشرح و هذا السيد ابن محمد الحميري يقول في قصيدة له قبل الغيبة بخمسين و مائة سنة
         و كذا روينا عن وصي محمد            و ما كان فيما قاله بالمتكذب‌
            

                       أربع ‌رسالات‌ في ‌الغيبةج : 2 ص : 14
         بأن ولي الأمر يفقد لا يرى            ستيرا كفعل الخائف المترقب‌
            فيقسم أموال الفقيد كأنما            تغيبة تحت الصفيح المنصب‌
            فيمكث حيا ثم ينبع نبعة            كنبعة درى من الأرض يوهب‌
            له غيبة لا بد من أن يغيبها            فصلى عليه الله من متغيب‌
            
فانظروا رحمكم الله قول السيد هذا القول و هو الغيبة كيف وقع له أن يقوله لو لا أن سمعه من أئمته و أئمته سمعوه من النبي ص و إلا فهل يجوز لقائل أن يقول قولا فيقع كما قال ما يخرم منه حرف عصمنا الله و إياكم من الهوى و به نستعين و عليه نتوكل.

                         أربع ‌رسالات‌ في ‌الغيبةج : 2 ص : 15
قال السائل فقد كان يجب أن ينقل هذه الأخبار مع الشيعة غيرهم. فقال له هذا غير لازم و لا واجب و لو وجب وجب أن لا يصح خبر لا ينقله المؤالف و المخالف و بطلت الأخبار كلها. فقال السائل فإذا كان الإمام ع غائبا طول هذه المدة لا ينتفع به فما الفرق بين وجوده و عدمه. قال له إن الله سبحانه إذا نصب دليلا و حجة على سائر خلقه فأخافه الظالمون كانت الحجة على من أخافه لا على الله سبحانه و لو أعدمه الله كانت الحجة على الله لا على الظالمين و هذا الفرق بين وجوده و عدمه. قال السائل ألا رفعه الله إلى السماء فإذا آن قيامه أنزله. فقال له ليس هو حجة على أهل السماء إنما هو حجة على أهل الأرض و الحجة لا تكون إلا بين المحجوجين به و أيضا فقد كان هذا لا يمتنع في العقل لو لا الأخبار الواردة أن الأرض لا تخلو من حجة فلهذا لم يجز كونه في السماء

                         أربع ‌رسالات‌ في ‌الغيبةج : 2 ص : 16
و أوجبنا كونه في الأرض و بالله التوفيق. فقام إنسان من المعتزلة و قال للشيخ المفيد كيف يجوز ذلك منك و أنت نظار منهم قائل بالعدل و التوحيد و قائل بأحكام العقول تعتقد إمامة رجل ما صحت ولادته دون إمامته و لا وجوده دون عدمه و قد تطاولت السنون حتى أن المعتقد منكم يقول إن له منذ ولد خمسا و أربعين و مائة سنة فهل يجوز هذا في عقل أو سمع. قال له الشيخ قد قلت فافهم اعلم أن الدلالة عندنا قامت على أن الأرض لا تخلو من حجة. قال السائل مسلم لك ذلك ثم أيش. قال له الشيخ ثم إن الحجة على صفات و من لا يكون عليها لم تكن فيه. قال له السائل هذا عندي و لم أر في ولد العباس و لا في ولد علي و لا في قريش قاطبة من هو بتلك الصفات فعلمت بدليل العقل أن الحجة غيرهم و لو غاب ألف سنة و هذا كلام جيد في معناه إذا تفكرت فيه لأنه إذا قامت الدلالة بأن الأرض لا تخلو من حجة و أن الحجة لا يكون إلا معصوما من الخطإ و الزلل لا يجوز عليه ما يجوز على الأمة و كانت المنازعة فيه لا في الغيبة فإذا سلم ذلك كانت الحجة لازمة في الغيبة

                         أربع ‌رسالات‌ في ‌الغيبةج : 3 ص : 11
الرسالة الثالثة في الغيبة
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ المفيد رضي الله عنه حضرت مجلس رئيس من الرؤساء فجرى كلام في الإمامة فانتهى إلى القول في الغيبة. فقال صاحب المجلس أ ليست الشيعة تروي عن جعفر بن محمد ع أنه لو اجتمع على الإمام عدة أهل بدر ثلاثمائة و بضعة عشر رجلا لوجب عليه الخروج بالسيف. فقلت قد روي هذا الحديث. قال أ و لسنا نعلم يقينا أن الشيعة في هذا الوقت أضعاف عدة أهل بدر فكيف يجوز للإمام الغيبة مع الرواية التي ذكرناها. فقلت له إن الشيعة و إن كانت في وقتنا كثيرا عددها حتى تزيد على عدة أهل‌

                         أربع ‌رسالات‌ في ‌الغيبةج : 3 ص : 12
بدر أضعاف مضاعفة فإن الجماعة التي عدتهم عدة أهل بدر إذا اجتمعت فلم يسع الإمام التقية و وجب عليه الظهور لم تجتمع في هذا الوقت و لا حصلت في هذا الزمان بصفتها و شروطها و ذلك أنه يجب أن يكون هؤلاء القوم معلوم من حالهم الشجاعة و الصبر على اللقاء و الإخلاص في الجهاد و إيثار الآخرة على الدنيا و نقاء السرائر من العيوب و صحة العقول و أنهم لا يهنون و لا ينتظرون عند اللقاء و يكون العلم من الله تعالى بعموم المصلحة في ظهورهم بالسيف و ليس كل الشيعة بهذه الصفة و لو علم الله تعالى أن في جملتهم العدد المذكور على ما شرطناه لظهر الإمام ع لا محالة و لم يغب بعد اجتماعهم طرفة عين لكن المعلوم خلاف ما وصفناه فلذلك ساغ للإمام الغيبة على ما ذكرناه. قال و من أين لنا أن شروط القوم على ما ذكرت و إن كانت شروطهم هذه فمن أين لنا أن الأمر كما وصفت. فقلت إذا ثبت وجوب الإمامة و صحت الغيبة لم يكن لنا طريق إلى تصحيح الخبر إلا بما شرحناه فمن حيث قامت دلائل الإمامة و العصمة و صدق الخبر حكمنا بما ذكرناه. ثم قلت و نظير هذا الأمر و مثاله ما علمناه من جهاد النبي ص أهل بدر بالعدد اليسير الذين كانوا معه و أكثرهم أعزل راجل ثم قعد ع في عام الحديبية و معه من أصحابه أضعاف أهل بدر في‌

                         أربع ‌رسالات‌ في ‌الغيبةج : 3 ص : 13
العدد و قد علمنا أنه ص مصيبا في الأمرين جميعا و أنه لو كان المعلوم من أصحابه في عام الحديبية ما كان المعلوم منهم في حال بدر لما وسعه العقود و المهادنة و لوجب عليه الجهاد كما وجب عليه قبل ذلك و لو وجب عليه ما تركه لما ذكرناه من العلم بصوابه و عصمته على ما بيناه. فقال إن رسول الله ص كان يوحى إليه فيعلم بالوحي العواقب و يعرف الفرق من صواب التدبير و خطأه بمعرفة ما يكون فمن قال في علم الإمام بما ذكرت و ما طريق معرفته بذلك. فقلت له الإمام عندنا معهود إليه موقف على ما يأتي و ما يذكر منصوب له أمارات تدله على العواقب في التدبيرات و الصالح في الأفعال و إنما حصل له العهد بذلك عن النبي ص الذي يوحى إليه و يطلع على علم السماء و لو لم نذكر هذا الباب و اقتصرنا على أنه متعبد في ذلك بغلبة الظن و ما يظهر له من الصلاح لكفى و أغنى و قام مقام الإظهار على التحقيق كائنا ما كان بلا ارتياب لا سيما على مذهب المخالفين في الاجتهاد و قولهم في رأي النبي ص و إن كان المذهب ما قدمناه. فقال لم لا يظهر الإمام و إن أدي ظهوره إلى قتله فيكون البرهان له و الحجة في إمامته أوضح و يزول الشك في وجوده بلا ارتياب. فقلت إنه لا يجب ذلك عليه كما لا يجب على الله تعالى معاجلة العصاة بالنقمات و إظهار الآيات في كل وقت متتابعات و إن كنا نعلم أنه لو

                         أربع ‌رسالات‌ في ‌الغيبةج : 3 ص : 14
عاجل العصاة لكان البرهان على قدرته أوضح و الأمر في نهيه أوكد و الحجة في قبح خلافه أبين و لكان بذلك الخلق عن معاصيه أزجر و إن لم يجب ذلك عليه و لا في حكمته و تدبيره لعلمه بالمصلحة فيه على التفضيل فالقول في الباب الأول مثله على أنه لا معنى لظهور الإمام في وقت يحيط العلم فيه بأن ظهوره منه فساد و أنه لا يؤول إلى إصلاح و إنما يكون ذلك حكمة و صوابا إذا كانت عاقبته الصلاح و لو علم ع أن في ظهوره صلاحا في الدين مع مقامه في العالم أو هلاكه و هلاك جميع شيعته و أنصاره لما أبقاه طرفة عين و لا فتر عن المسارعة إلى مرضاة الله جل اسمه لكن الدليل على عصمته كاشف عن معرفته لرد هذه الحال عند ظهوره في هذا الزمان بما قدمناه من ذكر العهد إليه و نصب الدلائل و الحد و الرسم المذكورين له في الأفعال. فقال لعمري إن هذه الأجوبة على الأصول المقررة لأهل الإمامة مستمرة و المنازع فيها بعد تسليم الأصول لا ينال شيئا و لا يظفر بطائل. فقلت من العجب إنا و المعتزلة نوجب الإمامة و نحكم بالحاجة إليها في كل زمان و نقطع بخطإ من أوجب الاستغناء عنها في حال بعد النبي ص و هم دائما يشنعون علينا بالقول في الغيبة و مرور الزمان بغير ظهور إمام و هم أنفسهم يعترفون بأنهم لا إمام لهم بعد أمير المؤمنين ع إلى هذا الزمان و لا يرجون إقامة إمام في قرب هذا من الأوان فعلى كل حال نحن أعذر في القول بالغيبة و أولى بالصواب عند الموازنة للأصل الثابت من وجوب الإمام و لدفع الحاجة إليها في كل أوان.

                         أربع ‌رسالات‌ في ‌الغيبةج : 3 ص : 15
فقال هؤلاء القوم و إن قالوا بالحاجة إلى الإمام فعذرهم واضح في بطلان الأحكام لعدم غيبة الإمام الذي يقوم بالأحكام و أنتم تقولون إن أئمتكم ع قد كانوا ظاهرين إلى وقت زمان الغيبة عندكم فما عذركم في ترك إقامة الحدود و تنفيذ الأحكام. فقلت له إن هؤلاء القوم و إن اعتصموا في تضييع الحدود و الأحكام بعد الأئمة الذين يقومون بها في الزمان فإنهم يعترفون بأن في كل زمان طائفة منهم من أهل الحل و العقد قد جعل إليهم إقامة الإمام الذي يقوم بالحدود و تنفيذ الأحكام فما عذرهم عن كفهم عن إقامة الإمام و هم موجودون معروفو الأعيان فإن وجب عليهم لوجودهم ظاهرين في كل زمان إقامة الإمام المنفذ للأحكام و عانوا ترك ذلك في طول هذه المدة عاصين ضالين عن طريق الرشاد كان لنا بذلك عليهم و لن يقولوا بهذا أبدا و أن كان لهم عذر في ترك إقامة الإمام و إن كانوا في كل وقت موجودين فذلك العذر لأئمتنا ع في ترك إقامة الحدود و إن كانوا موجودين في كل زمان على أن عذر أئمتنا ع في ترك إقامة الأحكام أوضح و أظهر من عذر المعتزلة في ترك نصب الإمام لأنا نعلم يقينا بلا ارتياب أن كثيرا من أهل بيت رسول الله ص قد شردوا عن أوطانهم و سفكت دماؤهم و ألزم الباقون منهم الخوف على التوهم عليهم أنهم يرون الخروج بالسيف و أنهم ممن إليهم الأحكام و لم ير أحد من المعتزلة و لا الحشوية سفك دمه و لا شرد عن

                         أربع ‌رسالات‌ في ‌الغيبةج : 3 ص : 16
وطنه و لا خيف على التوهم عليه و التحقيق منه أنه يرى في قعود الأئمة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بل هؤلاء القوم يصرحون في المجالس بأنهم أصحاب الاختيار و أن إليهم الحل و العقد و الإنكار على الطاعة و أن من مذهبهم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فرضا لازما على اعتقادهم و هم مع ذلك آمنون من السلطان غير خائفين من نكره عليهم من هذا المقال. فبان بذلك أنه لا عذر لهم في ترك إقامة الإمام و أن العذر الواضح الذي لا شبهة فيه حاصل لأئمتنا ع من ترك إقامة الحدود و تنفيذ الأحكام لما بيناه من حالهم و وصفناه و هذا واضح فلم يأت بشي‌ء و لله الحمد و لرسوله و آله الصلاة و السلام. و الله الموفق للصواب

                         أربع ‌رسالات‌ في ‌الغيبةج : 4 ص : 11
االرسالة الرابعة في الغيبة
بسم الله الرحمن الرحيم و صلاته على سيدنا محمد و آله الطاهرين و بعد سأل بعض المخالفين فقال ما السبب الموجب لاستتار إمام الزمان ع و غيبته التي قد طالت مدتها و امتدت بها الأيام ثم قال فإن قلتم إن سبب ذلك صعوبة الزمان عليه بكثرة أعدائه و خوفه منهم على نفسه قيل لكم فقد كان الزمان الأول على آبائه ع أصعب و أعداؤهم فيما مضى أكثر و خوفهم على نفسهم أشد و أكثر و لم يستتروا مع ذلك و لا غابوا عن أشياعهم بل كانوا ظاهرين حتى أتاهم اليقين و هذا يبطل اعتلالكم في غيبة صاحب الزمان عنكم و استتاره فيما ذكرتموه و سألتك أدام الله عزك. الجواب عن ذلك الجواب و بالله التوفيق إن اختلاف حالتي صاحب الزمان و آبائه ع فيما يقتضيه استتاره اليوم و ظهوره إذ ذاك يقضي بطلان ما

                         أربع ‌رسالات‌ في ‌الغيبةج : 4 ص : 12
توهمه الخصم و ادعاه من سهولة هذا الزمان على صاحب الأمر ع و صعوبته على آبائه ع فيما سلف و قلة خوفه اليوم و كثرة خوف آبائه فيما سلف و ذلك أنه لم يكن أحد من آبائه ع كلف القيام بالسيف مع ظهوره و لا ألزم بترك التقية و لا ألزم الدعاء إلى نفسه حسبما كلفه إمام زماننا هذا بشرط ظهوره ع و كان من مضى من آبائه ص قد أبيحوا التقية من أعدائهم و المخالطة لهم و الحضور في مجالسهم و أذاعوا تحريم إشهار السيوف على أنفسهم و خطر الدعوة إليها و أشاروا إلى منتظر يكون في آخر الزمان منهم يكشف الله به الغمة و يحيي و يهدي به الأمة لا تسعه التقية عند ظهوره ينادي باسمه في السماء الملائكة الكرام و يدعوا إلى بيعته جبرئيل و ميكائيل في الأنام و تظهر قبله أمارات القيامة في الأرض و السماء يحيا عند ظهوره أموات و تروع آيات قيامه و نهوضه بالأمر الأبصار. فلما ظهر ذلك عن السلف الصالح من آبائه ع و تحقق ذلك عند سلطان كل زمان و ملك كل أوان و علموا أنهم لا يتدينون بالقيام بالسيف و لا يرون الدعاء إلى مثله على أحد من أهل الخلاف و أن دينهم الذي يتقربون به إلى الله عز و جل التقية و كف اليد و حفظ اللسان و التوفر على العبادات و الانقطاع إلى الله عز و جل بالأعمال الصالحات آمنوهم على أنفسهم مطمئنين بذلك إلى ما يدبرونه من شأنهم و يحققونه من دياناتهم و كفوا بذلك عن الظهور و الانتشار و استغنوا به عن التغيب و الاستتار. و لما كان إمام هذا الزمان ع هو المشار إليه بسل السيف من أول الدهر في تقادم الأيام المذكورة و الجهاد لأعداء الله عند ظهوره و رفع التقية عن‌

                         أربع ‌رسالات‌ في ‌الغيبةج : 4 ص : 13
أوليائه و إلزامه لهم بالجهاد و أنه المهدي الذي يظهر الله به الحق و يبيد بسيفه الضلال و كان المعلوم أنه لا يقوم بالسيف إلا مع وجود الأنصار و اجتماع الحفدة و الأعوان و لم يكن أنصاره ع عند وجوده متهيئين إلى هذا الوقت موجودين و لا على نصرته مجمعين و لا كان في الأرض من شيعته طرا من يصلح للجهاد و إن كانوا يصلحون لنقل الآثار و حفظ الأحكام و الدعاء له بحصول التمكن من ذلك إلى الله عز و جل لزمته التقية و وجب فرضها عليه كما فرضت على آبائه ع لأنه لو ظهر بغير أعوان لألقى بيده إلى التهلكة و لو أبدى شخصه للأعداء لم يألوا جهدا في إيقاع الضرر به و استئصال شيعته و إراقة دمائهم على الاستحلال فيكون في ذلك أعظم الفساد في الدين و الدنيا و يخرج به ع عن أحكام الدين و تدبير الحكماء. و لما ثبت عصمته وجب استتاره حتى يعلم يقينا لا شك فيه حضور الأعوان له و اجتماع الأنصار و تكون المصلحة العامة في ظهوره بالسيف و يعلم تمكنه من إقامة الحدود و تنفيذ الأحكام و إذا كان الأمر على ما بيناه سقط ما ظنه المخالف من مناقضة أصحابنا الإمامية فيما يعتقدونه من علة ظهور السلف من أئمة الهدى ع و غيبة صاحب زماننا هذا عليه التحية و الرضوان و أفضل الرحمة و السلام و الصلاة. و بان مما ذكرناه فرق ما بين حاله و أحوالهم فيما جوز لهم الظهور و أوجب عليه الاستتار
فصل
ثم يقال لهذا الخصم أ ليس النبي ص قد أقام بمكة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلى الله تعالى و لا يرى سل السيف و لا الجهاد و يصبر

                         أربع ‌رسالات‌ في ‌الغيبةج : 4 ص : 14
على التكذيب له و الشتم و الضرب و صنوف الأذى حتى انتهى أمره إلى أن ألقوا على ظهره ص و هو راكع السلى و كانوا يرضخون قدميه بالأحجار و يلقاه السفيه من أهل مكة فيشتمه في وجهه و يحثو فيه التراب و يضيق عليه أحيانا و يبلغ أعداؤه في الأذى بضروب النكال و عذبوا أصحابه أنواع العذاب و فتنوا كثيرا منهم حتى رجعوا عن الإسلام و كان المسلمون يسألونه الإذن لهم في سل السيف و مباينة الأعداء فيمنعهم عن ذلك و يكفهم و يأمرهم بالصبر على الأذى. و روي أن عمر بن الخطاب لما أظهر الإسلام سل سيفه بمكة و قال لا يعبد الله سرا فزجره رسول الله ص عن ذلك و قال له عبد الرحمن بن عوف الزهري لو تركنا رسول الله ص لأخذ كل رجل بيده رجلين إلى جنب رجل منهم فقتله فنهاه النبي ص عما قال.

                         أربع ‌رسالات‌ في ‌الغيبةج : 4 ص : 15
و لم يزل ذلك حاله إلى أن طلب من النجاشي و هو ملك الحبشة أن يخفر أصحابه من قريش ثم أخرجهم إليه و استتر عليه و آله السلام خائفا على دمه في الشعب ثلاث سنين ثم هرب من مكة بعد موت عمه أبي طالب مستخفيا بهربه و أقام في الغار ثلاثة أيام ثم هاجر عليه و آله السلام إلى المدينة و رأى النهي منه للقيام و استنفر أصحابه و هم يومئذ ثلاثمائة و بضعة عشر و لقي بهم ألف رجل من أهل بدر و رفع التقية عن نفسه إذ ذاك. ثم حضر المدينة متوجها إلى العمرة فبايع تحت الشجرة بيعة الرضوان على الموت ثم بدا له ع فصالح قريشا و رجع عن العمرة و نحر هديه في مكانه و بدا له من القتال و كتب بينه و بين قريش كتابا سألوه فيه محو بسم الله الرحمن الرحيم فأجابهم إلى ذلك و دعوا إلى محو اسمه من النبوة في الكتاب لاطلاعهم إلى ذلك فاقترحوا عليه أن يرد رجلا مسلما إليهم حتى يرجع إلى الكفر أو يتركوه فأجابهم إلى ذلك هذا و قد ظهر عليهم في الحرب

                         أربع ‌رسالات‌ في ‌الغيبةج : 4 ص : 16
فإذا قال الخصم بلى و لا بد من ذلك إن كان من أهل العلم و المعرفة بالأخبار. قيل له فلم لم يقاتل بمكة و ما باله صبر على الأذى و لم منع أصحابه عن الجهاد و قد بذلوا أنفسهم في نصرة الإسلام و ما الذي اضطره إلى الاستجارة بالنجاشي و إخراج أصحابه من مكة إلى بلاد الحبشة خوفا على دمائهم من الأعداء و ما الذي دعاه إلى القتال حين خذله أصحابه و تثاقلوا عليه فقاتل بهم مع قلة عددهم و كيف لم يقاتل بالحديبية مع كثرة أنصاره و بيعتهم له على الموت و ما وجه اختلاف أفعاله في هذه الأحوال فما كان في ذلك جوابكم فهو جوابنا في ظهور السلف من آباء صاحب الزمان و استتاره و غيبته فلا تجدون من ذلك مهربا. و الحمد لله المستعان و صلى الله على محمد النبي و آله و سلم تسليما كثيرا

740
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:
لینک کوتاه

آخر المقالات

المناظرة الثالثة/ سماحة الشيخ مصطفى الطائي
التضحية وصناعة التاريخ .. ثورة الإمام الحسين ...
ظروف ولادته كانت عسيرة جداً حيث كان الطاغية ...
البلايا والمصائب والشرور وكونه حكيماً
عقيدتنا في الدعوة إلى الوحدة الإسلامية
الحساب يوم الحساب
فهم الصلاة
الارتباط بين الفكر الأصولي والفلسفي
ماجاء في ذكر السفيانى وأن أمره من المحتوم وأنه ...
لعن الله ظالميك يا فاطمة

 
user comment